تقدّم أنتيلمو القافلة هذه المرة، وهو أمر لم يفعله من قبل. كان يكتفي عادة بالجلوس خلف ديرت مسنداً ذراعيه إلى كتفيه، أو يتمدد مستلقياً على ظهر سوكس مراقباً السماء. ليس الآن. كان أكثر قلقاً ممّا رآه ديرت أو سوكس من قبل، وعقله يضج بمئات الأفكار المبعثرة.
استوى جالساً وثبت وجهه في وجه الريح بخشونة، شارعاً كفارس، وقال بصوت عال: "ديرت، هل يمكنك الاستعداد لصنع بعض الأنوار الساخنة؟ سنحتاج إلى تدفئته إن كان حياً. وما إن يسخن، حتى نتمكن من تغطيته بمزيد من ملابس بياندينا. مع أنني لا أدرك حجمه. وسوكس، هل يمكنك التأكد من عدم وجود شيء آخر يأتي لأخذه؟ كل الكائنات تأكل البيض لذا قد نحتاج إلى القتال. وليس لدي سوى ذراع سليمة واحدة الآن. أرجوك؟"
وافق ديرت وسوكس على كل ما طلب تقريبا، مستمتعين بمدى جديته أكثر من أي شيء آخر. وكانت فكرة مثيرة للاهتمام حقا، محاولة تربية غريفون. تتبع سوكس الأثر بسهولة تامة وكان ليجد العش بعينه حتى لو لم يكن يملك رائحة يقتفي أثرها. خلفت تلك الزلاجة مساراً من الثلج المسطح كبيراً لدرجة أنه قد يكون طريقاً معبداً. لم تكن المسافة طويلة؛ مجرد خمسة أو ست بالكثير من التلال العالية. بالكاد كان سوكس يلهث عندما وصولا إلى هناك.
كان العش مرظي بوضوح، كومة عملاقة من الأغصان والأعشاب ومختلف الأشياء، تعتلي نتوءاً صخرياً مسطحاً كفاية ليستلقي عليه سوكس. كان المشهد حول العش عنيفاً. وقع عراك أكبر ممّا أفصح عنه الرجال، مع أن البشر لم يبد أنهم شاركوا في معظمه. تمزق الثلج في كل مكان حول العش، وتناثرت ريشات حمراء ورمادية وبيضاء مع لطخات من الدماء الداكنة. حاول أنتيلمو القفز إلى الأسفل للركض نحو العش أسرع بينما كان سوكس يتلفت، فأمسكه الجرو وأعاده، ثم قفز هو بنفسه.
هبط بمخلبيه الأماميين على حافة العش وأمسك بأنتيلمو ليضعه برفق، مباشرة بجوار بيضة بيضاء هائلة، بعرض قدمين على الأقل في أوسع نقطة، ومزينة في كل أنحائها ببقع حمراء وذهبية.
"إنه حي!"
صاح أنتيلمو، وكان محقاً. رأى الثلاثة عقل المخلوق المسكين الصغير، مجرد شرارة. وكل ما أدركه عقله شبه الواعي أنه كان بارداً.
أدرك أنتيلمو ذلك في نفس اللحظة مع البقية وصاح: "أسرع، دفئه! دفئه!"
وقف وسابق الخطى ليعود ويشير على ديرت بشكل مباشر أكثر. قفز ديرت إلى الأسفل، وتهشمت الأغصان والفروع بصوت عال تحته، وركع ليلقي نظرة فاحصة. كانت البيضة باردة، لكن البرودة نسبية؛ وكانت البقعة أدفأ بوضوح بقية محيط الأرض. استقرت البيضة على حشوة مريحة من الزغب الناعم والأعشاب المهروسة لتكون وسادة، ومن شكل العش، استنتج ديرت أن الأم سترقد معها تحت صدرها، لا في منتصف بطنها.
ومما زاد طين بلة في تفكيره، أن الغريفونات تمتلك خصلة ريش أكبر هناك مقارنة بالأماكن الأخرى. -أشم رائحة روكي هنا فضلاً عن الغريفون والبشر.
أعتقد أن العش تعرض للهجوم، وقتل البشر الأم بعد انتهاء القتال.- "هذا يفسر الفوضى"، قال ديرت.
