مرّ آذار وانقضى. وأتى نيسان. سرت إشاعات بأن الربيع مقبل معه، لكنّها لم تكن إشاعات موثوقة في نظري. توقّف تساقط الثلج ربّما، غير أنّه لا يبدو مستعدّاً للذوبان قطّ. أشرت إلى ذلك أمام كونراد حين كنا نتمشّى في إحدى الغابات المحيطة بالقصر. فأطلق تلك النفخة المكتومة التي تخصّه وحده.
وقال: "لقد حلّ الربيع بالفعل".
فقلت: "لا يبدو الأمر كذلك نظراً لما يحيط بنا".
فقال: "الربيع لا يُرى. بل يُحسّ بقصر الليالي".
ثم رفع خطمه، واستطرد: "وتُستنشق رائحته".
كان يمشي ويداه مدسوستان في جيبي سرواله الجينز. لتبدو تلك الهيئة عادية تماماً لولا ضخامته الهائلة. اضطررت إلى إرجاع رأسي إلى الوراء كي أتمكن من رؤية جانبيّ وجهه. بحلول ذلك الوقت، اعتدت مصاحبة رجل ذئب؛ ولم يعد شكل وجهه يبدو غريباً في نظري. كلّ ما أراه هو أناقة رأس ذئب بفروه الرمادي المبرقش بالأبيض، وأنف أسود يمتدّ نحو السماء الزرقاء. لم يكن ينقصه سوى العواء ليكتمل المشهد الخلاب.
ليس وكأنه سيفعل. فهو لا يعوي قط. سألته عن ذلك ذات مرة. فذكّرني بأنه ليس ذئباً. وحين سألته إن كان قادراً على العواء نظرياً، امتنع عن الإجابة.
فقلت: "ولم لا؟".
فأجاب: "لا يعجبني وجهك المبتسم بخبث".
فهتفت: "أوه، هيا!".
فقال: "أرفض الخضوع لقوالبك النمطية".
فقلت: "ماذا لو وعدتك بمحاولة أكل مخّك؟".
فأجاب: "أتمنى لك التوفيق في ذلك".
لم أكن أتضايق من بقايا الثلج. كنت أخرج في معظم الأيام، بينما يحرص إيغور على توفير خلطة الشوكولاتة الساخنة التي يعدّها بنفسه لأجلي. كنت أعتقد أن الربيع سيأتي متى أذن له وقته، وإن تمادى في بطئه، فإن الصيف سيهجم علينا بحلول حزيران، سواء أكنا مستعدين أم لا. على الأقل، هذا ما ظننته. قضيت حياتي الأولى عائشة في المدن والضواحي. هكذا كانت الفصول تتعاقب هناك: خريف، شتاء، ثلج مذاب، صيف.
ربّما اختلف الأمر عند العيش على أطراف بلدة صغيرة منزوية في الجبال. أو ربّما كان الرجل الذئب على حق، وكنت أنا جاهلة بمعنى الربيع. وبما أنني عجزت عن استنشاق رائحة الربيع المقبل، ولم تكن لدي وظيفة تفرض عليّ الانتباه إلى أيّ يوم من أيام الأسبوع نحن فيه، فلم تكن أمامي وسيلة لتتبع الوقت سوى جلساتي الشهرية مع إيسيت، حيث تطرح عليّ نحو سبعة مليارات سؤال بشأن جسدي. لو حاول أي شخص آخر فعل ذلك، لبدا الأمر بنسخة طالب طب لمحاكم التفتيش الإسبانية، لكنّ وجودي مع إيسيت كان يبعث على الاسترخاء.
كانت طباعها هادئة، وصوتها جميلاً.
فقالت: "ماذا عن أظافرك؟ هل بدأت تنمو بعد؟".
