ملحمة الكنوز الأربعة الفصل 12 — جولات إيريليث (فيدان)

اقرأ ملحمة الكنوز الأربعة الفصل 12 — جولات إيريليث (فيدان) باللغة العربية على مانجا تايم.

اليوم الثالث عشر من منتصف الشتاء، شروق الشمس كايسلان سايغاد، غورياس أنون

"لابدّ أنكِ إلسا"، تمتمتُ للإليليون الواقفة عند بابي.

كانت ترتدي درعاً سوداء بالكامل تغطيها من رأسها حتى أخمص قدميها، ولا يظهر منها سوى وجهها. بدا تناقضاً صارخاً بكل شحوبه الوضّاء.

"إيريليث، يا قائدي."

كان شعرها الورديّ الصاخب متكتّلاً، وتكاد زهور رقيقة منسقة بعناية أن تسيطر عليه. كان جناحاها قزحيّي اللون، وهو نمط نادر للغاية في ثقافة الإليليون. يتلألآن بكل ألوان الطيف. كانت بالغة الجمال والرقة في آن واحد... كل ما أُبغضه.

"خشيتُ أن تكوني صاحبة الشعر الأعوج"، أشرتُ بيدي إلى جانب رأسي، مستحضراً ذيل حصان الإليليون التي سبقتها.

"كانت تلك طِيبة حقّاً."

"نيمييث ماتت، يا قائدي."

"ماذا؟"

تراجعتُ إلى الوراء، مذهولاً.

"وكُفّي عن مناداتي بـالقائد. لسْتُ قائداً لأحد الآن."

أمالت الجنية الجميلة رأسها.

"ماتت نيمييث على أيدي الفوروريين. رفضت أن تُؤسر أثناء الغزو."

أومأتُ برأسي وأنا أفكر.

"هذا أفضل لها."

"ماذا؟"

سألَت إيريليث بصوت ينمّ عن الحيرة. هززتُ كتفيّ.

"ماتت في أداء الواجب، دون أن تحتمل أيّ حماقات من أولئك البحارة المتغطرسين."

بدت إيريليث عاجزة عن الكلام. تنهدتُ بصمت. كان الأمر كما توقعت. هذا الجيل من الإليليون لين. حرس المَلِك الذي خدمتُ معهم كان ليفتخر بالموت في خدمة بريس.

"على أي حال..."

قالت، وهي تشير لي كي أتبعها.

"عليّ أن أطوف بك القلعة لترى العمل الذي انجِز طوال فترة... نقاهتك."

أخذتُ لحظة لألقي نظرة أخرى على غرفتي القديمة. كم من ذكريات تراكمت هنا. على الرغم من رفضي العودة، فقد حافظت بريجيد وبريس على الغرفة. بدت تماماً كما كانت في اليوم الذي غادرتُ فيه. لم ألمح أيّ أثر لدمار غارة الفوروريين. كانت كبسولة زمنية من زمن أفضل. نفضتُ عن نفسي غبار الحنين، ووضعتُ صدفة برين وخاتمه في جبيبي، ثم اتبعتُ حارسة المَلِكة شديدة التلوّن خارج الغرفة وحول القلعة الضخمة.

ظلّت ملامح إيريليث جامدة، لم تتغيّر حتى أمام أشدّ تعليقاتي غرابة. كانت القلعة تعجّ بالحركة. جنود التشينغلينغ والإليليون في كل مكان. بعضهم في مهمة واضحة بناءً على عتادهم، بينما ينظّف آخرون الحطام ويزيلونه. بعضهم يحمل المطارق المسامير. تجوّل أهل البلدة بحرية، وكأنّ الأرجاء ملكهم. لكلّ منهم اختصاص يكرّسه لإصلاح الأضرار التي خلفها التوغل والمعركة الأخيرة. كان كل فرد من الحرس أو القرية نراه يؤدي التحية كلما مررنا به.

اعتقدتُ في البداية أنهم يظهرون الاحترام لأعلى رتبة في حرس المَلِكة، وهو أمر معتاد، لكن بحلول التحية العاشرة أو الحادية عشرة، انتابني إدراك مزعج بأنهم يوجّهون التحية إليّ.

