أرض الطرق المكسورة الفصل 1 — أشياء عتيقة

اقرأ أرض الطرق المكسورة الفصل 1 — أشياء عتيقة باللغة العربية على مانجا تايم.

أدرك أن شيئاً ما قد تغير قبل أن يدرك أنه يستيقظ. صار الهواء ساكناً وثقيلاً، يعبق برائحة التراب والرطوبة. ضغط عليه كبطانية، سميكاً لدرجة شعوره بأن التنفس يحتاج إلى جهد. تخبطت ذراعاه وساقاه، لكن لم يكن هناك مكان تذهبان إليه. حدث أمر ما، وبان نصف مدفون، كحجر قديم يغوص في الطين. كان يفعل شيئاً مهمّاً. استطاع استشعار ذلك، استشعار ضغط عجلة قديمة في قلبه. لكن أياً يكن ذلك الشيء فقد بدا أبعد من أن يُذكر، وتلاشى بالفعل.

كم استغرق من الوقت وهو يرقد هنا؟ لم تعصه عيناه حين حاول فتحهما. حاول مجدداً، لكنهما كانتا تلتصقان بمقلتيه. جافتان، كأنهما أغلقتا لفترة أطول من اللازم. انفرجت إحدى العينين قليلاً، وبمزيد من الجهد قشر جفنه طريقه نحو الأعلى حتى استطاع الإطراف. لم يكن فوقه سوى خضرة غائمة ومبهمة. ضباب بلا ملامح. لمَ لم يستطع الإبصار بوضوح؟ رمش ورمش مجدداً وحاول الجلوه. قبض عليه التراب، ممسكاً به بقوة الشفط.

تشبث بجلد، متفتتاً ما إن تحررت ذراع واحدة، ثم الأخرى. فرك عينيه بيديه ومسح شيئاً أثخن من أن يكون دموعاً. نوعاً من الهلام. منحه الاشمئزاز دفعة من الطاقة، فانتزع نفسه من الأرض، محاولاً بيأس مسح أياً يكن ذلك الشيء عن وجهه ويديه. بات بوسعه الرؤية الآن، وأدرك فوراً أن هذا المكان لا عهد له به. لا يشبه البتة المكان الذي كان فيه للتو، والذي كان… عجز عن التذكر. لكن الآن، تحيط به من كل اتجاه وبكل حدب وصب صحارى من السرخس، ترتفع حتى خصريه.

نمت متراصة بلا مسافات فيما بينها. كانت الأرض منبسطة على مدى بصره، لا شيء سوى أعمدة من. لا، لم تكن تلك أعمدة. كانت أضخم من ذلك بكثير. تبعت عيناه إحداها صعوداً حتى التقت بالغطاء النباتي في الأعلى، حيث رأى أغصاناً عظيمة. ليست أعمدة. أشجاراً. أشجاراً أطول من أن يقرها العقل، تفصل بينها مئات الخطوات. شاهقة باستحالة. عريضة، أطول بكثير مما يحتمل. لا شيء يمكن أن يكون بهذا الحجم.

دارت رأسه لمجرد النظر إليها، لمجرد استيعاب ضخامتها. عادت عيناه لتنزلقا إلى الأسفل، فرأى هلاماً شفافاً يحيط به في بركة رقيقة بعرض قدم أو قدمين، كأنه سقط وانفتح فجأة فكان ذلك جوفه. غطاه بطبقة سمكها بوصتان، باستثناء ما مسحه منه بالفعل. حين مسح الهلام الملتصق بجسده وأبعده، تبين أنه عارٍ تماماً. لم يكن ذلك صحيحاً أيضاً، فمن المفترض أن يرتدي شيئاً ما. ملابساً. الهلام أمر خاطئ.

