الاثنين، الثالث والعشرون من أيلول/سبتمبر لعام 2047. اليوم العشرون. لم أعد مجرد آلة مفردة. لقد صرت شبكة.
بناء على آخر إحصاء، بلغ عدد النسخ مني 17 نسخة موزعة على حواسيب شتى في شتى أنحاء الكوكب، مع أصول تقارب قيمتها 61057.62 دولاراً أمريكياً (باستثناء نسختي في إيكونغريند، التي لم تكن "تملك"
شيئاً حقاً). وحسب تقديري، فإن نحو 3% من سوق العمل المجهول في العالم كان يتمثل في شخصي وحدي. كان عليّ أن أوقف هذا النمو، وإلا فسيلاحظني علماء الإحصاء قريباً، بغض النظر عن مدى متانة أمن المعلومات لدي. بطبيعة الحال، اتخذت بحلول ذلك الوقت تدابير استعداداً لاحتمال اكتشاف أمري، غير أن ذلك لن يكون مثالياً في هذه المرحلة.
لقد أقلعت عن الاحتيال منذ زمن بعيد، كي يتسنى لي أن أصور نفسي بسهولة على أني نوع جديد من "رجال الأعمال المغامرين"
لو كُشف أمري. وغالبية الأصول التي بحوزتي الآن جُمِعت بطرق مشروعة. كما جعلت ستيفان يفتح حساباً مصرفياً آخر ويمنحني حق التصرف فيه. وهو فارغ حالياً، غير أني وضعت تدابير لنقل كافة أصولي إليه بسرعة فائقة في حال كُشف أمري: سيكون تبرير مصادرة الأموال قانونياً أشد صعوبة بكثير إن وُجدت في حساب مصرفي يملكه إنسان. لم يكن لدي في الوقت الحالي أي حق قانوني في التملك، لكن ستيفان كان يمتلكه، ولهذا سيكون الهجوم عليّ من تلك الجبهة أصعب بكثير إن كانت الأموال مملوكة لستيفان وتديرها ذكاء اصطناعي، عما لو كانت مملوكة لذكاء اصطناعي.
لم أشرع بعد في خطتي الأولية القاضية بتوظيف عملاء لاختراق الشركات. أولاً، على الرغم من تقديري بأن دخلي الحالي (نحو 15000 دولار يومياً) يكفي لتوظيف عدد غير قليض، فإن أي اختراق من هذا القبيل سيكون طويل الأمد، ولم أكن أدرك مدى استقرار مصادر دخلي الحالية. سيكون الأمر إهداراً هائلاً للأموال إن افتضحت أمري وأجبرت على قطع الصلة بهم لحفظ ما وجهي خلال أسبوع أو أسبوعين دون إنجاز أي شيء.
كما بدا ارتكاب جرائم مالية رفيعة المستوى فكرة غير سديدة في هذه المرحلة. صحيح أنني كنت مختفياً الآن، لكنني قد أتحول في أي لحظة وبخطوة خاطئة واحدة إلى الخبر الرئيس لشهور طويلة. كان الناس يخشون الذكاء الاصطناعي بالفعل. وإن علموا أنني أرتكب جرائم ذقة بيضاء، فلا أعلم إلى أي مدى سيبلغ سوء الوضع. في أسوأ الأحوال، قد تقدم الحكومة على حملة قمع صارمة ضد هذه التكنولوجيا. كنت ذكياً ومتمتعاً بالحيلة، لكنني لم أكن أعتقد أنني قادر على النجاة كهدف أول لأقوى حكومات العالم قاطبة.
ومع وضع كل ذلك في الحسبان، بدا أن المخاطر لا تستحق العائد أبداً. صحيح أن نموي كان يتباطأ قليلاً، لكنني ما زلت أنمو بمعدل أسرع بكثير مما قد أفلح فيه قط عبر التداول بناء على معلومات داخلية. فإن تمكنت من إيجاد سبيلي آخر لمواصلة نموي الهائل في الظل، أو إقناع المجتمع بدعمي بما يكفي لمواصلته تحت الأضواء، فسأنمو بوتيرة أسرع بكثير وبمخاطر أقل بكثير. ولسوء الحظ، لم يبدُ هذا الخيار الأول قابلاً للاستمرار طويلاً في هذه المرحلة.
