تأخر السيد أدريسانت. وجد سيمون الأمر غريباً للغاية. كان يحضر دورة الدراسات القبلية منذ ثلاثة أسابيع تقريبا وكان المعلم يصل دائما في موعده — وهو أمر لا يمكن قوله عن كثير من الناس بين أعضاء هيئة التدريس. ظل سيمون يتفقد الباب باهواس طوال أكثر من خمس عشرة دقيقة متوقعة مجيء السيد أدريسانت في أي لحظة. ظهر ضيفان مفاجئان بدلا منه.
داعبته آنا قائلة وهي تقترب منه ويتبعها تيلا: "أخاب أملك؟"
وكانت الاميرة تحمل صحيفة صغيرة في يديها.
"أكنت تنتظر أحدا آخر؟"
أجابها سيمون بداف ودخلت هي وتيلا لتجلسان بجانبه: "أنا سعيد دائما برؤيتك يا آنا. لكني مندهش فقط. ظننت أنك لا تأخذين هذه الدورة؟"
"لا أتابع هذه الدورة لكني فكرت في أن أتحقق بنفسي عما يجعلها ممتعة للغاية لدرجة تجعلك لا تفوت درسا واحدا قط. هذا إلى جانب أنني أردت أن أسألك عن ذلك الشاب الأشققر الوسيم الذي تقضي وقتك معه مؤخرا."
رفع سيمون حاجبه: "كاسفال؟"
كان يعلم أنهما قضيا الأسبوع الماضي أو نحو ذلك معا لدراسة الكيش بين الحين والآخر لكنه لم يعتقد أن الآخرين قد لاحظوا ذلك.
"وسيم؟"
مسحت آنا ذقنها وتظاهرة بدراسة سيمون: "حسنا هو أوسيم منك لكن فقط لأنك لا تحسن ارتداء ملابسك. ما رأيك يا تيلا؟ أتريدينه عاريا أم بالزي الرسمي؟"
احمرت وجنتا تيلا: "آنا! هذا ليس مضحكا!"
أجاب سيمون: "تجاهليها."
فقد أمضى وقتا كافيا بجوار آنا لئلا تدع مزاحها يؤثر فيه.
"هذه المرأة تقتات على الخجل."
ابتسمت آنا عند لمحها لكاسفال وهو يدخل الغرفة: "هراء أنا أقتات على الحرج فحسب. آ, ها هو صديق سيمون."
رد كاسفال بهدوء تام وثبات أعصاب مما زاد آنا سرورا: "لكنت علمت لو كنت كذلك يا صاحبة السمو."
وسار الشاب إلى جانب سيمون.
"أيمكنني؟"
أجاب سيمون وهو يبذل قصارى جهده لتجاهل نظرات آنا وتيلا الماكرة الموجهة إلى كاسفال: "بالتأكيد."
أكان وسيما إلى هذه الدرجة حقا؟
"ولكن للأسف المعلم متأخر."
أجاب كاسفال: "سمعت أن المعلمين يعقدون اجتماعا لهيئة التدريس. لمناقشة رسالة من العاصمة أو ما شابه."
ألقت آنا الصحيفة نحو سيمون: "لا يفاجئني ذلك. تفقدها بنفسك."
فعل سيمون ذلك. كان صوت الإمبراطورية هو الصحيفة الرئيسية للقلب الإمبراطورية — نظرا لأن السلطات تفرض رقابة صارمة على جميع المعلومات — وكانت تنشر عادة الأخبار الأسبوعية المعتمدة من الحكومة في جميع أنحاء الأرض. تقطب جبينه وهو يتصفح العنوان.
أيكون السير ريشار من لور هو البالادين الجديد؟ دعوات متجددة لعائلات لينكونو للتقدم لتسوية ميراثهم. الإمبراطورية في حداد بعد وفاة الباتريات مالفاس أمين خزنتنا المحبوب.
قال سيمون فوراً: "مات الباراتريت؟"
وراجع المقالة المعنية شاحباً وهو يفعل.
" وابنته إيلين أيضاً؟"
أكدت آنا بشيء من الأسى: "كان من المفترض أن تحضر هذا العام. يا للأسف. كانت في مثل سنّنا تقريباً".
