ظلّت البيضة حيّة ودافئة تماماً عند منتصف النهار. احتفظت البطانيّة بقدر كبير من حرارة سوكس لدرجة جعلت ديرت لا يحتاج تقريباً إلى جمراته. بل إنّ الجوّ بدا دافئاً بشكل مزعج، وأكثر دفئاً ممّا اعتاده الصبيان. تدفّق حرارة شمس الصيف رغم الشتاء المحيط بهما من كلّ جانب، لكنّ البيضة هكذا أحبّت ولم تكن راغبة في أيّ تسوية. لم يعد سوكس يركض بالسرعة المعتادة، لقلقه من أن تؤذي هزّات مشيته البيضة.
بذل قصارى جهده للحفاظ على هدوء الحركة وركض في المسارات الأكثر استواءً عوضاً عن القفز فوق كلّ شيء كعادته. ذكّره ذلك بطريقة ركض الجرو الصغير سوكس حين التقيا للمرّة الأولى، عندما كانت ساقاه أقصر. قضى الجرو بعض الوقت في قياس المسافات بمقاييس إحساسه بالاتجاه، مفكّراً في المدّة بين مكان وآخر، والمسافة التي تفصلهما عن الغابة بعد. أخطيا عتبة ناقل الحركة قبل عشرين يوماً؟
شيئاً من هذا القبيل. لم يكن سوكس قد أحصى الأيام ولم يفعل ديرت كذلك. لكنّ ذلك بدا صحيحاً، ممّا يعني أنّهما قد يعودان بحلول فصل الربيع. وربما قبل أن فقست البيضة حتى، إن تمكّنا من الاسراع. بدا الصباح أكثر تركيزاً ممّا كانا عليه منذ مدّة. لقد بدأت رحلة العودة إلى الغابة العظيمة حقاً، رغم أنّها ستستغرق وقتاً. كلّ شيء آخر توقّفا للنظر إليه لم يكن سوى مناظر للرحلة لا وجهة جديدة بحدّ ذاته.
وسرعان ما سيُفاجئهم ديرت بتوريكوم وحمام دافئ في فيلته. لم يعنِ ذلك عدم وجود مجال للانعطافات، على ما يبدو، إذ قال سوكس: -فكّرت في أمر ما. أخبرني والدي بمكان البشر القريبين، وتقع إحدى البقع في الاتجاه الذي زعم أولئك الرجال مجيءَهم منه. لكنّ والدي لم يخبرني بوجود أيّ بشر في الجنوب.
أتراهم رحلوا الآن، أم ظنّ والدي أنّهم سيكونون مملّين؟- "لا أعلم. كم سيكون العثور عليهم صعباً؟"
-السؤال هو كم سيكون العثور عليهم سريعاً صعباً، وليس هناك سوى طريق واحد للإجابة عن ذلك. يمكننا قضاوء يوم في البحث والمغادرة إن لم نجد شيئاً. إن وجدنا ما يتعيّن علينا قتاله، فيجب علينا حماية البيضة بطريقة ما، قال سوكس.
"أظنّ أنني أُحبّ فكرة التأكّد على الأقلّ ممّا إذا كانو يحتاجون مساعدة. قد يكونون محاصرين بالوحوش كما حدث مع أوجينا"، قال ديرت.
"علينا الذهاب والتحقّق، إن لم يستغرق الأمر وقتاً طويلًا".
فكّر أنتلمو: "إن كان هناك أيّ خطر، ضعني في مكان آمن مع بيضتي، ويمكن لكما الذهاب للقتال بيد أنّه يمكنني استخدام رمحي بيد واحدة إن لزم الأمر".
