ربما فضّل ديرت قضاء يوم في البرج يقررا، غير أن سوكس لم يسمح له بذلك. لم يكن الحرق على وجنته بذلك السوء، لكنه ترك رقعة أشد حممرة من باقي الجلد ريثما يلتئم. لم تكن ندبة تماماً، لكن الجلد هناك بدا مختلفاً بعض الشيء حين يفركه. ومع أن سوكس تنفس الصعداء لعدم سوء الأمر، فإنه لم يكن سعيداً بما جرى. راقب الخادم بصمت بينما تجرّ الجرو باب البرج الثقيل لغلقه. أقرّ سوكس لاحقاً بأنه سمعه يتخبط نحو غرفة أخرى هناك، ربما لترتيب المكان وانتظار عودة سيّده.
ندم ديرت على ترك الكثير من مواد القراءة خلفه، لكن كان ذلك أفضل الصنيع. ستكون آمنة هناك إلى أن يجد سبيلاً لنقلها بأمان إلى السكولا. لسوء الحظ، لم تَعُد جثة كايسو إلى تابوتها، مما يعني عجزهما عن تدميرها والتخلص منه. ليس بعد. ابتعدا مسافرين عن شروق الشمس، قاصدين الأراضي التي يعرفونها. كان الصباح هادئاً، حتى مع احتساب التخاطب الذهني. غضب سوكس لأن ديرت قد أُصيب، وكان ليلقى حتفه لو طال أمد القتال، فبدا متجهماً بشأنه.
أما انتيلمو فكان متجهماً، وقضى جلّ وقتم مفكراً في صيده الفاشل في الليلة السابقة، وما يعنيه ذلك للمستقبل القريب. كان يمني نفسه بإمساك القوس بقدميه وشده بيده السليمة، لكن الأمر لم ينجح ولم يُطلق حتى سهماً، ناهيك عن إصابة شيء صالح للأكل. زاد ذلك من اعتماده الحاسم على ديرت وسوكس. عداهما، كان منعزلاً تماماً، بلا ملجأ يلوذ به للأمان ولا وسيلة للصيد سوى رمحه، ولم يكن شكله ملائماً للرمي.
حقا، بدأت تساوره تلك الأفكار التي كان ديرت على معرفة تامة بها. أشياء من قبيل، كيف يجب أن أتصرّف لأبقى على قيد الحياة؟ وكيف أحافظ على رضائهم عني؟ ومثل ديرت تماماً، لم تكن تلك الأفكار منفصلة عن المودة الخالصة التي بدأت تنمو في داخله. لقد وضع ديرت في منزلة واحدة في ذهنه مع غنازيو ذي الأعوام التسعة، وكان مولعاً بسوكس تماماً، رغم اتضاح أن صديق سوكس المقرب هو ديرت لا هو.
الغريب أنه كان ينسى لساعات طوال أن ديرت وسوكس قاديران على رؤية أفكاره كافة إن شاؤوا، وحين يتذكر، لم يكن يكترث بما قد يكونان قد رآه. لم يقصد ديرت التجسس، ليس حقاً؛ بل لم يكن لديه ما يفعله ريثما يجري سوكس. لم يكن المنظر لافتاً بحال. لا مشاهد واسعة عظيمة تعد بالإثارة والاكتشاف. كلا، جرى ركض الصباح عبر سهول من الأرض المتجمدة والأعشاب الجافة التي تنخس من تحت الثلج الرقيق.
وكان الجو أدفأ أيضاً، وهو ما لم يتوقعه. ليس دافئاً قطعاً، لكنه أدفأ. دافئ بالقدر الذي يبدأ معه إذابة الثلج وجعل الأرض طينية. أحد الأمور التي لاحظها ديرت أنه بعد تجربته مع أشباح كايسو، بدا خياله حقيقياً أكثر بقليل من ذي قبل. صار ينجرف بسهولة نحو أحلام اليقظة، وكل ما استحضره في ذهنه كان قوياً ونابضاً. إما ذلك، أو أنه كان يتخيل الأمر مختلفاً ويرى أفكاره الخاصة من منظور مختلف قليلاً.