كنا في المكتبة. وبطريقة غريبة جداً، غريبة للغاية، كان هذا طقساً خاصاً يجمعنا. كانت أوليفيا تشغل نفسها بأعمالها، وفي المرة الوحيدة التي قاطعنا فيها داريوس، نهضت إيسيت وطردته قبل أن يخطو قدمين داخل الغرفة. لم يُسمح لأحد بالدخول دون إذني. ولا حتى الدكتور بيليستون. كانت إيسيت خلف مكتبها، وكنت جالسة على مقعد قريب منها. وُضعت بعض الأدوات الطبية بجانب حاسوب إيسيت المحمول.
لقد أجرينا جميع الفحوصات للتحقق من معدل ضربات قلبي، ومستويات الأكسجين، ودرجة الحرارة، وضغط الدم. سألتني عن هضمي، ودورات التكاثر، وكيف أنام، وما إذا طرأ تغير على سرعة تعافيي، وكلّ تلك الأمور. لننتقل الآن إلى التفاصيل.
كان كابا جالساً في حجري، يتمتم لنفسه بلغة أصفها بلهجة "وحش المستنقع".
وهي تشبه لغة الأطفال الصغار. سمحت له بالبقاء هناك لأنه لا يكترث البتة بأسرار جسدي المعيد للبعث، ولم يكن ليحوع بما يدور حتى لو اكترث. كان منشغلاً للغاية بالعبث بيداي. فاضطررت إلى سحب إحدى يدي لأتفحص أظافري.
تنهدت وخفضت يدي قائلة: "ربّما؟ أم أنني مفرطة التفاؤل؟".
توقف إيسيت عن الكتابة ورفعت رأسها المضمّد.
قالت: "إيميرا، إذا تعرض أحدها للتقشر أو التكسر، فيمكننا تركيب أظافر صناعية لك".
فقلت: "أعلم ذلك حقاً، لكنّ الأمر فقط...".
حاولت تبين سبب شعوري بالتململ والخجل.
"لم أعتبر نفسي يوماً تلك الفتاة التي تضع أظافر صناعية".
أغلقت المومياء غطاء حاسوبها المحمول. كانت تفعل أشياء كهذه دون تفكير. كانت الملاحظات مهمة، ولما كتبناها إن لم تكن كذلك، لكنّها كانت تغلق الحاسوب لتستمع إلينا كلّما تحدثنا بحديث عابر. اكتفيت بالتدثر في لطفها التلقائي.
فسألت: "هل من سبب لذلك؟".
رفعت أحد كتفي في حركة تململ.
"سمعت أنها باهظة الثمن، وأنا لست شخصاً متأنقاً أو أنثوياً".
فقالت: "أذلك لأنك لا ترغبين في ذلك، أم لأنك لم تحظي بالفرصة قط؟".
أنين صدر عني: "لا أعلم! أحب الفساتين الصيفية. أعلم ذلك. أيعتبر هذا أمراً أنثوياً؟".
بدا صوت إيسيت مستمتعاً: "بالتأكيد".
"لكنّ العناية بالأظافر أمر يفعله الآخرون".
"لا أتدخل عادة في خيارات الأسلحة الشخصية لأحد، لكن الأمر في حالتك هذه لا يتعلق بالغرور قدر ما يتعلق بالعملية. تحمي أظافرك أطراف أصابعك. وإذا انكسر أحدها ولم نتأكد من نموه مجدداً، فسيتعين علينا استبداله".
تذمرت: "أجل، أجل".
ثم فتحت إيسيت حاسوبها المحمول مجدداً وقالت: "ويمكنك جعل البديل بأنثوية تودينها. هل من جديد بشأن شعرك؟".
"كلا! ما زلت كرة بلياردو".
"وماذا عن شعر الجسم؟".
"لم ألاحظ أي تغيرات".