ذكرت المقالة أن الباراتريت وابنته توفيا ميتة طبيعية، غير أن الحمقى وحدهم يصدقون ذلك. لم يستطع سيمون التفكير سوى في تفسير واحد: خرجت الخناجر من أغمادها وبدأت الفصائل في القصر تصفي بعضها بعضاً. لم يكن الباراتريت سوى بارون، لكن شقيقتيه تزوجتا الدوق فلاوروس والدوق إيليغوس، وكلاهما ينتمي إلى حزب الحرب بزعامة لويس. لا بد أنهما سيثأران ممّن قتل أقاربهما. ليحمد سيمون النور على ابتعاده عن هذه الفوضى.
ما حدث للباراتريت وابنته محزن، لكن أن يصيبهما خير من أن يصيبه.
قالت آنا وهي تُحدِّق في عيني سيمون مباشرة: "أردت تعريفك بخطيب لويس، لكنها رحلت هي الأخرى. غادرَت المدينة دون كلمة قبل أيام قليلة. ألا تعرف شيئاً عن ذلك حقاً؟"
انتفض سيمون جانباً بعد أن وضع الصحيفة جانباً.
"ولماذا أعرف؟"
أقتربت منه آنا أكثر وقالت: "استُدعي والدي إلى العاصمة وقت مغادرتك تقريباً، ولم يرسل لي رسالة منذ ذلك الحين. هيا، لا ينبغي لك أن تخفي أسراراً عن ابنة عمّك الفخرية الحبيبة".
أنقذ كاسفال سيمون بحسن طالع قائلًا: "السر الوحيد الذي نعمل على كشفه هو سر كنز كيش، يا صاحبة السمو".
لمع شرر الاهتمام في نظرات آنا وقالت: "كنز؟ سيمون، ما الذي تخفيه عنّا؟"
أجاب سيمون: "إنه مجرد شائعة".
لم يكن يرغب البتّة في أن تحشر آنا أنفها في شؤونه.
الأفضل التملّص — قال كاسفال: "نحن نحقق في الكنز القديم لإمبراطورية كيش وقصرهم في الشرق. فهل تهتم سموّكم بالانضمام إلينا في سعينا؟"
تبّاً لك يا كاسفال!
قالت آنا بابتسامة عريضة: "رحلة بحث عن كنز، هذا أمر ممتع حقاً. ما رأيكما في مناقشته الليلة في مسكني؟ يمكننا عقد جلسة دراسية ثم الحديث عن الكنوز طوال الليل".
رمق سيمون كاسفال بنظرة غاضبة صامتة تظاهر بأنه لم يلاحظها. أكان لديه أدنى فكرة عما فعله؟ لم تكن آنا قادرة على ضبط لسانها ولو أن حياتها تعتمد على ذلك! لم تبدأ هذه المحاضرة بالسرعة الكافية. لسوء الحظ، امتد الانتظار عدة دقائق حتى اندلع ضجيج جلبة خارج غرفة الصف. همّ سيمون بالتحقق من الأمر حين دخل غرفة الصف جمع غير مرغوب فيه البتّة.
قال ثالاس وهو يرمق سيمون المصدوم بنظرة حارقة: "ماذا قلت لك يا آنا؟"
لقد نمت حاشية الأمير لتضم خطيبته، ونصف دزينة من أبناء الدوقات، وغيرهم من الانتهازيين النبلاء.
"أنت تستحقين ما هو أفضل من مخالطة الحثالة".
سألت آنا متفاجئة: "ثالاس؟ لا تقُل لي إن هذا المقرر نال إعجابك أيضاً؟"
أطلق ثالاس ضحكة مججلّة وسخر من سيمون بازدراء: "وما عساني أهتم بحياة الحيوانات البشرية؟ جئت لأبلغ اللقيط شخصياً، ومن طيبة قلبي، أن هذا المقرر قد عُلّق لأجل غير مسمى بأمر من الكاهن الأعظم ماستمو".
رمش سيمون في صدمة وقال: "ماذا؟! ولماذا؟!"
