الحادي والعشرون من كانون الأول ديسمبر، ٢٠١٤. السابعة والنصف صباحاً كاروينت، المملكة المتحدة إريو
"حان وقت الاستيقاظ يا برين".
سألت تاتان عبر الباب: "كم الساعة؟".
جاءني صوته المتعجل من مكانه خارج الغرفة: "عشر دقائق مضت منذ آخر مرة جئت فيها إلى بابك".
كنا نقيم في نزل كوتش آند ستابلز في مكان ما بويلز. أفرطت في الشرب الليلة الفائتة وبدت نزهة الصباح الفكرة الأسوأ على الإطلاق.
سمعت خيبة الأمل في صوت تاتان وهو يقول: "إن لم تنهض وتجهز الآن سنفوت شروق الشمس".
بدا ذلك غريباً من "خادمي".
حسناً، لم يكن خادمي حقاً. هذا ما كنت أناديه به فحسب... في وجهه. وكان يحب ذلك. كان تاتان مرشدي، الذي عينه والداي الراحلان وموّلا مهمته لرعايتي حتى بلوغ الرشد. ألا يبدأ الرشد في سن الثلاثين؟ بصراحة، كنت في سن الثانية والعشرين يافعاً، لكن تاتان كان يخبرني (بانتظام) أن عقلي عقل صبي في الثانية عشرة. أعني أنه قصد ألطف المعاني الممكنة. أظن ذلك.
بحثت بتخبط وسط كومة الملابس التي تركتها مبعثرة على الأرض وأجبت: "حسناً! حسناً. سأرتدي ثيابي. كم من الوقت لدي؟".
كدت أسمع عيني تاتان تتدوران في محلتيهما وهو يقول: "أخبرتك بكل هذا البارحة. ألا تذكر شيئاً منه؟".
قلت وأنا أدس س ساقي بصعوبة في بنطال النزهات: "أنا أعرف. لكنني كنت منشغلاً بجرعتي الفاترة من غينيس وقلّ تركيزي على الاستيقاظ مع طالع الفجر".
"يستغرق الصعود من موقف السيارات إلى الأحجار المنتصبة نحو عشرين دقائق. وعشرون أخرى إلى حصون العصر الحديدي، وخمس دقائق إضافية إلى الحافة الغربية للتل".
رفعت جواربي بسرعة.
"أنا جاهز تقريبا. عليّ فقط تنظيف فمي من هذه البقايا العالقة".
"سألقاك في الخارج. إنها رحلة مدتها خمس دقائق إلى موقف السيارات. لدينا نحو خمس وأربعين دقيقة حتى تشرق الشمس فوق سيفرن".
سألته بحيرة صادقة: "فوق ماذا؟ لماذا نقوم بهذا كله مجدداً؟".
"الأمر... يصعب شرحه".
حتى عبر الباب، استطعت سماعه وهو يصارع كلماته التالية.
"سيتعين عليك رؤيته لتصدقه".
سمعت صرير الأرضية بينما ابتعد الرجل الضخم بخطواته. أثار رغبة مرشدي البدين في القيام بنزهة استغرابي. وأعتقد أن رغبتي في العودة إلى الفراش لم تقهرها سوى الرغبة في رؤيته يعرق بغزارة داخل معطفه الشتوي. أنهيت تنظيف أسناني، والتقطت معطفاً، وخرجت من الباب. كان هناك طريق واحد يمر بمنتصف كاروينت، البلدة التي كنا فيها. كنا نتجه من حافة بقايا سور روماني نحو المنطقة السكنية، ومن حافتها إلى موقف للسيارات.
يسمونه موقف سيارات في ويلز، على ما أظن.
سألت وما زلت أفكر في تصريح تاتان الأخير حول رغبتنا في بلوغ وجهتنا قبل الشروق: "ما هو سيفرن؟".
رمقني تاتان بنظرة سريعة.
"النهر؟ ألا تعرف حقاً شيئاً عن نهر سيفرن؟".
"مهلاً! لم أزر هذا المكان قط. أنا في بريطانيا منذ نحو ثلاثين ساعة حتى هذه اللحظة. خفّف وطأتك عني".
هز رأسه رداً عليّ.
"لقد زرت هذا المكان من قبل. أنت لا تذكر فحسب".
قلت وأنا أحاول اللحاق بتاتان بينما صعدنا المدار المظلم: "أنت محق. أنت تعلم أنني لا أذكر تلك الأشياء".
الحقيقة أنني لم أكن أذكر شيئاً قط قبل عيد ميلادي الثامن عشر.
أدار ظهره إليّ وقال: "لم نتحادث طويلاً بشأن فقدانك للذاكرة، أليس كذلك؟".
"حسناً، لقد حاولت. لكنك طالما أخبرتني أنني «في يوم ما، سأتذكر كل شيء»".
لم يتبين أنه لاحظ محاولتي تقليد صوته العميقة. توقف تاتان في منتصف الطريق.
"هذا صحيح".
بدت الأشجار متفرقة تدريجياً كلما تعمقنا في صعود التل. من بعيد، استطعت رؤية بعض الأحجار البارزة من الأرض بجانب الممر.
"واليوم هو ذلك اليوم".
سألته وأنا ألحق به أخيراً: "ما المفترض أن يعنيه هذا؟".
استدار تاتان نحوي. استطعت رؤية الصقيع يلمع على لحية القليل من الضوء المتاح.
بدأ قائلاً: "في صباح منتصف الشتاء..."، لكني قاطعته بضحكة.
