~رايلي~ أصابني الذعر للحظة وأنا أرمق الشاشة الفضية الكبيرة. لم نخطط لتعافي أنطوان قط. بلى، أمِلنا ذلك حين استخدمنا مجاز كابوسه لنخفف شيئاً من صدمته علّه يقف ندّاً أمام الذئب، لكن ذلك كان حلماً بعيد المنال. كان عملاً جاهلاً. بل… قُصد به إراحة قلب كيمبرلي. بطريقة ما، حطم اللعنة. لم أكن متأكداً، لكني رجحت أن تدحرجنا المتقدم للفضة هو ما فصله عن القطيع. وربما كان ذلك بفضل ظهور ذئبة كلارا نفسها. وعلى أي حال، خلق هذا مأزقاً حقيقياً. فبعد هزيمة زعيد القطيع وخروجه من المشهد برمته —باستثناء بضع كلمات درامية ختامية رخيصة— تعين علينا التعامل مع مستذئب ميّت حي يهيم على وجهه بلا عمل. كنا نعتمد على كون هذه هي محطتنا الأخيرة، وعلى استخدام الذئبة كلارا مفتاحاً لقهر سيلينا. ناقشنا سيناريوهات عدة لهذا الأمر. لكن الآن وقد خرجت سيلينا من المعادلة، فأين تكمن مكانة كلارا؟ الخبر السار هو أننا نجحنا في اجتياز اختبار الإنقاذ. كان شرطنا الوحيد للفوز هو سباق مع الزمن، وقد أنجزناه بكل تأكيد. نقاط لأنطوان. ما يهم الآن هو حصيلتنا النهائية، والأمر برمته بيد كيمبرلي لتنهي اللعبة. راقبتها وهي تحدق في الذئب الميت الحي بعزيمة صلبة، بينما كانت الدموع تنحدر على وجهها. انتقلت الشاشة إلى مشهد مثير للشفقة عند حافة الموقع. نادَت سيلينا من حيث زحفت بعد أن هزمها أنطوان: "كلارا". وصرخت: "كلارا!". كانت الفضة تغرس في قلبها؛ ولم يكن هناك سبيل لأن تصمد طويلاً. لكن السيناريو أصر على ذلك. ربما امتلكت مجازاً يفعل ذلك. بل لعل ذئبة كلارا الميتة الحية امتلكت مجازاً تسبب في حدوث هذا. ورربما كان ذلك نتيجة ارتجالنا الذي غيّر السيناريو. لم تكن لدي أدنى فكرة. قالت كيمبرلي بصوت يتبدل بين الانكسار وكبح الدموع: "تلك ليست هي. تلك ليست كلارا. ليس حقاً". كانت واثقة. زحفت سيلينا على العشب، ولم تحرك ذئبة كلارا ساكناً؛ بل بدت مرتبكة. لا. بل كانت تنتظر. كانت تنتظر لترى ما سيخرج من فم كيمبرلي. نظرت ذئبة كلارا إلى سيلينا. رأتْها. واستنشقت ريحها. ومع ذلك، لم تتحرك. ظلت هي —والذئبات اللواتي قررن تتبعها— تحدق في كيمبرلي بنوايا شريرة محتملة. أخذت تزمجر، وتعوي، وتملأ الجو بالرعب والريح. مثلت هذه الذئبات الباقية عنصراً معقداً في هذا الخط الدرامي. فحتى لو هزمت زعيم القطيع، يظل هناك جحفل من الذئبات الجائعة التي ترغب في التهام البشر. والآن، وجبت على كيمبرلي إيجاد سيلة للدفاع عن نفسها ضد الذئبات الضالة، والذئبات المواليات لكلارا، وذئبة كلارا ذاتها. أمسكت كيمبرلي بسكين ملعقة الفضة التي أملكها، مستعدة للقتال. وفي يدها الأخرى مسدس. ثم خفضتهما. قالت بصوت مجهد لكنه حازم: "أنا أتذكر كل شيء. أتاني الأمر في الأحلام. أتذكر الظلام، والوحدة". توقفت كأنما ضربتها ذكرى أخرى بغتة. "أمي...". نطقت بكلمة "أمي" كأنها تتلفظ باسم شيطان. أكانت تستخدم ماضيًا مناسبًا؟ لم يكن ذلك الاستخدام المعتاد لهذا المجاز. فعادة، يُستخدم لتغيير ماضيك بهدف اكتساب مهارات، لكنها استخدمته من قبل لاكتساب قدرات "نفسية"، ويبدو أن إضافة ماضٍ يتضمن تناسخ الأرواح إلى شخصيتك يقع بالكامل ضمن حدود قوة هذا المجاز. قالت بوهن وغير متأكدة ممّا إذا كانت تلك هي الكلمات الصحيحة: "أتذكر أمك... أمي". بدت... خائفة، أكثر بكثير ممّا كان عليه الأمر من قبل، ولم تكن تخاف الذئب الماثل أمامها. فمن أين أتى هذا الخوف؟ أمن شخصيتها؟ بصراحة، لم أكن أعلم، لكننا اكتشفنا أن أم كلارا ربما تورطت في موتها. ففي النهاية، كان "أماديوس سينغ" على يقين من أن أبوي كلارا قد قتلاها. لم أدْر بعد كيف يترابط كل هذا معاً. لقد صدق اسم المعرفة السرية فعلاً، وكانت كيمبرلي تلعب بالنار هنا دون احتراس. واصلت سيلينا الصراخ من أجل كلارا لكن صوتها غدا أخف فأخف. وماتت في النهاية دون أن يلتفت الذئب إليها. كان الأمر محزناً بحق. امتزجت تفاصيل قصتها بين الخيال والحقيقة، لكن الشعور كان حقيقياً لدرجة عجزت معها عن الإنكار. لقد كانت ميتة مأساوية. اقتربت الذئبة —كلارا— من كيمبرلي. ألقت كيمبرلي بالسكين والمسدس على الأرض. قالت: "لن تؤذيني. لأنك... أنت تحمينني، أليس كذلك؟ في الحياة... وبعدها. أنت لست كلارا. أنت ذئبتها. ذئبتي. أنا أعرفك... أنا هي. أليست كذلك؟ لست مجرد قطعة منها. أنا كلارا. أتذكر هذا المكان. أتذكرك... ماذا حدث هنا؟". بدت كيمبرلي محطمة عاطفياً تماماً وهي تتوسل بحثاً عن إجابات. ومن هناك تكلّفت كاروسيل بالأمر. بدأت الومضات والذكريات تتسارع بغتة على الشاشة. كنت أتابع نسخة معدلة من الفيلم داخل صالة العرض، وهكذا اختارت كاروسيل أن تختم الأمور: بإحدى تلك التفسيرات الاسترجاعية المبهمة. تردد صوت كيمبرلي فوق مشاهد الاسترجاع. كانت بسيطة. امرأة تبكي فوق جثة كلارا الشابة الشاحبة الجميلة، التي كانت ملقاة بلا حركة كالأموات، وعيناها مفتوحتان. قالت كيمبرلي: "حاولت أمي علاجي. ولم تستطع. كانت تحاول قتلك، لقتل الذئب، لكنها قتلتني عوضاً عن ذلك. كان الأمر حادثاً". كانت تبكي. استطعت تبين ذلك في نبرة صوتها. دعم الاسترجاع قصة كيمبرلي. "أرادت سيلينا أن أهرب معها، لكني لم أفعل. لم استطع مفارقة عائلتي. لقد دفنوني في ذلك القبو ولم يعلموا أنني ما زلت هناك، أنني بقيت طيفاً عالقاً، عاجزة عن الموت حقاً. كنت هنا معي، تنتظرين أنت أيضاً. وحتى حين دُعيت للرحيل، ظللت أعود مرة بعد أخرى". انقطع الاسترجاع ليعرض كيمبرلي مراهقة وهي تقترب من القصر رفقة أصدقائها. ثم أظهر مشهداً مشابهاً لامرأة شابة أخرى ذات شعر أشقر. ثم أخرى. وانتهى الاسترجاع. حدقت كيمبرلي في الذئب العتيق وفي سيلينا الطريحة بلا حراك على العشب. ساد الصمت لبرهة. ثم عوَت ذئبة كلارا. ومع هذا العواء، أطلقت كل الذئبات الضالة جروات عواء وفرت هاربة نحو الغابة. حتى تلك الذئبات اللواتي قررن تتبّع كلارا تراجعن وولين دبرهن هرباً. تبادلت كيمبرلي والذئب نظرات مطولة بينما لامست أول خيوط الفجر الأفق. انتهى الليل. بدأ الذئب يعود إلى هيئته البشرية —أو ما يقاربها-. بدأ جسده الضخم ينكمش، وتراجع فروه الكثيف كأن الظلال تنحسر عن النور. وتقلص رأسه الهائل، لتلين ملامحه الحادة المتوحشة، وتتداعى إلى مقاييس رقيقة تخص امرأة شابة. لكنها لم تكن قط هيئة ناضرة أو سليمة. ما برز كان هيكلاً مشوهاً ذابلاً— جثة مومياء مجففة، شدّ جلدها بقسوة فوق عظام واهية كأن اللعنة عجزت عن إعادة الحياة إلى الهيئة البشرية. كانت الكاميرا تغيب وتعود بالتزامن مع التحول. وحين عادت الكاميرا، هوت البقايا المجوفة إلى الأمام، لتتكوم على الأرض كومة هشة بلا روح، مجرد طيف ضئيل ممّا كان عليه سابقاً. وهوت كيمبرلي هي الأخرى.