طرقع أصابعه بضع مرات لاستدعاء الأنوار، ثم حولها بسرعة إلى جمرات دافئة وجعلها تحوم بالقرب من القشرة. وضع أنتيلمو يداً خاشعة على البيضة وحدق بتركيز شديد بدا وكأنه يستطيع الرؤية داخلها. وبمعنى ما، استطاع؛ أدرك ديرت سريعاً أنه كان يراقب عقل البيضة، منتظراً أن تتوقف عن الشعور بالبرودة. انضم إليه ديرت وراقب بحذر. وقف سوكس فجأة باستقامة وهز ذيله، وتشنجت أذناه. تغيرت كل هيئته إلى حماسة خالصة، لدرجة أن كلا الصبيين نظرا إليه بارتباك.
وقبل أن يسأل ديرت حتى قال: -إنها الأم! لم تعد ترقد وتراقبني من جديد.
وتقول إن الأب عاد بالفعل إلى الجعر وانطلق نحو الجبال.- "أه، هذا رائع. كم مر من الوقت؟ بضعة أشهر؟"
سأل ديرت.
-منذ أن بدأ الجو يبرد بعد الصيف.- "كل هذا الوقت؟ لم أكن أدرك."
-أنت لا تتحدث إليها بقدر ما كنت أفعل.- "هل يقصد أمه؟ إحدى تلك العملاقات الذي حدثتني عنها؟"
همس أنتيلمو بصوت عال. أومأ ديرت برأسه، وابتسامة بارعة شقّت طريقها على وجهه. لم يكن متأكداً ممّا إذا كانت الأم أو الأب مرجحاً أكثر لتحذير سوكس بشأن أي خطورة حقيقية يواجهها، لكن كان من الجميل معرفة أنهما يراقبانه. وبدا سوكس مسروراً حقاً الآن. كان يشع سعادة تكاد تفيض، فرأسه ينخفض صعوداً وهبوطاً وذيله يهتز وكأنه يريد الذهاب في نزهة جري. استدار الجرو الكبير وركض نحو قمة التل وأطلق عواء طويلاً، رغم أن الأم كانت بالتأكيد أبعد من أن تستطيع سماعه.
ترك ديرت وأنتيلمو شأنه، وهما يتبادلان الابتسام. غير أن ابتسامة أنتيلمو تهاوت، وحاول إخفاء أفكاره للمرة الأولى. افتقد أمه فجأة، برغم أنها كانت قاسية عليه عادة، وكل أشقائه. تظاهر ديرت بأنه لم ير شيئاً. ما إن توقفت البيضة عن الشعور بالبرودة، حتى لفاها بإحكام في معطف بياندينا، الذي كان بحجم كاف تماماً لإنجاز المهمة.
"أتعرف أي شيء عن تربية الغريفونات؟"
سأل ديرت.
"لا، ليس لدينا منها حيث أقطن. لم أسمع بها سوى منك. كان ذلك الميت أول ما رأيته"، قال أنتيلمو.
جلس على الأرض وساقاه متقاطعتان، مستقراً في مكانه بينما حاول مقاومة تربيت البيضة أكثر.
"إذن من أين لك فكرة تفريخ بيضة؟"
"فكرت في الأمر حينها"، قال أنتيلمو، وتحولت ابتسامته الملصقة إلى ابتسامة حقيقية ومشاكسة.
"حقا؟"
"نوعاً ما"، قال أنتيلمو.
غير وضعية جسده وبدا وكأن لديه المزيد ليقوله، لذا التزم ديرت الصمت.
وما إن استقرت أفكاره، قال: "حسناً، سأعلمك شيئاً. أتعرف الفرق بين المستأنس والأليف؟"
"أهناك فرق؟"
"نعم. الأليف حين تربي حيواناً ليحبك. المستأنس مختلف. يمكنك ترويض رانغولي، إن وجدت جرواً. لكنه لن يقبل بك وحدك أبداً، وإن لم تعامله بحرص فقد يتحول إلى البرية مرة أخرى ويأكلك على أي حال. لم أره يفعلها من قبل لكني أعرف أناساً فعلوها. "هذا يختلف عن الكلب.
الكلاب ليست هكذا. ما إن تدرب كلباً، سيعرف ألا يعض أحداً، ليس أنت وحدك. ولن يتحول إلى البرية من تلقاء نفسه. صُممت الكلاب لتعيش مع البشر. مثل الغنم. أو الخيول. لكن الخيول مختلفة قليلاً. تولد برية، ولكن ما إن تدربها، تصبح مستأنسة، لا أليفة فحسب.