تغلّب فضول سوكس بسهولة على حذره فاستدار جنوباً. قادتهما الرحلة إلى حقول منبسطة ذات تلال قليلة تحوّلت ببطء إلى أحراج، ورغم أنّها كانت براري بكلّ تأكيد، فلم تكن كذلك دائماً. ظهرت أحجار منتصبة، منفردة ويصعب تفسيرها، على فترات غير منظمة. بلغ بعضها مبلغ كتف سوكس، وكلّ منها مهترئ وعصف به الريح لدرجة جعلت ديرت يتساءل عمّا إذا كانت أقدم من البشرية. وإن كانت قد حملت يوماً كتابة أو زخرفة، فقد زال ذلك كلّه الآن.
ثخن الأحراج وأبطأ الجرو الكبير من ركضه ليتحوّل إلى هرولة خفيفة. لم تكن معظم الأشجار أطول من أذنيه، وما كان ذلك إلا نحو خمسة وعشرين قدماً. حتّى بالنسبة للأشجار العادية، كانت هذه قصيرة، ممّا يعني تعذّر عبوره تحت المظلة واضطراره لمواصلة الالتفاف. مع تقدّم النهار، امتلاءت الغابة برائحة الطرائد. تعرّف سوكس إلى بعضها فوراً؛ الأيائل، من أكثر من نوع واحد. الغنم. لكنّ ذلك لم يكن كلّ شيء.
كانت هناك أشياء أخرى تتجوّل تحت الأغصان حيث الأمان، أشياء صغيرة كالارانب والجرذان وقوارض أخرى، وبعض الحيوانات المفترسة أيضاً. كلبيات، نوع آخر لم يسبق لسوكس مواجهته، وكانت تنبعث منها رائحة تشبه الذئاب بشكل مزعج. لم يتقبّلها ورفضها بأنفه كلّما صادف تلك الرائحة.
"إن كانت صغيرة، أتراها ذكية مثلك، أم غبية كالغول؟"
أبدى ديرت رأيه. راودته رغبة في مشاكسة صديقه، لكنّه عدل عن ذلك، إذ بدا سوكس منزعجاً حقّاً. -لا يمكن أن تكون ذئاباً إن كانت غبية أو ضعيفة،- قال سوكس. تسلّل تلميح من الاستياء القلق إلى صوته العقليّ فحاول ديرت ألا يبتسم. لم يرغب المسكين بحقّ في مواجهة نسخة مصغّرة عن نفسه. لقد تعارض ذلك مع كلّ ما يؤمن به عن الذئوية. وكلّ ما آمن به ديرت أيضاً، للحقّ.
"إنّها قيوط على الأرجح"، قال أنتلمو، واختار سوكس أن يصدّق ذلك.
لم يصادفا الوحوش في ذلك اليوم، مع ذلك، ولا أيّ بشر مهدّدين. توقّفا للمبيت في مرج مفتوح وبنى أنتلمو ناراً ضخمة متأجّجة، لمجرد توفّر خشب كافٍ لذلك. شعر أنّه أغنى من دوق، وهو يُسرف في حرق كلّ ذلك الخشب هكذا. جعله ذلك طائشاً ومليئاً بالضحك ولم يكاد يجلس طوال الأمسية. غادر سوكس للصيد وعاد بمخلوق شبيه بالأيل إلى حدّ بعيد، لكنّه أكبر بكثير منه. كانت القرون وحدها بطول قامة ديرت ولها سبعة رؤوس، بعضها مربّع الشكل وغير حادّ حتّى.
أكل ديرت وسوكس عشائهما نيّئاً ومملوءاً بالدماء، لكنّ أنتلمو لفّ شرائح رقيقة من اللحم حول عصا لشئها فوق النار، ممّا نجح بشكل أفضل ممّا توقّعه الآخران. منع اللحم السيخ من الاحتراق، وهو ما ظنّه كلّ من ديرت وسوكس اكتشافاً ذكياً. بعد أن أصبحت النار مجرد طبقة خافتة من الجمر، وليست بأكثر إشراقاً من النجوم الحادة الساطعة في السماء الباردة، تكوّر سوكس حول البيضة والتفّ الجميع لنوم عميق.
