تسللت رين في الممر كأنما تعبر خفية جوار تنين برؤوس عدة. بصراحة، وفي تقديرها الخاص، لم يكن الأمر بعيداً عن الواقع. ألصقت ظهرها بالجدار ووضعت إصبعاً على شفتيها. وقفت إيدا على بعد ثلاث خطوات خلفها مكتوفة الذراعين. قلّما استطاع أحد تبيّن ما تدور به نفس إيدا. وكانت رين إحدى أولئك القلّة. وفي هذه اللحظة، كانت إيدا ضجرة.
قالت إيدا: "لماذا نتسلل؟"
وكانت رين قد طلبت منها الخفض من صوتها.
أصغت رين سمعها والتفتت تطالع المحيط وهي تنهش: "ششش!"
لم يكن هناك سوى الفراغ في الممر على ما تبصر عيناها. زحفت خطوة أخرى للأمام مقتربة ببطء. كان باب غرفتهما هناك تماماً، وكان مغلقاً. التفتت إلى إيدا وانحنت نحوها.
أردفت رين همساً وبنبرة تعادل تقريباً علو الصوت المعتاد في المحادثات العادية: "البارحة، فتحت ذلك الباب. كان المزلاج في الخلف! لا أعلم كيف ولكن... على أي حال هذا ليس مهمّاً. فتحت الباب و... و... ووجدتهم..."
ضمت يديها الواحدة للأخرى وشبكت أصابعهما وأدت حركة لا تحتمل التأويل. اتسعت عينا إيدا. نظرت إلى الباب ثم عادت بطرفها إلى رين.
"ماذا؟ حقّاً؟"
أومأت رين برأسها باكتراث: "لم أرهما يفعلان ذلك ولكن... ولكن كانا نائمين معاً، صدقيني! كانا متلاصقين وما إلى ذلك..."
ثم أردفت بجدية: "أنا متأكدة من الأمر. فهما على تلك الشاكلة."
حدق الإثنان في الباب الذي ظل مغلقاً. سرى لسان لهب دقيق صعوداً على ساعد رين وانطفأ عند المرفق. تجرعت رين لعابها وهي تزحف للأمام مجدداً. رفعت قبضتها وطرقت بخفة تكاد تخلو من أي صوت.
أغمضت رين عينيها بإحكام وقالت: "هي، أنا آتية للداخل! من الأفضل ألا تقولا إنني لم أتح..."
فتح الباب على مصراعيه من تلقاء نفسه لحظة ملامسة يدها له. فتحت رين عينيها لتجد الغرفة... خاوية. لوحت رين بيديها في الهواء.
"أتمزحان معي؟! كنت حذرة إلى هذا الحد وهما ليس حتى... إلى الجحيم أين ذهبا؟"
اقترحت إيدا: "ربما في غرفة الصدى؟ وماذا لو... بقيا طوال الليل؟ لقد أخبرنا المعلم ألدريك حقّاً بأنه منحهما حق الدخول."
كانت رين تهز رأسها بالفعل.
"مستحيل أن يبقى أحدهم في غرفة الصدى طوال الليل. هذا جنون. يجب أن تكون مجنوناً بدرجة نصف..."
توقفت. كانت إيدا تطالعها. تنهدت رين وبدأن بالمير. كان الوقت مبكراً. مبكراً لدرجة أن جميع الطلاب الذين مروا بجانبهما بدا عليهم النعاس الشديد. ولو لم توقظها الأدرينالين للتو لكانت رين نصف نائمة هي الأخرى.
"إذن كيف حال النواة؟ هل ما زالت...؟"
مدت إيدا يدها تحركها: "ما زلت أشعر بها في داخلي. كما أنها مؤلمة بعض الشيء... وثقيلة بشكل غريب. لم يسبق للمانا أن شعرت هكذا قط."
أومأت رين. بدا كل ذلك منطقياً في نظرها.
"تعلمي أن ذلك الألم يزول مع الوقت، ويحتاج فقط إلى أسبوعين في بعض الأحيان. أحياناً يحدث فوراً. ومن النادر جداً ألا يتوقف أحدهم عن الشعور به، كما تعلمين. لا تقلقي، ستكونين بخير قريباً."
