سمعت أصوات حديث في الغرفة المجاورة فغادرت سريعاً لكنني لم أجد نفسي في الرواق الرئيسي كما توقعت بل كانت نسخة أخرى من غرفة كلارا ولم أكن سوى عابر من نسخة إلى أخرى. جلست كلارا في الغرفة الثانية محدقة أمامها كأنها في غيبوبة وعيناها مفتوحتان. ولم أجد ما تستحق رؤيته فواصلت التقدم خارج الباب الآخر ولأجد نفسي مرة أخرى داخل نسخة جديدة من غرفة كلارا وكانت هذه المرة قد فقدت الكثير من شعرها وبدت بحال مزرية ووقفت أغنيس فوقها وهي تلقمها بملعقة من خلطة غريبة. وقالت أغنيس: هيا يا عزيزتي سيجعلك هذا تشعرين بقوة أكبر فحب الأم هو أفضل علاج. غادرت الغرفة من جديد وباتت كلارا أقوى في الغرفة التالية إذ كانت تكاد تشع شباباً وجمالاً. وفي الغرفة التي تليها عادت مريضة لكن من دون غيبوبة. وامتلأت الغرفة التالية مجدداً بنساء بكيْن وصفقن بينما كانت أغنيس تفصل حجم الرعاية التي توجب عليها تقديمها لابنتها. واعتصرت أغنيس دمعة وأخبرتهن مجدداً بأنه ليس سوى واجب أموي وإنها تنحدر في الحقيقة من سلسلة طويلة من المعالجات وإنها لطالما نوَت توريث حرفتها لابنتها وتابعت: لكنني ما دعوت يوماً من أجل هذه الظروف المروعة لكي أُعلمها إياها. وفي الغرفة التالية كانت كلارا تمدت في السرير وجلست شابة بجانبها تقرأ لها كتاباً واستمرت الشابة في القراءة بينما نظرت كلارا إلي وقالت: لطالما وفَّر لي أمي وأبي إحدى الخادمات لمساعدتي حين أكون مريضة وقد مررت بنحو نصف دزينة منهن حتى استقر بهما الأمر في النهاية على اختيارها. وقالت الشابة التي كانت تقرأ بابتسامة: أنت لا تكلفين نفسك عناء الانتباه حتى. وعرفت تلك المرأة. كانت سيرينا. شعرها الأسود الطويل وعيناها الآسرتان وما كنت لأنسى ذلك الوجه قط. مدَّت سيرينا يداً وأمسكت بيد كلارا وعلى الرغم من أن أياً منهما لم تبقِ على حرف واحد فقد رأيت أنهما كانتا غارقتين في الحب وتحدق وكأن إحداهما تموت شوقاً لتلفظ تلك الكلمات. ثم اختفتا ومضيت إلى الغرفة التالية لأجد كلارا وحدها وهي ترسم لوحة للشجرة التي قامت خارج نافذتها. وقالت حين رأتني: ما عرفت قط كيف سيكون شعوري في اليوم التالي ففي بعض الأيام كنت سليمة كأي امرأة عادية بل وأصح منها وفي أيام أخرى لم يُبقِني على قيد الحياة سوى دواء أمي. سمعت صياحاً من الغرفة التالية وحين عبرت الباب وجدتني مجدداً في غرفة كلارا إذ كانت هي وأغنيس تخوضان جدالاً هذه المرة. وقالت كلارا: أنت لا تجعلينني أحسن حالاً وبدت أكبر سناً الآن وربما بلغت سن الرشد أيضاً ولا بد أنك ترتكبين خطأ ما. وسألت أغنيس: ومن تشكرينه لبقائك على قيد الحياة الآن؟ لقد كابدت من أجلك بلا هواية أوهذا هو جزائي؟ وانتهى الجدال باختفائهما فهمت في الغرفة التالية لأرى أغنيس وهي تنفث دخاناً أسود غريباً من مبخرة في وجه كلارا. وقالت أغنيس: سيساعد هذا في علاجك فاستنشقيه. والغريب أن كلارا استنشقته بلا جدال وبدت عيناها فارغتين وبليدتين وخاليتين من الحياة. وفي الغرفة التالية عادت كلارا إلى غيبوبتها أما في التي تليها فبدت مشرقة وجميلة وهي تنجز دراستها على مكتب. وسمعت جعجعة من ورائها وحين غادرت لم أكن في غرفة كلارا