يمكن لأي شخص ركوب حصان مدرب، لا سيده فحسب."
تساءل ديرت إن كان سوكس قد تجاوز الحد وأصبح أليفاً بعض الشيء، عكس تحذيرات الأم المبكرة. لن يعض ديرت أو يهاجمه أبداً، ويبدو أن هذا ما يعنيه الأليف. لكن هذا يجب ألا يُحتسب، إذ إنه لو سأل سائل، لكان ديرت هو الحيوان الأليف، لا سوكس.
تابع أنتيلمو: "الغريفونات ليست مستأنسة، أنا متأكد، وإلا لكانت لدينا بالفعل. لكني أراهن على أنني أستطيع ترويض واحد، إن ربيته من صغره. ربى بابو السمان ذات عام وكانت تأتي حين يناديها. لذا أعرف كيف أفعلها."
"لا يمكن أن يكون الأمر بهذه السهولة مع ذلك"، قال ديرت.
"إنهما ضخمان. وأذكياء. تقريباً بأذكياء البشر، على ما أعتقد، من المرات القليلة التي اقتربت فيها من أحدهما."
"نعم، وأتعرف ما هو أصعب شيء في تربية أي حيوان؟"
سأل أنتيلمو، وعيناه تبرقان بحماسة صبيانية.
"إطعامها؟"
"معرفة ما تدور حوله أفكارها، والتأكد من أنها تفهمك"، قال أنتيلمو.
"أه"، قال ديرت.
"يبدو ذلك جلياً، الآن وقد قلته."
حدق ببصره العقلي نحو العقل الصغير الضئيل، الآمن والدافئ والهادئ.
"نعم"، قال أنتيلمو.
"أستطيع رؤية أفكاره. سأركبه. إنه على شكل حصان بأجنحة."
مد الصبي الأكبر يده عندئذ ليمسد البيضة. وراقب ديرت وهو يبدي تعلقاً بها بالفعل. جزئياً مع الكائن الذي تمثله، بما أن رؤية عقلها جعله حقيقياً بطريقة لا يمكن لبيضة فارغة أن تكون بها، وجزئياً مع ما يأمل أن تصبح عليه.
"إن كانت أنثى، فسأقوم بتزويجها بطريقة ما وأساعد في تربية الصغار، وإن كان ذكراً، فسأتدبر أمراً آخر. لأني إن تمكنت من الحصول على سرب كامل، فسيكون بوسعي تكوين فرقة حاربي الخاصة. لن نحتاج حتى إلى ماكسيما لحمايتنا حينها. سأضطر لتعليم آخرين كيف يرون العقول"، قال أنتيلمو.
أصبحت عيناه بعيدتين وهو يتحدث، متخيلًا.
"سأضطر لممارسة الرماية، لكننا سنستطيع صيد أي شيء. ما عدا الذئاب. كان بإمكاننا حتى مقاتلة ذلك... العين."
فكر ديرت في الأمر. كان فرسان الدوق قوة قتالية لا تصدق حقاً، لكنهم تطلبوا الكثير من الصيانة. احتاج كل رجل إلى مساعدة عدة رجال آخرين لارتداء درعه وخلعه، على سبيل المثال. لذا شك في أن الأمر سيكون بسهولة ما ظنه أنتيلمو، لكن بصراحة، كانت تلك تخطيطاً أكثر ممّا فعله ديرت لأي شيء، حتى الآن. سأل أنتيلمو سابقاً عن خطط ديرت الأكبر وكيف سينقذ البشرية بالفعل. حسنًا، بصراحة، لم يكن يدري.
لم تكن لديه خطط. كانت لديه بضع غايات، لكنه كان يأمل أن تتضح الغايات بمرور الوقت وأن تأتيه الأفكار عندما يحتاج إليها. لكن ها هو أنتيلمو، يتصرف بنزوة ويفكر بالفعل قبل عشرين عاماً إلى الأمام. إذن ماذا بوسع ديرت أن يفعل، على أي حال؟ كان أفيتوس سيد مجمع السحرة، وهو ما حسب ديرت أنه نوع من منظمات التدريب للسحرة. لكن بدا أن ذلك لا يغطيه تماماً. فقد حظي بالهيبة والاحترام والثراء أيضا.