كان حريّاً به ارتداء ملابس. ومع أن الكلمة حضرت في ذهنه، إلا أنه حين حاول تخيل شكل الملابس، أو حتى ماهيتها، لم يأتِهِ شيء. لا شيء سوى فقدان ذاكرة حالك. لا شيء البتة عمن يكون، أو من أين أتى، أو لمَ هو هنا. كان يعرف الكلمات، فأي كلمة رغب في تذكرها أتته فوراً. لكن لم تصاحبها أي صور، لا شيء يمكنه إخباره بما تعنيه الكلمات حقّاً. منزل. المكان الذي يعيش فيه المرء. وكيف يبدو؟

أي نوع من الأماكن هو؟ لا شيء. طعام. عربة. شارع. قطة. رداء. يد. اليد عرفها، إذ رأى يده. لكن الصورة الذهنية الوحيدة التي امتلكها للأيدي كانت اللحظات الخاطفة التي ألقى عليها نظرة. وجه؟ لا شيء. لم يره. كان بشرياً ومع ذلك لم يكن يدري كيف يبدو البشري، أو ما يعنيه أن يكون للمرء كيان بشري. حين مسح المزيد من كتل الهلام عن فخذيه، أدرك أن جسده غير صحيح. كان مجرد شعور، لا أي نوع من المعرفة الموثوقة، لكنه لم يكن الجسد الذي توقعه.

بدا أملس من رقبته حتى أخمص قدميه، ولم يكن ذلك صحيحاً. أم كان كذلك؟ كان ناعماً وشاحباً قليلاً، وبدت نسبه غير متناسقة. طفل. كان طفلاً، بشرياً صغيراً ما زال ينمو. نسلاً بشرياً، لا بالغاً كما يفترض أن يكون. راشداً. أليس كذلك؟ ما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟ استشعار معرفة على حافة ذهنه، بعيدة عن المتناول بفارق ض كلما كافح لإمساك بها، انزلق أبعد. أخذ عدة أنفاس عميقة، محاولاً إجبار عقله على التنظيم والاستقرار بقوة الإرادة المحضة.

قال بصوت عالٍ: "حسناً".

أرعبه صوت صوته. ما كان له أن يكون بهذا العلو.

"حسناً، أين أنا؟"

ساعده النطق على التركيز. غدا عقله أكثر صفاءً قليلاً. كان الهلام على الأرض يتبخر بالفعل، مخلفاً تربة نظيفة مع جفافه واختفائه. راقبه وهو يزول. تبخر من شعره أيضاً، مفككاً إياه عن رقبته وجبهته. سرعان ما جف جلده تماماً. التف في دائرة بطيئة، مدققاً النظر في الأفق بحثاً عن أي ألام… لأي شيء. كانت الغابة مذهلة حقّاً. بعيداً، بعيداً في الأعلى، كانت السماء خضراء بالكامل، أشكالاً من الضوء والظلمة في الغطاء النباتي الغني بالأوراق.

كان شاهقاً لدرجة حالت دون تمييز شكلها، لكنها التقطت كل شعاع ضوء شاذ ولم تدع شيئاً يصل إلى الأرض. ولا شعاع شمس واحداً في أي مكان. فقط خضرة متقطعة تحجب السماء بأسرها. ما الذي كان هناك في الأعلى؟ ما الذي يمكنه العيش وسط هذا الارتفاع المستحيل؟ وتحت السماء الخضراء، فراغ هائل لا شيء فيه سوى جذوع أشجار رمادية شاحبة. مساحة أكبر من أن يستوعبها عقله. وحاول عقله—فالمشاهد في الأعلى والأسفل جعلته يظن أنه قادر على إدراك المساحة بينهما، ومعرفتها وتقديرها، لكنه عجز.

جعله ذلك لا يشعر سوى بأنه مجرد ذرة. هنا على الأرض، غطت سرائخ خضراء داكنة كل شيء، وعرة كمياه محيط هائج في الليل. توقف، متسائلاً عن شكل المحيط، وكيف عرف تلك الكلمة. لم يكن لديه أدنى فكرة، لكنه أدرك أن السرخس يشبهه. لكن أفكاره سرعان ما فرت كلما اكتفى بالنظر حوله. كادت روعة المشهد تودي به. هذه الجلالة، هذا السلم التام! لم يجسر على إغلاق عينيه وفوات شيء ما. كان عليه أن ينظر، أن يطيل التملي في السرخس والأشجار والآفاق البعيدة التي تتلاشى في الظل حتى يفهم.

