لم يكن صعبا اخفاء الاستعدادات لهروب عائلته وسط كل تلك الامور غير الاعتيادية الاخرى. لم يكن قد ابلغ رايتوجر بالخطة بعد لكنه سينتظر حتى تقترب اللحظة. سيصغي رايتوجر الى وصية ابيه الاخيرة او هكذا كان يورفيج يأمل. بعد يومين من اجتماع الملاك استعمل يورفيج وسليدجفيست واثنان من مطارق سليدجفيست الموثوقة طريق التحت عبر النهر وعبر الوادي وصعود السلم على ارتفاع يزيد على خمسمائة قدم تحت منحدر التضرس الصاعد.
ساروا في صمت وضوء سراج حتى بلغوا الباب الخارجي. كان واسعا بالقدر الذي يسمح لقزم بالمرور من خلاله بشكل جانبي. انفتح الباب على صدع في الصخر تحوطه كثافة من الرودودندرون والشوح حيث لم يكن الاقزام قد ازالوا الغطاء النباتي عن التضرس بهذا الارتفاع. كان المنحدر حادا وصخريا هناك وحين كان لا يزال قادرا على تفقد البلاد من قمة البرج لم يلمح اي علامات لمعسكرات أورسي على هذا الارتفاع.
لكن الامور قد تتغير. عرف يورفيج ان هناك نقطة على بعد عشر ياردات او نحو ذلك من الباب حيث يستطيع القاء نظرة سريعة على الوادي بينما يبقى مستخفيا في الظلال والصخور المتصدعة. لقد قام بهذه الرحلة لضمان الا تخرج عائلته لتجد نفسها في شرك او وسط معسكر أورسي. كان قد اخبر سليدجفيست ان الامر لا يعدو كون تفقد الوادي جيدا استعدادا للغارة.
قال لمطرقتي الحرب: "ابقيا هنا".
كان سليدجفيست سيعترض لو أخبره يورفيج بالبقاء لذا لم يعن عناء ذلك. تسلل الشقيقان عبر الرودودندرون بهدوء قدر الإمكان. شعرا بنسيم الربيع الدافئ يعيث بين الأغصان وأشرقت الشمس. المفترض أن يكون هذا وقت الزراعة وولادة الحملان وشرب جعة العصارة الطازجة. لم يكن هناك بهجة في هذا الربيع. قبض سليدجفيست على كتف يورفيج وانحنى. تتبع يورفيج نظراته عبر ما تبقى من الرودودندرون. كان هناك شكل في الامام يحتمي بالصخر المطل على الوادي في ظل شجرة شوح تماما مثلما نوى يورفيج ان يفعل.
ارتدى الشكل ملابس بنية وقلنسوة وكان مربوعا كأقزم بل كان قزما. التفت الشكل قليلا لينظر جنوبا بمحاذاة النهر ولمحوا لحية متشابكة تتدلى اسفل قناع حرب معقد ومصدأ. انه ابن آوى البوادي!
قال يورفيج بصوت هادئ ومستو: "لا تخف".
رأى جسد ابن آوى يتوتر بأكمله.
"لا تخف فنحن أقزام".
كان الامر واضحا بالنظر إلى أنه كان يتحدث لغتهم. انقلب ابن آوى ورمقهما بنظرة ثم اندفع نحوهما زاحفا. أنبوب طويل من الفولاذ الأسود مغطى بخشب منحوت كان معلقا بحزام على كتفه. في نهاية الأبوب استدقت نصلة مقوسة تشبه نوعا ما رمحا منجلياً. وفي حزامه استقر خنجر وفأس.
فقال: "من أنتما؟ أمن جلين أنتما؟"
وما إن وصلت كلماتها إليهما حتى وصلتهما رائحته. تراجع سليدجفيست ويورفيج إلى الوراء.
قال سليدجفيست وهو يقبض على مطرقته: "تباً!"
في البداية تردد ابن آوى ثم بدا أنه أدرك كنه المشكلة.
قال وهو يقترب ليجثو بجانبهما: "انها مجرد رائحتهم".
جعلت الرائحة جسد يورفيج يتوتر بأسره. بدا القزم وكأنه اغتسل بدماء أورسي وربما بأكثر من مجرد الدماء. كانت ملابسه وجلوده ملطخة. كانت لحيته مضفرة والتصقت الضفائر متشابكة معا.
