ربما كان تصرفنا الأفضل هو مغادرة القارب والفرار نحو الأرصفة. استحال عليهم المناورة عبر متاهة القوارب للحاق بنا، وما إن نبلغ اليابسة حتى نغدو في أمان تامة. لعل هذا سبب تفجيرهم الأرصفة القريبة من قارب آنا كخطوة أولى. تجاوبتْ آنا بسرعة. فور دوي الانفجار، كانت تقبض على الدفة وقد شغلت المحركات لتنطلق في مشهد مطاردة. لم تهتم حتى بفك القارب عن الرصيف، فلم يبقَ منه ما يستدعي القلق. غريب، لقد هدأت أعصابِي استعداداً لهذا جراء تجربتنا على النهر. ففي النهاية، تمثل الزوارق السريعة المزودة بمرتزقة أو طائفيين، أياً ما كانوا، تهديداً حقيقياً، لكنها ليست شلالاً أبدياً. فجأة، أدركت لِمَ سُمح لآنا بحيازة هذا الكم من الأسلحة. كانت تصطف على جدران قاربنا الداخلية. السبب أننا بحاجة إليها جميعاً. للأسف، لم تفعل الرصاصات شيئاً. تيقنت من ذلك يقيناً قاطعاً، فما إن بدأت المطاردة، حتى انتزعت بندقية من الجدار، وصعدت فوق سطح القارب، ووجدت مكان أراقب منه لأطلق النار على الزوارق الأربعة المتعقبة لنا. على الرغم من مهارتي، لم تصب أي من رصاصاتي. لم يكن ذلك مفاجئاً تماماً. فهذا مشهد حركة، وليس من النوع المعهود في أفلام الرعب. بدا منطقياً وجود تقليد يخفف من قوة الأسلحة، وإلا لانتهت المطاردة سريعاً. كانت آنا تقودنا بالزورق عبر الماء، متعرجة حول الأرصفة ومحاولة الابتعاد عن الزوارق السريعة، وهو ما بدا، على غير المعتاد، أسهل مما يتوقع المرء. في المسارات المستقيمة، استحال علينا مجاراة تلك الآلات الأنيقة، لكن المنعطفات الحادة لم تكن اختصاصها، ودفعها كاروسيل لتنفيذ شتى المناورة بغية جمع اللقطات. أخبرَ كامدن آنا وهو يتلمس قاذفة القنابل بيده: "إن توجهنا إلى البحر المفتوح، فنحن في مهب الريح". كان يرمقها بنظرات تفحصية منذ صعدنا قاربها. قالت: "أنا أعلم ما أفعله. ركّزْ عليهم". خيل إليّ أن ذلك لم يكن صوت شخصيتها فحسب. لحسن الحظ، احتوى موقع هذه المطاردة على كافة العناصر المعتادة لمطاردات القوارب. تنوعت الأرصفة، وكثر المتفرجون، والآلات، والقوارب العاملة، والعديد من الصنادل. أمكننا التموج ذهاباً وإياباً ومحاولة إبقاء المراكب الأخرى بيننا وبين الزوارق السريعة. لو أن أحدهم تابع المطاردة شخصياً، لظنها أسخف محاولة ممكنة، إذ لم يفوت مطاردونا فرصة لأداء منعطف مبالغ فيه أو القفز فوق المياه الهائجة للتحليق بالهواء. في هذه الأثناء، لم يكن قارب آنا ضخماً أو بطيئاً حقاً، لكنه عجز عن المناورة مثل قواربهم. جهلت المدة التي سيستغرقها كاروسيل ليأخذ المطاردة على محمل الجد، لكن وجب علينا التأهب لحين حلول وقت الإطاحة بمركب العدو. بينما عجز سلاحي عن قتل أحد، فقد نجح ببراعة في إجبار رماتهم على الانحناء والكف عن إطلاق النار. لذا، تحولت تلك مهمتي لفترة، إلى جانب كاسي التي حققت استفادة قصوى من تقليد قراءة الروح. شيّدنا دفاعاً رائعاً. تردد الرماة في إطلاق النار خشية إصابتهم حال تلصصهم للنظر إلينا. كان قادة الزوارق ينحدرون أحياناً للاختفاء وكادوا يصطدمون بقوارب أخرى على الماء. بدت كلها أموراً مألوفة لمطاردات القوارب، وتكيفنا معها سريعاً. في تلك الأثناء، استعد أنطوان لأداء حتازة مغامر، شبيهة بما رأينا بونس إبارا يؤديه، لكن الفرصة لم تأته بعد. بدا إطلاق النار على العدو سافراً ومجانياً للرصاص، وكان احتمال القفز إلى قارب الخصم مرعباً بلا شك، لكنه عثر على منفذ فور قرار أحد الزوارق الشروع بمطاردة حقيقية والاقتراب منا ليتسنى له إطلاق النار بحرية. أخرج خطاف التثبيت، مصوباً نحو حوض بناء السفن من بعيد، وقال بهدوء: "أظننا نفلح في إيجاد غطاء هناك"، رامياً خطاف التثبيت نحو القارب القريب وناجحاً بطريقة