ألقت نظرة داخل نواتها الخاصة، على ألسنة اللهب المضطربة. كانت تلك النيران تتوسل دائماً لتُطلق. وغالباً ما كانت تطلق نفسها. وظنت رين أنها من أولئك الذين لن يتوقفوا عن الشعور بها أبداً. سارت الاثنتان في صمت لعدة منعطفات.
"وماذا عن كورين؟ كيف... كيف هو حاله؟"
قالت إيدا: "إنه منغلق على نفسه في غرفته. حاولت حمله على الخروج ولكن..."
أجابها ذلك عن سؤالها، مع أن رين تمنت لو لم يكن الأمر كذلك. لم تنطق أي منهما بشيء بعد ذلك. تجاوزتا مجموعة من الطلاب لدى انعطافهما في زاوية. أربعة بشر، وكل واحد منهم يحمل خطوطاً. توقفت محادثاتهم مع اقتراب رين وإيدا. وعادت للاشتعال ما إن تجاوزوهما.
"...المزيد منهم كل عام..."
"...بحق الجحيم لم نحن جميعاً في الجناح نفسه؟ يجعلني أشعر بالغثيان..."
لم تكن رين غريبة عن همسات كهذه. وكل من يحمل دمائهم سمعها كثيراً. قبل عام، كانت لتلتفت وتفعل شيئاً ما. أما الآن فقد أبقت يديها في جبيبيها وتابعت المسير.
"...وهذا المسخ أزرق الشعر. تبدو جيدة على الأقل وهي تبتعد..."
توقفت رين. اشتعلت شارتها دون قصد منها. انبعثت الحرارة من جلدها في ومض مرئي، بما يكفي ليبدأ الهواء من حولها بالإصدار أزيزاً. التفتت. كان البشر قد لاحظوا وراجع خطوتان إلى الخلف اثنان منهم. أظهر أحد⁄هم ما يكفي من اللياقة ليبدو خائفاً. أما الرابع فظل يحدق فحسب. كان يرفع سلسلته ويتحدَّاها. خط يجرؤ على تحدِّي حامل شارة. لو كانت رين بشرية لما تجرأوا. ماذا، أأعتقدوا أنهم في أمان؟
كانت رين على وشك أن... ضغطت يد إيدا بقوة على كتفها.
"رين، الأمر بخير. دعنا نمضِ وحسب. أنا بخير."
استغرقت رين ثانيتين لتسيطر على نفسها. ثم استدارت وواصلت السير. إن ضرب ديموبلود بشرياً سيؤدي إلى مشكلات، دائماً. لقد سحبت رين إلى مكتب الأركون مرات كافية تجعلها تحفظ وجهه أفضل من أي من معلميها. وصلتا أخيراً إلى غرف الصدى، وكانت الأبواب ثقيلة لدرجة اضطرت معها رين إلى استخدام الجوهر وإلقاء وزنها عليها معاً. كان ذلك غريباً. فمن المفترض أن تفتح ببذل جهد أقل بكثير، وتفتح بسلاسة عند حدوث ذلك.
أما الآن فقد انفتحت بصوت أزيز عالٍ. كان هناك خطب ما. كانت الغرفة أعتك مما رأتها رين قط، وقد زارتها عشرات المات. الجحيم، كان المكان بأسره شبه مظلم! ثم الشيء الأغرب على الإطلاق: كان الهواء خفيفاً، خفيفاً لدرجة تكاد تنعدم معها الفرق بين هذه الغرفة والممر في الخارج. رأت رين كليهما بالقرب من الجدار البعيد. كانت آش نائمة، مستندة إلى البلورة ورأسها مائل إلى جانب واحد. كان تنفسها بطيئاً ومنتظماً على ما تستطيع رين تمييزه.