ليس فقط الطلاب. وكان لديه أصدقاء أقوياء يماثلونه في الذكاء، إن لم يكن في الطموح. حسنًا، منح ذلك ديرت فكرته المجنونة، فكرة كان يديرها في ذهنه سابقاً لكنه لم يمنحها وقتاً كافياً قط. سيبدأ مجمعاً جديداً، ولكن بدلاً من كلية السحرة، سيُطلق عليه اسم آخر. سيكون عليه التفكير في اسم. أولاً، سيكون عليه التفكير بالضبط فيما يخصه، ومن سيكون فيه. لم يكن ذلك صعباً. ينبغي أن يكون لأناس مثله وسوكس، بالطبع.
أشخاص يسافرون حول العالم ويخوضون مغامرات ويساعدون البشر، ليعيدوا جعل العالم قابلاً للعيش مرة أخرى. الاستكشاف والتعلم. ربما إيجاد كنوز قديمة وإعادتها جديدة. أماكن قديمة. أفكار قديمة. يمكن لشتى أنواع البشر الانضمام، إذ سيكون لديه أدوار كثيرة مختلفة ليملأها. يمكنه تعليم سحرة جدد، لكنهم سيكونون جزءاً واحداً فقط منه. مقاتلون مثل فرسان الدوق وأسياد الغريفونات مثلما أمل أنتيلمو أن يكون، إن انضموا.
كلية... شيء ما. سيأتيه. لكنه ابتسم لنفسه، لأنه كلما فكر في الأمر أكثر، بدا أكثر صواباً. سيحتاج إلى شيء يرعاه عندما يكبر، وإلا فلن يشعر بأنه نفسه. -تقول الأم إنك لست مستعداً لتفريخ بيضة كهذه، ومن المرجح أنها ستموت،- قال سوكس، عائداً إلى النزول.
"سأجربها على أي حال. إن سمحتم لي بذلك"، قال أنتيلمو.
أظهر تلميحاً من الخوف على وجهه وانحنى قليلاً أقرب إلى بيضته.
"لا تكن منزعجاً أكثر من اللازم"، فكر ديرت.
"أظن أنه عندما تقول الأم أموراً كهذه، فهي تأمل سراً أن يثبت خطؤها. قالت لسوكس إنني ربما أموت أنا الآخر، وها أنا هنا."
-تقول الأم إن عليك قلب البيضة أربع مرات كل يوم، وإلا فستموت. وعليك إبقاؤها دافئة، لكن إن جعلتها دافئة أكثر من اللازم فستموت، والفارق بين ما هو مضبوط تماماً والموت هو دفء يسير فحسب. وتقول إن البيض يتنفس، لذا لا يمكنك لفه بإحكام أو إبقاؤه مغطى،- قال سوكس. بدا صوته العقلي متردداً، كأنه لم يكن مقتنعاً تماماً هو الآخر. لقد بدا الأمر وكأنه جهد أكبر مما أدركاه.
"هذا لا شيء. سأفعلها، إن ساعدتموني. وإن لم ترد، فأنا أتفهم. ربما يمكنك أن تتركني مع هؤلاء الرجال، ويمكنهم مساعدتي، برغم أنني لست من قبيلتهم"، قال أنتيلمو.
لم ينته سوكس تماماً بعد، مع ذلك. قال: -تقول الأم إنها لن تفقس قبل شهرين آخرين، وإن أخطأت ولو لمرة واحدة، فستموت. وعندما تفقس، ستكون عاجزة وعمياء، لكن منقارها سيظل حاداً، وعليك مراقبتها دائماً وإبقاؤها دافئة وجافة. سيكون عليك إطعامها شرائح اللحم طوال اليوم طالما كانت مستيقظة، قليلاً في كل مرة كل بضع دقائق حتى تفتح عينيها، وإلا فستتمرض. سيستغرق ذلك بضعة أسابيع. حينها يمكنك إطعامها ببطء شديد حتى يصبح كل بضع ساعات، ولكن بكمية أكبر دفعة واحدة.
