اليوم الاول من منتصف الشتاء، ظهرا البركة ذات شكل القلب، الاراضي الوسطى انّون
فتحت في غطاء الخيمة. ظهرت أمامنا فوضى عارمة. استعرت النيران في الأعشاب الخضراء الطويلة. تناثرت الأجساد في حالات شتى من التهشم والتقطيع.
قالت في وأنا نخطو خارج الخيمة تماماً: "الأمر سيء".
كان رجال ونساء ضخام يرتدون دروعاً من الجلد يقذفون الصخور ويدهسون جنود الإليلون والمبدلين. التفت إلى مورياس مذهولاً.
"ألم تقل إننا لا يجب أن نكترث للعمالقه؟"
قالت في من أمامي: "اخرس أيها الصبي. أتريد جلب النوع الخطأ من الانتباه حقاً؟"
أحكم مورياس قبضته على ظهر قميصي ونحن نبتعد عن البركة ذات الشكل القلبي.
تحدث بصوت خفيض لم يسمعه سواي: "هؤلاء ليسوا عمالقة".
همست رداً عليه: "يبدون كعمالقة تماماً".
أشرت بيدي إلى اليسار حيث كانت امرأة ضخمة تطرح شجرة صغيرة أرضاً لتستعملها بعد ذلك هراوة هائلة. اقترب مني مورياس أكثر. بل اقترب لدرجة أنه لو توقفت أو أبطأت بأي شكل لداس على عقباي.
وقال: "فوموريون".
أثار نبره صوته قلقي بقدر ما أثارته حولنا من موت ودمار عشوائيين. التفت رأسي فجأة عندما تحدثت في.
"توجد نار".
تفادت انفجاراً صغيراً بخطوة جانبية.
"هذا يعني أنه هنا".
رأيت عبر ساحة المعركة رجال تادغ يتدافعون نحو نقاط التجمع ليجتاحهم الحجم الهائل للمهاجمين المتوحشين. وكان حال جنيات الإليلون أفضل قليلاً. مع أن سرعتهن كانت أكبر من أن يجاريه أي فوموري, فقد تطلب الأمر جنيتين أو ثلاثاً للإيقاع بمحارب ضخم واحد. أخذت أفكر في الإليلون ونحن نتسلل على أطراف المعركة. أكانوا عرقاً أم ثقافة بين أهل الجنيات, أم كان اللقب نوعاً من المراتب؟ ربما الاثنان معاً؟
كنت أعلم أن فيادان تتخذ من إليلون اسم عائلة. لقد تاهت عني تفاصيل هذا العرق الذي لم أكن أعلم بوجوده قبل بضع ساعات. ثم تذكرت أن النجاة ربما كانت أهم من علم الألفاظ في تلك اللحظة. أعدت تركيزي إلى الأمام حيث في التي كانت إعصاراً دواراً من القطع الحادة. بدت كأنها تعرف تماماً متى تتحرك ومتى تثبت. هاجمت بلا خوف ولا تردد. قطعت نصلاتها الجلد والمعدن واللحم والعظم. تحولت ذراعاها من أطراف أصابعها إلى مرفقيها إلى لوحة من الأحمر القرمزي والأحمر القاني.
تناثر اللون على جسدها, حتى في شعرها وفمها. أصبت بالذهول. لم أدر قط في حياتي كل هذا العنف والموت, وتسمرت في تلك اللحظة عاجزاً عن المتابعة.
قال مورياس وهو يصطدم بظهري: "ما بك؟"
فنظرت إلى قدمي اللتين رفضتا الحركة. بدا أن مورياس أدرك ما يحدث.
"أعرف ما لابد أنك تشعر به. لكن يجب أن نواصل التحرك".
شعرت بنبض في صدغي وتخدر في وجهي.
تمتمت وأنا أنحني ببطء: "أظن أن أحدهم ألقى تعويذة علي أو ما شابه".
شعرت بيد على ظهري.
"برين, أنت تصاب بنوبة هلع. عليك أن تتنفس".
قلت لهاثاً: "نعم... لا أظن أنني أستطيع فعل ذلك جيداً الآن".