وكان نصف الديمو وجهه للأسفل على الأرض وهناك دم على الأرضية من تحتها. لقد جف ليتحول إلى لون بني داكن حول وجهها. وكان يخرج من أنفها، وفمها، وربما حتى أذنيها. لم تكن تتنفس، أو إن كانت تفعل، فلم تستطع رين رؤية ذلك من هنا. هبط معدها.
"تباً لل..."
عبرت رين الغرفة في أربع خطوات جارية. أمسكت بنصف الديمو من كتفيها وهزتها بكل ما أوتيت من قوة.
"هي! هي، استيقظي! ماذا جرى بحق الجحيم!"
تحركت إيدا نحو آش. هزت رين نصف الديمو بقوة أكبر. مرت ثانية مرعبة ظل فيها الجسم مرخياً. ثم أنات لسانثيا وفتحتا عيناها. في ثانية بدا نظرها مشتتاً، وفي الثانية التالية غاضبة. كيف بحق الجحيم كانتا غاضبتين هكذا بالسرعة كلها؟ نظرت لسانثيا إلى يدي رين على كتفيها. ثم إلى وجه رين.
قالت نصف الديمو: "لماذا تضعين يديك علي؟ أترغبين في فقدهما مصادفة؟ يمكن ترتيب ذلك."
سقطت رين على مؤخرتها وأطلقت زفرة عميقة جداً. بصراحة، لقد كان معجزة ألا تغادر روحها معها.
تمتمت لنفسها: "نعم. إنها بخير. لقد رعبتني رعباً شديداً لكنها سليمة تماماً إن استطاعت الكلام بمثل هذه الطريقة."
ألقت رين نظرة خاطفة تجاه إيدا. كانت آش مستيقظة الآن أيضاً. رمشت المرأة الشقراء، ونظرت فوراً عبر الغرفة. لم تكن تنظر إلى إيدا الواقفة أمامها مباشرة. ولا إلى رين، في اتجاه نظرتها. بل إلى لسانثيا. حدث توقف قصير.
سألت آش: "أفعلتها؟"
مسحت نصف الديمو الدم الجاف بظهر يدها وأومأت. نظرت الاثنتان إلى الأخرى، لكن بدا وكأنها فعلتا أكثر من مجرد النظر. شعرت رين وكأن محادثة قد دارت أمامها مباشرة وفاتها تماماً. أجل. هاتان الاثنتان معاً بكل تأكيد. ومع تلك الفكرة جاءت صور لربما كانت لتلعنها إلى أعمق أعماق الجحيم.
قالت رين بسرعة وهي تصفق بيديه على وجنتيها الدافئتين للغاية: "إذن... لقد صنعتما نواتي جوهركما حقاً أم ماذا؟ لا أستطيع تصديق أنكما نمتما هنا حقاً رغم ذلك، هذا جنون..."
نظرت حولها.
"أظن أن الأمر لن يكون صعباً للغاية بعد الآن."
أومأت الاثنتان. حدقت رين بهما. كان الأمر غبياً لدرجة أنها أرادت فوراً نعت الاثنتين بالكاذبتين. حتى لو كان الغرض بأكمله من إيجادهما هو أخذهما إلى قاعة القياس تحسُّباً. حسناً، ستختار تصديقهما. المرء يثق دائماً بإخوته وأخواته... قليلاً.
قالت رين وهي تصفق بيديه: "عظيم إذن. رائع للغاية حتى. الفطور أولاً. ثم قاعة القياس. لدينا وقت."
نهضت رين.
"فقط هممم... حاولي ألا تنزفي على العصيدة."
لم تكن قاعة القياس كما توقّعت رين. بدا هذا غريباً نظراً لأن رين زارت المكان مراراً. في كلّ مرة سابقة، كانت القاعة فارغةً بنصفها على الأقلّ. أما اليوم فما كانت فارغةً بتاتاً. صار إيجاد موضعٍ للوقوف أمراً شاقاً. تصطفّ مقاعد حجريّة مدرّجة على ثلاث جدران، وكانت تلك المقاعد ممتلئة. رأت رين طلّاباً وهيئة تدريس، حتّى إنها تعرّفت إلى بعضهم. لمحَت أربعة شاراتٍ على الأقل وسط الحشد، وهؤلاء الأوغاد لا يفعلون شيئاً سوى التدريب.