سأل سليدجفيست مذهولاً: "أفعلت هذا تعمدا؟ كيف لك ان تدنس نفسك هكذا؟"
"فعلت ما توجب علي فعله. وكل ما عدا ذلك مشاعر عابرة".
ابن آوى بحق، هكذا فكر يورفيج.
قال سليدجفيست: "إنه تدنيس!"
رفع يورفيج يده ليوقف سليدجفيست.
وسأل يورفيج: "أمنكم مزيد؟"
سأل ابن آوى مجدداً: "أمن جلين أنتما؟ من أين أتيتم؟"
"نعم بلى، وهناك نفق".
"إذن فلننزل تحت الحجر. لنتحدث هناك".
أسرعا في العودة عبر الرودودندرون. بدا مطرقتا سليدجفيست مصدومتين حين عاد ثلاثة بدلا من اثنين ثم أصابهما الاشمئزاز حين ضربتهما النتن. حدقا في ابن آوى الوسخ لكن أمراً من يورفيج جعلهما يتسللان عودة تحت الحجر. وما إن عبروا جميعا حتى أغلقوا الباب خلفهم.
سأل سليدجفيست: "ما الذي تفعلونه هنا؟"
فقال: "أنا ابن آوى".
"بالتأكيد أنت ابن آوى. لست أعمى. ماذا تفعل هنا؟"
"علي الوصول إلى جلين. أيمكنكما اصطحابي؟"
سأل يورفيج: "لماذا تحتاج إلى الوصول إلى جلين؟"
"لا يمكنني التحدث إلا إلى تشارغريم".
"بأي تفويض؟"
"آتي من المجلس".
سأل يورفيج: "أبعثكم المجلس؟"
"لن أتحدث إلا مع تشارغريم".
"أهناك آخرون منكم بحاجة إلى الدخول؟"
تردد قائلاً: "هناك... هناك آخرون على بعد ميلين إلى الغرب يلجؤون إلى مطالبة".
سأل سليدجفيست يورفيج: "أعلينا الذهاب لإحضارهم؟"
"أيعلم الأورسي مكانهم؟"
"أخشى أنهم يعلمون. يجب أن نرسل لهم عوناً. ويجب أن أتحدث إلى تشارغريم".
قال سليدجفيست: "لا أحد يتحدث إلى تشارغريم دون أن نعلم السبب".
كان يرتدي عدته الفولاذية الكاملة تحت عباءة داكنة وبدا شخصية مهيبة. كان واضحا أنه ليس مجرد منقب في مطالبة نائية.
"قلت لكم إنني آتي نيابة عن المجلس".
قال يورفيج: "لم يثبت المجلس قط أنه صديق التلال الحمراء".
بدا أن ذلك أربك ابن آوى. فألقى نظرة خاطفة على المطرقتين على الجانبين.
فقال: "أرسلني سيّد الذئاب".
سأل يورفيج: "ريمر؟"
أومأ ابن آوى برأسه.
قال يورفيج: "أنا تشارغريم".
"أنت؟"
عرف يورفيج أنه لابد يترك انطباعا غير اعتيادي بملابسه البسيطة وامساكه بمطرقته الغريبة. لم يكن هناك ما يميزه كحاكم لمستعمرة. تردد ابن آوى وبدا جليا عدم ثقته في المقولة.
قال سليدجفيست: "هذا صحيح ايها الذئب. لقد حلت ببعثتك حظوة غير معتادة".
سأل يورفيج: "من اي كتيبة أنت؟"
"أنا من الثالثة".
"تلك كتيبة ريمر القديمة أيضا".
على الرغم من صعوبة التبين خلف القناع الا ان تلك المعرفة المألوفة بدت وكأنها تطمئن ابن آوى.
سأل يورفيج: "أباقركم آمنون الآن؟"
أومأ ابن آوى برأسه.
"هم كذلك لبعض الوقت".
قاد يورفيغ وسليدجفيست ومطرقتان ابن آوى إلى أسفل الدرج عبر الممر المؤدي إلى حظائر الأغنام. وما إن فتحا آخر باب حجريّ حتى تفجرت في الممر روائح الزبل والصوف والماعز والغنم، رغم أن الحظائر الفعليّة كانت على بعد مئة ياردة أسفل ممرّ آخر بباب حجريّ مغلق. هزّ سليدجفيست رأسه.