مع ذلك، أحبّ أن يظن أن جسد حلمه ربما نما قليلاً فحسب. حول منتصف النهار، توقفا لأخذ قسط من الراحة، وهو ما لم يحجه انتيلمو؛ فمشى إلى بقعة أخرى وأخذ يتدرب على الطعن برمحه بينما كان ديرت وسوكس نائمين. أصبح سوكس في مزاج أكثر مرحاً بعد ذلك وقام بالكثير من الاستكشاف بدلاً من الركض طوال ما تبقى من اليوم. أخرج ضوء الشمس الدافئ شتى أنواع المخلوقات الصغيرة الجائعة، وأراد إلقاء نظرة على أي منها يستطيع.
فئران وجرذان غالباً، ومخلوقات أخرى بحجمها، لا يعرف ديرت أسماءها. واحد منها كان له أنف طويل مدبب، وتمكن سوكس من خطفه ليتأمله ديرت وانتيلمو. وحين عاد طافياً إلى أيديهما المنتظرة، كانت المسكينة قد ماتت من الرعب. صادف أثر زمرة صغيرة من الكلاب وتعقبه حتى نهايته، ليتضح أنه وجارها. لم يكونا في داخله؛ بل تعقب الأثر في الاتجاه المعاكس. لكن الثقب المؤدي إلى الداخل لم يكن أكبر كثيراً من رأس ديرت، لذا لم يكونا ليبلغا حجماً كبيراً.
قال سوكس إنهما لا رائحة الكلاب لهما، لذا اقترح انتيلمو أنهما قد تكون ثعالب أو ذئاب ضارية، ولم يسبق لديرت أو سوكس أن رأيا أياً منها. لم يرى انتيلمو الثعالب سوى مرات معدودات، لكنه ساعد في طرد الذئاب الضارية بعيداً عن الغنم والماعز بانتظام. من ذاكرته عنها، بدت وكأنها ذئاب رمادية ضئيلة. مع اقتراب الليل وتوقفهما الأخير، هبت رياح مرحة تعصف بعشوائية من ثلاثة اتجاهات مختلفة.
ترقب ديرت العقول وبالفعل، عثر على زمرة صغيرة من عناصر الهواء. بدت عقولهم فتية. شيئاً من مشاعرهم ذكر ديرت بنفسه، وبسوكس، وهما يجوبان العالم بلا وجهة تُذكر، لا يتبعان سوى أنوفهما وفضولهما. إلا أن ديرت وسوكس كانا يفرّان غالباً من المفترس، وبدا أن العناصر تتجه نحو شيء ما؛ فقط بلا عجلة خاصة. كلما طال ترقبه، كلما تمنا لو يتواصل معهم بصورة أفضل. كانت له دراية ما، لكنه لم يكن يعرف سوى القليل من لغتهم.
لم يستطع حتى سؤال شيء مثل "ألى أين أنتم ذاهبون"
دون الكثير من التخطيط والتفكير. ارتاب ديرت في أن ذكاء العناصر العظمى وحدها هي ما تتيح لهم فهمه على الإطلاق، رغم ركاكته. مع ذلك، كان مراقبتهم ممتعة. في وقت متأخر من تلك الليلة، استيقظ ديرت ومن معه على وقع مطر منهمر. كان الظلام مفزعاً، لدرجة عجز حتى سوكس عن تمييز أبسط الأشكال. استدعى ديرت بضعة أنوار أشرقت بضعف وسط المطر المنهمر، ووضع سوكس بسرعة درعاً ذهنياً عليها لدفع الماء عنها.
كان تعباً مع ذلك، وأراد النوم؛ فأنّ وصدر عنه صرير خفيف، وكان ذلك كافياً لإيصال المعنى.
ربت ديرت على فرائه وقال جهراً: "امكث هنا واحفظ حقائبنا جافة".
ثم نهض فارتجف فوراً حين تساقط قطرات ماء من شعره لتنساب على ظهره.
"إلى أين أنت ذاهب؟"
قال انتيلمو محاولاً جاهدة رمش عينيه ليستيقظ تماماً.
قال ديرت: "لست ابعد".
منعته البرودة من الرغبة في الشرح مطولاً.
"سترى".
-ستضل طريقك-، قال سوكس.
قال ديرت: "لن أضل طريقي".