مجددا بل في مكتب ما وربما كان مكتب توماس. وصاح توماس في وجه أغنيس: إنها ذاهبة إلى مصحة مونديل وهذا كل ما في الأمر! إنها بحاجة إلى هواء البحر ورأي ثان فهي امرأة الآن وتضيع أفضل سني عمرها بسبب هذا. وما إن انتهيا عن الكلام حتى غادرت الغرفة ووجدت نفسي أخرج إلى مرج أخضر شاسع بجانب المحيط وكانت كلارا هناك في البعيد جالسة تحت شجرة على بساط نزهة برفقة سيرينا ومشيت لأراهما. ولم تخاطبني كلارا مباشرة هذه المرة بل انخرطت هي وسيرينا في محادثة خفيضة كغيرها الكثير سرٌّ بين اثنتين لم يكن لي حق سماعه. وحين أغمضت عيني وفتحتهما مجددا كنت أقف في الغرفة الرئيسية من منزل القصر وكانت كلارا تعبر الباب عائدة إلى بيتها من المصحة تبدو متألقة وجميلة. واستقبلها أبوها بمعانقة صادقة مراراً بإصبعه على قلادة فضية لم تعد تمتلئ بماء صاف بل بالفضة الحبرية التي اعتدت رؤيتها. ولم تكن أغنيس بحرارة زوجها لكنها استقبلت ابنتها. ورمشت مجددا فخوت الغرفة لكنني سمعت صرخات في الخارج. واتجهت إلى الباب الأمامي لأرى أغنيس تستغيث طلباً للنجدة في البعيد ولا بد أن سيرينا سمعتها من الجانب الآخر من البيت فهرعت لتلتقي بها وكذا فعل العديد من الخادمات وتوماس نفسه في النهاية. وتابعت السير حتى صرت قريباً بما يكفي لأسمع ما تقوله أغنيس. وأعلنت قائلة: لقد عُضّت! لقد عضها أحد أولئك الذئاب الأشقياء الذين طلبت منكم قتلهم! وركضت المجموعة بأسرها في الاتجاه الذي أشارت إليه وهناك وجدنا كلارا ملقاة على الأرض وفي ساقها أثر غريب وكانت كلارا نائمة بعدما فقدت الجمال المتألق الذي بلغته في المصحة. وصرخت سيرينا: لماذا كانت في الغابات؟ لم تكن تشعر بحل جيد! لماذا لم تجعليني أعتني بها؟ ولم تلقِ أغنيس بالاً للأمر. وقالت: أرادت ابنتي الذهاب في نزهة لاستعادة صحتها أفلا يُسمح لأم أن تساعد ابنتها في جولة عبر الغابة؟ وحدقت فيها سيرينا وريبة بادية عليها بوضوح. لكن ما كان أشد ريبة من نظرة سيرينا هو الأثر الغريب على ساق كلارا إذ لم يكن عضة بل بدا كخدش إن صح القول كخدش التأم تماماً تقريباً. وتفرست أغنيس في الأمر بعدم تصديق. وأصرت أغنيس وهي ترى الجرح الباهت: لا بل كانت هناك عضة فقد كانت آثار الأسنان واضحة وجاء ذئب من العدم فعضها وانتزع قطعة من ساقها. وبدت مرتبكة حقاً ولم أستطع ملاحظة سوى القلادة السائل الفضي داخل القنينة. وكان يغلي. وقالت أغنيس: علينا استدعاء طبيب فقد تكون عضة الذئب خطيرة ويقولون إن جنون الذئاب ينتشر في هذه الغابات وكانت هناك حالة العام الماضي فحسب. رمشت لأجد نفسي عائداً إلى غرفة كلارا. ووقف طبيب آخر هناك يتحدث إلى أغنيس وتوماس. وقال: أكرر قولي إن خطر التعرض لجنون الذئاب ضئيل للغاية ولا بد أن تخترق العضة الجلد كي ينتشر المرض ولا أرى أي وخز هنا على ساقها بل لا أستطيع تبين مكان إصابتها أبداً وربما تبالغون في الحذر بسبب تاريخ كلارا الطبي. وكانت أغنيس لا تزال في حيرة شديدة ورفضت تصديق ما يحدث. وقالت: لا بل مصابة بجنون الذئاب وأنا متأكدة من ذلك وأحتاج منكم أن تبدؤوا مسار علاج أو ترشدوني إلى كيفية فعله بنفسي. ونظر الطبيب إلى توماس فضم توماس زوجته