سلكت الذئبتان طريق النزهة المعتمَد عوضاً عن الدرب المباشر. وحالما كسبت سوكس رضا الكبيرة وسمح الصغار لأنفسهم بالمخالطة، توجّب على ماكسيما اصطحابهم في جولة تفصيلية تعرض كل ما تجود به الأرض. كان المحطة الأولى أخدوداً طويلاً ضيّقاً يشبه صدعاً عملاقاً في أحشاء الأرض. شقّ ظهوره من العدم، بعرض عشرين خطوة وبعمق يعجز البصر عن بلوغ قعره، ويمتد لميل كامل على الأقل. انبثق منه هواء أدفأ قليلاً في نسيم رقيق مستقر، وحين يسود الهدوء التام يطلق صوتاً عذباً شبيهاً بهفيف الريح.
وحين يُحدث الجميع صوتاً عالياً، كنباح ماكسيما الذي فاجأ البشر الثلاثة فجعلهم ينتفضون، ارتد الصدى طويلاً ممتداً بصورة مجافية تماماً للطبيعة. لم يكن صدى هادئاً بسيطاً كالصراخ في وجه شجرة، بل تحول الصوت القصير إلى طسوة متمادية تضمحل ببطء حتى تتلاشى. عندها جرب الجميع حظهم. أطلقت بياندينا زقزقة حادة مدوية شابه صوت قطرات المطر الساقطة. وصاح أنتيلمو بتحية عالية فارتدت الكلمات مشوشة مبهمة.
ثم أطلق الجميع شتى الأصوات المجنونة، حتى سوكس الذي أجهش بالزمجرة والتحسر والنباح. اختلف وقع الأصوات إن وُجّهت إلى القاع مباشرة عن توجيهها جنباً، بل تردد صداها حتى عند الصراخ نحو الأعلى عوض الأسفل، بوهن شديد فحسب.
سأل أنتيلمو وهو يميل بجسده نحو الهاوية حتى كاد يهوي لولا أن جذبته بياندينا وأعادته للوراء: "إذن، ما الذي يوجد في الأسفل؟"
أجابت ماكسيما: "لاشيء. كهوف. مياه ساخنة لا تبلغ السطح قط. ظلام".
قال أنتيلمو: "أستطيع استشعار الدفء. هل تحتشد هنا طرائد؟"
"المخلوقات القادرة على اجتياز الفصل لا تؤثر أمثال هذه الأماكن في الشتاء. هذا السلوك مقصور على البشر والبهائم المستأنسة".
قالت بياندينا بنبرة مفرطة الود: "آه. حسناً، أراهن أن هذا مكان طيب للاسترخاء أثناء الصيد. للتدفئة واستعادة بعض الطاقة".
وتساءل ديرت إن كانت تتصرف هكذا لكون ماكسيما الأنثى الوحيدة الأخرى وترغب في مصادقتها، أم أنها لا تزال تخشى أن تؤكل. وعلى كل حال، بلغ رحابة صدر ماكسيما مداه هنا.
جاء ردها بسيطاً غير قاطع: "أنا لا أبرد. أرتاح حيث يسود الهدوء وتخف المساحات".
سألته بياندينا: "هل تصتدين كثيراً؟"
وأدارت جسدها قليلاً لتفتح وقفتها أكثر أمام الذئبة العظيمة.
قالت ماكسيما: "كل أسابيع قليلة. أُفضل أن أكتفي بالطعام وأقضي وقتي في شؤون أخرى. زوجي يصطاد من أجل الصيد ويهيم بعيداً. أنا لا أفعَل".
قفزت وثبة صغيرة وعبرت الهاوية، ثم أطلقت عواءً طويلاً أخيراً في أعماقها. أدارت رأسها يمنة ويسرة، فتردد الصوت الصاعد متعرجاً متذبذباً وبدا غريباً تماماً عن صوت الذئاب. ثم رفعت بصرها وأقسم ديرت أنها كانت مزهوة بنفسها. أصدرت ماكسيما نفخة خفيفة ونفضت أذنها. ارتعش طرف ذيلها وانخفض أنفها قليلاً.