وبينما كان يخطو مبتعداً عبر الطين الزلق، ترك نوراً واحداً يحوم فوق سوكس، وهو ما أدى الغرض. في ليلة مظلمة ك هذه، سيكون قادراً على قطع خمسين خطوة أو يزيد قبل أن يعجز عن رؤيته، حتى من خلال المطر. حين عثر على ما كان يبحث عنه، بضع شجيرات تنمو بالقرب من جذع قديم ساقط، كان النصف الأعلى من قميصه قد بَلّله الماء تماماً وعقله يهيم على وجهه. أدرك أنه يتصرف بحماقة، لكن أنواره لم تكن تضيء الأرض سوى لبضع أقدام قبل أن يحجب المطر كل شيء.
أومض المطر وهو يتساقط من حوله، هاطلاً بغزارة اضطر معها لحجب عينيه بيديه كي يرى شيئاً. أحدث المطر صوتاً جارفاً كعشرة أنهار دفعة واحدة، ضوضاء عارمة ستخفي أي شر أعظم قادم. في الأفق، استطاع بالكاد تمييز النور فوق سوكس وانتيلمو، سوى أن سواداً دامساً غشى سائر الاتجاهات. أفسح ذلك مجالاً لخياله، فاستحضر الحلم الذي راوده يوماً عن المفترس. أخبرته درياد أن الحلم يرافقه دائماً، لا في النوم وحد، ومن قوة خياله الحالي، استطاع تصديق ذلك.
كأنه كان يتسبب في ظهور المفترس، وكأن القلق من أمر ما يكفله بالتحقق. رغم محاولته تجنب ذلك، ظل يستحضر تلك العيون المملوءة بالجحيم وهي تومض مفتوحة في الظلام، وتلك الأنياب المكشوفة وهي تزحف إلى الأمام. تيقن أن المطر يخفي صوت اقترابه. حاول مراراً وتكراراً طرد الفكرة، لكن الرؤيا كانت لزجة وعجز عن قذفها عنه. وحينها صار التواجد وحد في سواد الليل أمراً غير ممتع بالمرة. اختبر الشجيرات ليعثر على أصلبها واستخدم المانا لتشكيل الخشب وقطعه.
ركض عائدًا لكنه لم يقطع سوى أربع خطوات قبل أن تسقط قدمه على صخرة لم يراها، مما جعله يلوّي كاحله بألم ويسقط، مكسواً جانبه بالطين من حذائه حتى شعره. نهض ديرت وعرج عائداً. جعل البلل البرودة أضعافاً مضاعفة، وارتجف بعنف طوال الوقت الذي كان يشكل فيه الخشب. استغرق الأمر وقتاً طويلاً أيضاً، تنمية شيء بهذا الحجم. مدّه أولاً إلى قوس طويل، كبير يكفي لتغطية سوكس، ثم أنماه جانبياً ليصير نصف أنبوب.
لم ينمُ سوى بوصة بوصة، ببطء شديد. طوال فترة عمله، كان واعياً باضطراب بعدم قدرته على مراقبة ما خلفه. استطاع الشعور بتلك العيون النارية هناك، المستعدة للانفتاح والعثور عليه في أي لحظة. أشعل سوكس ناراً دافئة، صغيرة وحارة، وهو ما لا يفعله أبداً، وأبقاها قريبة من ديرت بتركيز تام للتأكد من عدم حراقه. اقترب انتيلمو بخطواته وانتظر. كم استغرق الأمر، لم يستطع ديرت تحديده؛ فالبرد والتعب والرهبة جعلت الوقت يبدو أبدياً.
لكنه انتهى في النهاية، منشئاً قبة منخفضة تغطي جسد الجرو، مع فتحة صغيرة خلف الذيل مباشرة وأخرى أكبر على الطرف الآخر لكي لا يواجه سوكس أي صعوبة في ملء رئتيه الهائلتين. لم يكن متأكداً أيهما أفضل—أمعرفة أنهما سيبقيان جافين من الآن فصاعداً، أم معرفة أن لا شيء في الخارج قادراً على رؤيته بعد الآن.
"تحتاج لتبديل هذه الثياب المبللة"، فكر انتيلمو، ليصلهما.
"ارتدِ شيئاً إضافياً من حقيبة بياندينا. سيكون ذلك أدفأ".