"ما الذي يجري؟"

سألْتُ قوس قزح المتحرك الذي يقودني. بدأتُ أشعر بأنّ الأمر يشبه الاستعراض العسكري أكثر من كونه جولة.

"لماذا يتصرف هؤلاء الناس بلطف... معي؟"

"إنهم يرغبون فقط في إظهار امتنانهم، يا قائدي."

"أخبرتك أن تكفّ عن مناداتي بذلك!"

لم يُستخدم هذا اللفظ لوصفي منذ زمن بعيد، فشعرت بحكة في جسدي جراء هذا التغيّر المفاجئ. مرّ المزيد من القرويين مؤدين التحية. من واقع آثار الحروق على ملابسهم، ومناضد الجلد الثقيلة، بدا هؤلاء حدادين.

"يا قائد!"

قالوها بصوت واحد. عقدتُ حاجبيّ.

"لماذا تبدو غاضباً هكذا؟"

سألَت إيريليث بحيرة حقيقية.

"تلك صفتك، وليست صفتي. السؤال الأجدر هو: كيف تقبلين بكل هذه السهولة أن يقلّلوا من احترامك؟"

أخذت وقتاً طويلاً لتفكر في سؤالي، رغم أن وجهها ظلّ ساكناً تماماً.

"أنت آخر حرس المَلِكة."

"وما الهام في ذلك؟"

قاطعتُها. لقد عشتُ أجيالاً لا تحصى في عزلة. تلاشت الأيام الخوالي من قلوب الناس وألسنتهم منذ زمن بعيد.

"لماذا يهمّ هذا الأمر الآن؟"

"لأنك تمنحهم شيئاً يؤمنون به مجدداً... تمنحنا جميعاً شيئاً نؤمن به."

انتضرت الجنية حتى تمر مجموعة أخرى من الناس ثم متابعت.

"أعلم أنك نفيتَ نفسك بعد سقوط غورياس. أظن أنك دفعتَ ذكرى أيامك في الحرس بعيداً في أعماق عقلك وافترضتَ أن الآخرين نسوا أيضاً... وكثيرون فعلوا ذلك. نسوا تضحيتك. لكنهم يتذكرون الآن أنك كنت هنا طوال الوقت."

"لا أحتاج إلى خطابات تحفيزية منكِ يا صغيتي"، تمتمتُ، وشعرتُ بثقل الندم القديم يأخذ مكانه المعتاد.

"ألا تشعر به؟"

سألَت، وقد لان تعبيرها الحيادي قليلاً.

"عصر جديد يلوح في الأفق."

كشّرتُ في وجهها، رغم إدراكي لصحتق قولها. كنتُ قد شعرتُ بذلك منذ ليلة القمر البارد.

"الأمر مهمّ"، تابعت إيريليث.

"لأن نصول شفرات الفضة البيضاء تُمثّل ما نتمنى جميعاً أن نكونه."

"ماذا؟"

سألْتُ. ووجدتُ نفسي مهتماً حقّاً بما قد تقوله.

"بلا خوف، وأصحاب شرف."

اختنق صوتها، وللمرة الأولى، لمحتُ وميضاً ضئيلاً من المشاعر في عينيها.

"ونكران الذات."

نظرتُ إلى الإليليّة الشابة. لم يُظهر وجهها أيّ خزي لإفلات مشاعرها هكذا. بدا الأمر أجدّ وأكثر جدية مما أحتمل.

"نسيتِ الحكمة والرحمة"، سخرتُ.

ابتسمت برفق وبدأت تمشي. اتبعتُها، وممتنّاً لأنها لم تضغط في موقفها. احترمتُها أكثر لهذا السبب. قادتني من طرف القلعة إلى طرفها الآخر. بمجرد أن اعتدتُ على الاهتمام، بدأ الاستعراض يشبه الجولة التي أُعدّت لأجلها، فرأيتُ حال الأمور. لم يكن كل العمال منكبّين على الإصلاحات. عمل كثيرون على تجريد الموتى من غنائمهم المسلوبة. رأيتُ مورياس هناك يشرف على تصنيف الأغراض والقطع النقدية.