لم تكن إلياسڤيل هنا، شكراً للسماء. رحمة صغيرة.
"ما اللعنة"، تمتمت رين عند المدخل.
"هل يوزّعون أحجار الجوهر أم ماذا؟"
تنهّدت إيذا.
"أخبرتك منذ قليل. ظننتك تسمعين".
ثم تابعت: "هذا بسبب ابنة الإيرل ولفْرام، أليسا. سيجري قياسها اليوم أيضاً. أظنّ الخبر انتشر. رغم أنني لم أظنّ أن هذا سيخلق كلّ هذا الحشد. لا أظنّ أن الأمر بسبب أصدقائك الجدد".
"ليسوا أصدقائي!"
اعترضت رين.
"قضينا الصباح كلّه نبحث عنهم".
أشارت إيذا.
"لأنني أُمِرْتُ بذلك!"
ولحسن الحظّ، لم يبدو أن ليساثيا أو آش قد سمعتا إيذا. أو ربما لم تكم مهتمّتين؟ وقفتا على بُعد خطواتٍ قليلة عن البقيّة، أو لعلّ الجميع تراجعوا خطوة للوراء ابتعاداً عنهما. انصرف بصر رين عنهما، نحو الطرف الأقصى من القاعة. فهناك، وكعادتها دائماً، تقف الحَكَم. رأت رين هذا الهيكل مراراً، وتجد نفسها دائماً تطيل التحديق فيه لثانية أو ثانيتين زائدتين. وتشكّ في أن هذا سيتغيّر يوماً.
ينهض العمود البلّوريّ من الأرضيّة الحجريّة. كان أبيض نقيّاً، وطويلاً لدرجة يكاد يلامس فيها السقوف. يحمل العمود في حالته الراهنة ضوءاً خافتاً ينبض بنسقٍ ثابت. يشبه التنفّس تقريباً. لن يبدو الأمر هكذا أثناء الاختبار. حين يضع أحدهم يده على الحَكَم ويضخّ الجوهر، يتفاعل البلّور مع لمسته. يمتلئ من القاعدة صعوداً. الفكرة الكامنة وراء القياس بالغة البساطة. يمتلئ البلّور ببطء، ومقدار امتلائه يعكس الكمّية الخاكمة للجوهر التي تستطيع نواة المرء احتواءها.
ومدى نقاء الضوء وسطوعه يعكس كفاءة النواة ذاتها، وكم تحوّل من نواة مانا المرء لتصير نواة جوهر. يمتلك الحبريون طرقاً أدقّ لقياس البلّور، طرائق تتعقب النِسب المئوية. لم تكن رين تعرفها ولا تعبأ بها. هذا الشيء بسيط، وهي تحب البساطة. العمود الطويل والممتلئ ببراعة هو الحلم. شيء يحلم به الجميع فحسب. القصير والمعتم هو واقع معظم الناس. المراقب حاضر. كيف للجحيم أنها لم تلاحظه من قبل؟
يقف في مؤخرة القاعة شابكاً يديه، وتندمج عباءته الداكنة في ظلّ الطبقة العليا. بدا هذا غريباً حقّاً. رأت رين الكثير من هذه الاختبارات، وهي واثقة من أنها لم ترَ المراقب يحضر واحداً بنفسه قط. هزّت رين رأسها، ثم التفتت مجدّداً نحو الحَكَم. يقف المعلم ڤوس بجانب الحَكَم حاملاً لوحاً مسطّحاً. كان الرجل نحيلاً لدرجة قد تودي بحياته ريحٌ عاتية. لم تحب رين الرجل قط، ولم يحبها هو، ولا أي دميّ دمٍ آخر، ولا أي قزم، أو بشريّ، أو...
حسناً، ربما هو لا يححب أحداً فحسب. نادى الرجل بصوت عالٍ، فتوقفت المحادثات المهموسة.
"كلّ من يمتلك نواة جوهر ليتمّ تقييمها، فليتقدّم ويقف أمام البلّور. لن أكرر طلبي".
