الفصل 41 - تولَّ أمر نفسك بنفسك
كان هناك سبب وراء استياء أعضاء الفرقة من رين شياوسو. فعلى الرغم من أنهم كانوا "أشخاصا مهمين" من المعقل، إلا أنه اختلق الأعذار لرفضهم عندما جاءوا للبحث عن مرشد في البلدة. كان الأمر وكأن كونَه مرشدهم يعد أمرا مخزيا بالنسبة له.
في نظرهم، ألم يكن من المفترض برين شياوسو أن يبادر ويتطوع تماما مثلما فعل المرشد الأول؟!
كم عدد الأشخاص الذين كانوا يأملون في بناء علاقة وثيقة مع القادمين من المعقل؟ لقد كان وانغ فوغوي محقا تماما عندما قال إن الشخص الذي يختاره هؤلاء المهمون من المعقل لتنفيذ طلباتهم سينعم بحياة مزدهرة.
مع ذلك، كان رد فعل رين شياوسو هو تفاديهم ببساطة.
ونتيجة لذلك، ساء انطباع الجميع تجاه رين شياوسو بعد حادثة البسكويت. خصوصا ليو بو، الذي أصبح الآن يحاول إقناع ليو شينيو بالعودة إلى البلدة للبحث عن مرشد آخر.
قال ليو بو: "يا شينيو، لقد انطلقنا منذ نصف يوم فقط. ما زال الوقت مبكرا بما يكفي إن عشنا إلى البلدة، ولن نضيع سوى يوم واحد من وقت السفر".
قالت ليو شينيو وهي تنظر من النافذة: "لكن هذا لا يزال إهدارا للوقت".
تابع ليو بو قوله: "لكن هل فكرت في الأمر؟ هذا الفتى يبدو غير جدير بالثقة حقا. وإن أصبح أكثر انعداما للثقة، فلن نقتصر على إهدار يوم واحد من وقتنا فحسب. لقد سمعت من قبل أن اللاجئين في البلدة لا يملكون قدرا كبيرا من الرقي، لكنني لم أتوقع أن يكون الأمر سيئا إلى هذا الحد!".
هزت ليو شينيو رأسها وقالت: "لقد قال وانغ فوغوي إنه إن عجز هو حتى عن إرشادنا عبر الجبال، فلن يستطيع أي شخص آخر فعل ذلك".
قال ليو بو باحتقار: "أنا لا أصدق ذلك. البلدة واسعة جدا، فكيف لا يكون هناك شخص قادر على إرشادنا عبر الجبال؟ لقد سألنا في حدود البلدة فقط، ولكن هناك بالفعل عدد أكبر بكثير من الناس في المنطقة المحيطة حيث توجد المصانع الكبيرة السبعة. يعيش عدد غير قليل منهم بجوار المصانع، لذا إن ذهبنا إلى هناك لنسأل، فقد نكتشف شيئا جديدا".
صححت له ليو شينيو قائلة: "لم يتبق سوى ستة مصانع الآن".
فقد دُمر أحد المصانع للتو جراء هجوم الذئاب، ولهذا السبب لم يتبق سوى ستة مصانع.
قال ليو بو بحرج: "إذن يمكننا الذهاب وتفقد المصانع الأخرى".
رفضته ليو شينيو قائلة: "حسبنا، لن يكون هناك المزيد من النقاش حول هذا الأمر. لم يكن حصولنا على اثني عشر جنديا من الجيش الخاص لمرافقتنا هذه المرة أمرا سهلا، لذا لا تعقد الأمور أكثر من ذلك".
لم يستمر ليو بو في المجادلة. قد يعتقد الغرباء أن ليو شينيو ما زالت صغيرة في السن وأن معظم القرارات يتخذها هو بصفته مدير أعمالها، لكن ليو بو كان يعلم جيدا أن ليو شينيو كانت فتاة شديدة الاستقلالية، وأنه لم يكن سوى منفذ لقراراتها.
في الوقت الحاضر، كان هناك مشاهير مثل ليو شينيو في كل معقل كبير، وكانوا يعرفون شاعيا باسم "الأبطال".
لكن هؤلاء الأبطال عادة ما يكون لهم أنصار داخل معاقلهم الخاصة فحسب، وكان من الصعب للغاية عليهم تحقيق النجاح في المعاقل الأخرى.
ففي نهاية المطاف، لم تكن الطرق في العالم الخارجي متطورة بالقدر الذي كانت عليه قبل وقوع الكارثة. علاوة على ذلك، كان من الصعب التنبؤ بما يفضله الناس، لذا كانت هناك بالتأكيد بعض المخاطر التي يجب تحملها إذا أرادوا توسيع نفوذهم خارج معاقلهم.
في أحد الأيام، أراد أحد المشاهير في المعقل 89 الانتقال إلى المعاقل الأخرى لتوسيع نفوذه، ونتيجة لذلك اختفى بعد مغادرته لمعقله، ولم يُعثر له على أثر هو ومدير أعماله والحراس المرافقين له. ولم يُعثر على جثة يُشتبه في أنها تخصه في البرية إلا بعد مرور شهرين، وكانت هناك رصاصة مستقرة في بقاياه الهيكلية مما يشير بوضوح إلى أنه توفي جراء إصابته بطلق ناري، بل إنه أُصيب برصاصة في ظهره.
جعل هذا بقية الناس أكثر حذرا.
لكن ليو شينيو لم تكن ترضى أبدا بأن تكون بارزة في معقل واحد فقط، وكانت مستعدة لتحمّل المخاطر على الرغم من إدراكها لمدى خطورة ذلك. وبالنسبة لفتاة، تطلب هذا قدرا كبيرا من الشجاعة.