ما ليس فقط في إدخاله عبر عجلة القيادة، بل ولفه مرات عدة ثم إحكام أطرافه بإغلاق متين. جذبه بينما كافح السفاح الذي يقود الزوارق للحفاظ على استقامة القارب. ثم لف طرف الحبل سريعاً حول إحدى المربطات بجانب قارب آنا. قال: "استدر يميناً". امتثلت آنا سريعاً. ومع تفرق القاربين، صمد خطاف التثبيت بقوة أمام عجلة قيادة الزورق السريع، ودوى صوت فرقعة عال مع تطاير عجلة القيادة بأكملها. بلا قدرة على التوجيه، استمر الزورق السريع مندفعاً بسرعة لكون الإبطاء أقل دراماتيكية. ذعر السفاحون على متنه وباشروا القفز في الماء قبل اصطدام الزورق السريع بالأرصفة أمامنا، ليعلوها مرتفعاً حتى حلق في الهواء، وينفجر بطريقة ما قبل الارتطام بأي شيء، مخلفاً كرة نار ضخمة. سحب أنطوان عجلة القيادة، وفك خطاف التثبيت بسهولة، ثم طوقه بقبلة سريعة. سقط قارب، وبقي ثلاثة. كان كامدن التالي في استعراض ما أعده لمطاردتنا الصغيرة. أشار لآنا للاقتراب من منطقة بناء قريبة حيث يشيد رصيف جديد. رغم اختياره قاذفة قنابل، فإن توجيهها نحو أحد القوارب بغية القضاء عليها قد يجدي نفعاً مشابهاً لتأثير الرصاصات، فاحتمى بفعل أمر آخر. لم يطلق قاذفة القنابل نحو قارب. عوضاً عن ذلك، أطلقها باتجاه رافعة. إحدى تلك الرافعات الضخمة التي تستوجب التركيب قبل الاستخدام. صوّب، وانتظر فرصته، وأطلق النار على السقالات المحيطة بالرافعة. حاز ما يكفي من المهارة لإصدار تلك الطلقة، وما إن وقع الانفجار، حتى شرعت الرافعة بالميل والانحناء نحو الماء، هوية بسرعة كادت تضربنا. نجا اثنان من القوارب المتعقبة لنا، لكن أحدهما لم ينجُ. هوت الرافعة وسطها تماماً، شاطرة إياها نصفين. استمررنا في طريقنا، وقاربان يطارداننا، دون أن تفعل أي رصاصة شيئاً يُذكر. سأل أنطوان ملوحاً برأسه نحو الوراء: "ألدرينا أي شيء آخر؟". قال كامدن: "ما عاد هناك متفجرات". سألت آنا وهي تقود القارب بعدائية: "كم عدد الذخائر التي توقعتم حيازتي لها؟". نجحت القوارب خلفنا في مجاراتنا بسهولة، وأكثر من ذلك، دفعتنا نحو صندوق قتل، ومسار مسدود في أحواض السفن. بغض النظر عن الوجهة، عجزت عن رؤية أي مخرج. سُدّت المنطقة برمتها بسد بحري ضحيل. تجمع حشد كبير فوق اليابسة، إلى جانب المصورين وحشد من رجال الأعمال. بدا جلياً سبب تواجدهم هناك. كانت سفينة هائلة مستعدة للإطلاق للمرة الأولى. هشوت امرأة ترتدي سترات بيضاء جانبها بزجاجة شامبانيا، فانفجرت لتتدفق الرغوة على الأرض بالأسفل. قلت: "انعطفْ هناك". شكت آنا، لكنها افتقرت لخيار أفضل، فاستدارت بالقارب، موجهة إياه نحو المجرى المائي الصغير المجاور لمكان انطلاق الرحلة الأولى للسفينة. قال أنطوان: "لا مكان للذهاب بهذا الاتجاه". قلت: "أنا أدرك ذلك". هتفت روكسي: "ماذا، أجننت؟ إنه طريق مسدود". قلت: "ليس بالنسبة لنا". عن اليمين، التقت أعيننا بالسفينة التي توشك على الهبوط في الماء، وعن اليسار بدا السد البحري المزود بممر مشاة صغير في أعلاه، من النوع الذي يرتاده الناس للتنزه والتقاط الصور بينما يشترون الطعام من بائع. ربما اقتصرت وظيفته على حصد الأمواج المندفعة نحو حوض السفن. وعلى الجانب الآخر من السد البحري، ترامى المرسى والبحر المفتوح. لم يرتفع السد البحري، لكننا عجزنا عن تخطيه بمركبتنا بفضل ارتفاعه متوقعين استمرار قاربنا في العمل. لكن لم تكن تلك خطتي. قلت بينما اقترب القاربان من خلفنا، مطلقان النار طوال الوقت: "إلى الأمام مباشرة". حدق بي أنطوان، متشككاً في خطتي. وددت إخباره، لكنني علمت أن هذا النوع يتطلب العرض. أشبه بمنطاد. لو كشفت له عن مسعاي، لتسرب الهواء بأكمله. لم نملك سوى فرصة واحدة. استطاع أنطوان تقمص دور بطل الحركة من