استلقى هوبلَفوت وغريل في المحدادة قرب المدخل، لكن أونيكس لا بدّ أنّها عادت إلى حجرتها الخاصة. استقرّ الباب الحجريّ خلف الجسر مباشرةً، وثُبّت بمفصلات ليفتح نحو الخارج. لقد زوداه بدعامات خشبية ضخمة من خشب الأرزّ الذي جلبوه لأجل تدعيمات المناجم المؤقتة. تطلب الأمر قوة هائلة لسحب الباب نحو الخارج من الجهة الأخرى، وهي مهمّة مستحيلة بلا آلات. غير أن وجود الباب وبناءه يعنيان أن يورفيق لم يستطع رؤية الكثير ممّا يدور في الوادي.
تسلل ضوء النهار مارّاً عبر الشقّ في الجسر والشقّ في الباب الحجريّ، لكنّه فرض الرؤية عبر الصخر والخشب بوجود فراغ فاصل بينهما. لم يُميز سوى رقعة صغيرة من التلّ المقابل تماماً عبر الوادي. لم يتحرك شيء هناك. كانت هناك ثلاثة مداخل للملكية. واحد للمدرجات، وآخر للمدخل السفليّ، وثالث عند المدخل العلويّ. حُرست المداخل الثلاثة جميعها الآن بالحجارة. تعذّر على الأقزام المُجهّزين جيداً اقتحام المكان دون إحداث جلبة صاخبة.
مع ذلك، بدا بقاء أحدِهُم مستيقظاً هو الخيار الأمثل. مشي يورفيق نحو مخزن المؤن وأمعن النظر في برميل ماء النهر. بلغ مبلغه ثلاثة أرباع سعته. لحسن الحظّ، ملأوه في اليوم السابق للهجوم. كان حريّاً بهم الاحتفاظ بكمية أكبر. ما يكفي لحصار. عاود الخوف تملّكه مجدداً. منعه الخوف من التفكير في الأسوأ، فأعاقه عن الاستعداد. لم تجفّ بعض اللحوم في خزانة التدخين كلياً بعد، وظلت نسبة كبيرة من مخزونهم من الخشب والفحم خارج الوادي.
لم يملكوا سوى ما يكفي لأسبوع في الداخل. قد يفسد بعض اللحم الحديث في حال طال أمد الحصار. استحال عليهم تكرار هذه الأخطاء مجدداً. هذا إن سنحت لهُم فرصة ارتكاب أيّ أخطاء من جديد. شرع في إجراء الحسابات، ولم يرتضِ ما أفضت إليه. وبينما كان يُقلّبها في ذهنه، تصاعد شعور مقلق في داخله. حاول تبين ماهيته، ثم داهمه الذعر كضربة في الصدر، منتشراً في موجات من الحرارة والهلع. عبر الأورسي من التلّ الجنوبي.
توجه سْليدجفيست، وشاينبوت، وخليف نحو الجنوب. وسط الارتباك والهجوم العنيف، انعدم لديه الوقت للتفكير في الأمر. حتى عندما استلقى، ظلّ عقله مشدوداً نحو القتال والتهديد الماثل. انطلقت الحملة جنوباً قبل تسعة أيام كاملة من وصول الأورسي. كم فجوة في جبال الشرق اجتازوا خلال تلك المدة؟ ثلاث؟ عجز يورفيق عن تذكر كل ممرّ رآه في رحلته نحو الملكية قبل أكثر من عام. ولماذا افترض دخول الأورسي إلى وادي النهر من الشرق؟
أجرى المزيد من الحسابات. الحسابات والمخاوف معاً. عاد إلى الباب الحجريّ الجديد حيث جلستْ سترايبَر، تُحدّق كأنها قادرة على اختراق الصخر، وذيلها يضرب يميناً ويساراً. حلّ المساء المبكر عندما خرج هوبلَفوت من المحدادة. رمق الباب الجديد متفحصاً كمن يتحقق ممّا إذا كان لا يزال راضياً عنه بعد نيله قسطاً من الراحة.
قال: "حسنأً، يفترض أن يصدهم هذا. أجديد يُذكر اليوم؟"
قال يورفيق: "لا شيء. أريد الذهاب إلى المدرجات لأنظر إلى الوادي بالأسفل."
