قضى نومريس ليلةً كاملة وثقيلة، غارقًا في نومٍ عميق أزاح عن كاهله إعياء الأيام الماضية، حتى إنه لم يستفق إلا مع خيوط عشية اليوم التالي، متأثرًا بأنغامٍ هادئة وناعمة لنغمات كمانٍ تتسلل إلى مسمعه.
فتح عينيه ببطء، وجال ببصره في أنحاء المكان بذهولٍ طفيف، متمتمًا بصوتٍ خفيض مشوب بالحبسة:
«أين أنا؟»
أورثه طول النوم وثقل الاستفاقة المفاجئة حالةً من التشتت والارتباك؛ إذ اختلطت عليه المعالم لثوانٍ قبل أن يستجمع مدركاته.
كانت الغرفة مرتبة بعنايةٍ تشي ببساطة الحياة الجبلية؛ جدرانها المكونة من جذوع الصنوبر الداكنة تنبعث منها رائحة الخشب الجاف والرطوبة الخفيفة، ونافذة قوسية صغيرة مغلقة بضلفة خشبية تسمح بنفاذ شعاع شمس الغروب الباهت، يتراقص فيه الهباء ويزيح عتمة الأركان.
استقر نومريس على سريرٍ خشبي متين، وُضع فوقه فراشٌ محشو بقش يابس غُطّي ببطانية ثقيلة من الصوف الخشن باللون الرمادي الداكن.
وإلى جوار رأسه، خزانةٌ صغيرة منخفضة استقر عليها السيف الأسود بغمده الداكن، ليرسل برودته المحسوسة في أرجاء المكان.
وفي الزاوية المقابلة للسرير، كانت هناك طاولة خشبية صغيرة يعلوها إبريق فخاري مصحوب بكوبين، وإلى جانبها كرسي ذو ظهر عالٍ دُثر فوقه معطف قديم.
لم تكن الغرفة تحتوي على أثاث إضافي، بل اعتمدت على الحد الأدنى من الاحتياجات، مما أضفى عليها جوًا من الهدوء والعزلة، تجاوبت معه أنغام الكمان الهادئة المنبعثة من الأسفل، وكأنها تنساب عبر الشقوق الخشبية للأرضية لتكمل سكينة المكان.
تنهد نومريس بخفوت وهو يستشعر الخمول في أطرافه، وهمس في سره:
«يبدو أنني استغرقت في النوم أكثر من اللازم…»
ودون إرادة منه، قادته غريزته الحذرة للالتفات فورًا وتفقد السيف الأسود القابع بجواره.
اطمأن وجوده، ثم اعتدل في جلسته واضعًا قدميه على الأرضية الخشبية الباردة، وعقله يرتّب خطوته التالية:
«عليّ النزول فورًا لكي أسأل تلك المرأة بشأن المدينة… فبحكم إدارتها لهذا النزل، لا بد أنها تمتلك معلوماتٍ ذات قيمة.»
نهض نومريس عن السرير، وسحب معطفه الأسود ليرتديه بإحكام، ثم التقط سيفه واحتضنه أمام صدره بوقارٍ حذر.
دفع الباب الخشبي بتمهل، وخطا نحو الرواق المظلم، قبل أن يستدير عند زاويته ويبدأ هبوط الدرجات الخشبية المتتابعة نحو القاعة الرئيسية.
وفي غرفةٍ دافئة قابعة خلف المطبخ، تفوح منها رائحة الحطب المحترق وأعشاب الطهي المكتومة، جلست مارغريت خلف مكتبٍ قديم من خشب الجوز الثقيل.
كانت الغرفة تعكس طبيعة عملها وحياتها اليومية؛ جدرانها الخشبية معلّقٌ عليها بضعة مفاتيح نحاسية ذات أحجام مختلفة، وإلى جانبها رقوق مطوية ومخطوطات تعود إلى تصاريح النزل وسجلات المطعم.
على سطح المكتب المصقول بفعل السنين، تراكمت دفاتر الحسابات ذات الأغلفة الجلدية المتآكلة، تتوسطها محبرة نحاسية وريشة كتابة، وإلى جوارهما شمعدان ثلاثي يرسل أضواءً ذهبية خافتة تتراقص على وجهها.
وفي الزاوية القريبة، استقر صندوق حديدي صلب مدعم بأقفال متينة يُستخدم لحفظ الإيرادات، بينما امتلأت الأرفف الخشبية خلفها ببرطمانات المخللات، وعلب الشاي المجفف، وزجاجات دامل ونبيذ قديمة مخصصة للضيوف المميزين.
لم تكن الغرفة مجرد مكتب لإدارة الشؤون المالية، بل كانت ملاذها الخاص؛ حيث يمتزج فيها صخب النزل الخارجي بهدوء التنظيم والدفء الجبلي.