حيث اللياقة البدنية، والسحر، وحتى الذكاء، لكنه عانى نقطة ضعف واحدة. لم يشاهد أفلاماً بالقدر الكافي. لحسن الحظ، فعلت. كما صادف أن شاهدت قدراً كبيراً من يوتيوب. أدركت ما يقع حين تُطلق سفينة بذلك الحجم. تُشيد على اليابسة. وتكون تجربتها الأولى في الماء بمثابة طشوة صادمة، إذ يُدحرج الهيكل العملاق حرفياً على منحدرات مخصصة ليُلقى في الماء. لتغمر السفينة بأكملها دفعة واحدة. بدا قارب آنا ضئيلاً بجوارها. توجب أن يكون توقيتنا مثالياً، وجهلت ما إن كانت المهارة أو الفطنة هي المسؤولة عن النتيجة، لكنني وثقت بخطتي. صرخت آنا: "ما الذي نفعله هنا، رايلي؟". لم يتبقى مجال كافٍ للممر. إن واصلنا السير بخط مستقيم. لعلها لم تتبين ما سيحدث مع السفينة. وأيقنت أن سائقي القوارب خلفنا لم يدركوا ذلك. بجانب السفينة مباشرة، سُمع دوي تقرع عالٍ عند إطلاق سلسلة هائلة، وهوت المركبة الضخمة على تل قصير نحو الماء، مزاحة آلاف الجالونات دفعة واحدة ومخلفة رذاذاً هائلاً يمكن وصفه بموجة مدية. صرخت: "ليتمسك الجميع!". وفعلوا جميعاً، إذ مع ارتطام السفينة بالماء لأول مرة، حملتنا الموجة التي خلقتها، دافعة قاربنا إلى اليسار متخطية السد البحري الصغير بأكمله، متجاوزة اليابسة، لتطرحنا في خلب المرسى بالجهة الأخرى. أطلقنا أفضل صرخاتنا بينما تمايل قارب آنا واهتز بجميع حركات ركوب الأمواج فوق السد البحري. لم تكن القوارب الأخرى محظوظة. لعل أحد الزوارق السريعة لم يلحظ السفينة التي توشك على الإطلاق. سُحقت بطريقة ما. لم أكن أراقب. إما أن السفينة هبطت فوقها، أو اصطدمت بالسد البحري لعدم ضبطها توقيت الموجة بدقة. ضبط القارب الآخر توقيت الموجة، لكنه بدا أصغر بكثير من قاربنا وأخف وزناً، لذا حين حملته الموجة ومررت به فوق شريط اليابسة الفاصل بيننا وبين البحر المفتوح، انقلب قاربهم رأساً على عقب، وقذف بكل من كان على متنه في الماء. شرعت أضحك بفعل الأدرينالين الخالص. أي حركة من تلك الحركات كانت لتعتبر مبالغة في فيلم عادي، لكن هذه مغامرة. يمكنها تحملها. قلت: "أخرجنا من هنا". دفعت آنا ناقل الحركة وباشرت توجيه مركبتها نحو البحر. وحين ابتعدنا بالقيادة، هتفنا وصحنا بالطريقة المفترضة عند النجاة من مشهد مماثل. نجحنا في إسقاط أربعة قوارب وثلاثة أمثال ذلك العدد من الرماة دون خسارة فرد واحد. بلغ تدفق الأدرينالين ذروته، لدرجة أنني لم التفت إلى دورة الحبكة حتى كنا ننجز هروبنا. وحين فعلت، أبصرت الإبرة مستقرة بثبات على الدم الأول. ناديت: "أأصيب أحد؟". لم يُصب أحد. لم تنجح أي رصاصة في إصابة هدفها، رغم تمزيق العديد منها لقارب آنا. لم ندرك مجريات الأمور إلا حين خرجنا إلى عرض البحر وأبطأت آنا سرعة القارب أخيراً. بالأسفل في الغرفة التي تركنا فيها الرجل المقيد، لم أسمع سوى هتافات عالية، نفس الكلمات التي تفوه بها سابقاً، لكن شيئاً ما تغير. كفت كلماته عن الصدور من فمه وحده بينما حدقنا بالأسفل نحو السطح السفلي، متخوفين من السير هناك. سألت روكسي: "ما الذي يجري؟". قالت كاسي بثقة: "إنه ينال ما أراده". سألت: "ماذا؟". أجابت: "ينال ما طلبه". شققنا طريقنا ببطء إلى الأسفل تحت سطح القارب. استقر الرجل الذي تركناه مقيداً على جنبه الآن. ثبت الكرسي، لكنه هوى خلال المطاردة. لم يكن ذلك الجزء الأكثر إثارة للقلق. بل تمثل الأمر في تغير الرجل. التوت جلده وتمددت، ضاغطة على الحبال التي قيدته. كان يتحول. اتضح أن الدم الأول لم يكن ليُحسم أبداً عن طريق مطاردة قوارب.
اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 319 — القوارب
اقرأ اللعبة في كاروسيل: ليتآربيجي فيلم رعب الفصل 319 — القوارب باللغة العربية على مانجا تايم.