تمتم: "لا أعلم كيف يحتملون هذا".
ظنّ يورفيغ أن الرائحة كانت بمثابة راحة طفيفة مقارنة بنتن ابن آوى. وكان يعلم أيضاً أن الأمور كانت قاسية على الرعاة.
قال: "الأمر ليس هكذا عادة. لا تقضي الأغنام عادة أشهراً عديدة متكدّسة في الحظيرة".
هزّ سليدجفيست كتفيه وهما يبدآن النزود في الممر. أطلّ قزم شابّ من غرفة، فضولاً لمعرفة من في الممر. توقف يورفيغ.
قال يورفيغ: "أحتاج إلى غرفة خاصّة. أهناكَ واحدة هنا؟"
بدا الرّاعي مندهشاً لتوجيه إريك-رول الكلام إليه هكذا بغتة.
قال وهو يخطو إلى الخارج ومشيراً بيده إلى الداخل: "استخدم هذه، أيّها الرول!"
التوى وجه القزم حين شمّ رائحة ابن آوى، لكنه حاول إخفاء اشمئزازه. سُرّ يورفيغ لأن القزم خاطبه هكذا، فلابد أن ابن آوى قد التقط استخدام اللقب.
قال يورفيغ لقزمي المطرقة وهو يدخل بصحبة سليدجفيست وابن آوى: "انتظرا هنا".
كانت غرفة ضيقة، لا تضم سوى خلوة نوم ومقعد وطاولة محفورين في الصّخر، وبالكاد تتسع لوقوف الثلاثة براحة. كانت بوضوح غرفة خاصة براعٍ أعزب. شعر يورفيغ بوخزة إثم ضئيلة لإدخاله النتن إلى الداخل.
سأل سليدجفيست: "لماذا نتوقف هنا؟"
"لا أودّ إثارة جلبة في المنجم بإدخال ابن آوى مُلَطَّخ بالوسخ قبل أن أعرف كنه هذا الأمر".
نظرا إلى ابن آوى.
سأل يورفيغ: "ما اسمك؟"
"أنا روث ستونفوت، من الفيلق الثالث لذئاب الأوقات".
عقد سليدجفيست حاجبيه. وكان يورفيغ يعلم السبب. فكّر سليدجفيست، فهو متعصب آخر من متعصبي اسم القوة. صار يورفيغ يعتبر ابن آوى أغرب حتى من أصحاب اسم القوة، لكن هذا القزم دمج الاثنين. كان غريباً أيضاً أن يستخدم صاحب اسم القوة -أو أيّ كان- اسمه الحقيقي واسماً شائعاً معاً.
سأل يورفيغ: "ألا يأتيني حتى رينلين؟"
لم يكن يعبأ، لكنه أراد إرباك ابن آوى.
قال روث: "كان هناك ذئاب أوقات أقدم شأناً في البداية. لكن القطع العميق محاصر. لم يرسلوا سوى ستة".
قال سليدجفيست: "ستة! ما عسانا نفعله بستة من ذئاب الأوقات؟"
رفع يورفيغ يده زاجراً سليدجفيست.
"من يحاصر القطع العميق؟"
"ليث وسينلاند".
قال سليدجفيست: "هذا مستحيل. لنهاجم البشر عبر الأوقات؟ لا أمل لهم باقتحام القطع العميق".
"نعتقد أنه ابتزاز للتجارة أو الجزية. الطعام شحيح".
قال سليدجفيست: "هذه هي القصة ذاتها هنا. الطعام على الأقل".
"لماذا يرسل ريمير ستة أقزام إلى جلينت، بينما الأورسي يهاجمون، والقطع العميق محاصر؟ ما غرضكم؟"
تردد ابن آوى لحظة. كره يورفيغ تلك القناع، التي تمنعه من تبين وجه القزم.
"كان علينا جلب الأسلحة".
قال سليدجفيست: "لدينا أسلحة".
"هذه الأسلحة... هي ليست كأفلحتكم. وهي سرّيّة. لآذان تشاغريم وحده".
أجاب يورفيغ: "أنت تتحدث إلى سليدجفيست. محارب ريد ريجز الأول، أخي وصاحب الحقّ".