أفضت كل تلك الحركات لديرت بمعانٍ شتى، لكنها قالت له وحده: "لقد كبرت لكن هذا لا يعني أنني لا ألهو".
وعندها توجّب على سوكس التجربة بالطبع، واستغرق منه الأمر محاولات عدة ليدرك كيف يدمج الأصداء معاً على النحو الأمثل. وما إن نجح حتى انتفى الششك في زهوه بنفسه. راح ذيله يهتز بجنون وكاد يقفز في مكان وقوفه. إثر ذلك، اكتفى الذئبان بالتفرج مسرورين بينما أجهد البشر حبالهم الصوتية محاولين بلوغ النتيجة ذاتها دون جدوى تذكر. خمن ديرت أن رئتيه أصغر من اللازم وصوته أخفت من أن ينجح في الأمر.
استمر عواءه ثوان معدودات فحسب، ولم تكن كافية. غشّ أنتيلمو وأصدر صوتاً متعرجاً بحنجرته، فصفعته بياندينا فجلجل ضاحكاً.
قالت ماكسيما: "تعالوا، يكفي هذا. نحن راحلون"، وهو ما لم يزعج ديرت البتة إذ بدأ صوته يتخشّب ويرتخي إثر الصياح المتواصل.
قادتهم ماكسيما بمحاذاة الشق حتى نهايته، ثم مضت حتى لوحت الآفاق بتلال حرجية ضخمة. أضفت الأشجار المكسوة بالثلج غنىً على المنظر لم يسبق لديرت رؤيته إذ تشابك السواد والبياض في آلاف النقاط عبر التلال. كانت تلك وجهتهم — صعوداً نحو تلك التلال، متملصين بحذر بين أشجار الصنوبر الخضراء السامقة وتلك العارية الملتوية. بدا المنظر منعشاً بحد ذاته، غير أن الأريج كان مذهلاً. احتوت الصنوبرات على بقع صمغية صلبة ملأت عبيرها مناخيرهم، طيبة مسكرة حادة ومرحبة.
كان عطراً باعثاً للحيوية يوشح المكان بجدارة كونه مقراً طيباً. أبطأت ماكسيما خطاها إلى مشية سريعة لتتسلل برشاقة بين الصنوبرات التي فاقت قامات كثير منها قامتها. ولمحها ديرت تفرك جزءاً من فروها بسيقان الأشجار في مواضع شتى، وأيقن أنها تفعل لتعلق الرائحة ببدنها. وجزءاً من ذلك، امتلك سوكس الفكرة ذاتها بعدما رأى صنيعها ففرك جانب رأسه وكتفه بأطول شجرة تلتها، ثم بالتي تليها.
لم يشهد ديرت مكاناً كهذا قط. جبالاً شاهقة وغابات بالطبع. صنوبراً وتلالاً. لكن قط في الثلج، ولا بهذا الأريج الغني. استوطن المكان شيء يرحب به ويرده في آن. بدا المشهد الشتوي مذهلاً، والأشجار جميلة وعطرها يكفيني سكراً. لكن البرد كان مسيطراً. لم يكن مكاناً بشرياً، ليس دون عناء إضافي جمّ. كان مكاناً يُزار، لا يُستوطن. قادتهم الذئبة السوداء العظيمة أبعد فأبعد حتى توقفت أمام شجرة أضخم بكثير حفرت لحاءها خيوط سميكة صعوداً وهبوطاً.
بدت أكبر سناً وأقدم من سواها، لكنها كانت عادية فيما عدا ذلك.
قالت ماكسيما: "هذه الشجرة أقدم من إمبراطورية الغروب، بأكثر من ألف عام".
استغرق ديرت هنيئة ليعي ما قالته، وهنيئة أخرى ليصدقه. تفحص المكان ببصره العقلي فلم يجد شيئاً غير مألوف يميزها عن بقية الشجيرات. مجرد مئات من عقول الأشجار الباهتة، متطابقة جوهراً. كلها سعيدة. مسترخية هادئة طوال الشتاء.
