يوم الثامن من تاشويل، اليوم المئتان والثامن (الثامن من تشرين الثاني). لم تكن الأخبار التي حملها الوافدون الجدد مبشرة. فقد هاجمت العفاريت وذئاب الوارك وحتى صيادو التلال الحصون الواقعة في شمالنا وجنوبنا بأعداد كبيرة. وكان الاعتقاد سارياً بأنهم ضربوا الحصون الجنوبية القصية أيضاً، لكن الفرسان لم يتلقوا أي أنباء منها بعد. كان الحصان الآخران يصمدان بجهديهما، لكنهما كانا محاصرين، باستثناء شرذمة الفرسان الذين تجشّموا عناء رحلة الشمال.
وعلى الرغم من القوات النخبوية التي تشغل الحصون، فإن الأعداد الهائلة من العفاريت، إلى جانب المتصيدين الذين رافقوا الجيشين الآخرين، كانت تمنعهم من اختراق الحصار. وكانوا يخشون وقوع خسائر فادحة إذا خاضوا القتال وهم بهذه القلة العددية. تألفت المجموعة التي وصلت إلى ويستون من ثلاثة سحرة. كان أحدُهم ساحر نار، وآخر يستخدم التراب، والأخير ساحر ريح. وقد استغلوا فئاتهم المجتمعة ليشقوا طريقهم خارج الحصار ثم يمتطوا الجياد لمسافة مئة ميل نحو ويستون ليروا ما إذا كانت المدينة لا تزال قائمة، ولينذرونا بأن فرقة تضم خمسة وعشرين متصيداً تلالياً على الأقل في طريقها إلينا.
تساءلت عن سبب عجز السحرة عن ردعهم، لكن نظرة سريعة في التقويم أظهرت أن متصيدي التلال أبدوا مقاومة شديدة للغاية للضرر السحري. وكانت عرّاداتنا ومنجنيقاتنا موضوعة في مكانها خصيصاً لصدّ هجوم المتصيدين. مع ذلك، كان العدد البالغ خمسة وعشرين ضخماً. فإذا كانوا مدرعين ومستعدين لشنّ هجوم على سور، فسيكون ذلك كافياً للاستيلاء على المدينة إن لم يحالفنا الحظ. بهذه الأخبار، أدركت ما يجب عليّ فعله.
شققت طريقي عبر التسلسل الهرمي وطلبت مقابلة الأسقف. لم أكن قد تحدثت معه البطل إطلاقاً منذ عيد السامهاين. ولم أكن متأكداً مما كان يفعله، لكن الوقت قد حان للحديث عن إشراك جراري في المعركة. استغرق الأمر بضع ساعات، لكنني تمكنت أخيراً من الدخول لمقابلة الأسقف والعمدة. وحضر اللقاء أيضاً رجلان يرتديان رداء السحرة، إضافة إلى قائد الميلشيا غاريث كاستيل الذي لم أتحدث إليه منذ تدريبي الأول.
وما إن حظيت بانتباههم، حتى أطلعتهم على فكرتي.
قال الأسقف سميث بصوته المتجبر: "هذا مستحيل. لا يمكنني كفالة الجميع في هذه المدينة. السحرة الثلاثة الذين وصلوا اليوم موالون، شأنهم في ذلك شأن أغلب الأشخاص الذين يشغلون مناصب نفوذ. لكنني لا أستطيع الجزم بعدم وجود حثالة من سكان الموانئ يعملون لحساب إحدى العائلات النبيلة".
عليك تذكر أنه قد يكون في صفك، لكنه ليس بالضرورة رجلاً صالحاً.
قلت: "سيادة الأسقف سميث. إن صنعنا بعض المناجل لمقدمة جراري فسيتمكن من حصد هؤلاء المتصيدين. امنحني ساحراً أو اثنين لمنع الشامان من إيقافي، وسأُنقذ هذه المدينة".
أوحَت لي نظرة الأسقف بأنه لم يصدق قط قدرة جراري على فعل ما قلته.
"أمر لا يُعقل يا سيد ياكوبسون. يمكن لمتصيدي التلال أن يبلغوا ارتفاع خمسة عشر أو عشرين قدماً. لا توجد آلة، مهما كانت مبهرة، قادرة على طرح واحد منهم أرضاً".
انتابني الإحباط، لكنني ما زلت أحافظ على أمل إقناعه.
"يا صاحب السيادة. إن جراري أقدر بكثير مما تظن. أولاً، يقارب وزنه خمسين ألف رطل ويمكنه القيادة بسرعة تفوق سرعة هجوم حصان حربي. توجد عارضة أوزان على كل جانب من المقدمة تدعم المناجل. ولن أحتاج سوى إلى شيء يسيطر على الشامان".
بدا العمدة وساحرا الحاضرين مهتمين بما أقوله، لكن الأسقف كان الآمر الناهي هنا.
فأجفل بصوت جهوري: "لن أوافق على هذا! غادروا هذه الغرفة الآن! لدينا أمور خطيرة لنناقشها!"