نظر روث إلى سليدجفيست، وكأنه يقيس حجمه.
قال: "لقد سمعت بك"، وراح يبحث عن شيء إلى جانبه.
سحب أسطوانة جلدية، مغطاة ومختومة.
"هذه رسائل موجهة إليك".
سأل يورفيغ رافعاً حاجبه: "أهذه أسلحتكم؟"
"إنها... هي... لقد ضاعت الأسلحة. كلها ما عدا ما أحمله الآن".
قال سليدجفيست: "والآن تريد منا أن ننقذ بقيتكم أيها الجبناء".
انتفض ابن آوى، ورفع يورفيغ صوتَه ليقطع دابر القتال.
"حسبك، سليدجفيست".
ألقى نظرة أخرى على السلاح الغريب الذي يحمله ابن آوى، الأنبوب الفولاذي المغلف بالخشب وشفرته المعقوفة. ألمح ريمير إلى أسلحة سرية. وتوقع يورفيغ شيئاً... ضخماً. ربما محرك بخاريّ ما، مُسخّر لفعل الحرب. لكن إن كان ريمير قد أرسل ستة من ذئاب الأوقات طوال هذا الطريق بينما هم تحت مثل هذا الضغط في الوطن، فلا بد أن الأسلحة ذات قيمة. أنظر يورفيغ إلى الأنبوب الجلديّ الذي يمسكه بيده.
بالكاد وُجد ضوء هنا للقراءة—فقط شظايا من عين منجم زرقاء خضراء تمنح الغرفة شكلاً. فتح يورفيغ الباب ونظر إلى المطارق في الخارج.
قال: "أعيدوا إشعال المصباح. أحتاج إلى ضوء".
بينما كان أحد المطارق يُجهّز قداحته، سمع يورفيغ خطوات مسرعة في الممر. أقبل كروكلج والرّاعي الذي منحهم الغرفة يهرولان في الممر.
قال كروكلج: "أيها الرول. يمكنني اصطحابك إلى غرفة أرحب إن احتجت. أهلاً بك، ولكن هل من خطب؟"
استطاع يورفيغ تفهم سبب ارتباك كروكلج حيال سلوكه.
قال، تاركاً كروكلج يمارس ضيافته رغم نفاد صبر يورفيغ: "أحتاج إلى مكان فيه ضوء".
بدأ كروكلج يقول: "يمكننا الذهاب إلى معقلي..."
لكن يورفيغ هزّ رأسه. كان معقل كروكلج عبر النهر في حظيرة أكثر اكتظاظاً بكثير.
"لا أودّ لفت الانتباه. ضوء فحسب".
أشعل المطارق بعض القشّة وأضاءوا فتيل المصباح. بدا كروكلج مكروباً بحقّ. لم يكن لديه أدنى فكرة عن سبب زيارة يورفيغ المفاجئة لحظائر الأغنام واستيلائه على غرفة راعٍ حقير.
قال له يورفيغ: "أحضر المصباح، يا كروكلج".
كان كروكلج بمثابة بطريرك بين الرعاة، وكان دائماً موثوقاً، منذ الأيام الأولى.
تمتم كروكلج بصوت خفيض وهو يدخل الغرفة: "سبعة نيران"، لكنه رفع المصباح عالياً بينما فضّ يورفيغ الختم في نهاية الأنبوب الجلديّ.
سحب الرق الملتفّ. كانت هناك رطوبة عند الحواف، لكنها ظلت مقروءة عندما بسطها. قرأ لبعض الوقت، وتحركت شفتاه.
سأل سليدجفيست: "ما الأمر؟"
هزّ يورفيغ رأسه وتابع القراءة. لقد تعلم منذ زمن بعيد ودفع ذهباً خالصاً لتعلم رونات الكلام، لكنه لم يبلغ قطّ سرعة فائقة فيها.
"تشاغريم. إن قرأت هذا، فهذه هي الملاذ الأخير. هذه وصفة النار السوداء. إنها أفضل عون أستطيع تقديمه. إما أن نسقط وإما أن ننتصر. ريمير".
رفع يورفيغ حاجبيه.
"ما هي النار السوداء؟"
"إنه مسحوق يشتعل".
حدّق يورفيغ ضيقاً.
"مسحوق؟"
"هنا".