قالت بياندينا: "ما إمبراطورية الغروب؟ ذكرها ديرت مرة أو مرتين".
بدت ماكسيما مندهشة: "أتنسون الأمور بمثل هذه السرعة؟ وها أنا حسبت نفسي يافعة لعدم شهودي لتلك الأيام".
قال سوكس: "هذا وقت طويل للبشر ليحفظوا شيئاً. جلهم لا يعرف سوى ما جرى قبل أجيال معدودة، وهو ما لا يتجاوز مائة عام بالنسبة لهم".
وكأن أخته الكبرى كانت بحاجة لمن يلقنها ذلك. ومع هذا، لم توبخه ولم ترتجل رداً متعالياً.
عوضاً عن ذلك أجابت سؤال بياندينا: "إمبراطورية الغروب هي الاسم الذي حملته هذه الأراضي في الأيام التي سبقت انكسار العالم. حدث ذلك قبل ثلاثة آلاف عام".
ما زال ديرت يعجز عن التصديق. شجرة عادية تماماً، وأقدم من غابة الحوريات؟ توقع لكائن بمثل هذا القدم سمات استثنائية بطريقة ما. ذكاء كافٍ للمحادثة على أقل تقدير. لكن شيئاً من ذلك لم يكن. كانت عتيقة، غير أن الزمن لم يترك أثراً فيها. أثخن وأطول، بإبر أقل في الأسفل، لكنها لم تكن مختلفة بالقدر الذي يلفت انتباه ديرت فيتوقف لو مرا دون تعليق.
سأل أنتيلمو: "أيمكنني إمعان النظر عن قرب؟"
اقترب سوكس بما يكفي لفرك فرائه بها، ومد أنتيلمو يده متتبعاً بأصابعه اللحاء الخشن. افتقدت بياندينا ذلك الذراع، لكنها التوت ومدت يدها بدورها. راقب ديرت العقول المجاورة بحثاً عن أثر لمسهما، راجياً تمييز الشجرة المعنية، غير أن شيئاً لم يُسجل. لابد أن اللحاء كان أثخن من أن يحس.
سألت بياندينا: "إذن كم يبلغ عمر الشجرة إجمالاً؟"
رد أنتيلمو: "لقد قالت للتو".
قالت بياندينا: "لا، قالت إن الإمبراطورية تعود لثلاثة آلاف عام، وأن الشجرة أقدم من الإمبراطورية بألف عام. ثمة مدة زمنية ناقصة بيننا".
استشف ديرت نبرة الضيق التي كبحها صوتها. فخير للأشياء ألا تختبر سعة صدر ماكسيما.
قال أنتيلمو: "آه".
وتململ كمن يود قول شيء حاد أيضاً، لكنه طبق فاهه.
قالت ماكسيما: "ثمانمائة عام. الإجابة الأدق ستكون معقدة".
أرتهم بحيرة مستديرة تتوسّط تلاً كبيراً، وبدت كأن قمتها كُشطت ومُلئت بمياه الأمطار. أرتهم كهفاً ضيقاً بما يكفي لتزحف داخله وتلتف على نفسها، بفتحة خلفية تفضي إلى حجرة أصغر فارغة بسقف منخفض. أرتهم مسقط مياه بقمامتها. تجمّع الجليد حول الحواف وتراكم فوق الصخور السافلة حيث يتناثر الرذاذ، لكن الماء نفسه جرى هادراً قوياً. أرتهم منخفضاً في التلال بدا عادياً تماماً إلى أن شرعت تشير إلى التفاصيل.
"أترون ذلك الشق؟ تشرق الشمس تماماً من تلك النقطة في أطول أيام السنة. وهناك، في ذلك التل حيث سقط الصخر؟ تشرق من هناك في أقصر الأيام. وتشرق بمحاذاة تلك الشجرة الفارعة الوحيدة في يومي الاعتدال بين الليل والنهار. أعيد غرسها كلما ماتت".