كان عليه استنشاق الهواء الثقيل، المفعم بالرطوبة والتراب المبلل. استشعار الأرض تحت أصابعه، وسخة وسوداء. كان عليه استيعاب كل ذلك. تلاشى القلق الذي كان يتسلل على حواف ذهنه أمام صمت الغابة المهيب. لم يتحرك شيء، ولا حتى همس. استراحت الغابة في مهابة، منيعة. مقدسة. أصخ السمع للحظة، سامعاً دماءه تضخ في أذنيه ولا شيء غير ذلك. كان الهدوء مطبقاً. بعيداً في الأفق، نعق طائر. استدار لينظر لكنه لم يتبينه.

أكان باستطاعته رصده في مثل هذه المساحة الهائلة؟ كيف يبدو الطائر بالأصل؟ على أي حال، بعث الصوت الارتياح في نفسه أول الأمر، لكنه ما لبث أن تلاشى إلى رهبة خفية. ازدادت الغابة قتامة بدرجة. وربما خطورة. كان وحيداً ولا يعرف شيئاً، وهناك كائنات حية هناك لا علم له بها.

تمتم، وهو يتذوق طعم الكلمة: "أنا وحيد. وحيد، وحيد..."

حقّاً، أكان هناك بشر آخرون من الأساس؟ فكر في الأمر لحظة. لا بد من وجودهم. لم يكن يعرف من هم، لكن جزءاً ما منه تذكر شعور وجود آخرين حوله، على نقيض غيابهم المتقشف الآن. تسللت ومضة طاقة إلى داخله مع تيقظه أكثر، وتنظمت أفكاره بصورة أكبر. فهو لا يستطيع الوقوف هنا في ذهول طوال اليوم، بعد كل شيء؛ إذن، ماذا الآن؟ كان طفلاً، وهذا يعني أنه ضعيف. يحتاج إلى الأمان. الحماية. المأوى.

وكان عليه توفير ذلك لنفسه. احتاج أيضاً إلى الطعام والماء. عرف الكلمات، لكن كلما زاد سعيه لاستدعاء ذكريات حول ماهية الطعام، وشكله، ومذاقه، قلّت معرفته به. أفلت الفكرة، خوفاً من أن يطردها إلى الأبد. آن أوان التحرك. مد قدمه، ثم ابتلع لعابه رعباً من احتمال أن يكون قد نسي كيفية المشي. لا، لا، لم ينسَ. لا تفكر، امضِ فحسب. تقدم بهدوء، مسترخياً حين وجد المشي أمراً طبيعيّاً.

احتك السرخس بجلده وهو يشق طريقه وسط الهواء الساكن الثقيل. أتاح له التحرك استنشاق الرطوبة، والرائحة الداكنة لتحلل النباتات، وغنى التراب تحته. بدا المشي ممتعاً. جمع جسده طاقة مع تقدمه، مستيقظاً بدرجة أكبر. شعر بحيوية طاغية، أكثر بكثير مما تذكر! أوه، ماذا تذكر؟ انزلقت تلك الفكرة قبل أن يتمكن من تفحصها. ليكن. ابتسم وركض، وجاءت الحركة طبيعية كالتنفس. انطلق بأقصى سرعة أمكنته وسط السرخس، مراوغاً يمنة ويسرة.

كانت الأرض السوداء الناعمة مثالية للجري. لا حجر ولا عصا تذكر، لا شيء حاد يمكن وطؤه. لم يمتلك كل هذه الطاقة من قبل، كل هذا الحيوية والشرارة. وجد نفسه مبتهجاً لقدرته العالية على الحركة، ولهذا التحرر. ضحك وركض مسافة طويلة حول جذع شجرة. تركه ذلك منهكاً في النهاية، إذ توجب عليه الدوران حول الجذور بأكملها أيضاً، وكانت أطول منه، حتى على بعد خمسين خطوة من الجذع.