-لن تطير طوال عام كامل. لن تحاول حتى. لكن طوال ذلك الوقت ستكون صسغيراً صغيراً ذو إرادة مستقلة خاصة به. سيكون عليك مراقبتها وحمايتها. وبعد عام عندما يشتد رأس ريشها، سيكون من الصعب تتبعها وربما تموت حينها إن لم تكن قد ماتت بالفعل. لن تطير بعيداً، لكنك لا تستطيع الطيران على الإطلاق للذهاب والبحث عنها.- أومأ أنتيلمو برأسه، مرعوباً لكنه لا يزال مصمماً. بوسعه فعل ذلك. كان يراقب الأطفال الصغار طوال حياته، وحصانه فوق ذلك.
وساعد في تدريب أكثر من قطيع من الكلاب. -سيكون عليك إطعامها حيواناً كاملاً كل يوم، مما يعني أنه سيتحتم عليك قضاء كل وقت فراغك في الصيد وأمل أن تظل آمنة. بعضه في الصباح، وبعضه في المساء. تخزن الغريفونات طعامها. -أيضاً، تقول الأم إن الأمر سيستغرق عشر سنوات قبل أن تكتمل نمواً. فهي تنمو أسرع من البشر لكن أبطأ من الذئاب. وستكون قادرة على الصيد بمفردها بعد ثلاث أو أسنوات، لكن بأمان فقط متى بلغت الخامسة من عمرها.
وإن استطعت إيصالها إلى سن الخامسة، فمن المرجح أنها ستنجو. وما إن تقترب من الاكتمال نمواً، فحينها يمكنك ركوبها، وليس قبل ذلك، حتى لو بدت كبيرة بالقدر الكافي. عظامها أخف وزناً وستكون هشّة حتى تبلغ سن الرشد. أه، ويمكنني أن أشم أنها ذكر.- ابتلع أنتيلمو ريقه وأومأ برأسه، وبدا وجهه شاحباً كلما تعمق الفهم داخله.
لكنه اهتز قليلاً واستوى في جلسته وقال: "أستطيع فعل كل ذلك. سأفعل."
-تقول الأم إن الغريفونات أذكياء، وهذا يعني أنهم مصدر للمتاعب. ستكون له آراؤه الخاصة حول كل شيء ولن تكون سيده أبداً كإنسان مع كلب أو حصان. سيكون عليك إقناعه والتفاوض معه مراراً. كما أنه لن يقبل بأن يُترك خلفاً.
إن ربيته، فسيتعين عليك الاحتفاظ به إلى أن يموت أحدكما.- "أهذا ممكن أصلاً؟ أسيقبل بي على الإطلاق؟"
سأل أنتيلمو. -تقول الأم إنهما مخلوقان وفيا للغاية. فقط الكثير من العمل. لذا أظن أنه إن أحبك وهو صغير، فسيكن يحبك عندما يكبر،- قال سوكس.
-أعتقد أنه سيكون صديقك.- "يبدو الأمر وكأنها تحاول إثنائي عن الأمر"، قال أنتيلمو.
"أهذه فكرة سيئة؟"
قال ديرت: "لا، لقد فهمت خطأ. إنها تخبرك أن الأمر شاق، لكنها تعطيك توجيهات لتكون مستعداً. الأم كريمة بشكل لا يصدق أحياناً. أنت تعرف الآن تماماً ما عليك فعله، أليس كذلك؟"
-تعتقد الأم أن هذا مضحك. لقد توقفت عن المراقبة لفترة قصيرة للراحة، وها نحن أولاء بعيدون جداً نلعب في الثلج والإنسان الجديد الذي التقطته يريد تبني غريفون،- قال سوكس. انحنى ليشم البيضة مرة أخرى، ثم أزاح معطف بياندينا بعيداً بأسنانه ليترك البيضة تتنفس.
"حسناً، الاستكشاف وإحداث المتاعب هو عملنا، لذا آمل أن تكون سعيدة. كيف حال إخوتك؟ أقالَت شيئاً؟"
سأل ديرت. -الأخت الكبرى في أوجينا الآن تحصل على رسنها الخاص ليكون لها جيوب. البشر أكثر خوفاً منها مما كانوا مني لأنها أكبر بكثير مما كنت، لكنهم ودودون، وقد أحضرت لهم بعض الماشية للتجارة. ذهب الأخ الأكبر والأخ الأصغر إلى الجبال حيث الأب الآن.