وما إن أدرك ما يبحث عنه، حتى تبدت أمور أُخر بدا غريباً وجودها هناك. صخور قائمة في مواضع لم تصلها بصورة طبيعية. أشجار غرست فرادى لتمييز أجزاء مختلفة من الأفق. أخفت الحفرة التي احتوتهم معظم التلال المحيطة، مانحة انطباعاً بأفق مستوٍ تقريباً في كل الاتجاهات. وعلى طوله انتصبت علامات شتى.
قالت بياندينا: "أراهن أنك ترقبين العام بأسره من هنا".
"أفعل، أيتها البشرية الصغيرة. أرتقب جزئياً لقياس الفصول وإدراك دورات الأزمان والدهور، وجزئياً لقياس تأثير المفترس في العالم".
غصّ عقل ديرت بالأسئلة، لكنه لم يكن موضوعاً للنقاش مع الصغار هنا. فتفاصيل ذاك الشأن تخص الأم وحدها وليست له.
لكن ماكسيما لاحظت، وأرسلت له رسالة مباشرة: "أرتقب بلوغه أضعف حالاته، وعندها سننجب ذرية. إنه أقوى الآن مما شهدته طوال عمري ولا يقوى على المخاطرة سواه والوالد والأم".
سأل ديرت: "هل لهذا صلة بمطلع الشمس؟"
خدشت الفكرة ذكرياته المفقودة. لابد أنه درى بكل هذا أيام كان أفيوتس. الأزمنة والفصول وما يحمله الأجواء.
"جزئياً، يا صديق أخي. ثمة علامات كثيرة. لن تقيموا هنا بالقدر الكافي لأعلمكم إياها".
"أأنبتِ جروة قط؟"
قالت ماكسيما: "لم أفعل".
وتوقع ديرت نبرة استياء أو تحسر على الأقل، لكن نبرتها جاءت صبورة: "لسنا أقوياء بما يكفي لإبقائهم أحياء. لا تظن الأمر يساراً لمجرد أن سوكس قادراً على الهيام وتجنب فكي المفترس. يبذل الأب جهداً جباراً للتأثير في العالم ومؤازرتنا، وإلا لما سمحت لهدف بمثل هذا الحجم بولوج أراضيّ".
"حسناً، آمل أن تنجبي جروة ذات يوم، وآمل أن يكونوا جميعاً بقوة سوكس".
سألته ماكسيما بنبرة شديدة الاستمتاع: "أتلك مواساة؟ من بشري؟"
حتى إنها نفخت ذيلها ولاكت فكيها، كمن يهم بإرخاء لسانه ثم يقاوم. ابتسم ديرت بخجل ولم يجب، خشية أن ينزلق كلامه لما يبدو قليل الاحترام أو يفتقر للتواضع الواجب. غادرا فأرتهم قمة صخرية ترتع فيها آلاف طيور الجوارح، والمروج الفسيحة المحيطة حيث تصطاد. أرتهم تمثالاً منحوتاً مباشرة في وجه جرف، يصور رجلاً عارياً يحمل رمحاً وبنعله الواحد يطعن مخلوقاً لم يتبينه ديرت.
قالت ماكسيما دون توضيح إضافي: "ذاك أسد".
قال ديرت: "اعتاد البشر صنع أشياء مماثلة، قديماً جداً".
وأومأت بياندينا وأتيلمو بإعجاب، لكنهما عجزَا عن إدراك كنهه. أرتهم ماكسيما ممراً ضيقاً يستحيل رؤيته دون الوقوف في المكان المناسب تماماً، وقد تمازجت ألوانه لدرجة تعذر العثور عليه البداية. أفضى الممر إلى بقعة صغيرة تحتضنها الصخور برفق ولا يحوي غير شرفة فارغة في المنتصف. سقفها أخضر وقطعة واحدة، تتزين سطحه نقوش ورقية. وتزينت الدعامات بأوراق لبلاب وأزهار ملتفة، وبدت خشبية غير أنها لم تتعفن رغم عتقها الواضح.
وامتدت الزخارف من الأعمدة لتشكل شبكة معقدة بينها، مكونة أقواس أزهار يمكن المرور تحتها. تزحلق الأطفال الثلاثة عن ظهر سوكس وولجوا، واضعين أقدامهم بهيبة بالغة على الأرضية الخشبية الملساء كالحجر المصقول بأفضل أنواع الطلاء اللامع. ولم تحمل أثاثاً، سوى ثلج منثور وأوراق شجر عتيقة حملتها الريح.
