اجتاح حشدي السهول الكبرى خارج البرق الأسود في تشكيلات مستقيمة استقامة السهام. خمسة عشر ألفاً بنظرة خاطفة. جزء يسير من كلٍّ أكبر بكثير، يتدربون تحت سماء تمتد قانية من أفق إلى أفق. أدّوا تدريباتهم. لم أطلب منهم ذلك. سقط إيفريون. خضعت ممالك البشر. انهارت مدن الأنفاق القزمية، كل واحدة منها. هجرت الجان مدنها الشجرية الكبرى، وحتى قادتي عجزوا عن العثور عليهم. تعهد لي وحشيو البهائم بالولاء بالفعل، إذ كانت أمتهم تؤمن دوماً بقوة القبضة، وما كانت قبضة أقوى من قبضتي.
أجرى حشدي تشكيلاته، ولم تعد هناك حقول تذكر لاستخدامها فيها. بدا أن بعض الأمور لا تتغير أبداً، حتى من دون مجمع الملوك لتطلبها. ربما سرّني هذا المنظر ذات يوم. صار رازحاً فيّ بغير رغبة الآن.
"مولاتي"، هدر صوت أفعواني من خلفي.
لم ألتفت عن النافذة الكبرى.
"أعثرتِ على ما طلبتُه يا سيليف؟"
أجابت المرأة: "فعلت. لا يوجد أي ذكر لامرأة تدعى أتيش فايل".
قبضتُ على كفّي.
"مع ذلك، وُجد بطل يحمل ذلك الاسم. توفي قبل ستة وسبعين عاماً. لقد حددت مكان جثته".
التفتُ حينئذٍ عن النافذة وتفرّستُ فيها. كانت سيليف على ركبة واحدة ورأسها منخفض. كانت الطاعة تامة. وما كان ينبغي لها أن تكون كذلك. كانت لدي ذكريات شيطانية أخرى، شيطانة ما كان ظهرها ليستقيم هكذا قط. شيطانة نظرت إليّ بولع، يشفّ عن شيء أشد حدة. نهم. لم ألمح شيئاً من ذلك في سيليف الآن. غريب حقاً أن يكون لطاعة طعم مرير.
قلتُ: "دلّيني عليه".
أومأت سيليف برأسها. مدت يدها إلى خلفها وسحبت سيفاً منحنيًا وقحاً مربوطاً عبر ظهرها.
[القاطع].
شقّت الهواء إلى يمينها، فانفتح تمزّق في العالم، لا يقود إلا إلى الظلام. وانزلقت منه جثة، تلفها البياض. تقدمتُ إلى الأمام. كانت مشيتي ثابتة. حرصت على أن تكون كذلك. تفرستُ في البطل، ولبرهة لم أعرف وجهه. ثم عرفته. كان هذا هو الوجه الذي اقتحم أروقة حصني. حُفظت الجثة. وبأي يد، لم أكن أعلم. لعل العالم أنتجها ببساطة، بالطريقة التي أنتج بها كل شيء آخر تطلبت هذه القصة. كانت لدي ذكريات عن عالمين.
في أحدهما، مات أتيش فايل قبل وقت طويل من وصوله إلى أروقتي قط. سمعت بالتقرير فضحكت. بطل عجز حتى عن بلوغ غاية سعيه كان بطلاً هزيلاً. وفي الآخر، بلغتني امرأة فقتلتني. وكنت أدرك أيهما كان الحقيقي. بدا الرجل بطلاً بكل ما للكلمة من معنى. خطوط مشدودة وحواف حادة. كان وسيماً، أو لعلّه كان كذلك بمعايير البشر. لم يكن هذا أتيشي. كان أتيشي من فولاذ، لكنّه كان ليّناً مع ذلك.
همستُ مادّة يدي: "[تبديد]".
تموجت مانا الخاصة بي، وشعرت بالسحر يأخذ مفعوله. لم يحدث شيء. ظل الرجل رجلاً. لم تكن هناك امرأة مطوية تحته.
قلت: "[تبديد أعظم]".
لم يحدث شيء.
سألت سيليف: "مولاتي؟"
أَلقت نظرة على الجثة، ثم عليّ.