إلى صدره بحنان وقال: يا عزيزتي كلارا بصحة جيدة وستتعافى وما أصابها سوى نوبة إغماء أخرى. ثم استمر يخاطبها بصوت خفيض. ورمشت مجددا وحل الليل وكنت وحدي في الغرفة مع كلارا حين دخلت أغنيس حاملة مصباحا وكتابا صغيرا. ومرت بي مباشرة بعد إغلاق الباب وانتزعت الأغطية عن كلارا فوراً. وشرعت كلارا في الاستيقاظ. واستلت أغنيس بعدئذ شيئاً من كيس مخفي في طيات ثيابها. وقالت أغنيس قبل أن تدرك كلارا ما يدور: عودي إلى النوم. وغطت كلارا في النوم بعدها فوراً تقريباً. ورفعت أغنيس المصباح بوجه ساق كلارا غير مصدقة بتاتاً غياب أثر العضة أو الجرح أو أياً ما كان ما توقعت رؤيته هناك. وأخذت الشيء الذي استلته قماشة صغيرة ملفوفة في سرة وفكتها لتكشف عن خليط يشبه البذور أو التوابل. وأخذت منه قرصة وأمسكت بها فوق ساق كلارا في الموضع ذاته الذي زعمت وجود جرح فيه وشرعت ترشها وهي تتمتم بكلمات غريبة. ومع سقوط الغبار على ساق كلارا بدأ جرح في التشكل تماماً كعضة. وتطلعت من فوق كتف أغنيس لأنظر إلى الكتاب الذي حملته لأتبين عنوان الصفحة التي تقف عندها وما استطعت قراءة الكلمات فلم تكن بالإنجليزية وما كانت كاروسيل تترجمها لي. لكن رسماً وجد على الصفحة. رسماً لذئب. وبينما كنت أراقب بدأ صوت ما لم أسمعه قط يتحدث بطريقة لا يستطيع سماعها سواي وكان صوت رجل وله لكنة ما لم أستطع تحديد مصدرها لكنني تيقنت أنه مثقف وذكي.
لم تكن مستذئبات شبابي تشبه تلك الكائنات التي أصادفها اليوم بأي شكل. حينها، كانت اللعنة —ما نطلق عليها حمى الذئب— داءً مثيراً للشفقة، أشبه بالجذام أو السعار. عانى الضحايا نمواً غير طبيعي للشعر، وعدوانية محمومة، وجنوناً أثناء اكتمال القمر. كانوا بشراً بلا شك، يعانون مرضا، لا يتحولون إلى وحوش. الآن، أرى شيئاً أشد ظلمة بكثير. يتخلى هؤلاء المستذئبات المعاصرات عن الإنسانية تماماً، وتتخذ أجسادهن أشكالاً جديدة لتصير وحوشاً بموجب قانون مدنس. ما الذي أحدث هذا التطور؟ هل نمت اللعنة نفسها وتكيفَت، أم تغير البشر بطرق لا ندركها بعد؟ لا أستطيع استيعاب هذا التحول, وتشعرني الحقيقة الكامنة خلفه بأنها أكثر استعصاءً مع كل عام يمر. غير أن أفكاري تواصل العودة إلى كلارا وولزلي، التي لم يبدأ مرضها بوصفه تحولاً إلى ذئب بل بوصفه نحساً شيطانياً بسيطاً. تعصى أعراضها التفسير —خلاء عاطفي يشبه ضحايا التحول إلى موتى أحياء الفودو، ونفور من ضوء الشمس يذكر بتعاويذ الجبال السوداء، وخمول عميق شبيه بالارتداد الفيزيولوجي الملاحظ عقب استخدام مركبات ترميمية قوية. تشير هذه الشذوذات إلى أمر أشد تعقيداً بكثير قيد العمل. تكثر الشائعات عن أن كلارا كانت أولى هؤلاء الذئبات الجديدات، ونقطة الأصل لهذا التحول المزعج. إن صح هذا، فحالتها أكثر من فريدة —إنها محورية. يجب أن أتحقق من الصلة بين دائها والتطور الوحشي لداء الاستذئب. قد يكمن في قصتها مفتاح فهم، وربما حتى إبطال، هذه اللعنة الرهيبة.
