الفصل 2: ألسنا جميعاً في الجانب نفسه؟
لعنات؟ نظرت حولي وشعرت أن تعريفي لللعنات لابد أنه خاطئ. طافت حالة من الحماس حول الكولوسيوم، مدفوعة بفيض من الهمسات المفعمة بالحيوية والقيل والقال. إذا كانت البركات التي تمنحها الملوك أمراً يمكن القياس عليه، فإن اللعنات لا يمكن أن تعني إلا--
"ألقي لعنة سماوية على بطل القدر."
تجمّدت في مكاني ونظرت نحو ملك الشمس المستبد الذي طعنت نظراته الحاقدة الملكة القابعة خلفي. سرت القشعريرة في جسدي حين أدركت أنه يقصدني. كان خلو صوته من التردد مرعباً، يفاقمه المعنى المجهول لكلماته.
تحرك الملك على عرشه وانحنى إلى الأمام ليدقق النظر في ملك الشمس. "لعنة سماوية؟ فوز فصيلك مضمون تقريباً في هذه النقطة. هل أنت متأكد من هذا؟"
أمسكت يد القدر بكتفي بقوة، لكنني كنت أشد قلقاً من أن أزيحها. كان في صوتها نبرة حادة وبدا أعلى قليلاً من المعتاد. "خلافنا لا داعي أن يمتد إلى هذا الفاني. ثم إن لعنة فانية أليست أكثر ملاءمة؟"
أظلم وجه الشمس ولم تفارق عيناه وجهها. تمتم بشر: "بطل مقابل بطل"، ثم رفع صوته وأعلن: "ألعن هذا البطل بالضعف في المعركة. لتفشل مجالات سحرها وجسدها دوماً أمام خصومها."
ارتعدت وضغطت على قبضتي بقوة حين انغلق ثقل مئات العيون الهائلة علي. كان الاهتمام أكثر من الاحتمال، مما ذكرني باللحظات الأكثر ظلاماً في حياتي القصيرة عندما سقطت من منزلتي في الأزقة.
انحنت شفاة ملكة القدر إلى الأسفل وتجعد جبينها وهي تعبس. "لقد تماديت كثيراً. لعنة سماوية أثناء غزو الشياطين؟ كيف يفترض بأي شخص أن يساهم في هزيمتهم مع تلك اللعنة؟"
ابتسم الشمس بسخرية. "ألست ملكة القدر؟ أخبريني أنت."
ردت عليه: "لقد تركت لبطلِك خياراً، ومع ذلك تريد سلب بطلي قبل أن يبدأ حتى!"
استمر الشمس في التجهّم بوجهها، ولم يدر رأسه إلا عندماحنحن الملك لتطهير حلقة. "تكلفة اللعنة السماوية ليست رخيصة. هل أنت مستعد؟"
أومأ برأسه بثقة. "مائة عام من الإيمان سعر صغير أدقعه لهذه المسألة. لا يهمني حتى لو تطلب الأمر ألفاً."
أومأ الملك وهوى قلبي. كانت تداعيات مثل هذه اللعنة غير واضحة، لكنها بدت مشلّة للقدرة. اختياري لمواجهة الشياطين، لكنني غير قادرة على القتال. تخيلت الصور الملتوية للشر الخالص التي تميز الشياطين على الأرض وشعرت بالرغبة في البكاء. إلى أي عالم يرسلوننا؟
ظهرت كرة مضيئة في يد ملك الشمس ثم تحركت بسرعة وظهرت أمامي. وقبل أن أتمكن من إبداء أي رد فعل، انفجرت وأمطرتني في بحر من الشرار. انتشر ألم حارق على جلدي، وصرخت بينما اخترق جسدي بالكامل. اعتصر يأس سحق أمعائي، وتقت إلى الموت مجدداً. ما كنت لأذهب إلى الإبرة أبداً، لو كان ذلك يعني شيئاً كهذا!