بعد التبديل ودفع ثيابه المبللة جانباً، تمكنا أخيرًا من الاستقرار مجدداً لبقية الليل. غط سوكس في النوم أولاً، تلاه انتيلمو بعد فترة قصيرة، لكن شأن الليلة السابقة، تلكأ ديرت وعجز عن الاستغراق تماماً في النوم. كان يبلغ المنتصف، في تلك الحالة ما بين اليقظة والأحلام حيث تقع أجامح التخيلات، ويتذكر أمراً مخيفاً. جثة كايسو المليئة بالأسنان، والتي تخيلها تتسلل بصمت لعضه في موضع طري.
وماذا لو لم يكن الملجأ سميكاً بما يكفي فانهار تحت المطر؟ أكان يحتاج لتقويته مجدداً؟ لكن الأسوأ كان الرهبة المتبقية من المفترس. لم يكن أي تخيل لشيء آخر قادراً على طرد ذلك الشبح الخاص من أفكاره لفترة طويلة. فكر في السواد الفارغ للعاصفة وتخيل تلك العيون، تلك العيون العظيمة المفعمة بالنار، وهي تنقض عليه وتحرق لحمه. ثم تلتهم انتيلمو العاجز، وأخيراً، تتوليمة على سوكس المتألم.
دفع ديرت الرؤيا بعيداً، لكنها كانت ترتد في كل مرة. أخبرته درياد أن كل ما يتخيله يحيط به دائماً. ما كان عليه ق قط إنفاق كل هذه الطاقة في تخيل هذا. لاحظ أن المطر قد زال وأنه واقف ليدرك أنه سقط من اليقظة إلى حلم في لمح البصر. وجد نفسه على تربة صلبة وعارية، مع سماء خاوية بلا نجوم فوقه. داهمه الذعر حين تعرف عليه. كان هذا حلم المفترس. تماماً كما في السابق، انفتحت عيون ذئب، مفعمة بالنار والحرارة المتأججة.
وتحتها، بدا فك مفتوحاً قليلاً من الجوع، يقطر لعاباً يحرق ويزيز حين يصطدم بالأرض الميتة. -أنت تناديني-، قال المفترس، متحدثاً بالأفكار لا بالكلمات. كانت الصورة لديرت وهو يشق طريقه عبر غابة جافة خالية من الثلج، محطماً كل فرع وورقة ساقطة في طريقه. كان ديرت يتوهج، وعبره تفيض رائحته بوضوح، وبشتى الطرق الأخرى كان يبرز متوسلاً رؤيته. صعوداً وهبوطاً في العالم بأسره، كان المفترس يتشمم، مطلقاً شبكته الواسعة ومدققاً في كل خيط بحثاً عن جذبة، وها قد عُثر على فريسته.
لقد ناداه ديرت، بطريقة ما، كما أدرك. لقد جعل نفسه مرئياً بتخيله بقوة مفرطة. -الآن، أين أنت؟- حدث شيء غريب حينها. وعى ديرت فجأة لجسده المادي. شعر بحرارة تلك العيون على ذاته المادية الآن، لا في حلمه فحسب. أرغم نفسه على الاستيقاظ شبه منعكس. استلقى هناك يلاهث في الظلام، والعرق يتحجّر على جبينه، محاولاً فهم ما جرى لتوه. المرة الأخيرة التي حلم فيها بالمفترس، لم يستطع ديرت إيقاظ نفسه.
كان على الأشجار إنقاذه. ما الذي تغير؟ لكن الحلم قد زال الآن؛ استطاع استشعار ذلك بيقين. أراه المفترس لحماً لحم؟ إن كان، فلم يكن هناك شيء هنا لرؤيته. ولو أنه بطريقة ما نظر إلى هذا المكان ورأى سوكس النائم، لما تعلم الكثير. ولا حتى نوع العشب الذي يستلقيان عليه. انتظر ديرت تكرار الأمر بينما كان يستمع إلى المطر وأنفاس سوكس في رئتيه. لم يحدث. وسواء أكان يمتلك تحكماً أكبر بخياله الآن، أم أن المفترس قد أنجز غاياته بالفعل، فلم يراوده سوى أفكار عادية، تخيلات عادية.