سحب ابن آوى السلاح الغريب عن كتفه.
"إلى الممر".
تبعوه إلى الخارج وعادوا إلى الباب الحجريّ المؤدي إلى الدرج الصاعد نحو التل. طلب روث فتح الباب، فأومأ يورفيغ للمطارق بالاستجابة. وما إن فُكّت مزاليجه وسُحب على اتساعه، حتى وضع روث مؤخرة الأنبوب المغلف بالخشب المنحوت على الأرض، وصبّ شيئاً في نهايته من أسطوانة معدنية. وفعل شيئاً آخر بالأسطوانة وآلية قريبة من مؤخرة السلاح. رافعاً الجهاز بأكمله، أسند المؤخرة إلى كتفه ووجهه عبر الباب إلى الممر الصاعد في الخارج.
أعمامهم الضوء واللّهيب حتى في الوقت الذي هزّت فيه فرقعة آذانهم ودوت في جماجمهم. تصاعد الدخان حول ابن آوى.
صاح سليدجفيست مغطياً أذنيه ومتراجعاً: "تباً!"
انطلقت سلسلة من اللعنات من البقّة أيضاً. واملأت الأجواء رائحة شبيهة بالكبريت. وما زالت آذان يورفيغ تطنّ. استدار إليهم روث.
قال: "إنه أعلى صوتاً تحت الحجر".
سأل سليدجفيست: "ماذا كان ذلك؟ وما المفترض به فعله، سوى أصمنا؟"
"يمكن للاستفجار أن يرمي قطعة رصاص أسرع مما يرى الطرف وأبعد مما يرمي الذراع".
قال يورفيغ رافعاً الرقّ: "وما علاقة هذا بالوصفة؟"
"إنه المسحوق الذي يشتعل، مانحاً إياه القوة".
فتح يورفيغ فمه واسعاً وأغلقه مرة أخرى، محاولاً تخفيف الطنين.
التفت ناظراً إلى الحاضرين جميعا: "لا أحد يتحدث بهذا لأحد. سيكون الأمر سيئاً إن فعلتم".
بينما أغلق المطارق الباب وأحكموا إغلاقه مرة أخرى، عاد يورفيغ إلى الغرفة الصغيرة. تأكد من إغلاق الباب خلفهم قبل أن يتكلم.
سأل يورفيغ: "بأي سرعة يطلقان؟"
"مرتين أو ثلاثاً في الدقيقة".
"هذا بالكاد أفضل من قوس النشاب".
الخفيفة التي تسحب باليد على الأقل، وكانت تقتل الأورسي بسهولة بالغة.
"إنه يخترق كل درع، ومعظم الصفائح".
قال سليدجفيست: "قد يفلح ذلك مع البشر، لكن الأورسي بالكاد يرتدون دروعاً. قد يفزعهم الضوضاء، لكن ليس طويلاً، على ما أظن".
قال روث: "ليس هذا كل شيء. المسحوق محشوّ معاً—يمكنه نسف الصخر. إن وُضع في جرة خزفية ثقيلة وحُشي بقطع خردة معدنية، يمكنه التمزق، باعثاً بالشظايا والنيران والدمار من حوله".
قال سليدجفيست: "إذن فهو سحر".
أثار ذلك توقفه حتى هو.
قال يورفيغ، محاولاً استجرار المزيد: "وأرسلك ريمير لتعطيني هذه الوصفة".
قال روث: "أجل، نعم"، لكنه تردد بالقدر الكافي الذي جعل يورفيغ يشتبه في كذبته.
كان يعلم أنه لا يمكن الوثوق بذئاب الأوقات كباقي الأقزام، رغم أنه صار يقدر ريمير عبر السنين.
قال يورفيغ، مبالغاً في الحقيقة: "ريمير صديقي. لقد أتى إلى هنا بنفسه قبل سنوات عديدة. إنه قزم قادر وحكيم. وإن أعطاكم أي غرض آخر، فما كان ذلك بلا سبب".
بدا أن روث يزن الأمر لبرهة.
"أُرسلنا لقتل الأورسي الذي يدعون ذا الأذن الواحدة. كانت تلك مهمتنا الأولى".