"من الأفضل الانتظار حتى يستيقظ البقيّة لأجل ذلك. احتیاطاً."
"نعم، الأفضل."
وقفا في صمت لبضع لحظات، إلى أن أومأ هوبلَفوت وقال: "حسناً،"
وانحرف هابطاً الممرّ نحو مخزن المؤن. كان يهمّ بشرب بعض الماء بلا شك. بضع جرعات أقلّ في البرميل. خرج وورمكوت من المحدادة بادياً عليه العبوس. برز انتفاخ تحت لفافة ضمادته دالاً على التورم. توجّه هو الآخر نحو مخزن المؤن. عادا إلى يورفيق عند الباب حين خرج غريل، دون حتى أن يتبادلا نظرات العيون، ومشى نحو مخزن المؤن. ظهرت أونيكس في أعمق الممرّ، وأدرك يورفيق أنها تقصد مخزن المؤن لترتوي.
وحتى مع تسلل الضوء الخافت حصرياً عبر الشقّ الضيق في الباب، انتفى احتياجهم لأي مصباح أو شمعة.
انتظر حتى اقترب غريل وأونيكس قبل أن يتكلم: قال: "أنا ذاهب إلى المدرجات. تسلحوا."
وبينما تناول وورمكوت وهوبلَفوت الرماح، انحدر يورفيق في الممرّ نحو الدرج. حاز مسبقاً مطرقة المشي خاصته، وأرادها لأكثر من مجرد سلاح؛ أزعجته ساقه اليوم أكثر حتى من خاصرته. أمر غريب. لم يتذكر شيئاً من شأنه إحداث ألم فيها، رغم ركضه عبر الجسر وبقاء القتال مبقعاً في ذاكرته. وصلا إلى باب المدرجات. ألصق يورفيق أنفه بحواف الباب واستنشق. حُفرت أبواب الأقزام بقنوات على الحواف الخارجية للسماح بتدفق الهواء، ما لم يكن لديهم سبب مغاير، وهو أمر نادر.
لقد حفروا أبواب المدرجات لتسمح بتهوية وفيرة. تراجع يورفيق، وألصقت أونيكس أنفها بالجهة المقابلة مستنشقةً. هزّت رأسها. إثر ذلك، أزاح يورفيق وأونيكس الترباسين وفتحا الباب على مصراعيه بينما استعد البقية برماحهم. بدا الممرّ القصير المؤدي إلى المدرج الأول خالياً. تجاوزا الباب. وكان المدخل إلى بيت الدرج الثاني على مقربة منه.
قال يورفيق مشيراً إلى وورمكوت وغريل: "ابقيا هنا."
وتقدم البقية نحو المدرج الأول. خلا من الأورسي. استطاع رؤية النصف البعيد من الوادي فوق حديقة النباتات العريضة، وتواجدت هناك كائنات الأورسي متمددة في حلقات فضفاضة.
قال يورفيق: "لنفحص الاثنين الآخرين."
كانت تلك المدرجات خالية أيضاً. وفي المدرج العلويّ، صعد يورفيق على حديقة النباتات حتى حافة الجرف. صعدت معه أونيكس وهوبلَفوت. اكتظّ الوادي بجماعات متفرقة من الأورسي. أطلقت أونيكس صوتاً محموماً، وتتبع يورفيق نظراته. دُمرت أحواض الحدائق بالأسفل في الوادي. سُحقت النباتات ومُمّقت. لا بدّ أن الأمر بدا واضحاً للأقزام الذين اعتتنوا بها، سواء أدركوا السبب أم لم يدركوه.
وقال: "هناك يضيع دخان التلّ. وقريب للغاية أيضاً."
في غضون أسبوع آخر لكانوا حصدوا ما يكفيهم طوال الشتاء.
قال هوبلَفوت مشيراً عبر الوادي: "انظروا إلى هناك."
تجمعت مجموعة من الأورسي على نتوء صغير في التلّ البعيد. كانت أورسي ضخمة، أو أكبر حجماً على الأقلّ من تلك التي شاهدوها. وبحسب مظهرها، لكانت هذه تقف عيناً بعين مع الأقزام، إن لم تكن أطول قليلاً. اشتعلت نار على النتوء، بل اشتعلت نيران متفرقة تتوهج ببطء في أنحاء الوادي، والتفتت حولها الأورسي بينما تصاعد الدخان ليلتقي في سحابة غير بعيدة في الأعلى. بدا أن أحد الأورسي الضخمة على التلّ قد رصدهم.