انضمّ أبقلو إلى أحلامهم مجدداً، في كلّ مرة بزيّ مختلف، لكنّهم عرفوا دائماً أنّه هو. كان في البداية نفسه، الرجل الأزرق القصير ذو الشعر البنفسجي، ثمّ صار طفلاً أخضر كحوريّة الشجر. ثم ثعبان عظيماً تسبب في زلزال هازّ وهو يتلوى، محطماً التلال تحته. أخيراً أصبح مفترساً ميتاً مثل كيسيوس وتحول الحلم إلى كابوس مظلم ومسكون. زمجر سوكس وفرّ الجنيّ، منتهياً أحلام الليلة. علما أنّهما اقتربا لأنّ سوكس شمّ رائحة بشر، أو شبيهي البشر بالأحرى.
تشاطرا حاسة الشُّمّ هو وديرت ولم يستطع ديرت تمييزها تماماً أيضاً. كانت واضحة بما فيه الكفاية في الهواء، الذي توجّه للتوّ وبدأ يهبّ من اتجاه آخر. كانت هناك روائح أخرى أيضاً، من النوع المتوقع. جلود، لحم، دم، دخان ورماد، فضلاً عن الكثير من الفرو. خراف وحيوانات أخرى. لكن رائحة البشر لم تكن مستقرة تماماً مع أيّ منهما. كان فيها شيء وحشيّ. أبطأ سوكس وحافظ على سكونه، منصتاً، لكنّ شيئاً لم يكن قريباً بالقدر الكافي لكي ترصده أذناه بعد.
"لعلّهم غول"، فكّر أنتلمو.
-لا رائحة تشبه الغول،- ردّ سوكس. بدآ بالتحرّك مجدداً، لكن بصمت هذه المرة، بسلاسة جعلت الصبيين لا يهتزان أبداً. كان الأمر يشبه الجلوس على قطعة خشب في نهر بطيء. تسلل سوكس بين الأشجار، وأنفه منخفض، وأذناه مفتوحتان على مصراعيهما. انشقا عن الغابة وعبرا نهراً ضحلاً وصاخباً بعرض عشر خطوات، غطّس سوكس خطمه فيه. لم ترصد عضو الرائحة خلف أسنانه شيئاً، فجرع ملء فمه ماءً، ونفخه في رذاذ ناعم، وشمّ ذلك.
-هناك أثار في الماء. لكننا سنتبع الهواء، لا النهر،- قال سوكس. قفز برشاقة فوق النهر وواصل التحرّك. كان أنتلمو، على نحو مثير للدهشة، من رصده أولاً. بعيداً في الأفق، ارتفعت الأرض أقداماً قليلة فوق الغابة وشكّلت شيئاً كتلّة عريضة ومنبسطة. أحيطت القمة بحصن مرعب من الأغصان الخشبية والألواح، وكلّها ممزقة ومسننة. تصاعد دخان من نيران عديدة من الداخل، لكن ليس عالياً جداً قبل أن ينجرف ليستقرّ قرب الأرض كالضباب.
-إنّهما لا يصدران ضجيجاً كبيراً،- تذمّر سوكس، منزعجاً لعدم كونه الأول في رصدهما. لم يستطع رؤية الحصن بعد لكونه بعيداً جداً عن عينيه، لكنّه ما إن عرف الاتجاه، حتّى تمكن من سماعهم إن وجّه أذنيه. واصل التقدم إلى الأمام، بصمت يفوق الهواء الساكن، بينما كان ينصت. -إنهم هادئون.
أصواتهم تبدو طبيعية.- فكّر ديرت: "لعلّهم بشر بعد كلّ شيء، وهذه القبيلة لها رائحة غريبة وحسب. لا يبدو أنهم محاصرون من أي جيوش للغول، مع ذلك".
قهقه أنتلمو. اقترب سوكس أكثر فأكثر حتّى قال: -لا تنظرا إلى عقلي الآن.