بدا ذلك أشبه بعمل ذئاب الأوقات ليورفيغ، لكن قتل ذي الأذن الواحدة لم يكن أمراً هيناً. أكانت هذه الأسلحة قوية إلى الحد الذي جعل ريمير يظن أن ستة من ذئاب الأوقات قد تفيد؟ ضحك سليدجفيست، لكن ضحكته شابها مرارة.
"وتظن أن ستة من ذئاب الأوقات قد يفعلون ما عجزت عنه جيوش جلينت؟"
"أتقول إن ذئاب الأوقات الآخرين على بعد ميلين؟ كم بقي منهم؟"
هزّ روث رأسه.
قال: "لا. هم ليسوا ذئاب أوقات. رفاقي لم يصلوا حتى إلى التلال. كان الفرسان يجوبون الأوقات والمناطق الحدودية".
سأل سليدجفيست: "إذن من هم الآخرون الذين ذكرتهم؟"
"لاجئون".
سأل يورفيغ: "أجلبتَ لاجئين؟ إلى هنا؟ من أين؟"
قال روث، وفي صوته حدّة: "استخدمتهم لحمل الأسلحة والنار السوداء، لكن وزرنا ضاع في طوفان. إنهم آمنون حيث هم لوقت، في معقل ذي باب مغلق. لكن علينا إرسال العون لهم قريباً".
كان هناك خطب ما في قصة هذا الذئب، وكان يكتم شيئاً. ربما ينجلي الأمر بمرور الوقت، لكن الثقة كانت شحيحة مع هذا الذئب. أما ريمير، فنعم. كان لريمير غاية، وما كان أحمق. أمعن يورفيغ النظر في الرقّ. لم تكن هناك حتى ملاحظة تفسيرية من ريمير، بل الوصفة وحدها.
قال يورفيغ: "كنت لأحاول اغتيال ذي الأذن الواحدة بنفسي. لكني لا أعلم أين هو".
"أظن أنني قد أعلم".
رفع يورفيغ بصره عن الرقّ.
"ماذا؟ أين؟"
"على بعد ميل تقريباً إلى الجنوب من هنا. على قمة التل توجد رقعة أشجار خلف جرف صخريّ كبير يبرز نحو الشرق".
قال يورفيغ: "أعرف المكان".
كانت لديه ذكريات حيّة عن الجلوس هناك مع تونكيل، ناظراً إلى وادي النهر أسفل منه. بدت تلك ظروفاً معقدة في ذلك الوقت، لكنه صار يعلم الآن أنها لم تكن كذلك.
"أرأيت ذا الأذن الواحدة؟"
"لا، لكن ثمة أكواخ هناك فيها أورسي يرتدون دروعاً قزمية وقطع صفائح، ويحملون أسلحة قزمية، ويأتي أورسي آخرون ويذهبون كعدائين".
طوال الحصار، لاحظ يورفيغ شحّاً في الزعماء. أين الريش الأصفر؟ الأورسي الأطول قامةً؟ لقد غابوا بصورة لافتة. لكن لو أن ذا الأذن الواحدة أقام أكواخه الخاصة في الأشجار خلف صخرة تونكيل، لما استطاع يورفيغ رؤيتها البتة. حاول تذكر إن كان قد رآى دخاناً يتصاعد من ذلك التل، لكن الدخان كان يتصاعد في كل مكان من نيران الأورسي. ومن صخرة تونكيل، كان ذو الأذن الواحدة يستطيع رؤية بوابة النهر والسوار على التل الجنوبي للواد.
لابد أن الكولكور قد تعلموا ألا يقتربوا بما يكفي من الأقزام ليدعوهم يضربون.
سأل يورفيغ: "كم بلغ عددهم؟"
"لا أعلم على وجه اليقين. ثلاثون على الأقل".
عاد يورفيغ ينظر في الوصفة، وسأل مجدداً: "وهكذا تصنع هذه النار السوداء؟"
راقبه الآخرون وهو يقرأ.
صاح: "تباً! نترات البوتاسيوم؟ من بين كل..."
أطلق يورفيغ سلسلة من اللعنات غير المعهودة. اتسعت عيناها روث خلف قناعه، وحتى سليدجفيست بدا مندهشاً.
قال روث: "نترات البوتاسيوم شائعة".
"ليس هنا! علينا استيراد كل أملاحنا من القطع العميق لحفظ الطعام، لكننا استنفدنا مخزوننا بأسره. لم يتبقَّ لدينا شيء!"