تقدّم خطوة. ارتدى طوقاً كثيفاً من الريش الأصفر الطويل حول كتفيه، فوق ما بدا أنه درع حلقي صدئ قديم. أشار بيديه نحوهم ورفع باليد الأخرى رمحاً في الهواء. لو كان بشرياً أو قزماً لظنه يورفيق تحية من نوع ما. لاحظت بعض الأورسي الأخرى حول الوادي الأقزام الآن. نهضت على أقدامها قابضةً على أسلحتها ومُحدّقة صعوداً في صمت.
قالت أونيكس: "أرى ثلاثة وستين."
لم يعدّ يورفيق حتى، لكنه سرّ بالرقم.
سأل هوبلَفوت: "كم برأيكم قتلنا ليلة البارحة؟"
انحنى يورفيق للأمام. خلت الأرض تحت البرج من جثث الأورسي، رغم ظهور بقع دماء داكنة على أكوام الصخور. أداكن الدماء منصة البرج كذلك، لكنه لم يرَ جثثاً هناك أيضاً. اعتقد أنهم تركوا بعضها. لا بد أن الأورسي نقلتها في مرحلة ما، لكن يورفيق لم يتيقن متى. بمجرد ارتفاع الباب الحجريّ، ضاق مجال رؤيتهم لدرجة عجزهم عن رؤية منصة البرج حتى. نظر إلى الوادي بالأسفل. لحست أورسي الماء من بركة المخلفات، لكن أعدادهم بدت أقلّ كثافة هناك.
تجمع معظمهم في قوس عريض حول برج المدخل العلويّ. وظلت كومة الحجارة دون مساس أمام المدخل السفليّ. إن درت الأورسي كيف حصر الأقزام البقية في الداخل، فلم تبدُ مهتمة باستكشاف الأمر.
قال يورفيق: "يجب أن ندخل المدخل السفليّ."
سأل هوبلَفوت: "لماذا؟"
"سنحتاج الماء قريباً جداً."
فكّر هوبلَفوت في الأمر لبرهة.
"على أي حال، لا يعجبني وجود طريق خروج وحيد."
قالت أونيكس: "لقد تركنا الأورسي هناك بالأسفل."
أجاب يورفيق: "لقد مضى وقت طويل."
"تبّاً، ستفوح رائحة كريهة."
هزّ هوبلَفوت رأسه.
"قد نضطرّ لتدخين كل الأنفاق هناك لمدة شهر لجعل الأمر محتملاً، رغم افتقارنا للخشب اللازم لذلك."
سألت أونيكس: "ماذا لو... ماذا لو كانت في الماء؟"
"سننحيها جانباً. لم يتوقف النبع عن التدفق قط طالما أقمنا هنا. سيتجدد. تعالوا."
دار ذات النقاش بين البقيّة، عدا طفيف اختلاف. ولهذا فضّل يورفيق الإفصاح عن خططه حين يتجمعون جميعاً. ومع ذلك، في غضون نصف ساعة اصطفّوا حول فتحة المدخل السفليّ. حتى سترايبَر اتبعت يورفيق إلى هناك. أزاحوا الحجارة التي تثقل الفتحة. قُطعت السلم إلى نصفين لتتمكن من ملاءمة سحبها للممرّ. سيعلقون نصفه بالأسفل، ثم يتسلق أحدُهم إلى القاع، ويتدلى ليتسنى لهم مناولة السلّم.
سأل هوبلَفوت: "جاهزون؟"
قرفص هو وغريل على جانبي الفتحة. أومأ يورفيق.
"امضِ قدماً."
صدر صوت امتصاص مع تغيّر الهواء. داهمتهم الرائحة العفنة فوراً. قطّب يورفيق أنفه. انطلقت سترايبَر هاربة.
تمتم وورمكوت: "مُنتن."
أمعن يورفيق النظر إلى أسفل الفتحة. لم يلمح شيئاً في ضوء مصباح زيت السمك الذي أمسكه وورمكوت.
قال: "السلم."
أدلوا السلّم للأسفل وربطوا أعلاه بعلاقتين محفورتين في الصخر.