جلس قبالة مارغريت رجلٌ في منتصف الثلاثينيات، يتشح بوقارٍ غامض، ذو شعرٍ أسود داكن تتخلله لمعةٌ أرجوانية خفيفة تحت أضواء الشموع، وترتسم في أذنه اليسرى أقراطٌ فضية صغيرة تلمع مع كل حركة.
كان يتابع بتركيزٍ نظرات مارغريت وهي تقلب رقوقًا وملصقاتٍ غريبة بين يديها.
أطالت مارغريت التأمل في إحدى الصور لبضع لحظات قبل أن تزيحها بتمهل، لتنتقل إلى صورةٍ أخرى، غير أن عينيها استقرتا على ملصقٍ بعينه لفترةٍ أطول من المعتاد.
لاحظ الرجل ذلك الجمود في عينيها، فسأل بنبرةٍ تشوبها الفضول:
«هل أثار انتباهكِ هذا الملصق؟»
حركت رأسها بخفة دون أن تنطق بكلمة، ثم أخذت الملصق ووضعته جانبًا بعناية.
استطرد الرجل متسائلًا:
«هل تلك المهمة من نوعٍ خاص؟»
ابتسمت مارغريت ابتسامةً غامضة وقالت بخفوت:
«ربما…»
ثم سألها الرجل بنبرةٍ تملؤها الرغبة في الاستكشاف:
«متى وصلت هذه الملصقات؟ يتملكني الفضول لمعرفة هؤلاء المطلوبين والمكافآت المرصودة على رؤوسهم.»
رفعت رأسها قليلًا ونظرت إليه بقليلٍ من الحزم:
«ستعرف ذلك بعد قليل… لكن أخبرني أولًا، ماذا حلّ بمهمتك أنت؟ هل أتممتها؟»
هز الرجل رأسه نفيًا وتنهد بخفة:
«ليس بعد، اعترضتني بعض العراقيل… لقد عُثر على أحد حراس سوق العبيد ميتًا، والتحقيقات لا تزال جارية لمعرفة ملابسات مقتله، لكن الأمور ستهدأ خلال أيام معدودة.»
ارتسمت الجدية فورًا على ملامح مارغريت، وانكمش حاجبها وهي تسأل:
«موت حارس؟ متى حدث ذلك؟ وما الذي يتداولونه بشأن الأمر؟»
أجابها الرجل وهو يستند إلى ظهره:
«قبل ثلاثة أيام… وقبله بليلتين لقي شخصٌ مهم داخل العاصمة مصرعه في ظروفٍ غامضة، ثم تلاه تاجر لوحاتٍ في اليوم التالي. خيوط هذه السلسلة المتتابعة من الاغتيالات قادت الجميع إلى استنتاجٍ واحد: الدافع وراء كل تلك الجرائم كان لوحاتٍ فنية.»
«لوحاتٌ فنية؟» تسرّب الفضول إلى صوت مارغريت وهي تستفسر باستغراب.
رد الرجل ملوحًا بيده:
«لا أعلم التفاصيل الدقيقة، فلم أجرؤ على الاقتراب أكثر، والجهات المعنية لم تصرح بشيء بعد.»
عقّبت مارغريت بتفكير:
«هذا يبدو مريبًا بحق… ومتى تنوي الانطلاق؟»
«ربما اليوم، أو غدًا، أو حتى في وقتٍ لاحق… المهم بالنسبة لي هو إنجاز المهمة بنجاح.»
رمقته مارغريت بنظرةٍ محذرة وقالت:
«تبدو في مزاجٍ جيد، لكن لا تستهن بالأمر… العاصمة "نيفيريا" تعجّ بالممسوسين المتخفين في الظلال، ناهيك عن أن سوق العبيد سيكون تحت مراقبةٍ مشددة خلال الأيام القادمة، لذا لا بأس بتأجيل خطوتك لبضعة أيام.»
ابتسم الرجل بنبرةٍ واثقة وقال:
«هل أنتِ قلقة عليّ؟ لا داعي للقلق، المهمة يسيرة وليست بتلك الصعوبة.»
كانت مارغريت تبدو في العشرينات من عمرها بسبب جمالها، امرأة ذات حضورٍ مهيب وجمالٍ حاد يجمع بين الجرأة والغموض؛ ينسدل شعرها الداكن في ظفائر ومجدلات كفيلية دريدلوكس متداخلة بخصلاتٍ منسوجة باللون البرتقالي النحاسي، تُزينها حلي وخواتم معدنية صغيرة متناثرة بين أطرافها.
تعلو وجهها ملامح واثقة وحادة؛ عينان لوزيتان بنظرةٍ ناعسة حذرة تحت حواجب متناسقة، وأنف يزينه قرط معدني مزدوج، إضافة إلى شامة صغيرة تحت شفتها السفلى يضفي على مظهرها طابعًا متمردًا.
ترتدي في أذنها اليسرى أقراطًا فضية متدلية على شكل نجمة.
وتطوق عنقها بقلادة نحاسية ينتهي طرفها بجمجمة صغيرة.