توقّف الصوت عن الكلام. كانت كلارا أولى المستذئبات الحديثات. كنا نعرف شيئا من هذا القبيل. "كيف يحدث هذا؟" صاحت أغنيس في السماء. "أي سحر هذا؟" أخذ الجرح الذي أحدثته لتوها في ساق كلارا يلتئم من جديد. لم تصدّق أغنيس عينيها. في تلك اللحظة، لاحظت، كما لاحظت أنا، أن السائل الفضي الحِبري داخل القارورة الزجاجية المعلقة حول عنق كلارا كان يغلي برفق. قالت بصوت خافت: "ذلك الشيء البغيض. ظننت أن قوته نفدت منذ زمن طويل." مدّت أغنيس يدها إلى القلادة وانتزعتها بسرعة من عنق كلارا. كان ذلك خطأ فادحا. ناداني صوت من خلفي: "تعال إلى هنا." فاستدرت لأرى كلارا الصغيرة تقف عند المدخل، فيما كانت كلارا البالغة مستلقية على السرير. لم تعد كلارا البالغة تبدو بشرية تماما. بدأت ملامحها تأخذ هيئة مستذئبة. انتبهت أغنيس إلى ذلك وصرخت. أصغيت إلى كلارا الصغيرة وتبعتها خارج الغرفة. قالت كلارا: "علينا أن نختبئ من أمي." أمسكت بيدي وركضت معي حتى صرنا في الطابق العلوي. ثم واصلت الركض في الممر إلى خزانة الكتب التي كنت أعرف أنها تنزلق جانبا لتكشف غرفة خفية. قالت: "هيا." تبعتها وساعدتها على إزاحة خزانة الكتب من الطريق. لم تكن في الداخل أكوام الكتب التي كانت موجودة في مجرى الأحداث. بل كانت غرفة لعب صغيرة لفتاة، مملوءة بالدمى والألعاب. قالت كلارا الصغيرة: "هيا، أسرع! لا أريد أن تراني أمي." دخلت خلفها، وأغلقنا خزانة الكتب وراءنا. جلسنا في الظلام بينما بدأت الزئيرات والصراخ يتعالى في الطابق السفلي. سألت: "ماذا يحدث؟ هذه هي المعرفة السرية، أليس كذلك؟ هذا ما حدث فعلا." لم تجب كلارا. اكتفت بأن أشارت إليّ أن أصمت. فانتظرت وانتظرت في الظلام، إلى أن وجدت نفسي، في لحظة، لم أعد في الظلام. عدت إلى غرفة كلارا. كان جزء كبير منها قد تهدّم، لكنها كانت مستلقية على السرير، ترتدي قلادتها من جديد، فيما كان أبوها وأمها ينظران إليها باشمئزاز وخوف. لم أستطع سماع ما يقولانه، لكنني فهمت ما يكفي. كانا مذعورين منها. ثم بدأت الأمور تتسارع. اقتحمت سيرينا غرفتها بينما كانت كلارا في الداخل وحدها. وحدها. ترجّت كلارا أن تهرب معها، لكن كلارا كانت خائفة من نفسها بوضوح، وقالت لها لا، لأنها لم تكن سوى خطرا على سيرينا. ثم التفتت كلارا إليّ وقالت: "وكانت تلك اللحظة هي التي غيّرت عالمي." لأن تلك كانت اللحظة التي أمسكت فيها سيرينا بكلارا وقبّلتها. راقبت المشهد والدموع تملأ عينيّ. ومع ذلك، لم تذهب كلارا مع سيرينا، رغم أن ذلك كان يؤلمها بوضوح. كانت تريد حماية سيرينا من الذئب. بعد ذلك، لم أحصل إلا على ومضات: كلارا تُساق إلى باطن الأرض وتُحبس في غرفة غارقة في الظلام، من دون أن تقاوم كثيرا. سيرينا تتحول في ليلة البدر التالية. فنحن نعرف أنها التقطت اللعنة من قبلة، تماما كما حاول كيرست أن يلعننا بوخزة صغيرة من لعاب مستذئب. هربت سيرينا، وبقدر ما فهمت، ظلّت هاربة ولم تعد لأشهر. تبدّلت الفصول. لم تستطع العثور على كلارا. ظلّت كلارا ساكنة، ليلة بعد ليلة تومض أمامي. كنت أراها هناك في حجرتها تحت الأرض، وحيدة تماما. بحثت سيرينا وبحثت، في هيئة ذئبة وفي هيئة امرأة، لكنها لم تستطع قط اكتشاف المكان الذي وُضعت فيه كلارا. مرّت الليالي أمامي فيما تحولت كلارا من شابة جميلة، وإن كانت ملعونة، إلى ذلك الجسد اليابس الذي رأيته في القبر الزائف ضمن مجرى