سمعت من أمامي صرخة أصبحت مألوفة, ثم صوت جسد صغير يرتطم بالأرض. رفعت نظري فرأيت في ملقاة على مسافة قريبة أمامي بلا حركة. وقف فوقها محارب فوموري يلوح بهراوة عظمية. وعلى الأرض بالقرب منها كان هناك فوموريان ميتان تخترقهما جروح عميقة لا بد أنها صدرت عن سويش وأستيك. بدا أن في دافعت عن نفسها ضد اثنين من المحاربين لكنها أخفق في طرح آخر الثلاثة أرضاً. لم ينتظر الفوموري الناجي حتى تتحرك في.
رفع هراوته الارتجالية. شعرت بالعالم حولي. وكأن قدمي تدب فيهما الحياة, فوجدت نفسي أعدو مبتعداً عن مورياس نحو جسد في. لم تكن لدي خطة بالطبع, لكنني أحب أن أظن أنني بدوت شجاعاً بحق كما في مقاطع إعادة لعبة ماريو كارت.
أما في داخلي, فكنت أفكر: "ما الذي تفعله بحق الجحيم؟"
أو "ليس معك سلاح وهو أضخم منك بكثير".
أو حتى تلك الفكرة شديدة الإثارة للإعجاب: "يا للغثيان, إنه يبدو متعرقاً حقاً".
عندما اقتربت منها, رأيت أن في قد أسقطت نصلاتها. ورأيت سويش غير بعيد عن ساقها اليمنى. قدرت المسافة وأدركت أنه ليس لدي وقت لالتقاطه. لم يكن هناك سوى شيء واحد فعله, فدون أن أبطئ سرعي, أنزلت كتفي واندفعت نحو الرجل المتوحش بكل ما أوتيت من قوة. عندما اصطدمت به, شعرت بانقطاع حاد في كتفي اليمنى ورأيت نجوم الظهر حقيقة. بدا الأمر وكأنني فرغت الهواء من جوف الفوموري, لكن عندما عجزت عن التقاط نفسي أدركت: لا, بل أنا من تعرض للصعق.
وجدت نفسي أهوي على العشب بجوار جسد في.
وقف الفوموري فوقنا وهو يقهقه مع نفسه: "أنت ضئيل مثل الجنية".
كل ما استطعت قوله جاء لاهثاً: "أعلم".
تلوت على الأرض محاولاً استعادة أنفاسي. ومما يدعو للذهول أنني شعرت بملامسة معدن بارد أملس لأطراف أصابع ومي اليسرى.
"لكن ليس في صدري سيف على الأقل".
أمسكت بمقبض سويش واندفعت إلى الأمام. تصدى الفوموري دون أي جهد يذكر, لكنني نجحت بطريقة ما في التشبث بالسيف. كان خفيفاً, واختفت اهتزازات الضربة المصدودة قبل أن تصل إلى يدي. كان شعوراً غريباً بخلوه من أي مقبض أو ممسك واضح. كان المعدن الأبيض مصبوغاً بالأحمر, لكنني رأيت تحته وميضاً أزرق يتخلل المعدن الأبيض. وجه الفوموري ضربة من عنده, لكنني نجحت في رفع النصل في اللحظة المناسبة لأحمي نفسي.
طار رأس هراوة المحارب ليستقر بين الأشجار. لقد قطعت سيف في الهراوة نصفين متساويين. نظر المحارب إلى ما تبقي من هراوته فرمى به جانباً ثم هجم علي. حاولت أن أهيئ نفسي ووجهت السيف نحوه حين تصادمنا. أعتقد أنه ضربني في وجهي بقبضته لأنني عجزت فجأة عن الرؤية بعيني اليسرى. سقطنا على الأرض كومة واحدة بينما رأيت وميضاً أزرق متألقاً بعيني اليمنى. ذكرني ذلك بالنجوم التي رأيتها عند اصطدامي الأول بالفوموري, لكن اللون الأزرق تلاشى هذه المرة بصورة أسرع.
ظللت ملقىً مكاني. كنت أتألم في كل جزء مني. وأدركت تدريجياً أنني لا أتعرض للخنق أو للضرب حتى الموت على يد الرجل المنتن الراقد بجواري, وبدا ذلك مؤشراً جيداً. شعرت بأيدٍ تحركني وأدركت أن مورياس يساعدني على الجلوس. قال لي شيئاً لم أستطع سماعه. رأيت في تترنح واقفة على قدميها. تعثرت حتى وصلت إلى الجسد الواقع على الأرض للمحارب بجواري. حدقت في بوجه حائر قبل أن تسحب سويش من جسد الفوموري.