رفعت يدي نحو قوس حابي ومررت أطراف أصعبي فوق خيط الشعر الرفيع والنحيل. لم يكن بالكثير، لكنني كنت ممتنة لنجاته من العلاج الكيميائي بذلك القدر. خصوصاً وأنه يبدو وكأنني سأبقى عالقة به على هذا النحو لفترة. تنهدت إيسيت واتكأت إلى الوراء في مقعدها.
وقالت: "أظن أن هذا كل شيء. ربّما نتمكن يوماً ما من فهم جهازك المناعي".
توقف برهة، ثم أمالت رأسها.
"قد يكون ذلك بالغ الأهمية لدرجة تجعلنا نتحدث إلى الدكتور بيليستون لإجراء بعض الفحوصات".
سرت لفحة جليدية في بطني. لم أكن أطيق الفحوصات، ولا سيما الطبية منها. لقد أخفقت في الكثير منها.
فقلت: "أترين ذلك؟".
فقالت: "أعتقد أنه أفضل من اكتشاف تعطل جهازك المناعي بعد إصابتك بنزلة برد".
ارتجفت.
فسألت إيسيت: "هل أهاتفه وأتحدث إليه؟".
أومأت لها برأس متردد. مالت إيسيت إلى الأمام مجدداً. وبينما كانت تطبع، أخذت أداعب الزعانف على جانبي رأس كابا. فأصدر صوتاً مزقزقاً في أعماق حلقه.
قلت: "إيسيت، هل أنا طبيعية؟".
توقفت المومياء عن الكتابة. واستدارت بجسدها كله نحوي وأغلقت غطاء حاسوبها بيد واحدة.
فقالت: "طبيعية؟".
"أعني، بالنسبة لشخص مُعاد البعث. أمن الطبيعي أن يعود أجزاء فقط من جسدي...".
عجزت عن إيجاد طريقة للتعبير عما يجول في خاطري. فخرجت الكلمات متعثرة ومترددة.
"...للعمل مجدداً؟".
لم تجب إيسيت في البداية. وخلال ذلك التوقف الوجيز، أصدر كابا صوتاً استنكاريّاً بينما كان يلوي يدي ويفردها. ثم رفع يدي إلى وجهه ليشم الفراغات بين أصابعي. ومما لا شك فيه أنه كان يحاول اكتشاف ما حل بغشائي الجلدي. ويا للهول! ولماذا لا أمتلك أغشية جلدية بين أصابعي؟ كان ذلك منطقياً بقدر أي شيء آخر. عندما تحدثت إيسيت، كان صوتها رقيقاً على غير العادة.
"يا إيميرا، ليس هناك ما يُسمى بالطبيعية حين يتعلق الأمر بجسد مُعاد البعث. فنحن قلة قليلة، وكلّ واحد منا مختلف عن الآخر".
نحن. نسيت تماماً أن إيسيت من المعاد بعثهم. مثلي تماماً. حسناً، ليست مثلي تماماً بالطبع. ليس حقاً. كنا مختلفين لدرجة تجعل نسياني أمراً مغفوراً تقريباً. لم يكن جسد إيسيت ليعمل كجسد عادي البتة؛ بل كان أشبه بشيء تحتله روحها.
راودتني فكرة أنها تستطيع "الرؤية"، لكنّ ذلك لم يكن بعينيها.
فقد كانتا تحت الضمادات.
لم تكن قادرة على الأكل، ولا تنام، بل "ترتاح"
فحسب، ولم يكن جسدها يتقدم في السن أو يتغير. باستثناء أمور كشعي، وأظافري، ودورات الحيض، بدا أنني... طبيعية. بل كنت أكتسب وزناً! إن واظبت على تناول طعام إيغور والتدرب مع كونراد، فقد أبلغ وزناً مقداره مئة رطل رغم كدماته قبل انقضاء الصيف. كان ينبغي لذلك أن يبعث على الاطمئنان، ولست عادة من الفتاة اللواتي يطرحن أسئلة وجودية، لكن بعض الأمور قد تناهت إلى ذهني. هل سأتقدم في العمر؟
أيمكنني الموت؟ سبق أن أكد لي جاكي الضخم أنني لا أستطيع الموت، وهو أعلم الناس بذلك لكونه الموت شخصياً، لكن حين ألححت عليه في طلب التفاصيل، تبين أنه تلاعب بالمصطلحات. لن أتمكن من الموت أبداً، وتخيل هذا السبب، لأنني متّ بالفعل. بعد مرور شهر كامل، ما زلت أقمع رغبتي في صفع جبهتي.