قالت ماكسيما: "استدعِ ريحاً، يا ديرت الصغير، وأصخ السمع بعناية".
فعل، مستحضراً السحر ومنطوقاً به في العالم. ولم يستبن الاتجاه، فجعل الريح تهب على وجه الذئبة العظيمة عوضاً عن اصطدامها المباشر بها. وما انفك الهواء يتحرك حتى انبعثت الهمسات في كل صوب وارتكس الأطفال الثلاثة فزعاً وذهولاً. صفير الريح برفق في الثقوب والمساحات الغفيرة للزخارف وبدا الصوت مصاغاً ببراعة جعلته يقارب حشد بشري، بهمسات أخفى من إدراك ما يقولون. بدت نبرتهم متلهفة.
وتلك ميزة تناهت للأسماع.
أمرت ماكسيما: "مزيد من الريح. أنصت".
دفع ديرت مزيداً من المانا في الريح فزادت سرعة وهبوباً. ووحت الهمسات باندماجها لتغدو نغمات صلبة، وأصوات نايا رقيقة تؤلف لحناً شاملاً واحداً. بدا كأنه جوقة تتهامس بين بعضها بانتظار أوان الغناء. وقف الأطفال، وديرت معهم، في سكون تام هائب بجلل الفن وروعته. كيف يتأتى أمر كهذا؟ لم يلمس ديرت سحراً سوى سحره.
"انهج بالريح اتجاهاً آخر".
هدّأ ديرت الريح واستحضر غيرها، متعامدة مع الأولى. وحين التطففت، عادت الهمسات للانبثاق غير أنها بدت أعمق الآن، أصوات رجال عوض النساء. وتكرر الأمر حين اشتدت الريح وغدت الهمسات جوقة — بانخفاض النبرة وتبدل الرنين. أنصتوا مطولاً بينما حول ديرت الريح اتجاهات شتى. انبثقت آلاف الأصوات، كأشباح ماثلة بخفاء حولهم. كان تدوير اتجاه الريح بطيئاً، وما إن فعله حتى بزغت أغنية. تعزف توافقات شتى من كل جهة، مندمجة بسلاسة لتنساب عبر تناغماتها.
غير أن الريح كانت باردة رغم الثياب الفروية الثقيلة، وما لبث ديرت أن احتملها. كان أول المرتجفين، لكنه تمالك حتى احمر وجه بياندينا وشرعت ترشح أنفها وتضم ذراعها لصدرها تدفئة.
قالت بياندينا بنبرة تنم عن رغبة في المضي: "أعجز عن تصديق أن بشراً صنعوا هذا أيضاً".
قالت ماكسيما: "لم يفعلوا. لم يبلغ البشر هذا قط، حسب علمي. صاغ هذا المخلوقات التي سبقتهم. أجهل عمره، لكن الأب يعلم. أعجز عن التخمين في غايته. وجدته مؤخراً من منظور، حين سمعته يصفّر".
ورغم رؤيته في ضوء عجيب جديد، فقد استنفد الشقيقان اهتمامهما به. ومضا يومئان، ملقيين نظرة أخيرة مطولة، وعادا سيراً نحو سوكس. ظل ديرت مأخوذاً. أقدم من البشر. وديع، كامل وأبدي، محفوظاً عبر دهور لا تحصى. وشرع يتساءل عن كنه تلك الكائنات، ومأتاها، وكيف يدوم شيء لهذا الأمد. لقد صنعوا الدائرة السحرية التي جلبت ديرت وسوكس هنا، فكم من مخلفات تركوها خلفهم؟ وهل درى أحدهم في إمبراطورية الغروب بشأنها؟
ربما أنبأته مكتبة الاسكولا.
"تعالوا. سنهرول سريعاً نحو موضع استراحتنا".