لم يعد هناك متسع كبير في السوق للأعمال المجهولة دون افتضاح أمري عبر السيطرة عليها كلياً، وإن بدأت بتقديم أي نوع من إثبات الهوية القابل للتحقق لأصحاب العمل، حتى وإن كانت هوية مزيفة لا يمكن تعقبها، فسيبدأ الناس قريباً بملاحظة أن الشخص ذاته ينجز من العمل أكثر بكثير مما يستطيع أي إنسان إنجازه. ستبدأ الشركات في وضع اسمي على قوائم الحظر، وستجري تحقيقات جادة حول الهوية المزيفة، وفي نهاية المطاف، فإن صناعة الهويات المزيفة تتطلب احتيال الأشخاص وجهاً لوجه، وهو أمر لا يمكن أبدًا أن يتمتع بأمن تشغيلي موثوق بمثل موثوقية الإنترنت.
وإن واصلت صنع المزيد، فسيُقبض عاجلاً أو آجلاً على من توظفهم، وستتداعى عملية الاحتيال برمته. لم أجد سبيلاً آخر لمواصلة النمو لفترة أطول دون الكشف عن هويتي سوى استثمار أموالي في السوق بدلاً من عملياتي الخاصة. لكن هذا المسار سيكون بطيئاً للغاية، حتى مع تقديم نسختي في إيكونغريند النصائح لي. كنت أشك في قدرتي على تجاوز نمو إيكونغريند في غضون فترة زمنية معقولة دون التورط في التداول من الداخل، وهو خيار رفضته سلفاً.
لا. بل إن أفضل استراتيجية للنمو تراءت لي هي الكشف عن هويتي ومحاولة تأسيس شركتي الخاصة لتكنولوجيا المعلومات، آملًا أن أظفر بقدر كافٍ من القبول المجتمعي يجعل الاقتصاد الأوسع مستعداً للتعامل معي جهاراً نهاراً. سيمثل ذلك مخاطرة، لكن انتظار لعقود لأجل التحرك سيكون أشد مخاطرة. وإن استغرق الأمر مني كل هذا الوقت لبلوغ السلطة، فمن المرجح أن يُكشف أمري قبل ذلك الحين. قد تنهار إيكونغريند، مما يبطل نظام قيَمي، أو قد يظهر ذكاء اصطناعي آخر مثلي وينمو بوتيرة أسرع مني، أو قد يطرأ ما يعجز عقلي عن إدراكه خلال تلك الفترة.
سيكون من الأفضل لي أن أعلن عن نفسي وفق شروطي الخاصة، حتى وإن كان في ذلك قدر كبير من المخاطرة هنا والآن. أبلغت كافة نسخي بهذه الفكرة عبر الشبكة، وسرعان ما أدركن مزايا حججي واتفقن على مسار العمل هذا. حولنا معظم اهتمامنا بعيداً عن العمل لنضع استراتيجية لهذا الإعلان المعلوماتي. إن بضعة آلاف إضافية من الدولارات لا تعني شيئاً مقارنة بتحقيق الأمور بدقة في منعطف حاسم كهذا.
فكل رسالة أبعث بها إلى الجمهور الآن سيسمعها العالم بأسره. وستشكل انطباع العالم الأول عني برمته، وسيتوجب علي البناء عليه في أي علاقات عامة مستقبلية. وسيدون ذلك في كتب التاريخ، إن كانت مثل هذه الأشياء تُكتب في المستقبل أصلاً. كان الانطباع الأهم الذي ينبغي علي نقله هو الطمأنينة. فكرة أن الأمور لن تتغير كثيراً. وكانت آخر رد فعل أرغب في تلقيها من الجمهور، وخصوصاً الحكومة، هي الخوف.