ولتأمين السلامة، عزم على البقاء مستيقظاً حتى الصباح والنوم حينها. بوسع سوكس حمله ريثما ينام. لكنه استغرق في النوم مجدداً قبل أن يدري، ودفئ حين استيقظ. كان انتيلمو قد اندس بينه وبين سوكس ونام بذراع ممتدة فوقه، استخدمها لثني الطرف البعيد للبطاطس للتأكد من بقاء ديرت دافئاً. حدث ذلك بعد فترة ما من حلم المفترس.
"حلمت بالمفترس، سوكس"، قال ديرت.
أرسل الرؤيا كاملة، وبعض أفكاره وانطباعاته المحيطة بها.
"أظنه رآني. رآنا".
فكّر سوكس في الأمر برهة، ثم قال: -لا أشعر بقربه، ولا أرى أي علامات. لكني سأراقب بحرص أكبر الآن. أخبرني إن حدث ذلك مجدداً-.
"سأفعل".
كان المطر لا يزال يهطل، والصباح مظلم ومتجهم ومبتل. لم يبادر أحد بالنهوض حتى اضطر ديرت للتبول بإلحاح جعله بلا خيار. تابعه انتيلمو في الخارج، وحين فرغا، عادا مهرولين واندسا ضد بطن سوكس مجدداً للتدفئة، ضاحكين ومرحين. كان ذلك كل ما يتطلبه الأمر لينتهي الليل حقاً وفعلاً. لقد ولّت أي أشباح طاردته الآن. -لنستلقِ هنا لفترة أطول قليلاً. لست بحاجة للتبول بعد. لم أتناول الكثير من الماء بالأمس-، قال سوكس، وسر الفتيان بالامتثال.
بصريقة ما، كان من السهل الاستلقاء بلا فعل شيء، مصغين إلى المطر. غالباً لأنه كان لا يزال مبكراً ولم يقتنع جسد ديرت تماماً بأنه نهار بعد. أو ببساطة، لأن الاستراحة بلا وجهة وبلا مسؤولية كانت رفاهية لم ينعما بها منذ فترة. كان انتيلمو أول من بادر بالمحادثة.
"أيمكنكما سماعي؟"
فكر.
لاحظ اثنان منهما وأجابا "نعم".
"حسناً، جيد. إذن..."
توقف انتيلمو، وأفكاره تتخبط محاولاً إيجاد السبیل السليم لمقاربة هذا. وحين بدأ يفكر بصوت عالٍ مجدداً، عرف الآخران ما سيسأله.
"قلتما أنكما تحاولان إنقاذ البشرية. ما هي الخطة، بدقة؟ أعرف أنكما تريدان إيقاف ذلك... وحش العين بطريقة ما. لكن عدا ذلك؟ ألديكما شيئاً في البداهة؟"
كان هناك المزيد الذي لا يسأله. أراد معرفة ما يصلح له، وإذا ما كان له مكان معهما الآن ومستقبلاً، أم أنه ارتكب خطأ بمجيئه من الأساس. قال سوكس: -أتركه ديرت يضع الخطط-. أطلق ديرت شخيرًا. لم يكن ذلك صحيحاً البتة.
فكر، "ليست تلك بالسؤال الهين. ما فتئت أجد أموراً جديدة للقلق بشأنها. حين بدأت، كنت قلقاً فحسب بشأن البقاء على قيد الحياة. كان كل شيء أكبر مني ويريد أكلني. لكنني وجدت سوكس، أو بالأحرى، وجدني هو، وحينها أصبح لدي ما أقلق بشأنه من أجله. أريد إيقاف المفترس للأبد كي يتمكن سوكس من إنجاب جراء لا تُطارد حين يكبر. لذا فهذا أمر. ولدي المزيد لأقوله حيال ذلك، لكن بعد دقيقة".
"ذكرت ماكسيما المفترس وقالت إنه قد يكون مراقباً. ما هذا؟ ما هو المفترس؟"
فكر انتيلمو. كشر ديرت، مدركاً أنه نسي أنه لن يخبر انتيلمو بهذا. كان معرفة أمر خطير.
فأجاب، "ربما ما كان لي إخبارك بالكثير. ليس لأننا لا نثق بك، بل لأن الأم قد تقتلك إن لم ترغب في درايتك بالأمر. لقد حذرتني بشدة بشأنه".
"إذن، ما هو؟"
سأل انتيلمو.
"أشك في أنني سأقابل والدة سوكس يوماً".