نظرت ليو شينيو إلى ليو بو الذي آثر الصمت وقالت: "يمكنك التحامل عليه، لكن لا تدع ذلك يؤثر على رحلتنا. كل ما نحتاجه منه هو إرشادنا بشكل صحيح نحو وجهتنا، وبمجرد أن نعود من المعقل 112، يمكنك فعل ما تشاء به".
أجاب ليو بو: "حسنا".
كانت الرحلة وعرة داخل المركبات التي كان يقودها جنود الجيش الخاص، وقد حرصوا على قيادتها بأكبر قدر ممكن من الأمان لتجنب أي تلف لا رجعة فيه في أنظمة التعليق، والهيكل، والإطارات، وغيرها من أجزاء المركبات. ومع ذلك، كانت الطريق شديدة الوعورة لدرجة تعذر معها فعل أي حيال ذلك.
جلس رين شياوسو في المقعد الخلفي للمركبة المقدمة وكان يوجه السائق من حين لآخر. ولكن نظرا لعدم ثقة ليو بو به، فقد خصص عمدا عضوين من أعضاء الفرقة للجلوس بجانبه ومراقبته عن كثب، مما أدى إلى وجود خمسة ركب في المركبة المقدمة بالمجمل.
بدت على عضوي الفرقة الجالسين في الخلف ملامح متعالية. لقد اعتادا على امتلاك مساحة واسعة ومريحة في المقاعد الخلفية، ولكن بانضمام رين شياوسو إليهما، شعر الجميع بعدم الارتياح.
بدا هذا الفريق الذي كان يخطط لعبور جبال جينغ فجأة وكأنه قوة مهام خاصة أُسست خصيصا لمرافقة رين شياوسو إلى المعقل 112...
لكن رين شياوسو شعر بأن ليو بو كان ساذجا بعض الشيء؛ فمع وجود جندي واحد فقط من الجيش الخاص يقود المركبة، كان الأعضاء الثلاثة الباقون جميعهم من أفراد الفرقة.
لو أنه أراد حقا إحداث الفوضى، لكان بمقدوره قتل كل شخص آخر في المركبة في غضون ثلاث ثوان فقط، ليصبح الشخص الوحيد الباقي على قيد الحياة بداخلها.
لم يكن أهالي المعقل يفهمون شيئا على الإطلاق عن ظروف معيّة اللاجئين، وكل ما عرفوه هو أنها مليئة بالمشاق وقذرة للغاية، وكانت هذه هي خلاصة معرفتهم بها.
الْتفت عضو الفرقة الجالس بجانب رين شياوسو ونظر إليه بتعجرف قائلا: "من الأفضل لك أن تتصرف بتعقل وألا تسبب أي متاعب غير لازمة".
قال رين شياوسو بانزعاج: "لقد أكلت القليل فقط من البسكويت الخاص بكم، فهل يستدعي الأمر كل هذا حقا؟"
رفع عضو الفرقة صوته قائلا: "أَتسمّي ذلك قليلا؟ دعني أخبرك أنك فقدت السيطرة على مصيرك منذ اللحظة التي انضممت فيها إلينا، أفتفهم؟ لا تضخم حجم نفسك!"
ضحك عضو الفرقة الجالس في المقعد الأمامي وقال: "أيها الفتى، هل تعرف ما الذي ينكسر حين ترمي بيضة على صخرة؟"
فكر رين شياوسو برهة وقال: "القلب".
فوجئ عضو الفرقة وسأله: "قلب من؟"
أجاب رين شياوسو: "قلب الدجاجة".
كان رين شياوسو سعيدا تماما بردّه حيث تمكن من إظهار أثر لطبيعة البشر وسط هذا الرد الذكي.
في ذلك المساء، نجح الموكب في عبور ممر جبلي في سلسلة جبال يون. ومن هنا، انفتح التضاريس، ويمكن رؤية غابة واسعة خلف سلسلة جبال يون. كان رين شياوسو يحدق من النافذة مأخوذا بالمنظر؛ فقد انبثق أخدود خلاب يشق تلك الأرض الواسعة والنابضة بالحياة والمستوية بفضل براعة الطبيعة الاستثنائية.
لقد قال المعلم تشانغ إن هذا التضاريس الفريد تشكل بسبب حركة الصفائح التكتيكية للأرض. وشعر رين شياوسو أحيانا بأن البشر ضئيلون للغاية في حضرة مثل هذه العظمة.
كانت الأشجار هنا مزدهرة، ولم يتبق سوى عدد قليل من الطرق الطينية لتثبت أن للبشر وجودا هنا من قبل. وكان هذا هو المكان الذي ضلت فيه الفرقة طريقها أثناء رحلتها الاستكشافية الأولى. لقد سمع رين شياوسو من المعلم تشانغ أن الأشجار في الغابات الاستمطارية المطيرة كانت كثيفة للغاية لدرجة استحالة المرور من خلالها تقريبا، ومع ذلك كانت الغابة الواقعة شمال هذا المكان لا تزال متفرقة نسبيا، وبدت العشاب وحدها وكأنها تنمو بطول أكبر بقليل من المعتاد.
في المساء، وصل الموكب أخيرا إلى الساحة المفتوحة التي تحدث عنها ليو بو. قفز ليو بو خارج المركبة وضحك بصوت عال قائلا: "دعونا نقيم معسكرنا هنا اليوم. ليحصل الجميع على بعض الراحة ويتناولوا شيئا ما".
وما إن انتهى من كلامه حتى توجه رين شياوسو نحو شاحنة النقل الصغيرة، لكن ليو بو أوقفه على الفور. سأل رين شياوسو بتفاجؤ: "ماذا هناك؟"
سخر ليو بو قائلا: "نحن لم نُحضِر حصتك من الطعام والماء، لذا تولَّ أمر نفسك بنفسك".