قال جاكي حينها: "حين عدت إلى جسدك، تشكل شكل جديد من الحياة، لكنك لم تولدي من صلبه—".
"ماذا إن دهستني شاحنة غداً؟".
"لقد أخبرتك مسبقاً أن جسدك قابل للتحطم".
"أيعني ذلك أن جسدي سيتوقف عن العمل؟".
"أمر بديهي. سيكون عبارة عن قطع".
"وماذا عن حين كدت أموت من انخفاض حرارة الجسم؟".
تردد جاكي. وتبيّن لي ذلك جليّاً عبر خطوط جمجمته الملساء. ربما سمحت لي عيناك أبوالهول بقراءة تعابيره غير الموجودة. أو لعلّي بدأت أتعرف عليه عن قرب حقاً.
فقال: "لست متأكداً".
لست متأكداً. هذا ما كان يؤرقني. لست متأكدة إن كنت سأتقدم في السن. لست متأكدة إن كنت سأمرض. لست متأكدة من مدى الحذر الواجب علي. لست متأكدة إن كان شعري سيبدأ بالنمو مجدداً، أو إن كنت سأحظى بدورة شهرية أخرى. ولم يكن أحد يعلم إن كنت سأحصل على إجابات لهذه الأسئلة غداً أو بعد سبعمائة عام من الآن، وهي فترة قد أظل حية خلالها، لكنّ الأمر لم يكن مؤكداً. شبكت أصابعي ببعضها. فأطلق كابا صوتاً استنكاريّاً آخر وحاول تقليدي.
لكن غشاءه الجلدي أعاقه.
فسألت: "إيسيت، أكتبتِ مذكرات مماثلة عن جسدك؟".
فقالت: "ليس في البداية. وليس لفترة طويلة. لقد مضى أكثر من ألف عام بعد بعثي حين بدأت بتدوين الأمور. كان هناك كائن آخر مُعاد البعث. لا أدرى ملابسات الأمر، لكنّ مكروهاً أصابه، وكان صديق له يجوب كل تور في العالم، محاولاً معرفة ما يمكنه معرفته عن الأجساد المعيد بعثها، ليرى إن كان بالإمكان فعل شيء حياله. وحينها أدركت قوة المعلومات، ومدى المأساة في عدم امتلاكي أي شيء لأقدمه. وفي اليوم التالي، بدأت تدوين مذكراتي وكتبت كل ما تمكنت من استحضاره".
أمعنت في الاستمتاع بلطفها. كانت ميزة إيسيت الخارقة تكمن في قدرتها على أخذ أمر ممل كالتحدث عن الأظافر وإظهار مدى أهميته.
فقلت: "شكراً لمساعدتي في الاحتفاظ بسجل".
تضمن ذلك التصريح تواضعاً حقيقياً. والحقّ أنني لم أمتلك الانضباط الكافي لفعل ذلك بمفردي.
فقالت إيسيت: "يسعدني قيامي بذلك. ومثلك تماماً، يراودني الفضول بشأن المعاد بعثهم الآخرين. وأنا أملك الكثير من الوقت".
ابتسمت لصديقتي التي يبلغ عمرها ثلاثة آلاف عام.
فقالت إيسيت: "أننتحدث عن قدراتك الآن أم في يوم آخر؟".
أطلقت أنيناً آخر. وبصوت أعلى هذه المرة.