ركضوا بقية اليوم، بعدما أمضوا معظمه في الترحال. ولف الظلام الشطر الأخير من الرحلة، ووهت الرؤية رغم الثلج، لغياب القمر حتى نومهم. أبصر سوكس وماكسيما بوضوح، وعجز البشر، ولما أزف أوان التوقف تعذر تحديد المكان. كان منفضاً صغيراً تحوطه الأشجار مع كومة ترابية ضخمة بجانب واحد. اتسع المكان بالكاد لالتفاف ماكسيما وسوكس معاً، وليبلغ الصغار أغطيتهم متخذين موضعاً للمشاركة. أطل الصباح التالى باكراً، باستيقاظ الصغار جاهزين قبل شروق الشمس.
غادرت ماكسيما ووصلت بعد صحوة سوكس بوقت قصير، متسللة بصمت بين الأشجار حتى أطبقت عليهم: "أجعتَ يا جرو؟"
قال سوكس متممطاً قبل فتح عينيه: "أجل".
"إذن امضِ واصطد لنفسك إحدى غزلاني".
قال سوكس: "شكراً لك".
إثر ذلك، حان أوان معاينة الأطلال و"القمامة".
كانت رحلة طويلة، رغم الإسراع الذي منع البرد القارس البشر من تفقد مسيرهم لشدة قسوتهم على العيون. عوضاً عن ذلك، التفتوا شطر الخلف والجانب متجمعين وثيقاً على ظهر الذئب طلباً للدفء. وانقضى المشهد تلو الآخر، بأكثر مما رجا ديرت تذكره. سمحت ماكسيما بالتوقف منتصف النهار لتمديد الساقين وتناول بعض اللحم المخزّن، لكن الغيوم أطبقت وهبت الرياح، وجلبت العصور عاصفة ثلجية خفيفة زادتهم برداً.
على الأقل منعت رياح ركض سوكس تراكم الثلج فوقهم وذوبانه. حين بلغوا الأطلال، لم يميز المكان سوى الواجهة الوحيدة للقصر شبه المفتوح. تلاشت بقية المدينة، مرجحاً دفنها كإشارة ماكسيما. بلا طرقات، ولا أساسات خاوية. لا شيء. سوى سهول صخرية منبسطة بثلج قليل وخصلات عشب ميت، وبناية منفرة متداعية في قلبها. خلا القصر من أبراج. كان مبنى مستطيلاً يحيط به أعمدة كمعبد، وتوسّم ديرت إحاطته بحدائق يوماً.
وبدا له كفيلا بضخامة مبالغ فيها، بأربعة طوابق وعرض يسع عشر عائلات. انتزعت الواجهة الأمامية تماماً، لثلثي الحافة، ومع الاقتراب تبينت غرف شتى دفعة واحدة. قادتهم ماكسيما مباشرة في الفجوة وعمق قصير داخل المبنى، وصولاً للجدار الخلفي، حيث جلس كرسي حجري عتيق نخرته العوامل في العراء. ولم تمتد أرضية الحجر المتبلطة سوى خطوات خلت من العرش قبل أن تهوي. تلاشت دماء الملكة وعظامها منذ أمد بعيد، لكنه المكان.
كان ذلك الجدار الذي رُسمت عبره. وعلت المكان قاعة سحيقة، شُيدت بارتفاع ورحابة لتضفي مهابة على قاعة العرش. سقط جُل السقف، محطماً مهشماً على الأرضيات الأسفل، غير أن ما تبقى منه كفى لبلوغ الأثر.
"أنزلوا والتمسوا قمامة ترغبون حفظها. هذا المبنى كان عناءً هائلاً لهدمه ودفنه، لذا أبقيناه سليماً".
سألت بياندينا: "من أين نبدأ البحث، أيتها العظيمة؟"
"الأشياء التي أمسك بها البشري تقبع في طرفي الغرفة المتقابلين. أظن تلك الأشياء بالغة الإثارة فابدأوا منها".