سأستخدم رؤية الأشباح.- أغلق ديرت وأنتلمو رؤيتهما العقلية للتأكّد وحسب، وبعد لحظة قال سوكس: -أراهما.- "ما هما؟"
سأل ديرت. -لا أعلم. يشبهون البشر غالباً، لكنّ ذلك الفرو الذي شممته هو خصتهم،- ردّ الجرو. -لا يبدو أنهم خطيرون جداً. سنقترب بما يكفي لنرى عقولهم، ثم نقرّر ما سنفعله.- التزم سوكس بالظلال وهو يتسلّل بين الأشجار، ممتزجاً فراه الرمادي الداكن جيداً مع أرضية الغابة المرقطة. ورغم امتلاء الأرض بالأوراق الساقطة القديمة وبقع الثلج الجليديّ، ظلت خطواته صامتة. توقّف عند قدم التلت المنبسط الذي بُني الحصن فوقه، تماماً بجوار صنوبرين سمينين بإبر داكنة استطاع الاختفاء خلفهما بسهولة، ورفعا أعينهما بعقولهما ليريان ما كان يعيش هناك.
أدركا فوراً أنّه من بين مئات المخلوقات القليلة بالداخل، كان العديد أشبه بالأموات الأحياء. لكن ليس كلهم. ولا حتى أغلبهم. كانت كلّ العقول الحية تماماً مليئة بالنور وغير المتطورة. أطفال. لقد خلق العين المزيد من المخلوقات هنا، وهم يتكاثرون. -سأنظر بعينيّ. قد يكون من الأفضل لو قتلناهم جميعاً قبل أن ينتشروا،- قال سوكس.
"وماذا عن البيضة؟"
سأل أنتلمو، متلَفّتاً بحثاً عن مكان جيّد لوضعها ومراقبتها. -سأنزلكما إن قررنا قتل الجميع.- وقف ديرت وأنتلمو معاً بينما تسلل سوكس صعوداً للتلة. وحين بلغ الحصن، استدار جانباً ليتسنى للثلاثة النظر في الوقت ذاته. لم يكن السكان بشراً أبدا. أول ما لاحظه ديرت كان الذيول والفرو، وآذان حيوانات كبيرة، تشبه آذان الذئب نوعاً ما لكنها أكثر زغبة. بدا وكأنهم بشر ممزوجون بنوع من الحيوانات، وهو على الأرجح ما كانوا عليه تماماً.
لكنهم ارتدوا ملابس سميكة ضدّ برد الشتاء واعتنوا بالحيوانات. عاشوا في خيام، تشبه كثيراً خيام قوم أنتلمو، وإن كانت أقلّ جودة في البناء. ما زالت بعض المباني الخشبية قائمة، والتي خمن ديرت أنها منازل. ربما اختبأوا فيها عندما أمطرت. كان هناك طفلان على الأقل لكلّ بالغ، حسب تقدير ديرت، وكان أغلبهم صغاراً جداً. الأكبر سناً الذي تمكّن ديرت من رصده كان أكبر منه بقليل، في عمر ماكسيم على الأرجح.
ورغم قول فيليتشي وأصدقائه إنهم لم يروا هذه القبيلة منذ جيل، فلا بدّ أن العين قد أفسدهم مؤخراً، وإلا لكان هناك من هم أكبر سناً يتجولون. واحداً تلو الآخر، لاحظهم أبناء الحيوانات. كان سوكس من رصدوه، بالدرجة الأولى، بعينيه الصفراوين الضخمتين المطلّتين فوق الحافة المسننة للسياج. ولكن بما أنه لم يكن يهاجم بعد، لم يكونوا متأكدين ممّا ينبغي فعله. انتزع الكبار أي صغار كانوا في متناول أيديهم وأمسكوا بهم بساكن قدر الإمكان وانتظروا، مراقبين، على أمل أن يقرر المفترس أنهم ليسوا طعاماً.