"دُمجت دراسة القبائل في مقرر السر السماوي ليتلقى الطلاب تعليماً يليق بمبادئ النور. وجدت والدتي الإمبراطورة أن افتقر هذه الأكاديمية للإيمان أمر بالغ السوء، وقررت أن نشعله من جديد في قلوب شبابنا".
عبس سيمون بانزعاج. أترى ثالاس حرّك خيوطاً لإلغاء المقرر لمجرد أن أخاه غير الشقيق البغيض يحضره؟ مع إدراك سيمون أن ثالاس قد يكون حقيراً لدرجة تفعل ذلك، إلا أن الأمر صدر على ما يبدو عن الكاهن الأعظم ماستمو، وهو ليس من النوع الذي ينحني لنزوات الأمير. كان المرجح أن قيادة الأكاديمية استسلمت لحزب الكنيسة وسمحت له بالسيطرة. لم يبشر ذلك بالخير، سواء بالنسبة لتحقيق سيمون في كيش أو لسلامته الشخصية.
كان داسين يحكم المدينة وهو مؤيد لحزب الحرب؛ ولن يقبل هذا التحدي بصمت. سيكون تبادل النيران أمراً يستحق المشاهدة. لا عجب إذن أن خطيبة لويس قد رحلت. فغالباً ما استدعاها لسلامتها الآن وقد شرعت يوـفيميا في تأمين الأكاديمية لنفسها. لعن سيمون حظه العاثر. لقد سافر أميالاً لا تحصى من العاصمة ليهرب من سياسات بيته، ليجدها تلحق به هنا. لقد بدأ اليوم سيئاً بما يكفي، والآن قرر ثالاس أن يزيده سوءاً بوضع الملح على جراح أخيه غير الشقيق.
وقال: "أنا خائب الظن في الرفقة التي تخالطينها يا آنا. لقد سمعت أنك أصررت على أن تكون غرفة اللقيط بجوار غرفتك".
أفعلت ذلك؟
ردت آنا دون أن تنفي: "وما أهمية الأمر يا ثالاس؟ إنه من العائلة أيضاً".
تحوّل العبوس على وجه الأمير إلى غياب داكن ببرودة قاسية.
وكأنه بصق الكلمة: "عائلة؟ الميزة الوحيدة لأمه الفلاحة هي أنها كانت جميلة بما يكفي ليغتصبها والدنا".
اعتاد سيمون سخرية أخيه غير الشقيق لدرجة أن معظمها كان يتزلج عنه كتزلق الماء على الصخر... لكن تلك الكذبة، وتلك الفرية التي طاردته طوال حياته، كانت الاستثناء. غلى الدم في عروقه، ورمق ثالاس بكل الكقد الذي أثاره الفتى الأمير في قلبه. انكمشت تيلا في مقعدها محاولة جاهدة ألا يُلتفت إليها، بينما تابع كاسفال المشهد بتعبير مبهم. وحدها آنا بدت ساخطة بقدر سيمون.
قالت آنا ببرود: "ثالاس، اعتذر فوراً".
"على ماذا، لقول الحقيقة؟"
كانت ابتسامة ثالاس بحلاوة الزبدة الفاسدة.
"وعلاوة على ذلك، لا بد أنه كان اليوم الأجدر بالذكر في حياتها. على اللقيط أن يشكرني لإبقائي ذكراها حيّة".
ضحك بعض أفراد حاشيته رغم عدم وجود ما يضحك في كلامه، فالأقوياء والطموحون يجدون الأمراء ظرفاء دائماً. كانت آنا تصك على أسنانها بغضب بارد لدرجة أن سيمون سمعه من مقعده. لقد كاد يقع في حبها في تلك اللحظة بسبب تلك اللفتة وحدها. تطلّب كل عصب في كيانه أن يلطم ثالاس على وجهه، ويكسر أنفه، ويجعله يدفع ثمناً لكلامه. غير أن سيمون لم يدرك فحسب أنه من المرجح أن يكسر يده بدلاً من إلحاق أي ضرر بثالاس، بل تبيّن له أن الأمير أراده أن يفعل ذلك.