"إن كان ثمة سرّ هنا، فأنا-"
فجرتُ بها: "لا تمسّيها".
أدركت نفسي، لكن الأوان كان قد فات. هوت سيليف على ركبتيها الاثنتين، وضاغط رأسها على الأرض.
قلت: "رغبت في تأكيد أمر ما فحسب. لا حاجة لأكثر من ذلك. شكراً لجهدك في تحديد مكانه".
اتسعت عيناه سيليف في النهاية. تجاهلت الأمر.
قلت: "يمكنك الانصراف. عودي إلى واجباتك".
نهضت المرأة، واستدارت، وشقت طريقها نحو الأبواب الكبرى لغرفتي.
ناديْت في أثرها: "سيليف".
توقفت في منتصف خطوتها والتفتت إلى الوراء.
"نعم، مولاتي؟"
قلت: "ليس الأمر شيئاً".
لم يكن ذلك ما قصدت قوله. لقد أدركتُ للتو أنه لا جدوى من طرح ما أردت سؤاله. ليس مع هذه السيليف. غادرَت، وبقيت وحدي حينئذٍ. وحدي، مع جثة بطل لم يكن بطلِي. استطعت لمس ملامح أتيش، حتى كرجل. لكن الأمر لم يكن سيّان. لم يكن ذلك الأتيش الكامن في ذكرياتي. مضى الوقت في هذا العالم الزائف. وكم مقداره، لم أستطع الجزم. أيام، ربما، أو أسابيع. لقد مرّ ذلك الوقت منذ أن عادت الذكريات، وقد أخذت وقتها لتصفو.
حتى الآن، كان ما فُعل بي أمراً يصعب تصديقه. ولذا فقد أكدته. استخدمتُ [الانتقال الآني] لبلوغ أطراف العالم القصية. قصدتُ كل أرض أتذكرها، باحثاً عن أي فالق تتخلل فيه الوهم. لم يكن هناك أي فالق. لم يكن يختلف عن العالم الذي أتذكره.
تمتمتُ: "سوى أنك لم تكن هنا امرأة قط".
مددت يدي وملامست وجه البطل.
"كنت بطلاً حتى في هذا العالم يا أتيش. وما كنت بالناجح تماماً، إن كنت لا أزال أتنفس".
ثم نهضت، وكانت نظرتي الغاضبة موجهة إلى العالم بأسره.
سألت: "أهذا هو العالم الذي تصورته أيها النظام؟"
لم يجب. سأمنحه خاصتي بالمقابل.
مشيت في أروقة حصني صامتة. مشية قطعتها عشرة آلاف مرة ومثلها، ولم أسرها هكذا قط. ضخخت خيط مانا في نظام [إدارة البرج] فانكشفت قلعة الظلام في زاوية من عقلي بكاملها. كل شيء في مكانه. كل أحد في مكانه. وتلك هي المشكلة بالضبط. كان الباب الأول فضيًّا. تلتفت الأفاعي عبر نقوشه وتتلوى فوق بعضها حتى تعذر تبين أين ينتهي الواحد ويبدأ التالي. وضعت راحتي عليه وعبرت محاطة بمهارة [حضور الفراغ].
كانت الغرفة خاوية من الداخل. سرير عريض في إحدى الزوايا. زوج من التذكارات المعلقة. مكتب ضخم محاذٍ للجدار البعيد وجلست سيريث إليه ولسانها يداعب الهواء وهي تكتب. لم تلحظني. ولن تفعل تحت تأثير المهارة. وكانت سيريث الحقيقية لا واحدة من ظلالها الكثيرة. تحققت قبل أن أدخل.
قلت: "زينت سيريث غرفتها بحلي تنافس حليّ الخاصة".
توقف القلم. التفتت فوقعت عيناها عليَّ وانزلت نفسها عن المقعد بالفعل.
"مولاتي الملكة؟"
تجاهلتها.
"أخذت أفخر تذكاراتها وغرقت هذه الغرفة من الذهب بما يؤلم الناظر إليه. كانت تحاول مجاراتي على ما أظن. أو تفوقي. كانت تلك أمنيتها الدائمة".