انتقلت إبرة دورة الحبكة إلى النهاية، وسمعت أصوات التصفيق خلفي. سمعت الهتافات. سمعت نحيباً خفيفاً. لم أكن أعلم إن كان الفيلم يستحق كل هذا الاهتمام، لكنّ من وقف خلفي بدا وكأنّه يرى ذلك. انتهى الفيلم بمقاطع عثِرت فيها كيمبرلي على أنطوان محتضراً بسبب جراحه، بينما هبطت مروحية في المساحة الخالية بجوار جثة كلارا. ترجل إيغان كيرست وركض نحو القصر، ليخرج بعد لحظات بصحبة ابنه وصديقة ابنه. كانا مغطيين بالأغطية، وقد عادا بشرَين سويين. كان كيرست يذرف دموع الفرح، معانقاً لوغان ابنه وهما يشقان طريقهما نحو المروحية. وصلت مروحيات أخرى تحمل المزيد من المرتزقة، ولا شكّ في أنهم جاؤوا لتنظيف آثار المجزرة. تحول كل المستذئبين القتلى إلى بشر موتى مجدداً. تواصلت عينا كيرست مع كيمبرلي وهو يصعد إلى المروحية. لمع في عينيه إقرار بالفضل، وربما شكر أيضاً. اقتراب خادمه — أو تابعه، أياً يكن — من كيمبرلي ليناولها صقاً مالياً. حدقت فيه ثم طأطأت رأسها نحو أنطوان، بينما وصل المزيد من رجال كيرست للمساعدة في نقل أنطوان لتلقي الإسعافات الطبية. اكتفت كيمبرلي بالتحديق في مروحية كيرست وهي تحلق مبتعدة، مؤديةً تلك الحركة المعتادة حيث يستوعب الناجي كل ما حدث ويتملكه التأمل. في أي لحظة، ستظهر أسماء الطاقم على الشاشة، وينتهي كل شيء. عملية إنقاذ ناجحة. ورغم بعض عيوبها، فقد أبلينا بلاءً حسناً. بغض النظر عن الفوضى في الخلفية الدرامية وقرارات الشخصيات الغريبة، شعرت بأن مكافآت ضخمة تنتظرنا. لكن الفيلم لم ينتهِ هكذا فجأة. بدلاً من ظهور أسماء الطاقم، انقسمت الصورة على الشاشة إلى عدة شاشات أصغر، تتحرك جميعها في الوقت عينه. لم تكن حتى معروضة على الشاشة الرئيسية؛ بل بدت كلقطات جانبية، شبيهة بتسجيلات كاميرات المراقبة. لم أكن أدري ما الذي يحدث. فجأة، سمعت جلبة خلفي. اقتحم أحدُهم صالة العرض هاتفا: "لقد فجّرت القصة السرية!" أطلق من كانوا خلفي — وكانوا لا يقلون عن اثني عشر شخصاً — تنهدات ذهول أمام هذا الكشف. بدا وكأنهم لا يستوعبون كيف حدث ذلك. تساءل رجل: "لم يتحدثوا حتى إلى خادمة الحانة. كيف تمكنوا من تفجير القصة السرية؟" أي خادمة؟ وأي حانة؟ عاد الشخص ذاته الذي اقتحم المكان ليقول: "تتردد شائعات في الطابق العلوي عن رؤيتها للعائلة الحقيقية، وكان ذلك كافياً لإطلاق الشرارة." فجأة، سمعت وقع خطوات مجدداً مع محاولة الحاضرين المغادرة. لم يكلفوا أنفسهم عناء خفض أصواتهم. سألت امرأة: "ماذا سنفعل بشأنه؟" وانتابني شعور بأنها تقصدني أنا. أجاب رجل: "لا تعيدوه حتى تنتهي القصة." كانت المرأة التي طرحت السؤال تقف خلفي — تماماً خلفي — وتشد شيئاً ما. شعرت بشعر رقبتي يتحرك. عندما كنت طيفاً في صالة العرض الخاصة بفيلم "ذا داي كاست"، رأيت جسدي من الأعلى. مهما كانت تلك السحرية التي استعملها هؤلاء القوم — هؤلاء المساعدون الكامنون خلف الكواليس — فقد ارتبطت بتذكرة غريبة تتدلى من شريط أحمله حول عنقي. كانت المرأة تشد شريط تذكري. بذلت قصارى جهدي لأرى ما يدور، لكنني عجزت عن الحركة. لم أستطيع التفاعل مع العالم