قال السحرة الذي أخبرتني به واجهتي البصرية إن اسمه أيدن نيل: "انتظر".
كان صوته أرستقراطياً يشبه أصوات أغلب السحرة الذين سمعتهم، لكنه بدا أقل تعالياً من جونستون.
"دعونا نستمع إليه. يا سيادة الأسقف، نحن في ورطة كبيرة مع متصيدي التلال هؤلاء".
بدا سميث منزعجاً بشدة من الساحر فرمقه بنظرة حارقة.
وأصرّ الأسقف قائلاً: "ستوقف تعاويذ المدينة الشامان، وستتكفل العرادة والمنجنيقات بالمتصيدين".
هزّ نيل رأسه.
"يا سيادة الأسقف، عددهم خمسة وعشرون. ولديك عشر عرّادات ومنجنيقات على كل سور. قد يتمكن روبرت هنا من عرقلتهم، لكن الشامان سيصدونه على الأرجح. ولن يحتاج سوى اثنين أو ثلاثة لبلوغ السور واختراقه إن هجموا معاً".
وضرب الأسقف بقبضته على الكرسي المذهب الذي كان جَالساً عليه، معلناً: "قلتُ لا!"
رمقه نيل بنظرة جامدة.
وبينما كان على وشك التكلم مجدداً، قال القائد كاستيل: "يا صاحب السيادة. الساحر على حق. لولا وصول متصيدي التلال، لاستطعنا الحفاظ على دفاعنا عن المدينة لعدة أشهر بفضل مخازن الحبوب الممتلئة وتعويذات السور. لقد أخلّ المتصيدون بهذا التوازن".
تحول وجه العمدة من الأحمر القاني إلى الشاحب كالأموات عند سماع كلمات كاستيل.
فقال بصوت هادئ: "أمر لا يُعقل".
من الواضح أنه كان يثق برأي كاستيل. كان الرجل مختلفاً بعض الشيء، لكنه بدا جاداً دون أدنى شك.
قال الأسقف متراجعاً فجأة: "حسناً. لكنكم تعلمون أن هذا يعني على الأرجح اضطرارنا لإخراجكم من مزرعتكم".
لم يكن ذلك احتمالا أتطلع إليه، لكنني قلت: "يا صاحب السيادة، إن كان في هذا نجاتنا جميعاً، فليكن".
فنظر إلى السحرة وقال: "نيل، روبرت، أرجو أن تذهبا مع السيد ياكوبسون وتخططا لهروبكما من المدينة. أيها القائد، اذهب معهم وانظر ما إن كان بإمكاننا دعمهم".
وهكذا، أُخرجت من دار البلدية، بينما رافقني ساحران والقائد كاستيل. تكلم كاستيل بمجرد أن صرنا في الساحة.
وقال لنيل وروبرت اللذين لم يتكلما بعد: "سيكون قائد السور الجنوبي، جونز، شديد الانشغال بحيث تعذر التعاون معه في الوقت الحالي. لكني سأجمع الثلاثة الآخرين. متى تريدون الانطلاق؟"
أجاب نيل: "بمجرد حلول الظلام الدامس. على افتراض أن ياكوبسون هنا يقول الحقيقة بشأن جراره، فستتمكن فريقي من تخليصنا من المدينة، غير أن هناك عددًا كبيراً من الشامان يمنعنا من شن هجوم ناجح مهما بلغت روعة جراره إن ركزوا جميعاً انتباههم علينا".
أومأ كاستيل برأسه وقال: "بالتأكيد. يوجد عشرة في جانب متصيدي التلال. وتتوزع البقية بين المعسكرات الثلاثة الأخرى. سأرتب إلهاءات لمنع التعزيزات من التوجه إلى السور الجنوبي".
ثم التفت إليّ مسائلاً: "كم من الوقت تحتاج للعودة؟ ينبغي لي تجهيز الميلشيا. وعلينا الاتفاق على إشارة".
بدوت كظبيٍ مبهرتٍ أمام الأنوار فالتفتّ إلى نيل طلباً للمساعدة.
هزّ رأسه وقال: "سيستغرق الأمر منا عدة ساعات لبلوغ مزرعته حتى مع وجود خيول بديلة. فهل يستطيع جرارك الحفاظ على سرعته طويلاً؟"
أجبت: "نعم. لا يمكنني حشركم جميعا داخل الجرار، لكن عدة أشخاص يتسع لهم، وفي الظلام يكون من الأفضل التروي ريثما نستعد للهجوم فعلياً. ليكن الوقت ساعتين. وهل يمكنكم صنع سلاح يستعمله الجرار؟"
تكلم روبرت للمرة الأولى.
كان صوته يفيض حماسةً، ولوّح بيديه قائلاً: "سأصنع شيئاً لن ينساه أحد هنا أبداً".
عجزت عن فهم مغزى إعلانه. فاكتفى نيل بالنفخ من أنفه والإيماء.
ثم التفت إلى كاستيل قائلاً: "سنخطط للتحرك في الثالثة فجراً. فلن يتوقعوا ذلك".