كانت هناك فجوة هائلة في صدره حيث خمنت أن السيف قد اخترقه. أأنا من فعل ذلك؟ هل... قتلت رجلاً؟ ألا يستطيع السيف إحداث فجوة بهذا الاتساع, أليس كذلك؟ حدقت فيادان في طويلاً. لم تكن تحاول مخاطبتي, لكن نظرة وجهها أوحت لي أنني اقترفت خطأ ما أو لعل شيئاً علق بأسناني. ظلت تحدق بي وحدة وبدت على وجهها ملامح الحيرة. ذكرتني بنظرتها إلي بعد قتال كايليخ بهيرا. شققنا طريقنا نحو أطراف المعسكر بينما استمر القتال مقترباً من البركة.
ساعدني مورياس على امتطاء حصان وأمرني بالتشبث بقوة بساقي ودعم ذراعي اليمنى باليسرى. بدا الأمر غريبساً وكانت كل خطوة يخطوها الحصان تجعل كتفي ينبض ألماً. ركب مورياس خلفي على حصان آخر, وطارت في في المقدمة ترشدنا بعيداً عن القتال. خاطرت بالالتفات فوق كتفي فرأيت الجنود ما زالوا يقاتلون ما تبقى من الفوموريين. بدا أن رجال تادغ سينتصرون في النهاية. لكن بأي ثمن يا ترى؟ ثم رأيته.
كان تادغ يمشي وحده ممسكاً بسلاح طويل يبدو أنه مثبت على عمود ما. دون إبطاء ودون رفع ذراعي, فتحت يدي اليمنى. ركزت على النصف المفقود من حجر القدر, وحاولت تذكر شعور عودة الحجر إلي سابقاً. شعرت بشد داخل صدري ووجدت نفسي أرد الشد. رأيت الحجر يفلت من تحت درع تادغ. لم يبدو عليه أنه لاحظ إفلاته. ألم يشعر بذلك الشد مثلي تماماً؟ ثم رأيت ما استهوى انتباهه. كان يقترب من فوموري ضخم يفوق بحجمه بقية من في الساحة.
كان المحارب مجرداً من قميصه باستثناء قلادة ضخمة مصنوعة من عظام صغيرة. وبدت على أجزاء من جسده العضلي وشمو تبدو قبلية. وعلى رأسه... أكانت تلك قروناً أم خوذة؟ استحال التيقن من ذلك عن بعد.
قال مورياس من خلفي: "بالور. ابن الملك نيت والأمير إلاثا. حارس العيون الشريرة".
لم أكن أدري معنى أي من هذا, لكنني لم أستدع الحجر في تلك اللحظة بل أبقيته طافياً بجوار تادغ. راقبت الرجلين وهما يهاجمان بعضهما, ورأيت عيني الفوموري الحمراوين تبدوان براقتين. تذكرت ما قالته في لحظة خروجنا من الخيمة.
قالت: "توجد نار... هذا يعني أنه هنا".
أدركت فوراً ما تفعله هاتان العينان الحمراوان. ودون تردد رفعت الحجر أمام تادغ وبسطته حاجزاً تماماً حين انطلقت حمم من لهب عيون بالور. احتمى تادغ وراء وقاية الحجر. نظر عبر ساحة المعركة في اتجاهنا والتقينا بالأعين لثانية واحدة. لم أستطيع جزم ما رأيته في نظرته. أكان شعوراً بالخيانة لمغادرة المعسكر واستعادة الحجر؟ أم كان امتناناً لحمايته من النيران؟ أخبرني شيء أنني سأنال فرصة لسؤاله ذات يوم.
حين تلاشت النيران, استدعيت الحجر. استقر في راحة يدي المفتوحة واهتز بخفة شديدة. واصل تادغ وبالور عراكهما بينما بدأت تعزيزات الطرفين تصل. وحين استنفدت طاقتي تماماً, التفت إلى الأمام أواجه مقدمة حصاني والجنية التي تقودنا إلى بر الامان. غمرني الإפיاء وشعرت بنفسي أنزلق نحو الظلام.