سأل هوبلَفوت: "من أولاً؟"
أصخى يورفيق السمع وراقب أسفل الفتحة لفترة، لكن انعدمت أيّ مؤشرات حركة في الأسفل. تصاعدت روائح كريهة أخرى، لا مجرد نتن الأورسي المعتاد. لم يرغب في إرسال شخص آخر للأسفل أولاً، كما لم يشأ النزول بنفسه. لكن الأمر حتمّ.
قال لغريل: "غطّني بالقوس المركب."
أعدّ غريل سهماً والتفت يورفيق ليتخذ خطوة نحو السلّم، ممسكاً بمطرقة المشي بيد واحدة. هبط ببطء. أدخله النصف الأول من السلم عبر الركام الصخريّ ليصبح على بعد ستة أقدام من قاع الممرّ. حدثت لحظة عصيبة حين انكشف جزئه السفليّ في الممرّ بالأسفل بينما ظلّ رأسه في المزلق الضيق، مما قيّد رؤيته. لكن شيئاً لم يحدث. ترك نفسه يتدلى من قاع السلم، ثم هبط بضع أقدام نحو الحجر، محاولاً تركيز ثقل قوة هبوطه على ساقه السليمة.
بدا المدخل معتماً. تسلل وميض المصباح من الأعلى، لكن الحجارة المتراكمة فوق باب المدخل منعت أيّ ضوء نهار من العبور عبر شقّ الباب. ظل صوت الماء المتدفق على عهده، لكن الهواء استحال منتناً.
ناداه بصوت خافت: "حسناً."
تبعة غريل، مناولاً باقي السلم ليورفيق من الأعلى. ثم ناول هوبلَفوت رمحه لغريل الذي هبط بدوره ما تبقى من المسافة. تلاه وورمكوت حاملاً الضوء، ثم هوبلَفوت. حضرت أونيكس أيضاً. التفت يورفيق إليها برهة، لكنه عدل عن إعادتها أدراجها. لقد أدّت دورها في الهجوم بعد كل شيء. دمعت عيناها من الرائحة، وتلألأت الرطوبة في ضوء المصباح. ولم تكن وحدها في ذلك. ظل البابان على جانبي الممرّ مغلقين.
اقترب هوبلَفوت وأكد عدم فتحهما. امتلك الأقزام سُبلاً عديدة للتأكد من ذلك. في هذه الحالة، وضعوا حبيبات الكوارتز في أعلى المفصلات لتتزحزح الحبيبات حال فتحهما. قد ينجح القزم في إعادتها بلا ترك أثر، لكنهم لم يعتقدوا أن الأورسي تفطن لمثل تلك الحيلة.
قال هوبلَفوت ناظراً من باب إلى آخر: "يبدو كأنها كانت تحكّ حولهما. لم تفتحا، رغم اقتطاعها لبعض الصخر."
دفع هراوة مكسورة بقدمه. مشى يورفيق بجانب هوبلَفوت. ولمح آثار مخالب على الحجر كذلك. توجها نحو باب المدخل الرئيسيّ ليشاهدا المزيد من الشيء ذاته. تداول الأقزام أمر سماع أصوات في الأيام الأولى عقب حصرهم للأورسي، لكن استحال على الأورسي الفرار بلا أدوات ومعرفة.
سألت أونيكس: "أين هي؟"
تدفق الجدول خارجاً من غرفة عجلة الماء المسدودة، عبر قناته نزولاً إلى بركة صغيرة تجمعت خلف باب المدخل. أعاقت الحجارة المتراكمة في الجهة الأخرى تصريفه، لكن ليس بالكثير. انعدمت أيّ مؤشرات لجثث أورسي.
قال هوبلَفوت ومؤشراً ببرأسة نحو السلّم والمزلق في مؤخرة الممرّ: "الحفريات."
وبوقوفهم هكذا في ضوء مصباح الزيت، تعذّرت رؤية المدى البعيد في الممرّ. ببطء وبرماح منخفضة، اقتربوا من السلّم. ارتبط حذرهم بغالبيته بالأعصاب. لم يتوقع يورفيق العثور على تهديدات بعد كل هذا الوقت. بلغوا السلّم الهابط نحو الظلام.
قال هوبلَفوت: "سأنزل أولاً هذه المرة. اتبعاني بالضوء، يا وورمكوت."