مرّ ما تبقى من الظهيرة هادئاً في الغالب، لحسن الحظ. كنا جميعاً قلقين من احتمال هجوم فرقة متصيدي التلال الكبيرة فوراً، لكنهم عندما بلغوا معسكر العفاريت، دخلوا في الواقع في عراك صغير مع الشامان. كان قائد السور الجنوبي يملك منظاراً مقرباً، وتناقل الأخبار مفادها أن الشامان أرادوا منهم الهجوم، لكن متصيدي التلال كانوا متعبين، أو جائعين، أو غير راغبين في القتال لأسباب أخرى.
واستخدم واحد على الأقل من الشامان سحر التراب لخلق كروم جلد بها أحد المتصيدين. فحينها مدّ ذلك المتصيد يده، وأمسك بالشامان، وقضم رأسه. بعد ذلك، مُنح المتصيدون بعض الماشية ليأكلوها. وبمجرد استهلاك الماشية، خلد المتصيدون إلى النوم في العراء تماماً. أُذن لي بالذهاب للتحدث مع إيملي، التي كانت تساعد عائلة كولين في إعداد الطعام لمدافعي السور. لم أتمكن من محادثتها سوى لبضع دقائق في كل مرة حتى ذلك الحين.
حين دلفت إلى النزل، رأيت إيملي تناول أكياس طعام عدة لأطفال كبار سنّوا رسلاً.
وعندما رأتني، ابتسمت ثم صاحت نحو المطبخ: "يانيس، جون هنا، سأخذ استراحة لأتحدث معه".
ولم تنتظر رداً قبل أن تتقدم وتمسك بذراعي، طالبة مني مرافققتها في نزهة.
وما إن ابتعدنا عن النزل، حتى رفعت بصرها نحوي بقلق وقالت: "أصحيحة هي الشائعات؟ أهناك متصيدي تلال في الخارج الآن؟"
كشرت وأومأت برأسي: "إنهم هناك. لهذا جئت أتحدث معك. سيرافقني السحرة الذين وصلوا اليوم للوصول إلى الجرار. سنحاول كسر الحصار ثم الوصول إليه. قال السحرة إن بإمكانهم فعل شيء للمساعدة في صنع سلاح له".
بدت مكلومة وقالت: "أبالمؤكد أن الأسقف لم يوافق على هذا؟"
ضحكت بسخرية: "كان معارضاً له مئة بالمئة. لكن السحرة، وحتى كاستيل، أكدوا أن المدينة ستسقط إن لم نفعل شيئاً جذرياً، فرضخ في النهاية".
أخذت نفساً عميقاً وأهْدأت أعروقي قبل أن أخبرها بالجزء التالي.
"لكن، قال أيضاً إنه إن فعلنا ذلك، فسيُجبرني على الرحيل غالباً، إذ لا بد أن شخصاً ما في المدينة سيخبر أحدهم بالخارج عن الجرار. شخصاً يمكنه إخفاؤنا. فكل أصحاب النفوذ هنا موالون له وللإمبراطور، لكن لا بد من وجود جواسيس".
بدت حانقة ومحتدمة الغضب لكلماتي، فبادرت بالقول متلعثماً: "لا أتوقع منك المجيء معي. وما دفعني للقدوم إلى هنا الآن هو ظني أن بمكاننا زيارة الكاهن لويس ومعرفة كيفية نقل الأرض لك ولجين قبل حلول الليل".
وبدت الآن أشد غضباً لسبب ما، فسألت: "أقلتُ شيئاً خاطئاً؟ لا أدرِي لِمَ أنتِ غاضبة مني إلى هذا الحد".
صفعت ذراعي بخفة وقالت: "أيها الأحمق، لست غاضبة منك، بل من هذا الوضع. وليس هذا ما أُريده إطلاقاً. جون، أنا أحبك".
تقدمت ووقفت أمامي وأمسكت بيدي الاثنين بين يديها.
"لا أريد الزواج منك لمجرد أنه الخيار الأسهل. لقد أثبت أنك رجل طيب. لقد عاملتني وكولين كشريكين منذ البداية. أنا حقاً أحبك، وإن أُجبرت على الرحيل، فسأذهب معك".
سألت: "وماذا عن كولين؟"
قالت: "لقد بلغ سن الرشد. آمل أن يأتي معنا، لكن إن آثر البقاء، فقد أكد لي هاري وغلين أنهما سيأخذانه تحت كنفهما ويساعدانه إن حدث لي مكروه. لدينا ذهب مخبأ، وهو يعلم مكانه".
كنت قد تيقنت مسبقاً من حبي لإيملي، وكنت أتمنى أن تبادلني الحب، لكنها كانت شديدة التحفظ لدرجة يصعب معها قراءة مشاعرها. وازددت عزماً على التأكد من إنقاذ ويستون أكثر من أي وقت مضى. فحتى لو أُجبرت على الفرار لاحقاً، فلن أفعل ذلك وحدي. علمت أنها امرأة متحفظة، لكنني عجزت عن كبح نفسي. جذبتها نحوي ومنحتها قبلة حارة.