نظرت رين إلى إيذا. كانت الأخيرة تتحرّك للأمام بالفعل. أمسكت رين ذراعها فأقفتها.
وقالت: "حظاً سعيداً".
نظرت إليها إيذا وأومأت برأسها، ثم خطت للأمام. كانت آش وليساثيا قد تحركتا للأمام بالفعل. انتظر الحبري حتّى اصطفّ دستة أشخاص على بُعد بضع أقدام من الحَكَم. انتظر ثانية إضافية، ثم أومأت رأسه. مشت رين واختارت واحدة من المقاعد القليلة الشاغرة. ثم بدأ الاختبار. تقدّم الطلاب الأوائل. وكما هو متوقع، لم يكونوا مميّزين بشيء. في أغلب الأوقات، يمتلئ الحَكَم للربع الأسفل. الضوء الأبيض المنبعث منه لم يكن ساطعاً قطّ بشكل خاصّ.
نجح أحد الصبية في تحقيق امتلاء ساطع بشكل معقول وصل إلى ثلث البلّور. عرضٌ لائق بما يكفي، هكذا ظنّت رين.
"إيذا إيرين".
استوت رين في مقعدها. ابتعدت إيذا عن الصفّ ومشت نحو الحَكَم. وضعت يدها على البلّور. بدأ المحيطون بها يهمسون ويضحكون باستهزاء.
"... تلك الدميّة الدموية أه؟ لا أستطيع فهم لِمَ يفعلون حتّى..."
"... شعر أزرق بجدّية؟ أعني أنهم لا يحاولون حتى..."
أقصتهم رين عن عمد. كانت قبضتاها مشدودتين. أرِهِمْ. لم يتغيّر تعبير إيذا قطّ. بدا فارغاً، أو قريباً من الفراغ، كعادتها دائماً. لم تكن رين تدرك شكل تعابير وجهها هي. امتلىء البلّور ببطء. بدأ الضوء من الأرضيّة وارتفع للأمام. توقف عند علامة الثلث، وهي نتيجة محترمة لأي شخص تقريباً. شهق الحشد على أي حال. شهقوا بسبب الضوء. كان الضوء نقيّاً وصافياً. تمتم الجميع في الحشد. حدّق الحبري في بلّوره، ثم في لوحه، ثم عاد للبلّور.
تمنّت رين لو أنها تستطيع تمييز تعابير وجهه بوضوح من هنا.
هتف الحبري أخيراً بصوت مسموع: "الكفاءة... ملحوظة".
عضّت رين باطن وجنتها لكي تمنع نفسها عن الابتسام. ثم ابتسامت على أي حال، فلماذا بحق الجحيم لا؟ تلك هي فتاتي! تطلب الأمر كلّ ضبط النفس لدى رين لتلافي الصراخ بهذا بصوت عالٍ. عادت إيذا إلى الصفّ فارغة التعبيرات كعادتها. أو أكاد أقول فارغة كعادتها. ربما كانت رين الشخص الحيّ الوحيد القادر على رؤية الابتسامة الطفيفة على وجهها.
"أليسا ولفْرام".
تقدّمت ابنة الإيرل. تعرّفت إليها رين فوراً، وستعرفها حتّى لو لم تتقدم. كان ثمة شيء ما في طريقة مشي الفرخة النبيلة يبرز حتّى وسط هؤلاء البشر الآخرين. شيء ما في طريقتهم في المشي دائماً كأنهم ينظرون بازدراء لهذا العالم. امتلكت هذه الفتاة شعراً ذهبيّاً، مرتباً في خصلات دقيقة. بدا زُيّها الرمادي بالأكاديمية كأنه مفصّل خصيصاً لها، وهو ما يرجح حدوثه. كانت جميلة. وإن حَكَمْنا من واقع كلّ التمتمات والنظرات الصادرة عن الصبية، فربما كانت أكثر من جميلة.