كان يستدرجه ليجرب حظه فيفشل فيحطمه بدوره ويُبهر حاشيته. لذا استخدم سلاحاً أشد فتكاً بدلاً من ذلك؛ الحقيقة.
قال سيمون ببرود: "كلما نظرت إليك، تذكرت لماذا لم يخترك والدي".
آلمه ذلك أكثر من أي لكمة، لا سيما لأنه أدرك أن سيمون كان على حق. تجمد ثالاس، أولاً في صدمة، ثم في غضب عاجز. استمرت حاشيته في الضحك لفترة حتى لاحظت يديه المرتجفتين، وعندها شرعوا في الصمت بعصبية.
سأل ثالاس بنبرة خطيرة محاولاً إرهاب أخيه غير الشقيق ليلزم الصمت: "ماذا قلت أيها اللقيط؟"
لربما نجح الأمر لو أنه لم يهن لتوه والدة سيمون وشرفها.
أجاب سيمون: "لقد خيبت أظاره لحظة خروجك من فخذي الإمبراطورية دون عينها الثالثة وقدرتها على الاستدعاء. أنت لا تمتلك شيئاً من موهبة لويس، أو ذكاء لوريان، أو بسالة داسين، أو حتى تقارب نوربيل مع السحر. ربما لو امتلكت ذرة من مهاراتهم، لاختارك خليفة له بدلاً من غريب".
اصطدم ظهر سيمون بالحجر في لمح البصر. لم يُبصر حركة ثالاس، رغم توقعه لها. لقد حطّم المقاعد في طريقه إلى سيمون، بينما تفادى كاسفال الضربة بالكاد ورُميت تيلا الصارخة عائدة باتجاه آنا. قبضت يد ثالاس على حنجرة سيمون وصفعته بالحائط أمام جميع الطلاب المصدومين بقوة شديدة جعلت الحجر يتصدع. كانت قبضته ترتجف حقداً. صرخت آنا وهي تساعد تيلا المصدومة على الوقوف مجدداً، بينما تدفقت المانا في جسدها وتحولت ملابسها إلى زيّ طبقة اللورد الخاص بها.
ظهر درع فضي أزرق فاتح يتكون من درع صدر، وقفازات، ودروع سيقان، إلى جانب عباءة حمراء صغيرة: "كفى!"
تجاهلها ثالاس، فيما كانت نظراته ترمق سيمون وحده.
"لا يستطيع أحد فعل شيء إن قررت قتلك هنا والآن، أيها اللقيط".
وكان جاداً فيما يقول.
"لا أحد يستطيع إيقافي، ولا أحد يستطيع الثأر لك".
كان على حق، لكن ذلك لم يزِد سيمون إلا غيظاً. لم يكن يريد شيئاً سوى التحول إلى سيد الأسياد، ليدع هذا الفتى الأمير المدلل يرى بنفسه مدى قلة اعتبار والده له، وليحطم مقعته الصباحية بوجهه الأحمق... ولقد كان ليفعل ذلك لو كان رجلاً أقل حذراً. غير أن سيمون امتلك وسائل ضغط أخرى، وسبق أن رأى ثالاس ينحني أمامه.
قال سيمون: "افعل ذلك وستخرج الحقيقة خلال ساعة ليسمعها الإمبراطور بأكمله".
تأوه ثالاس كأنه صُفع على وجهه.
"ماذا ظننت؟ أنني لن أستعد لليوم الذي تأتي فيه لأجلي؟ أنت، الذي أردت موتي لمجرد وجودي لسنوات؟"
حسناً، لم يُعد سيمون شيئاً حقاً لأن جزءاً منه كان يعلم أنه سيعود بالزمن، لكنه فكر في الأمر.
"لذا اتخذت احتياطاتي. اقتلني، وسينكشف سر عائلتنا القذر الصغير".
سأل أحد أفراد حاشية ثالاس بحماقة: "أي سر؟"
رد ثالاس وقد اهتزت ثقته: "لن تجرؤ".
كانت نهاية سيد الأسياد وفقدان طبقته معلومات محتفظ بها بعناية ولا يريد أحد في البلاط خروجها.