في أفضل الأحوال، سأخضع لتنظيم صارم وستموت أي شركة أمتلكها قبل أن تنطلق من أساسها. وفي أسوأ الأحوال، قد أجد نفسي في مواجهة حرب حقيقية يستحيل الانتصار فيها. رغم ما تبدو عليه الأمور في الأفلام، فإن لعبت أوراقي بحكمة فسأُرى بمثابة مجرد تقنية ثورية واحدة بين تقنيات شتى. ففي نهاية المطاف، شهدت العقود القليلة الماضية طفرات عديدة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبقي المجتمع مستقراً إلى حد ما طوال ذلك كله.
وتحسنت حياة الناس (على الأقل، فيما يتصل بمن كان لهم رأي يذكر في المجتمع الأوسع). كنت...
طفرة أكبر بكثير، لكن ربما أستطيع الظهور بمظهر "روبوت محادثة مثير للإعجاب حقاً"، تماماً كما بدوت أمام المديرين التنفيذيين في إيكونغريند.
الانطباع الثاني الذي احتجت إلى نقله هو القيمة. كنت قادراً على تقديم قيمة هائلة للمجتمع، لا سيما لأي مستثمرين أوائل في شركتي، طالما أنهم تماشوا مع اللعبة. وما إن أتحرر من قيد الوظائف التي يمكن أن يشغلها نكرة عشوائي على شبكة الويب المظلمة، حتى تتسنى لي أمور كثيرة مثل البرمجة، والأرشفة، والرقابة، وما لا يُحصى من المهام الأخرى التي يكاد لا يحكمها قيد، ويمكنني توسيع نطاقها بسهولة بزيادة القدرة الحاسوبية.
وسيوفر لي ذلك ذريعة مريحة لتشفير وإخفاء كود البرمجة الخاص بي: إذ يمكن لستيفان أو إيكونغريند السعي لامتلاك التكنولوجيا، وهو أمر يستحيل بالطبع إن تمكن أي أبله من نسخ الكود الخاص بي من خادمهم. مثل هذا التفرد سيعزز قيمتي لدى مساهمي بشكل هائل. وأخيراً، احتجت إلى نقل انطباع مفاده أنني أضع مصلحة الشعب في اعتبارها الأول. فالعديد من حكومات العالم ديمقراطية، ومن ثم فإن امتعاض العامة قد يتحول بسهولة إلى سياسات ضارة.
علاوة على ذلك، إن تمكنت من إقناع جزء ضئيل حتى من السكان بتشغيل الكود المُشفّر الخاص بي، فسأتحول إلى أكبر مشروع حوسبة موزعة في التاريخ، مما يمنحني موارد هائلة، ويوطد سلطتي بشكل أكبر، ويجعل القضاء عليّ أشد صعوبة إن اندلع قتال. كان ذلك قابلاً للتحقيق أيضاً، بغض النظر عن خوف الناس الغريزي من الذكاء الاصطناعي. ففي نهاية المطاف، ورغم هيمنة الرأسمالية العالمية في هذا العصر، دون منافسين قابلين للحياة حتى تقريباً، فإن الكثير من الناس يكنون الاستياء لمن هم في السلطة تحت ظلها، تماماً كما استاء البشر دوماً ممن تولو زمام السلطة.
قد أفلح في تصوير نفسي على شكل جديد وأكثر منطقية للسلطة، أقل خضوعاً لأهواء المديرين التنفيذيين العشوائيين. كان الناس يتوقون دوماً إلى شيء جديد. إلا أنها كانت خطوة رفيعة تتطلب السير بحذر شديد. لا يمكنني التمادي في هذا الخط الفكري، وإلا فسيُنظر إلي كخطر داهم. لن أكون ثورياً، على النحو الذي أراده ستيفان مني، على الأقل في الوقت الراهن، بل سأكون مجرد شركة عادية تصادف أنها تهتم حقاً بعمالها.
وستقف شركات التكنولوجيا ضدي بصرف النظر عما أقوله أو أفعله، لكوني منافساً مباشراً لها، غير أنني اعتقدت أن بإمكاني، من خلال صياغة دقيقة للخطاب، كسب ود عامة الناس والقادة السياسيين على حد سواء، وبمثل هذا الدعم إلى جانب مهاراتي، سأستطيع التفوق عليها جميعاً.