أياً يكن. لم ترَ رين الفتاة في غرفة الرنين البارحة. لم يكن ذلك مفاجئاً. حين تكون ثريّاً بما يكفي، تصنع غرفتك الخاصة. حضر معظم الأفراخ النبلاء للأكاديمية، ونواة الجوهر في أيديهم. امتلك البعض منهم خطوطاً حتّى. مجرد التفكير في الأمر أغضبها. اقتربت أليسا ولفْرام من الحَكَم ووضعت يدها على البلّور. تسلق الضوء الأرضيّة مجدّداً، وسرعان ما جاوز الثلث الأسفل. واصل التسلق حتّى تجاوز علامة النصف.
واستمرّ في التسلق، وفي غضون ثوانٍ تجاوز النقطة التي بلغتْها قراءة رين قبل عامين. بلغ الربع الأخير من البلّور ولم يصعد أبعد. كان ذلك مثيراً للإعجاب بما يكفي، ولكن ظهر بعد ذلك نوع الضوء. كان الضوء نظيفاً وقويّاً. ساطعاً لدرجة يصعب النظر إليه. لم تكن رين لترى البلّور يبدو هكذا قطّ. ساد صمت لثانيتين. ثم انكسر الصمت ليتحول إلى تصفيق مدوٍّ.
هتف الحبري: "السعة والكفاءة الاثنتان... مذهلتان!"
استطاعت رين رؤية بعض أعضاء هيئة التدريس وهم يميلون للأمام الآن. كانت غريزة رين الأولى والأخيرة هي رفض هذا. ثمة أسباب وفيرة لفعل ذلك. بين قلوب الجوهر ونوى الوحوش، ربما حازت الفتاة ألف ميزة لم تمتلكها رين قطّ. تلك كانت أسباباً أكثر من كافية لجعل رين ترغب في رفضها. إلا أن جزءاً صغيراً بداخلها شاهد ما يكفي من الأفراخ النبلاء يلمسون ذلك البلّور ولا يحققون شيئاً. ما زال الأمر يغضبها.
ستقع لينا في حب هذه الأليسا لا محالة. اللعنة.
"آش؟ التالية".
مالت رين إلى الأمام. مشت آش نحو الحَكَم بخطوة مريحة ووضعت يدها على البلّور. لم يتوقف الحشد الجالس عن الكلام منذ أليسا. وبدا أنهم لن يتوقفوا من أجل هذه 'آش'. شكت رين في أن معظمهم لم يعلموا بأنها إحدى الطالبات المُكرّسات بعد. طنّ البلّور. امتلا الثلث الأسفل. ثمة عمليّة تجري دائماً. تبدأ من القاع، وتزحف ببطء لأعلى. لم تزحف هذه المرة لأعلى. امتلا الثلث الأسفل دفعة واحدة. ومن هناك استمرت في الانطلاق.
في لحظة واحدة تجاوزت علامة النصف. وفي التالية تجاوزت النقطة التي قادها إليها اختبار أليسا. وفي الثالثة، بلغت قمة العمود ذاتها. في غضون لحظات، اشتعل العمود بأكمله ساطعاً لدرجة صعوبة النظر إليه. خطا المراقب خطوة للأمام باتجاه العمود. لم يتحرك قطّ لأجل أي شخص آخر، وتمنت رين لو أنها تستطيع رؤية تعابير وجهه. وغرقت القاعة بأسرها في صمت مطبق. لقد استمرّ لبعض الوقت. مرت ثوانٍ.
ثلاث. خمس. ثم صفق أحدهم من مكان ما أقصى يمين رين. ثم صفق آخر، هذه المرة من مكان أقصى يسار رين. ثم صفق مزيد من الناس، حتّى صفق كل من رأته تقريباً، بل وحتّى العديد من الحبريين. وقف المعلم ڤوس بجانب البلّور ولوحه متدلٍّ بجانبه. كان الهتاف أشدّ صخباً ممّا كان لأليسا ولفْرام. سحبت آش يدها وعادت إلى الصفّ. لم تكن آش تبتسم حتّى، كأن ما حدث لتوه كان يفترض أن يكون طبيعياً. تدلى فم رين مفتوحاً.