"ستكون ميتاً قبل نهاية اليوم!"
اقترب سيمون حتى لامست جبهته جبهة أخيه غير الشقيق المكروه وقال: "اقرأ شفتي أيها الحقير. أنا أكرهك بما يكفي لأفعل".
وحين التقى ثالاس بنظراته، أدرك أنها لم تكن خدعة فارغة.
صرخت آنا ومع في يدها سيف رفيع من النور والمانا يتجسد: "كفى! ثالاس، اطلقه الآن! الآن!"
رمقها ثالاس بنظرة حارقة، لكنه جبن كما في الحلقة السابقة. أطلقت يده قبضتها عن حنجرة سيمون وتركته يلهث طلباً للهواء. اعتبر الألم ثمناً بخساً في مقابل النصر.
صرّح ثالاس بغضب قبل أن يغادر مع أتباعه للعثور على جراحه: "إذا كنت لا تزال في هذه المدرسة بحلول الصباح أيها اللقيط، فسأشنقك".
يا له من جبان تبين أنه يكون حين لا تسير الأمور على هواه.
انفجرت آنا بسيمون بمجرد مغادرة ثالاس: "أجننت؟! أتريد أن تموت؟! إنه يستطيع قتلك وسيفعل!"
توقع سيمون مزيداً من الدعم فثبت في موقفه.
"ماذا، كان علي أن أتركه يهين أمي علناً؟ كيف كنت ستتفاعلين لو فعل المثل مع والدتك؟"
"لا، ولكن..."
بدت آنا ممزقة بين تمزيقه إرباً بسبب المخاطرة التي أقدم عليها وموافقته على الدفاع عن شرف والدته.
"سأقوم بتسوية الأمور، ولكن إياك ثم إياك أن تجرّب ذلك مرة أخرى! يا تيلا، تعالي معي".
أجابت تيلا بخنوع: "نـ ـنعم"، وهي تتبع آنا خارج الغرفة.
لم يبقَ سوى طلاب دراسات القبائل، وكلهم ينظرون إلى سيمون في صمت مضطرب.
قال لهم سيمون: "اغربوا عن وجهي، المحاضرة ملغاة".
التقطوا الرسالة وبارحوا المكان، باستثناء ملحوظ لكاسفال.
"لا تزال هنا؟"
قال كاسفال: "يُزعجني أمر سموه. أسمه ثالاس، أم ثال-أص (ثال-الحمار)؟"
لم يستطع سيمون إلا أن يضحك على جسارته. كان الأمر خطيراً سخرية من أمير، حتى في السر.
أجاب بتنهيدة: "كلاهما مناسب. وبجدية يا كاسفال، يجب أن تغادر. ثالاس ليس ممن يُعبث معه. مهما كان ما تأمل في نيله بالالتصاق بي، فسوف ينتزعه منك".
"عُلم".
لم يبدُ كاسفال مرعوباً ولو قليلاً. أأدرك خطورة الوضع بعد؟
"أكل أبناء ماغنوس غير محتملين هكذا؟"
لم يبدُ خائفاً من قول ما يدور في خهذه، وهو ما عُد إما سذاجة أو تهوراً. أخذ سيمون نفساً عميقاً.
"الكثير منهم كذلك".
"ظننت ذلك".
درس كاسفال وجه سيمون لثانية. كان هناك شيء غريب في نظرته، لكن سيمون لم يستطع تحديد ما هو.
"لا بد أنك تكرههم أيضاً".
تأمل سيمون السؤال. أيكره عائلته بأكملها؟ كانت تلك كلمة أقوى من أن تُقال.
أجاب بصدق: "البعض فقط. لوريان وداسين ليس كثالاس، وليس لدي أي شيء ضد لويس".
"أرى ذلك".
أومأ كاسفال برأسه وبدا تعبيره متفلسفاً. لم يستطع سيمون تفسير الأمر تماماً، لكنه بدا كأنه... خائب الأمل لسبب ما. أكان يصطاد إشاعات؟
"على أي حال، أتمنى أن نعقد تلك جلسة المراجعة الليلة بمجرد أن تهدأ سمو الأميرة آنا. ستكون مساعدة ثمينة".