جثت سيريث على ركبتيها.
صاحت: "يا عظمة الظلام. لا أجرؤ على فعل شيء كهذا".
تحركت الحراشف على ياقاتها. ارتباك أو توتر. ظل ذلك على الأقل كما هو. نظرت إليها. إلى قائدتي. الأكثر خيانة بينهن والأكثر نفعاً. امرأة أرادت غرس نصل في ظهري وحاولت مراراً وتكراراً كلما ظنت الثغرة تتيح النجاة.
قلت: "لدي سؤال لك يا سيريث".
سكنت تماماً منصتة.
"أتخونينني يوماً؟ أطمعت في مقامي أم استاءت من منزلتي فوق منزلك؟"
"كلا يا مولاتي".
جاءت الإجابة فوراً. انبطحت على وجهها حتى لامس جبينها الحجر.
"أبداً. لا أجرؤ أبداً. أنت أعظم ملكة عرفها هذا العالم ويشرفني خدمتك إلى جانبك بأي طريقة ترضينها".
ابتسمت. لم تكن ابتسامة تماماً.
قلت: "أرى. أنت وفية".
رفعت سيريث رأسها لتنظر إليّ ومددت يدي اليمنى.
قلت: "لكسِر ظهرها قبل أن ينحني هكذا".
أعاد النظام بناء قائداتي من أدوار لا غيرها. لن أتحمل مسخ القائدات هؤلاء ليعشن. ولا حتى في عالم زائف. ولا حتى حيث لا تقع عين سوى عيني عليهن.
"مولاتي، لا أفهم-"
"[نار الدمار]".
غادرت نيران بيضاء يدي. انفتح فم سيريث لتصرخ فتحولت رماداً قبل أن يتشكل الصوت. نظرت إلى ما تبقى منها والتوى شيء في داخلي. تجاهلته وعدت إلى الرواق. كانت يداي ثابتتين. وحافظت على ثباتهما. كان الباب التالي أسود مزخرفاً ومحلى بالذهب. عبرته إلى داخل الصوت. كانت هناك تعويذة على الغرفة تحبس الضجيج في الداخل. أدركت السبب بعد لحظة. وقف مالراث مواجهاً تمثالاً لنفسه منحوتاً من الرخام بدقة بالغة حتى التقط سحنته وصولاً إلى تعبير التهكم.
كان يكلمه.
"-وبالطبع صفق لي كل أهل شامير فما عسى أيديهم أن تفعل؟ بكى بعض الرجال. ومدت بعض النساء أيديهن نحوي. لا أنني أسمح لواحد من أولئك البشر الأقذار بلمسي طبعاً. ولولا أوامر ملكتي لدمرت المدينة تماماً".
همست: "أكنت فاعلاً لو طلبت؟"
التفت. راني وعلى ركبة واحدة في نفس اللحظة.
"يا عظمة الظلام. لم أبلغ برغبتك في رؤيتي. إنه لشرف عظيم. ولو بعثتِ بكلمة لكنت أتيتك فورا-"
"أجب عن سؤالي يا مالراث".
رفع نظره إليّ.
وقال وثقته تملاً صوتَ نبرته: "لكنت فعلت يا مولاتي. فأنا قوي في النهاية".
وافقت قائلة: "أنت كذلك".
خرجت رقيقة. تفقدته قبل أيام. مالراث الجاثي أمامي كان [هماساً] بالمستوى تسعمئة. والذي عرفته لم يتجاوز السبعمئة قط. جعل النظام قوته تعادل تبجحاته وبذلك قضى عليه. ما قيمة المتبجح الأعظم إن صدق كل تبجح؟ كانت القاعة الكبرى التي يتدرب فيها على خطبه فارغة دوماً.
"وعليه فمهما كانت المهمة التي تكلفينني بها سأ-"
تقدمت بخطوة. ناديت فأجاب [سيف الإفناء] متجمعاً في يدي بين خطوة وأخرى. غرسته في جمجمته. لم تعن الموانع والدفاعات التي منحها إياه مستواه المرتفع شيئاً لهذا النصل. اتسعت عيناه مالراث. وتفصد الدم من الجرح وانفتح فمه وهوى على جانبه ميتاً قبل أن يتم سقوطه.