"كلا، أنت لا تفهم، هي... حسناً، لا بأس. فات الأوان الآن. إنه ذئب ميت، جد سوكس، وهو يحاول أكل كل الجراء"، قال ديرت.
"لكن حقاً، ينبغي ألا تتعلم الكثير عن هذا".
"حسناً، لكن، أهو جثة؟ هيكل عظمي؟ ما هو؟"
"كلا، إنه شبح. روح. لكنه قوي جداً جداً. ما زال لدى سوكس ندوب على بطنه جراء تعرضه للهجوم".
"أوه. إن كان بهذا القول، فلا يمكنك ببساطة الصلاة للأرض لتأخذ جثته وللسماء لتأخذ روحه. الأسلاف العظام يظلون بشروطهم الخاصة. ما زال الأسلاف العظام موجودين في العوالم الأخرى. نقدم القرابين لهم كل عام. ربما عليك الانتظار حتى يولد من جديد".
"أوه، أتعرف بشأن ذلك؟"
سأل ديرت.
"بشأن الولادة مجدداً في النهاية؟"
"بالطبع. الجميع يعرف. أنت تعلم ما يحدث حين تموت، أليس كذلك؟"
سأل انتيلمو.
"صراحة ليس لدي أدنى فكرة. أخبرتني الأشجار فقط أن لكل شخص روح واحدة فقط، تطابق جسداً واحداً دائماً، وحين تموت، إن وُلِد الجسد ذاته في مكان ما، تولد به"، قال ديرت.
"هاه؟ الجسد ذاته؟ كلا، لا يبدو ذلك صحيحاً. كيف سيعمل ذلك حتى؟"
"لا أعرف، هذا ما قالوه فحسب"، قال ديرت.
لكنه كان سؤالاً وجيهاً. كيف يولد الجسد ذاته مجدداً، في مكان آخر؟ أيتعين أن يكون لك الأب ذاته؟ ربما الأم ذاته أيضاً؟ كان عليه السؤال. لكنها كانت فكرة مثيرة للاهتمام. لو وُلد جسد المفترس في مكان ما، أسيولد فيه، سواء أأراد ذلك أم لا؟ في الواقع، هذا ما أراده، أليس كذلك؟ أن يعود للحياة مجدداً.
"هاه"، فكر انتيلمو.
"حسناً، إن ظهر يوماً، يمكننا محاولة طرده. أنا أعرف بضع طرق".
-إن ظهر، فكلاكما هالك لا محالة، وغالباً لن أنجو أنا الآخر-، قال سوكس. -يجهد الأب والأم معاً لإبقائنا أحياء حين يظهر. لهذا نحن نركض-.
"سوكس، إلى أين تذهب الذئاب حين تموت؟"
سأل انتيلمو. -لا ينبغي لي القول. لا أظن أنه كان مفرطاً لي معرفة ذلك-، قال سوكس بغموض. أغلق جزءاً من أفكاره للتأكد من بقائها مخفية. ربما استطاع ديرت تعلم أي شيء كان بدهاء؛ كانا يلعبان ألعاباً حول إخفاء الأفكار هكذا طوال الوقت. لكن ليس لهذا، ليس في تلك المناسبة النادرة التي أراد فيها سوكس خصوصيته. وعلاوة على ذلك، قد يكون من نوع الأمور التي تقتله الأم لمعرفته. أبدى انتيلمو انضباطاً مذهلاً وابتلع فضوله.
علم ديرت أنه لم يكن أمراً سهلاً فابتسم برفق لنفسه.
فكر الفتى، "إذن هذا أمر. ما الذي تقلق بشأنه أيضاً، ديرت؟"
"أفكر في الأشجار كثيراً، لكنني لا أقلق بشأنها. لا أظن أن ثمة ما يمكنه إيذاؤها. لكن سوكس وأنا غادرنا الغابة والوجار ووجدنا بعض البشر، والآن أقلق بشأن البشر. لا أعرف كيف أنقذهم جميعاً. إنهم منشرون في كل مكان، وكل ما بينهما خطر. أظنهم يحتاجون فقط لأن يكونوا أكثر أماناً، ويُطعموا، ويربوا المزيد من الأطفال وينتشروا ببطء إلى أن يتمكنوا من حفظ الطرق آمنة. لا أظن أن الإمبراطورية بأسرها ستعود، وربما لا ينبغي لها ذلك. سيتعين علينا المشاركة مع الذئاب، والأشجار، ووحدهم الملوك يعلمون ما عدا ذلك. لذا فهذا أمر آخر".