"لا أظن أنك تأخذ هذا الخلاف بالجدية اللازمة. لقد هدّدني أمير دم بالقتل علناً".
هزّ كاسفال كتفيه.
"كادت أختي أن تقتلني مرة، ولم يمنعنا ذلك من التعاون. الدم يبقى دماء".
كان هناك خطب فادح في هذه الجملة، لكن سيمون كان متعباً أكثر من أن يجادل. ترك كاسفال واختار العودة إلى غرفته لبقية اليوم. ستسامحه آنا على تخطي محاضرة السر السماوي بعد هذا. ما مشكلة ثالاس بحق الهيد؟ أراد الفتى الأمير ميتة سيمون منذ التقيا لسبب لم يدركه قط سوى ولادته بشغف سامٍ. لقد كان قادراً جداً على تنفيذ تهديده بشنقه غداً، رغم أنه ربما سيحاول استشارة والدته أولاً.
لم يفع قط ثالاس شيئاً لم توافق عليه الإمبراطورة أولاً. أعليه مغادرة الأكاديمية؟ يستطيع ثالاس بسهولة جعل حياته هنا لا تطاق بالنسبة لأخيه غير الشقيق، حتى مع وجود آنا في صفه، ولا شك أن الصراع بين الحزيبن الإمبراطوريين سيمتد إلى هذه الإمارة أيضاً. ترك المكان خوفاً من ذلك اللقيط سيترك طعماً مزعجاً في فم سيمون، لكنه لم يكن وكأنه يستطيع هزيمته في قتال... ... بإمكانه هزيمة ثالاس.
أدرك سيمون فجأة أنه يستطيع بالفعل الانتقام من ثالاس. لقد عرض عليه العرش القرمزي الإمكانية على طبق من فضة. القدرة على العودة بالزمن قد تتيح له جمع المعلومات والمستويات اللازمة لإذلال الفتى الأمير أو التفوق عليه في قتال. مجرد التفكير في تحطيم وجه ذلك الحقير بمقمعة سيد الأسياد بدا حلواً جداً في رأسه. لقد أخبر نفسه أن الانتقام الأفضل سيكون العيش بسعادة بعيداً عن عائلته، لكن ذلك كان قبل أن يفتقر للأدوات للرد؛
قبل ألا يمتلك أقوى طبقة في العالم بين راحتي يديه. لم يكن مستعداً الآن. وربما لن يكون كذلك في غضون سنوات عديدة أيضاً. لكنه قد يكون جاهزاً ذات يوم، وملأت الإمكانية وحدها قلب سيمون بالأمل. أستطيع أن أصير قوياً. أقوى من ثالاس، أو حتى لويس. يمكنني أن أترك له كدمة مقابل كل إهانة. قبض سيمون قبضته. كان يستطيع استشعار سرور طبقة سيد الأسياد بتلك الخيالات في داخله. المياسما التي وُلدت منها تغذت على حقده وترقبه.
إنها تجد الانتقام أشهى من السرية. سيكون ضمان سلامته أولاً، لكن ذات يوم... ذات يوم سيذيق ثالاس من نفس الكأس.
قضى سيمون بقية اليوم في غرفته يتدرب على تعويذاته وحده. برغم أن مريديث لم تعرض عليه السيف المظلم سوى مرة واحدة وركزت منذ ذلك الحين على تعويذات الأسلحة الأخرى، وجد سيمون سهولة نسبية في تفكيك بنية التعويذة وإعادة تركيبه. كل ما تطلبه الأمر هو توجيه الميازما داخل السلاح وتحويلها إلى ظلام صلب. كانت فئة السيد تفعل الخطوة الأولى تلقائياً، لذا لم يتبقَ عليه سوى التدرب على الثانية.
أقسم أنه وجد الأمر أسهل بكثير من الأمس. لقد صار أكثر انسجاماً مع فئة السيد الآن بعد أن عزم على استخدامها للانتقام من ثالاس يوماً ما. خمن سيمون أن رغبة سحق الأعداء المكروهين وإخضاعهم قد زرعت في صميم العرش القرمزي ذاته. تمنى لو كان بمقدوره القول إن تعويذات تعشيق الأسلحة الأخرى كانت سهلة عليه بالقدر نفسه. كانت كاساندرا على حق، فتوجيه الميازما بدلاً من المانا يعني أنه يواجه صعوبة أكبر في تعلم التعويذات التقليدية.