تدريجياً، زال الألم واليأس وهويت وكدت أسقط. التقطتني يدا القدر اللطيفتان، ورفعت رأسي لأنظر في عينيها المليئتين بالنجوم.
تأتأت وصوتي المكسور خانني: "لـ-لماذا؟ ألم يكن موت واحد كافياً؟"
حدقت بي وعيناها الهادئتان ملطختان بالحزن. "الموت هو أرخص عملة. الحياة لا تملك قيمة إلا بقدر ما تُعاش."
لسبب ما، ترادفت كلماتها مع روحي ومسحت الدموع التي لم تسقط من عيني. كان الحزن الذي دفعني إلى ذلك الزقاق الشؤوم قبل دقائق فقط لا يزال يملأ عقلي، لكن شرارة أمل قد أُشعلت. هل لهذا السبب دُعيت إلى هنا؟ وسط الملوك والشياطين واللعنات، هل ما يزال هناك مكان للفرح؟ بحثت في عينيها فأومأت لي.
أخذت نفساً عميقاً واسترخيت وعدّلت كتفي. "ماذا فعلت؟"
"لاشيء ذا أهمية خاصة. قدمت نبوءة لأحد أبطاله المفضلين، كان التحذير أقرب إليها في الواقع. حاول البطل إحباطها لكن انتهى به المطاف ميتاً والتُهم العالم. لم يتجاوز الشمس ذلك بعد، مدعياً أنها كانت نبوءة تحقق ذاتها وأن العالم ربما كان سينجو بدونها."
سألت بتردد: "هل كان سينجو؟"
ابتسمت. "من يعلم؟ لا يوجد مستقبل مختار يسير فيه كل شيء وفقاً للمخطط. حتى أوضح النبوءات هي مجرد احتمالات، وليست تمثيلاً دقيقاً للقدر. جوهرياً، كل ما يحدث مقدر له أن يحدث، بغض النظر عما تدعيه النبوءة."
انزلقت كلماتها فوق رأسي واستسلمت عن محاولة فهمها. أي نوع من إلهات القدر هذه التي لا تستطيع حتى التنبؤ بالمستقبل؟ خلفنا، أصدر ملك آخر لعنة، وكانت هذه اللعنة من الحضور، فالتفت إلى القدر وكلي قلق.
"هل اللعنة السماوية سيئة لهذه الدرجة حقاً؟ ليس الأمر وكأنه يستطيع منعي من حمل سكين أو بندقية، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها. "أسوأ مما تعتقدين، واستطاعته حتمية. لا تستهيني بقوة ملك انتقامي. لكن يجب ألا تقلقي بشأن ذلك الآن. لقد استدعيتك لتكوني سعيدة، لا لتكسبي الجدارة وتصعدي إلى السيادة. استمتعي بالوقت الذي وُهبتِ إياه، مهما كانت الظروف التي تجدين نفسك فيها."
تشوشت أفكاري وحدقت بها بفتور. "سعيدة؟" كانت فكرة أن سعادتي محل اعتبار غريبة تماماً، شيء لم أجربه حتى من أمي.
قالت وهي تبتسم بلطف: "بالتأكيد. ربما تكون هذه الحياة هي الفرصة الثانية التي تحتاجين إليها. ركزي على هنا والآن، ودعي المستقبل جانباً. قدرك سيأتي سواء قلقِتِ بشأنه أم لا، لذا افعلي كل ما بوسعك فقط لتعيشي وتستعدي."