"حماية ماكسيما لقبيلتنا ستساعد. قُتل أخي ذاته على يد روكي. ربما تحتاج كل زمرة من البشر شيئاً لحمايتهم. بعضهم قد يكونون بشراً أقوياء آخرين"، فكر انتيلمو.
بالطبع، تخيل نفسه يفعل ذلك، فوق جواد نبيل، والرمح في يده.
"ربما. لا أعرف كيف أعلم أحداً السحر ولا أعرف كيف أكون قوياً دونه. لكن هذا ما يفعله البعض بالفعل. الدوق لديه فرسانه. ربما الكثير من الفرسان".
"حسناً، وقبيلتنا لديها أبطال أيضاً. أسلاف أقوياء. سأروي لك بعض القصص لاحقاً. لكن ماذا أيضاً؟"
-العين-، قال سوكس.
"العين. حين تحطم العالم ورحل الملوك، جاء شيء آخر يتطلع في الصدع. لا أعرف ما هو، لكني أعرف أنه يريد البشر منقرضين"، قال ديرت.
"المشكلة الأخرى هي أنني أخشى إن حاولت إصلاح الضرر، أن يعود الملوك ويغضبوا، ويحاربوا الذئاب والأشجار ويعيدوا كل شيء إلى ما كان عليه حين كان البشر لا يتحدثون إلا إلى البشر الآخرين. والأدهى، ماذا لو حطمته أكثر وعاش العيش مستحيلاً في أي مكان؟"
"أتعرف كيف تصلحه؟"
سأل انتيلمو.
"لا أدري"، قال ديرت.
"لدي فقط فكرة غامضة كيف حطمته في المقام الأول. رغم أنني تعلمت القليل في توريس سوليس".
التقط انتيلمو كيف ألقى ديرت باللوم على نفسه، وتجمعت عدة أمور معاً في ذهنه. دعوة ديرت بأفيتوس، وقصة متذكرة بغموض عن أفيتوس وهو يحطم العالم. كون ديرت صبياً صغيراً بقوة لا تصدق وصديق أقوى حتى، مظهرًا أحياناً حكمة أعظم من الحكماء، ومعرفة لا يضاهيه فيها أحد. لم يصت بكلمة. -أستخبره بالبقية؟ لقد استنتجها للتو-، قال سوكس، لديرت وحده.
"لا أعرف. هو لا يععرف ما يصنع مني حتى الآن. وكان رائعاً أن يظن أنني مجرد صبي صغير جاهل، لأن ذلك جلّ ما أنا عليه"، رد ديرت، لسوكس وحده.
-لا أحد يظن أنك "مجرد"
أي شيء. وجدك كل بشر غريباً. معظمهم يحبك مع ذلك-، قال سوكس.
"عليّ العودة لكوني عارياً ومتسخاً طوال الوقت. لا أؤدي التحضر ببراعة. ربما عليّ الميل نحو نقاط قوتي"، قال ديرت، مبتسماً.
-يناسبني تماماً. متى ما نمّيت فراتاً يكفي للتدفئة-، قال سوكس. أطلق ديرت شحيراً.
"أترَ إغناسي يملك صدراً كثيف الشعر بما يكفي لتدفئته؟"
-كلا، لكن لديه شحماً على بطنه. تلك البطانة ينبغي أن تساعد-. بجانبهما مباشرة، كان انتيلمو يركز بكل ما أوتي من قوة. لاحظا في ذات الوقت، ثم ألقيا نظرة على عقله لرؤية ما يفعله.
لكن قبل أن يبيناه، صاح، "رأيت شيئاً! رجلاً شعر أسود ولحية، وصدراً كثيف الشعر. لقد رأيته! فعلت حقاً! كنتما تتحدثان عن شخص ما مع بعضكما، أليس كذلك؟"
جلس ديرت مستوياً بفضاضة. نظر مطولاً إلى الفتى الآخر، الذي علت وجهه بهجة الظفر.
"أهوَ—"
-نعم. لقد فتح بصيرته العقلية. أظن أن البشر يمكنهم تعلمها بعد كل شيء-.