ذهبت الأخت الصغرى إلى الصحراء وتحاول إيجاد إنسانها الأليف الخاص، لكن ليس هناك أناس احتياطيون بعد وهي تخشى أن سرقتها لواحد هكذا، سيجعله حزيناً.- خرخر أنتيلمو بمرح وقال: "إنها محقة في ذلك. سيكون التعرض للاختطاف بداية سيئة."
لم يُحِد بنظره عن البيضة، إلا ليلمح معطف بياندينا، متمنياً إعادته عليها. لم يتحدث أحد لفترة بينما كانوا يدرسون آفاقهم. ضج عقل أنتيلمو بكل الأمور التي كان عليه فعلها، وما يعنيه ذلك. عشر سنوات كانت وقتاً طويلاً، طويلاً جداً. أكان الأمر يستحق العناء؟ أسيؤتي ثماره في النهاية؟ من أين سيحصل على ما يكفي من الطعام؟ والأهم فوراً، أكان ديرت وسوكس سيساعدانه في إبقائه دافئاً؟ -ثمة شيء قادم،- قال سوكس.
وثب كلا الصبيين على أقدامهما وتلفت حولهما. لم يسمعا أو يرعا شيئاً حتى لحظة لاحقة، عندما تمايل غريفون ملطخ بالدماء ورث الهيئة فوق قمة التل وشق طريقه نحوهما، منزلقاً جزئياً وهو ينزل المنحدر الثلجي. كان مصاباً وممزقاً وتنقصه جناح كامل، ومخلفاً وراءه أثراً من الدماء الطازجة. كل حركة يقوم بها كانت تنضح بالألم. رآهما بعينه الواحدة المتبقية وحاول إطلاق صرير، لكنه كان أقرب إلى أنين متعب.
صرخ مجدداً، بقوة أكبر قليلاً، وأسرع. -أعتقد أن ذلك هو أبو هذه البيضة. قلت إنني أشم رائحة روكي هنا وأعتقد أنه لا بد أنه خسر قتالاً. أو فاز، بما أنه لا يزال حياً. بالكاد،- قال سوكس، وكان صوته العقلي واقعاً بين الشفقة والحذر. لم يعد المخلوق يبدو تهديداً كبيراً، لكن المرء لا يدري أبداً. كلما اقترب، كلما استنفد أي مدخرات أخيرة من الطاقة كانت لديه، ناوياً بوضوح بذل آخر ما بوسعه لدرء التهديد عن بيضته.
تراجع ديرت وسوكس واستعدا للقتال، لكن أنتيلمو وقف ووضع المعطف برفق فوق البيضة مرة أخرى، ثم انحنى واحتضنها. رفع نظره إلى الغريفون وحبس أنفاسه. ثم جمع كل تركيزه العقلي وتحدث مباشرة إلى عقل الغريفون، مرسلاً مشاعر الحب والحماية، التي لم يضطر لإجبار نفسه على شعورها. وضمن ذلك صورة عقلية لنفسه وهو يحرس البيضة، مبقياً إياها دافئة حتى تفقس. لم يفهم الغريفون الذكر تماماً، إذ إنه لم يتعرف على الأفكار في البداية على أنها قادمة من خارج نفسه.
لكن أنتيلمو كررها بإخلاص أكبر، بطريقة بدت وكأنها استجداء. توسل. وضع رأسه برفق على البيضة مجدداً وأمسكها بإحكام. بطئت مشية الغريفون حتى توقف، على بعد خطوة واحدة فقط. خيم الوحش الضخم فوق الصبي، وجروحه المفتوحة تتصاعد منها الأبخرة. كان سوكس مستعداً لقتله اللحظة التي يضرب فيها، لكن أنتيلمو وقف ببطء ومد يده. أصدر الغريفون صوتاً غرغريناً، نداء لطيفاً وشجياً. خفض رأسه ليقابل يد الصبي، وربت الصبي برفق على المنقار الهائل، ثم جانب رأسه حيث لم يكن مصاباً.
وأرسل مشاعر نقية بحب تلك البيضة بكل ما أوتي من قوة وإبقائها آمنة، وقال: "دعني أتولى الأمر من هنا."
خفض الغريفون نفسه إلى الأرض، وكان وجهه على بعد خطوة واحدة من البيضة، وأطلق نفساً، ثم آخر، ومات. -حسنًا،- قال سوكس، -أظن أنك التزمت تماماً الآن، أليس كذلك، أيها الصغير أنتيلمو؟-