الأحداث. ظل جسد كلارا ممددا على السرير في غرفة تحت الأرض. إلى الأبد. ثم انتهى كل شيء. ~-~ لم أعد في القصر. كنت أقف أمام المطعم الصغير في جنوب شرقي كاروسيل. كان الناس من حولي. لم تكن هذه نسخة الثمانينيات. كانت النسخة الحديثة، نسخة أكثر واقعية، لا تبدو ريفية أو نائية إلى ذلك الحد. كانت الحشود تملأ الشوارع، وتصطف على جانبيها متاجر سياحية مبتذلة من كل نوع، إلى جوار النزل والمطعم الصغير وسائر الأماكن التي تعرفت إليها. كنت في قلب كاروسيل من جديد، ومع ذلك لم تكن دورة الحبكة قد أعيد ضبطها. هل انتهت حكاية المعرفة السرية؟ لم تكن لدي أدنى فكرة. نادت امرأة من خلفي: "كيمبرلي." فاستدرت لأراها. عرفتها. قلت: "كلارا." كانت قد كبرت تماما. كانت جميلة، وترتدي ثياب امرأة عصرية عادية. سألت: "ماذا يحدث؟" قالت: "لا شيء. لقد انتهى الأمر. كان يفترض بي أن أطاردك في هيئة ذئبة، لكنني لم أستطع فعل ذلك حقا، لأنك كنت، من الناحية التقنية، أنا، أليس كذلك؟" وضحكت. ثم قالت: "قلت إنك ستحميني أثناء مجرى الأحداث، لذلك حميتك." كنت قد شعرت بالخوف أثناء مجرى الأحداث. كان خوفها هي. وكنت قد قلت إنني سأحميها، لكن ذلك كان مستحيلا. لم أستطع فعل أي شيء لمساعدتها. ولم أستطع منع نفسي من البكاء وأنا أرى ما مرت به. قلت: "أمك لعنتك. كانت هي التي أبقتك مريضة." أومأت كلارا. قالت: "لم تسمح للعنتي بأن تزول تماما قط، وكانت تضيف إليها أحيانا شيئا ما. شيئا يجعلني أكثر طاعة، وأقل انفعالا، وأشد اعتمادا عليها. وأحيانا كانت تتمادى كثيرا، فتضطر إلى مداواتي. كانت تعيد إليّ جمالي، وترمم شبابي. ثم، في النهاية، حين رأت أنني خرجت من قبضتها، حاولت أن تمنحني حمى الذئب." سألت: "كانت التميمة هي السبب، أليس كذلك؟ لقد خلقت نوعا جديدا من المستذئبين. مستذئبا حقيقيا." ابتسمت، لكن ابتسامتها كانت لمواســاتي أكثر من أي شيء آخر. قالت: "امتصّت القلادة كل السحر الذي استخدمته أمي عليّ، وضمّته في شيء واحد. وكانت حمى الذئب القشة الأخيرة. اجتمعت التعاويذ الطيبة والسيئة وخلقت شيئا جديدا." كان ذلك هو السر. لكن لماذا كان يهم لعبة كاروسيل؟ لم أكن أعرف. قلت: "آسف لأن هذا حدث لك. والآن بعد أن صرت هنا، سيستمر حدوثه مرارا وتكرارا." لم تتكلم لبعض الوقت، لكنها ابتسمت ابتسامة غريبة، كأنها تعرف شيئا أجهله. قالت: "نعم، قد يحدث ذلك. لكنني أظن أن الأمور بدأت تتحسن." كيف أمكنها أن تظن شيئا كهذا؟ قلت: "كيف؟ كيف يمكن لأي شيء أن يتحسن؟ لا توجد نهايات سعيدة في كاروسيل." ابتسمت من جديد وعانقتني، ثم بدأت تبتعد في الشارع. قالت بابتسامة صغيرة وهي تحدّق حولها في الشارع، وفي الناس والمتاجر والسماء: "أنت محق. لا توجد نهايات سعيدة هنا. أنت محق تماما. لكن لا توجد نهايات أصلا في كاروسيل. ليس حقا." استدارت ومضت في طريقها حتى رأيت وجهتها. كانت امرأة طويلة سوداء الشعر، سيرينا، تنتظرها في آخر الشارع. وحين لحقت بها كلارا، تشابكت أيديهما. ابتعدتا معا، وتلاشتا بين الحشد. في تلك اللحظة، أعيد ضبط دورة الحبكة. انتهت القصة، فسقطت على ركبتيّ. كنت قد عدت إلى الحقل القريب من القصر. انتهى الأمر.