همست: "أعتذر. لو أتيت علانية لكان قتالاً لائقا. ولم أرد ذلك".
كان جسده يتفكك إلى مانا وأثير. خرجت من الغرفة. كان شيء في ذراعي اليمنى يختلج. تجاهلته. كانت الغرفة التالية لزارفوك وتوقفت عند عتبتها. كان منحنياً فوق مكتب صُمم بمقاسه وقلم ضخم بشكل مضحك محشور بين أصبعين وكان يكتب. تحركت شفاهه مع كل كلمة يخطها. عبرت الغرفة ونظرت من فوق كتفه ومع انحنائه كاد كتفه يبلغ طول قامتي الكاملة. استغرقني الأمر لحظة لأدرك ما أراه. تقريرا بخطوط ضخمة مزخرفة يتداخل الواحد منها بالآخر حتى كعّدت عن قراءته تماماً.
تعلق بسقوط مدينة تدعى آرون حصن التجارة الكبير قرب أرخبيل زيكين. وتحدث عن أفعال زارفوك في الحصار. كيف واجه فرسان البشر واحداً فواحداً وقتلهم واحداً فواحداً. كان النحو ممتازاً. ولا خطأ إملائياً في كلمة واحدة. قرأته حتى نهايته ثم قرأته ثانية. ملأ أحمق من القادة في العالم الحقيقي صفحات كهذه بأسماء الموتى. فتشت هذا التقرير من أول زخرفة حتى آخرها. لم تحو أسماء سوى اسمه. فهم النظام زارفوك.
لكن جزأه الأصغر فقط. ولم يلحظني قط منذ دخلت. بينما الحقيقي كان يفطن دائماً على ما يبدو.
رفعت يدي خلف رأسه وهمست: "[الحقيقة الكامنة وراء الموت]"
والتفت إلى الباب. سمعت الارتطامة قبل بلوغه. لم أرد ملاقاة نظرته حين فعلت ذلك. وتمنح هذه التعويذة أكثر من مجرد متهلك مؤلم. تحتضنهم. منحته ذلك الموت اللطيف لأنه كان يكتب. ظل ذلك القدر من قائد سابق باقياً في داخلي. كانت يداي ترتجفان الآن. ضغط شيء خلف عيني فمسحته واستمررت في المشي. توقفت في منتصف الرواق والتفت لأواجه قطاعاً من الجدار لم يكن سوى جدار. في ذاكرتي الحقيقية وجد باب هنا.
ووجدت غرفة خلفه. وامرأة كان صوتها رقيقاً وعذباً للغاية.
قلت ويدي تجد الحجر الأملس وتستقر عليه: "يبدو أن هذا العالم لا يعترف بك قط. حسناً. ما رغبت في قتلك ثانية يا صديقتي".
توقفت.
"مع أنني أخفقْت في المرة الأولى أيضاً على ما أظن".
لم ينطق الحجر بشيء. واصلت المسير. انفتح باب أوثاثييل على غرفة خاوية. حدقت فيها هنيئة ثم مضيت. كانت حجرة زيرا خاوية أيضاً وما كان ذلك بمفاجأة إطلاقاً. فلم يوجد سوى مكان واحد عاشت فيه حقاً. سمعت قاعة الوحوش قبل بلوغها. ترددت أصداء القتال عبر أبوابها الكبرى ارتطاماً تلو ارتطام وتحتها صراخ الوحوش. دخلت. تخاطت مخلوقات ضخمة على امتداد القاعة. وفي قلبها تصارع عملاق ترول مع [شاردار]
زيرا التي يفضلها هذا العالم ويهزان الغبار من السقف البعيد مع كل اصطدام. وقفت زيرا وحدها ترقب. وحولها صفوف من الوحوش الجاثية. عشرات منها مقيدة بالأرض.
قلت: "يا زيرا. ما هذا؟"
سكنت القاعة. هدأ الوحشان العظيمان في قلبها منتصف الصراع. هرولت زيرا نحوي على أربع واستوت أمامنا بكامل ققامتها ذات الأقدام الثمانية.