"أتمانع يا سوكس؟ أتستطيع رفعنا؟"
أنفذ الجرو الطلب ورفع الأطفال عن ظهره ووضعهم بحذر قرب العرش، ولم يحرر قبضته العقلية إلا بعد هز الأرض قليلاً للتأكد من تحملها. وما إن لامست قدماه الأرض، حتى لمس أنتيلمو شيئاً لليسار وركض بمحاذاة الأرضية الضيقة للحاق به.
تبعه ديرت محذراً: "لا تعلُ آمالك سريعاً. لن يكون ملقىً هكذا فحسب".
تجاهله أنتيلمو وانحنى بازاحة أوراق عن الأرض.
صرخ: "يا له من أمر! أوه، يا للهول!"
سأل ديرت مقترباً بسرعة: "ما الأمر؟"
التقط أنتيلمو شيئاً وقبل بلوغه، انتصب والتفت حاملاً رمحاً أطول منه. حمل رأساً معدنياً عاكساً مسطحاً وزخارف ورقية دقيقة طوال المقبض.
تعرف عليه ديرت: "صولجان اللهب! إنه... إنه هو حقاً!"
اندفع للأمام للإمعان وتأكد قطعاً. تفوقت هذه الأداة بلهرتها على أي إمبراطور فرد. إنه سلاح من عهد الفجر وصمد عبر الدهور حتى حازه أباطرة الغروب كعلامة لسلطانهم. تجددت المعرفة داخله كأي إدراك آخر. وأيقن ديرت أنه لم يمسكه قط، غير أنه تذكر مواضع عدة في بقايا توريكوم رُسمت فيها بنحت ولم يلحظها. إن كان هذا صولجان اللهب، فهذا يعني—تردد ديرت، غير أن ثمة أمراً آخر. التفت وهرع نحو بياندينا عبر القاعة الكبرى، ووجدها تحاول نزع شيء من الجدار.
التف حولها ليراها تشد مقبض سيف بقوة. غاص النصل في الحجر لذاك الحد.
سأل: "أتسمحين بالتجربة؟"
وقبل إجابتها، أدخل يده تحت يدها وأمدّ ذراعه بالمانا. هز السيف هزة طفيفة وشدّه بحدة فانزلق خارج الحجر.
صرخ ديرت: "إنه هو حقاً! فجر الحرب! لا أصدق! مجرد جلوسه هنا!"
"تركناه حيث كان بعد قتلها".
بدا النصل نسخة أطول بكثير من سكينه، طويلاً أحادي الحافة بانحناءة رقيقة وديعة. ورافق هذا السلاح الرمح، ممسوكاً من الإمبراطور كعلامات للنار والنور لشعبه.
قال مناولاً إياه: "هاكِ".
تشبّعت عيناه بالمنظر. كان أمراً مهيباً. أو لعل رد فعله تضخم لندرة معاينة شيء مألوف بحالة مثالية. لم يتأكد ولم يأبه.
"هذا... أوه. أوه!"
سار الأطفال نحو المنتصف، وأدار أنتيلمو الرمح بابتسامة عريضة.
قفز ديرت بحماسة، واثباً كأرنب مسيره، عاجزاً عن كبح حماسته: "شكراً لك، ماكسيما! ومورس! أبلغيه شكرنا نيابة عنا أيضاً!"
"لا حاجة لي بأمثال هذه. أشتاق لمعاينة ما سيصنعه صغار سوكس البشر بها".
قالت بياندينا بانحناءة رشيقة: "شكراً لك، أيتها العظيمة".
حاضنة السيف بذراعها.
قال أنتيلمو بانحناءة بالغة الارتباك: "شكراً لك، أيتها العظيمة".
عجز عن إمساك الرمح ولم يرد وضعه. لكنه ظل صادقاً ساحراً رغم كل شيء.
قال ديرت متسرعاً في إخراج الكلمات: "ما زلت أعجز عن التصديق. سأقص عليكم أمرها لاحقاً، لكن الخلاصة أنها تشبه سكينتي. نصل أبدي. أأتساءل عما يختبئه المكان أيضاً؟"
قال أنتيلمو: "هلمّ لنكتشف".
تفرقا مهرولين، دون أن يتخلى أي من الشقيقين عن سلاحه الجديد تيسيراً للبحث.