بأي شكل. تابعت الشاشة وهي تعرض تحولاً في لقطات القصر المعتادة. لم يعد ذلك المبنى القديم المتهالك — كلا، بل صار جديداً وجميلاً، ويعج بالناس. كانت حفلة ما، تقام قبل مائتي عام. لم أحظَ برؤية واضحة. إن كان هذا مشهداً من قصة سرية، فسيجري خارج الشاشة الرئيسية، لذا لن يُنسّق بجمالية تتيح لي مشاهدته بسهولة. سيتعين علي الاكتفاء بمراقبة القطع والتمني بأن أفهم ما يجور. ومضت الشاشات الصغيرة جميعها وتبدلت، منتقلة من القصة التي خضناها للتو إلى قصة أخرى — أقدم عهداً، وأقل سينمائية. أخيراً، رأيت كيمبرلي في الحفلة. بدت مرعوبة. كانت خائفة. كنت عاجزاً بلا حيلة. أكانت لتلقى حتفها في مشهد القصة السرية؟ ماذا كان ليجلب ذلك؟ بالتأكيد، لن يختلف الأمر عن الموت العادي. لقد فزنا بالحبكة بالفعل، أليس كذلك؟ كنا بخير. إذن، لمَ كان كل من خلفي يتصرف بتوتر؟ من طرف عيني، لمحت وميضاً فضياً خاطفاً. عرفت ماهيته، لذا ومن شدة اليأس، استخدمت مهارة "لقطة الإقحام" عليه. كانت تلك وسيلتي الوحيدة للتفاعل مع العالم. عجزت عن فعل أي شيء آخر، وتملكتني هلع حقيقي، غير قادر على الحراك، وجاهل بما سيؤول إليه الأمر. ونجحت الحيلة. فجأة، ظهرت في ذهني صورة لآتية تثقيب ورق تقبض عليها يد امرأة. كانت المرأة تحدق باستقامة، والدموع تملأ عينيها، وترتدي ملابس تبدو مألوفة لحقبة تسعينيات القرن التاسع عشر لكنها تنتمي أيضاً لروح خمسينيات القرن العشرين. أمسكت بآتية الثقب في يد وبشريط التذكرة المعلق بعنقي في اليد الأخرى، ممعنة النظر في الشاشة أمامها. أدركت أن هذه الصورة لم تكن حبيسة ذهني فحسب. فقد رأت كيمبرلي ذلك أيضاً، إذ تحلت ملامح وجهها من الخلع إلى الصدمة، ولو للحظة واحدة. والأكثر من ذلك، عرضت إحدى الشاشات تلك الصورة — ولو لبضع ثوانٍ — قبل أن تستبدل بها، كباقي الشاشات، لقطات من مشهد القصة السرية. حينها سمعت همساً بينما كنت أكافح لاستعادة توازني. "ما زلت هنا، أليس كذلك؟" كانت تلك المرأة الواقفة خلفي. لم أستطع الإجابة، بطبيعة الحال. أراها قد رأت صورتها في الزاوية الصغيرة للشاشة؟ أم أنها علمت أنني استخدمت مهارة "لقطة الإقحام" عليها وعلى آتية الثقب الفضية الصغيرة تلك؟ همست المرأة: "يا رايلي، الوقت ينفد منك. إن كنت تسمعني، إن كنت تفهم ما أقوله، فعليك الإسراع. إنك تفقد الزخم. كاروسيل تعمل بناءً على الزخم السردي، أفلا تدرك ذلك؟" تجمد الدم في عروقي. أياً كانت هذه المرأة، ومهما كانت هويتها — أكانت تحاول المساعدة؟ "يجب أن تتقدم للأمام. عليك محاولة شق مسار متصل. هناك أحاديث تدور حول التخلي عنك وعن قومك لمواجهة غضب كاروسيل إن تفاقم الوضع سوءاً. وإن حدث ذلك... لست أدري إن كان بوسعك النجاة حقاً. عليك لعب اللعبة بعدوانية أكبر... يا لها من حماقة... أتحسّني سماعاً أصلاً؟" كنت أسمعها. لكنني عجزت عن مخاطبتها. لم يكن بيدي سوى الجلوس ومراقبة كيمبرلي وهي تحاول النجاة من كشف القصة السرية، متمنياً أن تخرج سليمة مهما يكن أمر ذلك الكشف، وألا تصاب بالندوب التي لحقت بأنطوان. وبينما كنت أجلس مرتقباً، تأملت كيف أن مهاراتي نجحت بنجاح في صالة العرض على إحدى أولئك الغرباء الغامضين. لقد نجحت معهم. لكن، ماذا كان بوسعي أن أفعله بهذه المعلومة؟