"مولاتي الملكة. اعتذاري إن بلغ الصوت مداه".
قلت: "لم يفعل".
وأشرت إلى الصفوف الجاثية.
"ما هذا؟"
ألقت نظرة عليها ثم إليّ.
"مولاتي، نفد المكان عندي لتلك المخلوقات. فأردت معرفة أقواها. وأضعفها".
قلت: "أرى".
وخرجت حزينة مرة أخرى.
"والأضعف. أنتِ..."
"سأقتلها إن لم تفعل نزالاتها".
ابتسمت وقالتها باتساع يكشف كل سن.
قلت: "بالتأكيد تفعلين".
رفعت يدي. اتسعت عينا زيرا.
"مولاتي، ماذا فع-"
كانت الوحوش المقيدة تتحرك بالفعل. أطاعت زيرا قبل أن تطيعني حتى في هذا العالم. وكان مفيداً مباغتتها. فقد وفر عليّ وقتاً طويلاً.
"[نار الدمار]".
تملأ البياض القاعة. وحين خفضت يدي اختفت القاعة. ولم يبق سوى فجوة واسعة مفتوحة لهواء الليل.
همست: "استهلكت من نفسي أكثر مما يجب".
لم تكن حاجة لاستخدام كل ذلك المانا. كان الغضب في داخلي هو من أجاب زيرا المزيفة هكذا. جثوت ولمست الأرض المحروقة.
"أمرتك مئات المرات بربط الوحوش الجديرة بالعناء فقط. وما استمعتِ قط".
ضغطت يدي بمسطحها على الحجر.
"فضلتك هكذا يا زيرا".
نهضت وخطوت للخارج. في طريقي مررت بباب آخر أعرفه جيداً. باب إيكيدنا. نظرت إليه ولم أدخل. فلم يُمنح لها مكان في قصة هذا العالم. مشيت وبدت كل خطوة أبطأ من سابقتها. لم أصب بأذى. وما أنفقت سوى نسبة من مانا. احترقت ذراعي اليمنى واحترقت اليسرى معها. ثم مشيت في رواق لم أمشه في أي من الحياتين نحو تجويف في حصني. عبرت إلى حلقة دائرية واسعة من حجر مسود. ولم تكن هناك حديقة. وقف أوثاثييل وحده في مركزها ينساب عبر أشكاله وأربعة سيوف ترسم أقواسًا في الهواء بوقفة أعرفها أكثر مما ينبغي.
كانت الوقف التي اتخذها دوماً حين أتى قاعة عرشي يتحداني. غنت نصاله واستقرت قدماه. وتداخلت النصال الأربعة بسرعة عجزت معها عن تمييز أين ينتهي الواحد ويبدأ الآخر حتى أنا. على عكس البقية لححظني. التفت.
"مولاتي؟"
عبر الارتباك وجهه.
"أجئْتِ لتـ-"
قلت: "اصمت".
وغامت عيناي هذه المرة.
"أرغب في مخاطبتك. لكنك لا تقدر على الإجابة عما أود سؤاله".
مددت يدي اليمنى فأجاب [سيف الإفناء].
قلت: "دفع عن نفسك"، ودفعت المانا عبر ساقي وهجمت.
استغرق الأمر وقتاً لقتله خمس عشرة مرة. أربع عشرة مرة نهض من حيث أطيحت به. المرات الخمس الأولى شهدت ارتباكاً فحسب. والعشر الأخرى قاتل كعادته أبداً. وقفت فوق جثته المتلاشية.
قلت: "كنت قوياً، حتى في هذه الحياة".
تنقطت ذراعي بالجروح حيث اخترق [ربط الظلام]. ووجدت أخرى على جانبي. وكادت إحداهن تقطع ساقي اليمنى تماماً. وتلك جروح عجزت عن شفائها فتجاهلتها.
سعل أوثاثييل وخرج الدم مع الكلمة: "لم؟ لماذا، ياـ"
أنفذت السيف في حلقه قبل أن يتمها. سحبت النصل وتفكك جسده إلى مانا وأثير ولم يبق في الحلقة سواي. قتلت آخر قادتي. وفعلت ذلك بخزي آخذة كل واحد في العتمة وحدي. ومعاً، لربما غلباني حتى أنا. جلست على الحجر المسود. سددت لكمة إلى الأرض. مرة. مرتين. دزينة مرات حتى اهتز الحصني كله مع كل ضربة.