خزينة الكنائز تملأ من جديد. ساعدت بادب في جمع الأغراض المسلوبة من جنودهم أنفسهم. بدا أن حتى اولئك الواقعين تحت تأثير ملك الهوس لم يكونوا حصينين ضد إغواء الجشع. وما لم يستطيعوا فعله هو إخفاء ذلك الجشع عن ملك القدر. بدت مهمة نيمين هي جمع الناجين من كلا الجيشين، لتُعيد توزيعهم في كتائب تحت كل راية، حمراء غورياس وخضراء فندرياس. متى ما انتهت من تنظيم الجنود على هواها، كنت أعلم أنها ستوّجه تركيزها إلى بحرية غورياس.

تقطّب وجهي وأنا أرى فيشا التابعة لنيمين تتبعها أينما ذهبت. ارتدوا قسوتهم على وجوههم وهم يحرصون على أن يطيع الجنود كل أمر تصدره نيمين. بدا أنهم اكتسبوا هيبة غامضة، مستمدة من همس التشينغلينغ المرتعب عما رأوه من بقايا وحشية للفوروريين الذين تقاطعت شفراتهم مع أولئك الإليليون. وعلى النقيض تماماً، شهدت ظهوراً نادراً، لكنه مرغوب فيه، لأنجوس أوج في باحة القلعة. كان الملك الوسيم يجند ويدخل قارة بأكملها من أهل البلدة في سلك جيش غورياس.

يختلط بالناس ويضحك بينهم هناك. يعانقهم ويقدرهم، فأحبوه كأخ لهم. لم أره الأخت الثالثة داخل القلعة أو حولها. على أن ماشا لم تكن يوماً ممن تتسخ أيديهم. كانت في قاعات العرش والمحاكم أكثر ارتياحاً منها في ساحة المعركة. يا له من أمر مضحك... طالما جعلتني السياسة أشعر بالقذر أكثر من أيّ طين أو دماء. كانت إيريليث على وشك قيادتي للداخل حين علت هتافات بين المجندين الجدد.

صاح احدهم: "قائد!"

انتشر الهتاف كالسحر البري في عاصفة صيفية، وقبل أن يمر وقت طويل انضم الجميع في الباحة إليه.

تداخلت الأصوات المهتفة في هتاف موحد: "قائد! قائد!"

أصبحتُ فجأة واعياً للغاية لجناحي المكسور. وجدتُ نفسي عاجزاً عن رفع نظري لألتقي بعيون الجنود المهووسين، لكنني رفعتُ بصري أخيراً لألتقي بنظرات نيمين. علت طرف فمها ابتسامة تمتزج بالتهكم. لم أدرك مغزى تعبيرها، لكني تساءلت عمّا إذا كان نطاق هوس نيمين قد ساهم في ردّ فعل أهل الباحة. بدت إيريليث مدركة لانزعاجي. استدارت لتعيدني إلى داخل القلعة، بعيداً عن الهتافات. شققنا طريقنا نحو غرفة الاجتماعات حيث علمنا أنا وبرين ومورياس وتادج بموت بريس.

لا تزال الجدران تحمل آثار الحروق من المرة التي استدعت فيها بريجيد نطاق النار لديها لمنعي من مهاجمة حرس مَلِكتها.

"عليّ تركك هنا"، شرعت إيريليث في قول شيء آخر، لكني رفعتُ إبعادي لأوقفها.

لقد تلقيتُ ما يكفي من نداءات القائد لهذا اليوم. تأملت وجهي للحظة، ثم انسحبت بصمت. لم أكن وحدي في الغرفة. التفتُ نحو ملك الولاء وملك السحر، اللذين جلسا في الطرف البعيد من الطاولة الطويلة. انتظرت ماشا وداغدا بصبر انضمامي وبقية توث دي دانان إلى اول مجلس يترأسه شخص آخر غير بريجيد أو بريس. انحنيتُ عميقاً لبطريرك غورياس وسمعتُ صدو صوت يعبر عقلي.