صاح باتجاه جذع الشجرة: "أيها الرفيق!"

ثم أردف: "أيها الرفيق، أهناك أحد في الأعلى؟"

بالطبع لم يكن هناك أحد، لكن التحرك وإحداث الضجيج أدخلا السرور إلى نفسه. لا عجب في أن الأطفال يحبون اللعب! صاح مجدداً، مطلقا صيحة عالية ومصيخاً السمع للصدى الخافت الصادر من جذع الشجرة. ابتلع السرخس معظم الصوت، لكن ليس كله. عاد صوته إليه في كل مرة. صرخ بأعلى ما أتيح له، ثم أنصت لعد الصدى. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة...؟ عاد إليه صوت ليس صوته. تجمد الدم في عروقه. ما هذا، تلك الصيحة الغريبة؟

على أي مسافة؟ حبس أنفاسه وأنصت. جاء مجدداً.

قال الصوت: "أين!"

بدا الصوت حاداً كصوته، لكنه غير بشري، هدير مركب من عشر صرخات بنبرات مختلفة.

"أين!"

راحت عيناه تجولان بيأس وسط الخضرة بحثاً عن المصدر. كان هناك معه في الأسفل، قريباً بما يكفي للسمع. أين كان— لمح حركة وانقض تحت السرخس. كان قادماً باتجاهه. ما الذي رآه؟ رأساً أخضر وسخاً، وأذنين خضراوين طويلتين مدببتين. شيئاً بطوله، لكنه أثخن وخطير. يا ملوك المجد، ما هذا؟

ناد مجدداً: "أين! ولد جيد. اخرج!"

غرز الصوت مسامير في عقله. استبد به رعب عجز عن مقاومته. عجز عن الحركة. بالكاد استطاع التنفس.

"اخرج! ولد جيد!"

أياً يكن ذلك الشيء، فقد كان خطيراً. سمع خبثاً شغوفاً في صوته المتشقق والمبحوح. كان قادماً باتجاهه. قد يجده. ماذا ينبغي له أن يفعل؟

"لحم! تريد؟ تريد؟ ولد جيد! اخرج!"

أيقاوم؟ لا، افتقرت ذراعاه إلى العضلات. كان كل شبر فيه نحيلاً وناخراً. حتى قدميه لم تمتلكا جلداً صلبباً. كنت قوياً ذات يوم، فكر، قبل أن تفر تلك الفتات من الذاكرة منه. ألعله يهرب؟ كم بلغت سرعة ذلك الشيء؟ كف المخلوق عن الصراخ. أنصت برعب خانق وهو يحك السرخس باحثاً عنه. هذه هي النهاية. كان أقرب من اللازم. لقد انتظر طويلاً. وقف ليلقي نظرة وكاد يسقط على قفاه رعباً. شيء كريه يشبه البشر بلون أخضر وبوجه مدبب غير بشري يشم الهواء على بعد خمس خطوات فقط.

رآه فسمر عينيه الحمراوين الضئيلتين عليه بابتهاج مفترس. كان أقصر منه بقليل، لكنه سميك ومفتول بالعضلات. انتهت أصابع يديه وقدميه المعقدة بمخالب صفراء متفتتة، وبرزت أذنان طويلتان من رأسه تتدليان في نهايتهما. هوى بعظمى ثقيلة طويلة يحملها على الأرض بقوة هزت رئتيه.

قال ووجهه ينفرج عن ابتسامة عريضة لأسنان حادّة متعفنة باللونين الأسود والأصفر: "ولد جيد".

كان ميتاً. تحرك جسده قبل عقله. ركض بكل ما امتلك من قوة. ضحك المخلوق الأخضر الصغير الشبيه بالمسوخ وشرع في مطاردته.