"أنا-أنا لا أفهم. أليس هذا كثيراً بعض الشيء؟"
"إذا كان مقدراً لك الفوز بالجائزة فستفوزين، لكنني أُفضل أن تتعلمي الابتسام." انحنت شفتاها إلى الأعلى توضيحاً، ثم حولت نظرتها الذهبية نحو الشمس. "الآن، لمَ لا نضيف المزيد إلى طبقته؟"
أسكت الملك المحادثات الأخرى مرة أخرى، مما أتاح للقدر رفع يدها. "إذا كنت جاداً بشأن اللعنة، فأنا أرغب في-"
استخف الشمس بصوت عالٍ مقاطعاً إياها. "رد اللعنة؟ لا تجعليني أضحك. أنتِ بالكاد تملكين من الإيمان ما يكفي لاستدعاء بطل ومنح بركة، ناهيك عن لعنة!"
قال الملك بحسم: "دعيها تتحدث."
قالت القدر ونبرتها لم تتأثر: "أنت على حق بالطبع. لكنني لا أعرض لعنة. دعني أشارك نبوءة، مجانية بالطبع. استمع جيداً وإلا ستنتهي مثل المرة السابقة. 'بطل الشمس سيكون الأضعف أمام ما هو الأقوى لديه.' افهم منها ما تشاء."
قال الشمس: "نبوءاتك لن تخدعني مجدداً. مثل هذه الكلمات لا معنى لها."
بدا البطل الموجود أمام الشمس مرتبكاً مثلما كنت تماماً، والتقت أعيننا. كان وسيماً بدرجة كافية، بذقن قوي وعينين بنيتين عميقتين. وبمجرد أن التقت أعيننا شحت بنظري بعيداً، غير قادرة على مواصلة نظراته. جلب المزيد من الانتباه لنفسي لن يؤدي إلا إلى إيذائي، خاصة إذا كنت سأكون ضعيفة في العالم القادم. سرت رعدة في جسدي وأنا أتذكر كل الرجال الآخرين الذين استغلوني. بكونه مختاراً من ملك الشمس المغرور، شككت في أنه سيكون مختلفاً عنهم.
مع امتداد الوقت، لعن بضعة ملوك آخرين أبطالاً، ولحسن الحظ استهدفوا آخرين غيري. بدت اللعنة السماوية خاصة للغاية، حيث كانت اللعنات الأخرى مجرد لعنات فانية وشملت نطاقاً أصغر بكثير. مهما فكرت في الأمر، لم أستطع قبول أن تضع الملوك أي لعنات، بغض النظر عن نوعها. أي نوع من الملوك يلعن أبطاله؟ ألسنا جميعاً في الجانب نفسه؟ كان من الصعب تخيل أن هذه الكائنات الكلية القدرة التي تهدف إلى إنقاذ العوالم قد تخرب على الأبطال الذين أرسلتهم هي نفسها.
تمتمت القدر: "لقد رأينا الكثير من العوالم لدرجة تمنعنا من التعلق بأي عالم محدد. أفضل ما يمكننا فعله الآن هو الاهتمام بالأشخاص الذين اخترناهم."
بعد فترة قصيرة، وبعد أن وُضعت كل اللعنات، وقف الملك ولوّح بصولجانه. "لقد حان الوقت لإرسال الأبطال في طريقهم. عند وصولكم، حددوا موقع أقرب كنيسة. ستتمكنون من رؤية قدراتكم ومعلوماتكم هناك. لترافقكم قوة الملوك."
بالفعل؟ لم تكن هناك حتى فرصة لسؤالها عن البركة، أو اللعنة في هذا الصدد. ولكن قبل أن أتمكن من التحدث، اندلع ضوء بارد من العرش، وانتشر حتى غلف كل واحد من الأبطال. ضغطت القدر على كتفي عندما وصل إلي وأعطتني ابتسامة مريحة أخيرة. مرة أخرى، كنت بلا وزن، ولكن أكثر من ذلك، فقد جسدي كل إحساس. خبطت الفوضى عقلي وتوقف كل شيء، تاركة إياي في عدم كامل. بعد لحظات، هزتني صدمة قاسية، وغادرت الأحاسيس الغريبة. فرت حرية الموت بينما عادت قيود الحياة. لقد وصلت إلى إنوسيا.