سأل كروكلج، الذي كان لا يزال يمسك المصباح ليتمكن يورفيغ من القراءة: "كم تتطلب من نترات البوتاسيوم؟"
"حسب ما يبدو، يعتمد الأمر على كمية هذا المسحوق التي نودّ صنعها. هذه الصيغة لنتيجة ألف رطل. سيتطلب ذلك سبعمائة وخمسين رطلًا من نترات البوتاسيوم. ليتها ظهرت الصيف الماضي فحسب. تبا!"
قال كروكلج: "قد تكون هناك طريقة".
نظر يورفيغ إلى الرّاعي.
"عَمَّ تتحدث؟"
"المزارعون يملكون نترات البوتاسيوم. لا أعلم الكمية، لكنهم جهزوها للربيع".
"ماذا؟ عَمَّ تتحدث؟ ليس لدي سجل بنترات بوتاسيوم غير مستخدمة في المنجم!"
قال كروكلج: "حسن... إنها... نحن لا نستخدمها للطعام".
"لا أفهم".
"إنها نجسة".
حدّق يورفيغ. لاحظ كروكلج نظرته.
"حين نخمر زبل وفرش الأغنام والماعز في الحظائر، نكدسها في غرف تخمر لهذا الغرض. بول الحظائر السفلية ينزل عبر قنوات ونصبّه هناك أيضاً. نغطي الجميع برماد الخشب لدرء الرائحة. لقد استخدموا الجير غرباً، لكن لا يوجد دولوميت هنا".
لم ينبس يورفيغ بكلمة، فتابع كروكلج.
"تتكون بلورات نترات البوتاسيوم في الأعلى وفي الزبل المتحلل داخله. وهي أكثر من أن تُستخدم مباشرة، لذا يستخلصها البستانيون من التخمير ويعيدون تطبيقها كسماد متى شاءوا".
كان فم يورفيغ مفتوحاً. كيف لم يكن يعلم بهذا؟ كان يعلم أن البستانيين يستخدمون روث الأغنام والماعز المخمر كسماد، لكنه لم يكن يعلم تفاصيل العملية بعمقها. لقد جلبوا الحصاد تلو الحصاد، عاماً بعد عام، دونه أن يسأل عن تفاصيل التخمير. ربما أساء كروكلج تفسير تعبير يورفيغ.
قال: "لم يكن إخفاؤها عنك متعمداً. كما قلت، سيكون نجساً استخدامها على اللحم".
"كم؟ كم لدينا؟"
"علينا سؤال البستانيين. كانوا يجمعون التخمير طوال الشتاء، لكنهم لم يتمكنوا من الزراعة".
"ستذهب إليهم بنفسك وتعرف كم يملكون. تأكد من عدم استخدام أيّ منها في أيّ شيء".
أومأ كروكلج.
سأل سليدجفيست: "ما اللّازم أيضاً؟ عدا نترات البوتاسيوم؟"
أعاد يورفيغ ناظريه إلى الرقّ. ضحك.
"الكبريت والفحم".
عقد سليدجفيست حاجبيه.
"و؟"
"هذا كل شيء".
"هذه الأشياء... تفعل ذلك؟"
نظر يورفيغ إلى روث.
"أحقّاً هذا؟"
"هذا حق".
كان لديهم الفحم مخزناً بالأطنان، حتى بعد الشتاء. وقبيل الحصار، لم ينقطع دخان أفران الفحم عن التصاعد بينما كان الحطابون يدفعون الغابة إلى الوراء. ولم يعثروا على عروق فحم حتى الآن في ريد ريجز. وكان الكبريت متوفراً لديهم بوفرة أيضاً، وهو منتج ثانويّ لصهر البايرايت والجالينا اللذين كانوا يضربونه بين الحين والآخر. وكانوا يستخدمونه فقط لمراهم الجروح ومشاكل الجلد، وفي معالجة المثل لدى الأغنام والماعز.
لقد تعلموا استخدامه من الرعاة... قد يثبت الرعاة أنهم خلاص جلينت مرة أخرى. كان على يورفيغ العودة إلى غرفة استقباله. كان في سجل هناك قائمة بمخازن جلينت، متضمنة الكبريت والفحم.
قال يورفيغ: "تعالوا. عودة إلى المنجم".