كانت مشاهدة الكبار مزعجة؛ كلهم أموات أحياء، بعقول خالية من أي تفكير، لكنهم يتصرفون وكأنهم ليسوا مسوخاً. ورغم فرو الوحش الذي غطّى وجوههم، كانت المشاعر التي تظاهروا بها واضحة ومقنعة. التردد، العصبية، مستويات مختلفة بطريقة ما، جعلت حقيقة أن وجوههم كانت بشرية لدرجة يمكن تمييزها الأمر أسوأ. العيون الصفراء والأسنان الحادة لم تبعدهم كفاية عن البشرية، وكانت الطريقة التي تجمعوا بها حول الصغار لتكون مقنعة تماماً لو لم يكن يعلم حقاً ما هم عليه حقاً.
من جهة أخرى، كان الأطفال أحياء تماماً. تراوحت عقولهم بين الفضول والرعب الجامح. لم يكن هناك احتواء للصغار، سوى محاولة دفعهم بعيداً عن الأنظار. صرخ الرضع والأطفال الصغار وبكوا، لكن البالغين لم يجرؤوا على التحرك بقدر يكفي لراحتهم. حاول الأطفال الأكبر سناً، بلا جدوى. لاحظ ديرت كم كان فرو الأطفال منفوشاً. كان لديهم جميعا فرو الجراء، كلّ واحد منهم فجأة، لم يعد يرغب في قتلهم.
حدّق أولئك الذين داخل السياج في أولئك الذين خارجه. لم ينبس أحد بكلمة.
صاحت شجرة في مركز القرية ذاته، في أعلى نقطة للتلة المنبسطة اللطيفة، بفظاظة: "ما الأمر، أيها الكلاب عديمة الفائدة؟ إلى ماذا ينظر الجميع؟"
وكانت تلك لغة أنتلمو، بلهجة ثقيلة. حدّق ديرت في الشجرة، متحيّراً. لم يكن فيها أيّ شيء مميز على الإطلاق. أيمكن أن تكون حورية شجرة أخرى؟ لم تكن هناك طريقة. كانت تلك الشجرة أصغر من أن تكون ذكية. فما الذي كان يصيح إذن؟ التفت سوكس ناظراً إلى ديرت، ودون كلمة دمج عقليهما معاً، دمجاً عقلياً تاماً، ونظرا مجدداً برؤيتهما العقلية المشتركة. وجدا العقل في مركز البلدة فوراً، وبدا بشرياً تماماً.
كان ذكراً، يحدّق فوق السياج في اتجاه مختلف. لم يستطع تحريك رأسه إلا إلى حدّ معين، ولم يكن كافياً لرؤية الزوار. امتلك حاسة السمع والبصر، لكن بلا أي إحساس آخر.
"أهلاً؟"
صرخ جسد ديرت.
"من هناك؟ ما هذا؟ ليفو، أكنت أنت، أيها القارض الصغير؟"
صرخ الرجل على هيئة شجرة. استدار جسد الذئب وقفز بخفة فوق الحصن ومشى بهدوء نحو الشجرة. تدافع أبناء الحيوانات مفسحين الطريق، لكنّ الذئب لم يطارد, فتوقفوا على مسافة معقولة لمواصلة المراقبة عوضاً عن الركض حفاظاً على أرواحهم. نظرا سوكس وديرت مرة أخرى فوق كل عقل في القرية ولم يجعدا شيئاً سواه. مجرد بالغين أموات أحياء، حشود من الأطفال الصغار، وبشريّ حيّ واحد. أنهيا الدمج العقليّ وعبس ديرت بينما اختفى نصف العالم.
لمَ لا يستطيع البشر السمع أو الشم بشكل أفضل؟ خطف الجرو طفلة بعقله وجلبها أقرب إلى وجهه لإلقاء نظرة أفضل. أمسك بها إلى الجانب ليستطيع ديرت وأنتلمو النظر أيضاً. صرخت وتلوّت وذعرت، متمردة ومرعبة. خدشت الأرض بيأس، ثم أمها، لكن المرأة الميتة الحيّة لم تقترب أكثر.