"«صباح منتصف الشتاء؟» إنك تتحدث بلغة ممقة تؤذي أذني. هيا. قل لي الحقيقة. لماذا نحن هنا؟".
أطلق زفرة قوية أخرجت من جسده الضخم سحابة هائلة من الضباب في الهواء. جاب بنظراته المكان، قبل أن يعود بتركيزه إلى أسفل التل نحو الأفق.
"لقد صرت أحبك يا برين. لكن إن كنت ستجتاز الأسابيع القليلة المقبلة، فعليك أن تبدأ بالإصغاء".
توقف هنيئة.
"هندسة كُهّان العصور القديمة هذه الأحجار المنتصبة لتساعد قومهم على فهم العالم الطبيعي. وكان التاريخ الدقيق لصباح منتصف الشتاء أحد الأمور التي أخبرتني بها تلك الأحجار".
"كيف لحجر أن يخبرهم بذلك؟".
أثار أسلوب تاتان الجاد فضولي المكبوت. أشار تاتان فوق كتفه الأيمن، عائدًا بنظره نحو مسطح مائي خمنت أنه لا بد أن يكون سيفرن.
"هناك ثلم في التلال المقابلة لسيفرن. في صباح منتصف الشتاء، تشرق الشمس في ذلك الثلم من التل لتصطف بانتظام تام مع الأحجار المنتصبة على هذا التل".
"هذا مذهل حقاً. هل ما زال يعمل بهذه الطريقة؟ عن كم سنة نتحدث؟".
"أجل، ما زال «يعمل». وتعتمد القدم على الأحجار التي تقصدها. ففي إيرلندا، استُخدمت الأحجار المنتصبة منذ خمسة آلاف سنة. أما هذه الأحجار بالذات فقد توقف استخدامها وقت أن استدرج الرومان قبائل الكلت للخروج من حصون تلالهم، منذ نحو ألف وخمسمائة سنة".
"لماذا اهتم الكُهّان كثيراً بصباح منتصف الشتاء؟".
لاحظت أن الأعشاب الطويلة على التل أصبحت أكثر وضوحاً مع تواصل إضاءة السماء. استأنف تاتان السير صعوداً باتجاه الحجر المنتصب الأول. كنا ما زلنا على بعد دقائق قليلة من الحجر المكسو بالطحالب.
"لعدة أسباب. أولها أن صباح منتصف الشتاء، أو الانقلاب الشتوي كما نسميه الآن، كان أقصر يوم في السنة. فغداً، ستشرق الشمس في السماء لفترة أطول قليلاً مما فعلت اليوم. وهكذا تدريجياً... استخدم الكلتيون هذه المعلومات للبدء في إعداد تقويمهم الزراعي".
قلت وقد بدأ اهتمامي يتلاشى: "أمر رائع...".
لاحظ تاتان ذلك. وضع يده على كتفي ونحن نسير.
"لقد كان وقتاً مذهلاً، لا سيما في هذا المكان بالذات. كان أهل البلدة يخرجون من منازلهم الطينية ليحتفلوا بواحدة من القلائل في السنة التي يرق فيها الحجاب بين هذا العالم والعالم الآخر".
سألته: "العالم الآخر؟".
أومأ تاتان برأسه إيجاباً.
"أرض السحر والخلود. وفي يوم الانقلاب، تستطيع أرواح الجنيات وملوك الكلت الحضور ومشاركة البشر عيشهم، هنا في عالم الفناء".
كتمت ضحكة.
"ألست كبيراً بعض الشيء على حكايات الجنيات؟".
"سيتعين عليك سؤال الجنية إذن".
"ماذا؟".
بدأت أقلق بشأن تاتان. ولم أكن متأكداً إلى أين يتجه هذا الحوار بعد الآن. توقفنا بجانب الحجر المنتصب الخشن. كان عالياً ليرتفع إلى مستوى عيني تقريباً. وفي قمة الحجر قطع ثلم بعرض ثلاثة بوصات تقريباً. نظرت إلى صديقي الأكبر سناً.
"تاتان... أنت تبدأ في إثارة فزعي حقاً".
أجاب بتعبير بدا شبيهاً بالشفقة بصورة غريبة: "أعلم ذلك. أنا أحاول تجهيزك لما هو آت".
"أعلم أنني لست مستمعاً جيداً يا صديقي، لكن بناءً على ما يبدو، فإن السحر العظيم ل«صباح» منتصف الشتاء سيستعيد ذاكرتي فجأة. كان هناك حديث عن بعض الملوك الميتة... آه، وعن جنية".
كان الوقت أبكر من أن أحتمل هذا الهراء، وبدأت أغضب من تاتان وألغازه الملتوية.
"لم أذكر شيئاً قط عن ملوك ميتة".
تحول تاتان إلى الجدية.
"حان وقت الشروق. خذ مكانك خلف الحجر وراقب الأفق".
توقفُت ثم تنهدت بعمق، مريداً إياه أن يدرك مدى إحباطي. ثم مشيت إلى الجهة المرتفعة من الحجر واتخذت مكاني. وضعت أنفي بالقرب من الثلم في قمة الحجر وتفحصت التل البعيد عبر نهر سيفرن. تبدد الضباب المحيط بنا تدريجياً مع بزوغ الأشعة الأولى للشمس متوجة التل. حلّ بنا لون باهر وكأنما في تصوير بطيء. ومن خلال الثلم في حجر الكاهن القديم، رأيت العالم بعينين جديدتين.