أما زيّها، فهو رداءٌ داكن عالي الياقة بطلاءٍ ذهبي مطرز برموز ونقوش عتيقة تشبه الصلبان والدوائر، يبرز منه جوهر امرأة لا تُقهر، تدير نزلها بصرامة وتخفي خلف ملامحها هيبةً لا تُخطئها العين.
خرجت المرأة من الغرفة وخلفها الرجل، حتى وصلت إلى القاعة الواسعة، حيث وقفت تلقي نظرةً تفقدية على الزبائن قبل أن تنادي أحد النوادل:
«مارسن، علّق هذه الملصقات في مكانها.»
امتثل الرجل العجوز لأوامرها، وأخذ الملصقات من يديها بوقار، ثم توجه نحو اللوحة المخصصة للإعلانات.
سرعان ما أثارت الحركة انتباه الزبائن؛ فبدأوا يتوافدون واحدًا تلو الآخر، يتزاحمون أمام الملصقات الجديدة التي وصلت لتوها، ويتسامرون مستفسرين عن هويات أولئك المطلوبين والمكافآت المرصودة على رؤوسهم.
في هذه اللحظة بالذات، كان نومريس يهبط الدرجات الأخيرة نحو القاعة الشاسعة، وجال ببصره نحو التجمهر والجلبة القائمة في الناحية الأخرى.
تساءل في سرّه وهو يحتضن سيفه الأسود أمام صدره بحذر:
«ما الذي يجري هناك؟»
فجأة تخلل صوتٌ أنثويٌّ واثق يخاطبه من القريب:
«استفقتَ أخيرًا إذًا؟»
التفت نومريس ليجد مارغريت تقف قبالته، وإلى جانبها ذلك الرجل الغريب.
أول ما وقعت عليه عينا نومريس كان السيف القابع عند خاصرة الرجل؛ كان مغلفًا بغمدٍ داكن، غير أن سواده لم يكن يضاهي العتمة المطلقة لسيفه هو.
في المقابل، لم تغب تفاصيل السيف الأسود بين يدي نومريس عن عيني الرجل، فتأمله بتركيزٍ صامت دون أن ينطق بكلمة.
قال نومريس بنبرةٍ جادة، محاولًا إزاحة أثر الخمول:
«لم أشعر بالوقت أثناء النوم… لقد كنت مجهدًا للغاية.»
أطالت مارغريت التأمل فيه، وألقت عليه نظرةً فاحصة اختدرت تفاصيله من أخمص قدميه إلى رأسه، وكأنها تسعى لتفكيك أسراره أو اكتشاف شيءٍ ما خلف ملامحه.
شعر نومريس بثقل تلك النظرات الغريبة، لكنه حافظ على جمود تعابيره، وردّ عليها بمثابرةٍ هادئة يرقب وجهها.
ابتسمت مارغريت ابتسامةً خفيفة وقالت:
«أودّ الحديث معك في أمرٍ ما، إن كنت مهتمًا.»
رفع نومريس حاجبيه بفضولٍ متزن ثم أجاب:
«وأنا أيضًا أودّ الحديث معكِ بشأن أمرٍ ما.»
شهقت بخفة وأمالت شفاهها بأسلوبٍ متغندر:
«أوه… وما الذي يرغب الصغير في مناقشته معي؟»
أنزل نومريس نظرةً خاطفة نحو الرجل الواقف بجوارها، ففهمت مارغريت مغزى تردده فورًا وعقّبت:
«لا تقلق، إنه يرتبط بي وأثق به.»
سحبت كرسيًا خشبيًا وسيطًا وجلست، ثم أومأت بيدها داعيةً إياه:
«تفضل بالجلوس.»
جلس الرجل الآخر هو بجانبها، وطوى يديه فوق صدره بوقارٍ حذر، وهو يستمر في معاينة ملامح نومريس.
أمعنت مارغريت النظر فيه بابتسامةٍ غامضة، ثم بادرت بالسؤال:
«إذن أيها الفتى… ما الموضوع الذي أردت طرحه؟»
صمت نومريس لبرهة، يزن كلماته في مخيلته، قبل أن يقول بثبات:
«أريد الذهاب إلى مكانٍ معين.»
هزت مارغريت رأسها بتفهم منتظرةً منه الإفصاح، بينما كانت أصوات الصخب ومحادثات المرتادين تغطي على همس طاولتهم، فلا يلتفت إليهم أحد.
واصل نومريس حديثه بصوتٍ خفيض:
«أبحث عن الطريق المؤدي إلى مدينة "نيفيريا"… هل لديكِ أدنى فكرة عن كيفية الوصول إلى هناك؟»
كررت مارغريت الاسم ببطء، وعيناها تدوران بتفكير:
«مدينة نيفيريا؟… لماذا، هل أنت من قاطنيها؟»
رد نومريس بهدوءٍ حاسم:
«لا… إنما أريد البحث عن شخصٍ ما هناك.»
نهاية الفصل