"مرحباً"، قال ديرت، بلغة أنتلمو، التي تحدثت بها الشجرة.
"لا تخافي، أيتها الصغيرة. نودّ فقط أن ننظر إليك".
لمحت ديرت وأنتلمو للمرة الأولى وراقب عقلها وهو يحاول استكشاف ماهيتهما. لم تحلم قط بمثل هذه المخلوقات من قبل. لوّح الصبيان لها بلطف، لكنها لم تتاثر. صرخت مجدداً وتلوّت في منتصف الهواء، فاستسلم سوكس وأنزله، محررًا إياها لتفرّ خلف أمّها.
"بكلّ أجدادي الباكين، ليأتِ أحدكم أيها البؤساء ليخبرني بما يجري!"
صرخ الرجل الشجرة. قرر سوكس فعل ذلك بنفسه. أسرع إلى وسط القرية، عابراً الخيام المسكونة مباشرة وسط استياء أصحابها وحام حول الشجرة حتّى أبصرا من كان يتحدث. كان جذع الشجرة قد اندمج مع جذع رجل عجوز، وبدا صدره العُلوي وكتفاه وعنقه مكشوفة. بلا ذراعين. وُضِع وشاح حول عنقه لتدفئته، لكن جلده كان شاحباً ومائلاً للزرقة وبدا أشبه بالموتى منه بالمخلوقات شبه الميتة. كان أصلع لكنه امتلك خصلات من الشعر الأبيض الطويل تتدلى من جانبي رأسه وصولاً ليتجاوز صدره.
تأمّلهما العجوز بعدم تصديق.
"أتعودان لمطاردتي مجدداً، أيتها الجنيات البائسة؟"
صرخ، ناظراً بكلّ اتجاه استطاعه.
"أم أنكما أرواح من العالم السفلي جئتما لتسمحا لي أخيراً بالموت؟"
"مرحباً"، قال ديرت.
"اسمي ديرت. لست روحاً ولا جنياً. وليس سوكس، الذئب، أو أنتلمو كذلك".
نظر إليه العجوز بعينين صفراوين مغشيتين، وحرّك عينيه بتركيز، فاقترب سوكس قليلاً.
"يا بني، بماذا كنت تطعم ذلك الشيء؟"
قال العجوز بامتنان.
"بما يريد، بالطبع"، قال ديرت.
"أتظنّني سأرفض طلبه؟"
رسم العجوز ابتسامة أضافت ثلاثين تجعيدة على وجهه المتهدل.
"لا أظنّ أن ما تقوله سيفرق يا بني، هل جُننت أخيراً؟ أم أن العالم يتهاوى؟ أخبرني بصدق".
قال أنتلمو: "كيف نفترض علمنا بما إذا كنت مجنوناً؟"
امتلأ عقل الرجل بذكريات، مرعبة. السماء تنشق وتلتفت ليغرق الملك الأبيض العظيم مبيداً القبيلة. كم كانوا حمقى لإغضابه! ويا له من شكل مرعب اختاره! لا بدّ من أن بروقاً وعواصف قد هبّت تلك الليلة. أم تخيّل ذلك الجزء؟ ربما كلّ شيء. من يدري ما هو الحقيقي، بعد ما رأى. أضاءت الليلة بالرعب. أضواء وصرخات ورعب. أو، لقد بكوا من أجله! وهو لأجلهم! تراجعت الذكريات، تاركة الرجل المسكين مذهولاً.
فتح فمه وأغلقه عدة مرات دون كلام. قادت شفقة ديرت إلى التفكير في المدّة التي قضاها الرجل هنا هكذا. عشر سنوات على الأقل، حسب تقديره. ربما أكثر. لا عجب في فقدانه صوابه.
"أخمّن أنك مجنون بعض الشيء على الأقل"، قال ديرت، "لكننا حقيقيون".