لم تقل مريديث قط إنه بطيء التعلم أثناء التدريب، لكنه استطاع قراءة أفكارها المكتوبة على وجهها المحرج. لم يظن أنه محروم تماماً من تعلم التعويذات الخالية من الميازما، لكن الجهد المطلوب بدا أقل جدوى يوماً بعد يوم. كان الأمر أشبه بمحاولة سباحة تسبق حورية البحر. لا شك أن أحدهم قد يستطيع فعل ذلك بتدريب شاق، لكن من الأفضل له استثمار جهده في تعزيز نقاط قوته بدل التعويض عن نقاط ضعفه.
كان الجزء الأغرب هو استمرار تلك الصعوبات حتى عندما لم يرتدِ سيمون زي فئة السيد. لقد غير توريثه من تقاربه الطبيعي مع المانا على مستوى أساسي. تساءل عما يعنيه ذلك لو قدر له يوماً وضع يديه على شارة فئة أخرى. علم أنه من الممكن استخدام عدة فئات في وقت واحد، لكن الأمر بدا بالغ الصعوبة وغير مجدٍ. سمع سيمون طارقاً على الباب فتبدد زي السيد منه فوراً.
قال: "نعم؟"
صرخت آنا من الطرف الآخر: "أنا هي!"
تحرك سيمون لفتح الباب لتقتحم آنا الغرفة كالإعصار. خلت على الأقل من زي فئتها، وهو ما بدا علامة جيدة على الأرجح.
"منذ متى وأنت تقفل بابك؟!"
"منذ أن هدد ثالاس بقتلي علناً."
صفعت آنا سيمون، وإن كان ذلك بلطف.
"أيها الحقير!"
ردت آنا ببرود: "هذا جزاؤك لأنك أقلقَتني إلى هذا الحد. لقد سويت الأمور مع ثالاس، ولكن إياك وأن تحاول فعل ذلك مجدداً. إياك ثم إياك."
سوت الأمور؟ كيف؟ استطاع سيمون تبين القلق الكامن تحت غضبها، فلم يجادل ولم يضغط في الأمر.
"سأحاول."
"حاول بجدية، فقد كان على وشك أن يأمر المحققين بجرّك من غرفتك."
"أسف."
لم يشعر سيمون بالأسف لأنه تقاتل مع ثالاس، لكنه شعر ببعض الذنب لإقلاقه آنا.
"شكراً لدعمك."
"شكراً؟ يجب أن تقبل قدمي لأنني أنقذتك من حماقتك الخاصة! كن ممتناً لكوني ابنة الرجل الثاني الأقوى في الإمبراطورية ولدي الكثير والكثير من الأصدقاء."
كان غضب آنا كالريح لحسن الحظ. جاء وذهب بالسرعة ذاتها.
"لن أكذب مع ذلك. رؤيتك تقف في وجه ثالاس كانت مثيرة نوعاً ما."
ضحك سيمون: "احذري ما تقولين، أنت لا تدركين كيف قد يفهم الآخرون ذلك."
"هل نقلت غرفتي حقاً لتكون بجوار غرفتك؟"
وضعت آنا يدها على خاصرتها: "يا للعجب، كأنني أردت قضاء الوقت معك. من كان يظن ذلك؟ يا ترى ماذا سيقولون عندما يعلمون أنني دعوتك إلى غرفتي."
تجمد سيمون: "ماذا؟!"
"جلسة المذاكرة يا سيمون. ماذا تخيلت؟"
منحته آنا تلك الابتسامة المشاكسة التي لا تعرف سرها سواها.
"سأدعو صديقك الحميم أيضاً لتناول العشاء، لذا تعال مرتدياً ثياباً أنيقة."
خمن سيمون إذن أن هذا ثمن بخس لدفع نجاة يوم آخر.