الفصل 40: كسر الحد.
بعد بضع ساعات...
رُئي ليفاي جالسا فوق بركة رطبة من عرقه الخاص. كان يتنفس بصعوبة بينما كان جلده أحمر قانئا وينبعث منه عمود من الدخان.
كانت هذه جلسته السادسة في امتصاص الضوء السماوي، وكان واضحا أنه كان على وشك إرهاق نفسه حتى الاحتراق. مع ذلك، أجبر ليفاي نفسه على الوقوف، متأوها من صداع مزعج. وهو يمسك رأسه، تمايل نحو الثلاجة وفتحها بعد أن عبث بالمقبض عدة مرات.
بعد أن هجم عليه نسيمها البارد، استند إلى الباب وبقي في ذلك الوضع بضع دقائق؛ بينما كان شعره الرطب والمشعث يخفي تعبيرات وجهه المتألمة.
في تلك اللحظة، لم يكن يتمنى شيئا سوى حشر نفسه داخل الثلاجة.
"يجب أن تتوقف هنا." حذره أشكورال، "أنا أعلم أنك تريد أن تصبح أقوى بسرعة، لكن الاستمرارية أكثر كفاءة بمائة مرة من السرعة."
"أنا أعلم، ولهذا السبب لن أتوقف حتى أسقط على الأرض." نطق ليفاي بلا مبالاة، "يجب علي اختبار حدودي والوصول إلى الفشل؛ فحينها فقط يمكنني خلق وتيرة متسقة وفعالة."
"أرى أنك تعامل هذا وكأنك تتمرن في الصالة الرياضية." طق طق أشكورال ضاحكا.
"سواء كان ذلك زراعة أو تمرينا عاديا، فإن جسم الإنسان لا يمكنه أبدا استغلال إمكاناته القصوى إذا توقف المرء دائما عند أول علامة للانزعاج." قال ليفاي.
"أنت على حق، ولكن لا تنس أيضا." أكد أشكورال مجددا، "هناك خط رفيع بين الموت ولمس حد المرء الحقيقي."
بقي ليفاي صامتا، وهو يعلم أن أشكورال كان على حق.
كان جسم الإنسان يعرف ما يفعله باستخدام الألم كوسيلة لمنع صاحبه من تجاوز قدراته.
إذا استمر في تجاهله وإجبار جسمه على اختبار مثل هذه الحرارة العالية مرارا وتكرارا، فقد يغمى عليه أو يسقط ميتا في مكانه.
على الرغم من أن ليفاي كان يعلم هذا، إلا أنه لم يكن لديه أي خطط للتوقف الآن، حاسبا أنه يستطيع إضافة جلستين أخريين على الأقل.
لذا، بعد استراحة لمدة خمس عشرة دقیقه لتبريد نفسه باستخدام حمام بارد، عاد ليفاي إلى نفس المكان وجلس فوق بركة العرق السابقة، دون أن يكلف نفسه عناء تنظيفها.
وفي حين بدا الأمر مقززا للآخرين، فقد استخدم ليفاي بركة عرقه بمثابة محطة تبريد.
"بعد ما إجماليه ست جلسات، تمتد كل منها بين خمس عشرة وثلاثين ثانية، أصبحت بذرة الحواس التسع تحتوي الآن على عشر شقوق دقيقة؛ هذا يعني أنني أكملت 1 بالمائة." تمتم ليفاي لنفسه وهو يملي ناظريه على البذرة القانية النابضة.
لم تكن قراءات النسبة المئوية مبلغاً عنها من قبل البذرة أو مكتوبة على جسدها كأرقام. لقد علّم الزاحفون الليليون البشر كيفية قراءة الأدلة عبر نمو البذرة حتى تصل إلى مرحلة الإثمار.
جاء البشر وبسطوا هذا النظام بإضافة النسب المئوية نظرا لكون ذلك أسهل بكثير من سؤال شخص عن عدد الشقوق أو حلقات الشجر التي يتعين عليه فحصها لمعرفة تقدمه.