هسست للسماء: "أهذا ما رغبتِ فيه؟ أهذا ما ظننتِ أنني أردته؟"
لم تكن إجابة هذه المرة أيضاً. هبت ريح من لا مكان ومرت نسمة على التجويف. نظرت فرأيت إلى يساري زهرة سوداء. رقدت في شق بين حجرين حيث رقد جسد قائد. وتعفن الحجر حول الزهرة. مددت يدي ولمستها وما آلمتني قط. كدت أسحق الزهرة في قبضتي. عوضاً عن ذلك أمسكت بها برفق. كانت ذراعي اليسرى تحترق. وتدفق شيء على خدي وما مسحته.
سألت: "لماذا ترينني هذا الآن؟"
لم يجبني شيء. نهضت ورفعت يدي إلى السماء القرمزية وندبت كل ما أملك. كل مانا أملك ودفعته في أعظم تعويذة أمر بها. كان العالم الحقيقي أعظم من أن أدمره أنا نفسي. وظننت الأمر مغايراً هنا. ربما يحطم جدران هذا المكان. وربما يحطموني معه. ومع تجمع القوة بدا العالم مائلاً نحوها. كأنه انتظر أحدهم ليضع لها نهاية.
همست: "[مرسوم العدم]".
اشتعلت ذراعيّ من الرسغ حتى الكتف. وتشوه العالم وتصدع وتمدد التصدع مني في موجة واحدة عظمى تجاوزت الحلقة وتجاوزت البرج والأفق والسماء القرمزية فوقه. ومن ثم لم يبق شيء.
أرفتُ جفنيّ، فوجدتني أقف في بياض سرمديّ. لم يكن هناك سوى شيء واحد. شاشة نظام تعلّق في الهواء أمامي. كانت تضمّ سطرين.
[انتهى السيناريو.]
[المشاركون المتبقون: 1]
نظرت إلى ذراعيّ. بطريقة ما، كنت أدرك تماماً ما سيقع عليهما. الخطوط قد اختفت. جرى على ساعدي الأيمن نقش متفرّع من السواد المحض، وعلى ساعدي الأيسر توأمه بالأبيض. امتلكت علامتين. وكنت أبغضهما. وقد عاد جوهر الجمرة، لكن ليس على عهده السابق. تلاشى الألم الطاحن، وحلّ محله نبض بطيء ومنتظم فحسب. لم يكن يطابق ضربات قلبي تماماً، لكنه اقترب منها. لم يخلو من ألم تماماً، لكنه بدا أفضل من ذي قبل.
مسحت عينيّ بظهر معصمي. ثم مددت يدي اليمنى باتجاه الشاشة.
"خراب."
تدفقت مني نيران سوداء وعبرت الشاشة بلا طائل، فلم تجد شيئاً على الإطلاق لتفنّيه. كنت أعلم أن هذا سيحدث.
"تبّاً لك،"
تمتمت بغضب. استدرت. من خلفي، منبثقاً من البياض، وقف حاجز. كان يتلألأ بضعف ويمتدّ إلى الجانبين بلا نهاية. قطعت البياض وضغطت براحتي مسطحة على الحاجز. كان الرماد هناك. ولم أستطع إلا أتَساءل أيّ عالم كانت تراه. كل ما رجوته ألا يكون طعمه حلواً أكثر من اللزوم.
مددت يدي بحثاً عن الرابط مع سولارا، فلم أجده قط. كبحت الشعور الذي داهمنا. سيكون هناك متسع من الوقت لذلك لاحقاً. لم ألتفت سوى إلى الحاجز. كنت قد وقفت أمام باب عجزت عن فتحه من قبل وسمعت بطلاً يبكي على الجانب الآخر منه. لقد ابتعدت عن ذلك الباب. جلست أمام هذا الباب.
لم يكن هناك ما يُفعل سوى الانتظار، والأمل.