"حسناً، لست أدري أيعتبر ذلك تحسناً أم سوءاً. أميت أنا؟ أأنتما ميتان؟"
"كلا، أحياء جداً"، قال ديرت.
"من الناحيتين".
-أظنّ أن علينا قتلهم جميعا،- قال سوكس.
-يمكننا تخمين ما جرى هنا، رغم جهلي لسبب تركه هكذا.- "انتظر، ليس بعد"، قال ديرت.
"يبدون أبرياء تماماً، أليس كذلك؟"
-كلّ شيء هنا إمّا مسخ، أو نسل مسوخ.- "وهكذا كان آكلو لحوم البشر الذين احتفظت بهم ماكسيما في منطقتها لأنهم مفيدون أحياناً"، قال ديرت.
قال العجوز: "أحياء. كنت أخشى قولك هذا. رغم أملي في أن أكون حراً لو كنت ميتاً، ولست حراً. لذا أظنّ أنه الأفضل معرفة بقائي حيّاً. وماذا عنك، يا بني؟ وأنت، الأكبر حجماً؟ أتفضل الموت أم الحياة؟"
"الحياة، بالطبع"، قال أنتلمو.
"تقول ذلك الآن، لكن بادلني مكانك وستغير رأيك"، قال العجوز.
امتلك وجهاً معبراً بشكل مدهش، هكذا قرر ديرت. ربما كان الجنون هو ما جعل مشاعره تتلوى لتفوق حجمها الطبيعي. -لماذا وضعك الملك الأبيض العظيم في الشجرة؟- سأل سوكس.
"الآن أيقنت جنوني. أسمع أصواتاً في رأسي. أتصوران ذلك، يا أنتما؟"
قال العجوز.
"أمتأكدان من أنكما لستما جنيّين؟"
"أجل، أنا متأكد. وإن كنت تسمع صوتاً فمن الأفضل أن تجيبه"، قال ديرت.
رغم عدم اقتراب أحد، كانت كلّ عيون موجهة الآن نحو الذئب العملاق وصبييه، وهما يتحدثان إلى شجرتهما. حتّى الكثير من الحيوانات — بعض النعاج الثاغية، وعدة أبقار تبدو متعبة. تنهد العجوز ونظر إلى أسفل.
"لقد وضعني هنا لتعليمهم. عليهم تعلّم كيف يصبحون بشراً. الصيد، البقاء، التكلم والغناء، وكلّ ما يصنع حياة. لا يريد الصغار التعلّم، وليس لدى الكبار أرواح. أكبر مخاوفي هي ألا ينجوا وأعيش أطول منهم. أنا وحيد أكثر من اللازم أصلاً. يفوق احتمالي مراقبة القبر الصامت لقبيلتي، عقداً بعد عقد فارغ".
"من يطعم الجميع؟"
سأل أنتلمو.
"أه، عديمو الأرواح ما زالوا يصطادون ويزرعون المحاصيل. سيتحدثون حتى، إن خاطبتهم. لكن لا تخدعنّك المظاهر، فهم فارغون من الداخل. لا تدعوهم يخدعونكم. وما مصير الأطفال الذين يربّونهم كائنات كهذه؟ أهم أطفال أصلاً؟ يبدون كمخلوقات. لا أعلم. لكن حين يسألون، أعلمهم. لا أملك غير ذلك".
فكّر أنتلمو: "تحسباً لأي تفكير في تركي هنا مع البيضة، أرجو ألا تفعلوا. لا يمكنني العيش هنا بعد رؤية عقولهم الفارغة".
-لم نكن نخطط لذلك، يا أنتلمو الصغير الأبله. لم أفكر في الأمر قط،- قال سوكس.
"نعم، لكني فكرت، وأنا أفكر في أنني لا أودّ ذلك حقاً، لذا أرجو ألا تفعلوا".
-السؤال الحقيقيّ هو ما إذا كنا سنقتلهم جميعاً. ما رأيك، يا ديرت؟-