وفي حالة البذور، كان كل عشرة شقوق تعني تقدما بنسبة 1 بالمائة. سيستمر نظام القراءة هذا حتى مرحلة الإنبات، والتي تحدث بعد تجاوز الهضبة الأولى.
"هذا يعني أنه إذا ظل متطلبات الطاقة كما هي وكنت أقوم بست جلسات في اليوم، فسأصل إلى 5 بالمائة في حوالي..." قام ليفاي بالحسابات في عقله في غضون ثانية أو ثانين ثم تمتم، "ثلاثين جلسة في خمسة أيام."
شعر ليفاي أنه يستطيع تقليص هذه النتيجة بشكل هائل إلى ثلاثة أيام إذا سهر طوال الليل، ولم يفعل شيئا سوى الزراعة، والتبريد، وتكرار العملية مرة أخرى.
لقد فهم أنه إذا كان بطيئا إلى هذا الحد مع الضوء السماوي، فإن امتصاص ضوء النهار الطبيعي بمساماته لن يفعل شيئا سوى خدش معدة بذرة الحواس التسع الشرهة.
فبعد كل شيء، أخبره أشكورال أنها تحتاج إلى عشرة أضعاف متطلبات الطاقة مقارنة ببذرتي الفراغ والشمس.
لم يكن غبيا.
على الرغم من أنه لم يُخبر بالفرق بين متطلبات الطاقة لبذرتي الفراغ والشمس مقارنة ببذرة حياة الظل، إلا أنه فهم أنها ستكون بنفس القدر من الأهمية.
وبعبارات أبسط، كانت بذرة الحواس التسع وحشا عندما يتعلق الأمر باستهلاك الطاقة، ولم تكن سوى الموارد عالية الجودة قادرة على تلبية جوعها الذي لا يُشبع.
لذا، خفض ليفاي رأسه وواصل تغذية الوحش في مواجهة صرخات جسمه المؤلمة.
لسوء الحظ، استمرت الجلسة السابعة لمدة عشر ثوانٍ ضئيلة فقط قبل أن ترتفع حرارة ليفاي إلى مستوى جديد خطير، تاركة إياه يلهث طلبا للهواء بحلق جاف.
لقد شرب أكثر من لتر من الماء في الخمس عشرة دقيقة الماضية. ومع ذلك، في أقل من عشر ثوانٍ، شعر وكأنه ضاع لمدة ثلاثة أيام في صحراء دون جرعة ماء واحدة.
لقد كان إحساسا مرعبا جعله يزحف نحو المطبخ.
على الرغم من أنه كان أعمى، إلا أنه ما زال يشعر بالدوار والارتباك تماما مثل أي شخص آخر نظرا لكونه مرتبطا بالأذن الداخلية (الجهاز الدهليزي)، الذي يتحكم في التوازن، بدلاً من الرؤية وحدها.
بعد تسلقه إلى المنضدة، فتح ليفاي الصنبور وضع رأسه تحته. انفجر البخار من رأسه، وأصبحت القطرات المتساقطة أسفل ذقنه ساخنة تقريبا على الفور.
كان هذا كل شيء، حده الأقصى.
كان أشكورال يعلم ذلك، وكان ليفاي يعلم ذلك، ولو كان أي شخص آخر يشاهد، لكان سيظن الشيء نفسه.
"هل تخطط للتوقف الآن والحصول على راحة مطولة؟" استفسر أشكورال.
"أتمزح؟" نطق ليفاي بصوت أجش، "هذا هو، هذا هو المكان الذي ينفصل فيه العادي عن المميز. لو توقفت هنا، لما كنت أختلف عن أي شخص متوسط."
"يجب أن أكسر الحدود، يجب أن أحاول على الأقل... بغض النظر عن النتيجة."
’شخص متوسط؟’ ابتسم أشكورال في داخله وهو يراقب ليفاي وهو يترنح نحو الحمام، ’أهل هو يعلم حتى أن الشخص المتوسط كان ليتوقف عند الجلسة الثانية بعد أن يبدأ الإحساس بالحرقان في الشعور وكأنه حقيقي كالاحتراق تحت النيران؟’
’أهل هو يعلم حتى أنه قد كسر منذ زمن طويل حد الأشخاص العاديين وكان يسعى الآن لكسر حدوده غير الواقعية؟’
لم يسع أشكورال إلا تقدير المعايير التي لا تشوبها شائبة والتي كان ليفاي يلتزم بها. لقد كان بإمكانه معرفة أن مفهوم ليفاي لما هو طبيعي ومميز كان معيبا منذ ولادته.
لم يفاجئه هذا قليلا لأنه شاهده ينشو من طفل إلى هذا الفتى اليافع، المحترق برغبات غير محققة سُلبت منه في تلك الليلة.
وفي الوقت الذي كان فيه الأشخاص العاديون يتسكعون مع بعضهم البعض منذ الطفولة، أمضى ليفاي وقته في الغالب رفقة الزاحفين الليليين وشقيقه، الذي كان أيضا شذوذا جينيا.
الشخص العادي الوحيد في طفولته كان خاله، الذي استضافهما و’رباهما’ حتى أصبحا مراهقين وانتقلا إلى مستوطنة تمارا.
حتى أنه تلقى تعليمه المنزلي، إذ لم يكن هناك أي والد ليقبل بأن يدرس أطفاله بجانب قنبلة موقوتة.
كيف يمكنه معرفة ما هو متوسط بينما الشيء الوحيد الذي كان يرشده هو القصص التي قرأها من الكتب عن أقوى السائرين في النهار... شعر ليفاي أنه إذا لم يأخذ الأمر إلى هذا الحد، فليس له مكان ليُذكر إلى جانبهم.
لذا، بعد فترة تبريد لمدة عشرين دقيقة تحت حمام بارد، عاد وأطلق جلسة أخرى.
وبينما ركز رؤيته الروحية الضبابية على الضوء السماوي المحيط به، استجاب لندائه على الفور تقريبا.
على عكس المرة الأولى على الإطلاق، تم امتصاص الضوء السماوي بشكل طبيعي داخل جسم ليفاي دون إنشاء أي وشوم حبرية ذهبية أو رموز شمسية. وأي شخص يشاهده كان سيظن أنه كان يتأمل تحت الضوء السماوي.
لقد كان الأمر وكأنه أيقظ ببساطة خطه الدموي الخامل لامتصاص الضوء السماوي للمرة الأولى. بعد ذلك، لم تكن هناك حاجة لمثل هذا التحول الفخم.
’واحد، اثنان، ثلاثة... أربعة.’
بينما لم يكن يبدو وكأنه يمتصاص الضوء السماوي، كان ليفاي يشعر بالحرارة المتصاعدة التي تشبه إلقاءه في قدر عملاق من الماء المغلي.
لكنه استمر في تنظيم تنفسه لمقاومة الدوار أثناء العد التنازلي لكل ثانية. لم تغادر رؤيته الروحية أبدا البذرة القانية الضخمة النابضة، والتي بدت وكأنها تمتص أي جسيم من الطاقة دخل مجال البذور.
وبينما استمرت في أكل الجسيمات الذهبية، بدأت شقوق دقيقة تطفو على سطح جسدها. انفصل ليفاي تماما عن الواقع متمركزا على الشقوق، ولم يسمع حتى أفكاره. كل ما كان في عقله هو الاستمرار في إضافة الشقوق، بغض النظر عن التكلفة.
عشر ثوانٍ... اثنتا عشرة ثانية... خمس عشرة ثانية!
ترك هذا أشكورال مندهشا ومهتما بعض الشيء حيث كان بإمكانه الشعور بنفس حرارة الحرق وكان يعلم أنه لم يكن أمرا يُستهان به أبدا!
وفي الوقت الذي وصل فيه تحمله للألم بالفعل إلى ارتفاع غريب جديد، لم يكن ليفاي هو نفسه. جعل هذا يشعر أنه إذا استمر ليفاي في ذلك، ناهيك عن كسر حده، فسوف يقوم بإذابة أعضائه!
’أيها الفتى، أوقفها! لقد فعلت أكثر بكثير مما يكفي لهذا اليوم!’
’المزيد... المزيد... المزيد...’