أغلقته. لسبب ما، نظرت رين إلى ليساثيا. كانت نصف الشيطانية تبتسم. كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها رين ذلك الوجه يفعل شيئاً سوى العبوس. حسناً، لقد حسم هذا الأمر تماماً! فكرت رين. إنهما معاً حقاً. اللعنة لما لم أطرق أآآه! استعاد الحبري ڤوس وعيه ونادى بالاسم الأخير بصوت عالٍ.
"أخيراً، لدينا ليساثيا".
ثم عاد الهدوء مجدّداً. لقد كان هادئاً من قبل، لكن الصمت بدا الآن مختلفاً، بطريقة ما. بطريقة لم تستطع رين شرحها. كانت كل عين في القاعة مثبتة على نصف الشيطانية. ما زالت رين غير قادرة على تصديق وجود واحدة أخرى في الأكاديمية. والأسوأ من ذلك، أن هذه تتجول منادية نفسها بليساثيا، وتبدو مصدقة ذلك حقاً. شكراً للسماء أن إلياسڤيل لم تكن هنا. حبست رين أنفاسها. تغيّر شيء ما على وجه ليساثيا وهي تنظر إلى الحشد.
كانت رين واثقة من ذلك. ثم تقدمت ووضعت يدها على البلّور. صرخ الحَكَم. لا المفترض ببلّور أن يصرخ، لكن رين لم تمتلك كلمة أخرى تصف بها الأمر ببساطة. بالنسبة لآش، انطلق البلّور صاعداً أثناء امتلاءه، مهما كان السريع. لم يحدث هذا هذه المرة. في لحظة كان البلّور يتنفس. وفي التالية، كان ثمة بياض بحت. ألقت رين ذراعها فوق عينيها. كان الضوء ساطعاً لدرجة كادت تصيبها بالعمى رغم إغلاق عينيها غالباً.
تسلل من خلال الفجوات بين أصابعها. ثم جاء الصوت. كان الحَكَم ما زال يصرخ. كان كل من حولها يتراجع وينكمش. فتحت رين عينيها بالكاد قدر ما يكفي للرؤية. سمعت ورأت البلّور يتصدّع. خطّ رفيع تسابق من التاج للأسفل. ثم آخر. ثم دستة أخرى، متفرعة عبر سطح البلّور. تدفق الضوء عبر تلك الشقوق ليصل إلى الأرضية. كان كثيراً. بما يكفي ليغمر كل شيء بحيث لم تتبق أي ظلال في القاعة على الإطلاق.
ثم تحطّم البلّور الهائل ببساطة في انفجار ضخم من البلّور. وعلقت قطع ذلك البلّور في الهواء للحظة مستحيلة واحدة، كأنّ قوانين العالم برمته لم تنطبق عليها ببساطة. سقطت أخيرًا. كان الصوت الذي أصدرته رقيقاً تقريباً. جميلاً تقريباً. بدت كأنها قطرات عديدة من مطر بلّوريّ. حيث وقف الحَكَم، لم يعد يوجد شيء الآن. لم يتحرك أحد. كانت رين متأكدة تقريباً من أن أحداً لم يتنفس حتّى. تجمدت القاعة صامتة.
حمل كل وجه رأتْه التعبير ذاته. الخوف. سقط كل من وقف قريباً من مقدمة الحَكَم على الأرض. حتى ابنة الإيرل. حتى الحبري. الجميع سوى آش. لم يكسر أي تصفيق هذا الصمت هذه المرة. تقدمت آش خطوة للأمام، ضاغطة بجسدها بين ليساثيا وبقية الغرفة. كانت تحجب نصف الشيطانية عن بقية القاعة. لقد كان ردّ فعل لم تستطع رين فهمه قط. لماذا يحمي أي شخص الشخص الذي فعل ذلك للتو؟ في مرحلة ما، أدركت رين أنها نسيت أن تتنفس هي الأخرى.
نظرت رين إلى ليساثيا. وقفت نصف الشيطانية ويدها ممدودة حيث كان البلّور. تلألأت الشظايا حول قدميها الحافيتين. نبض الخطّان على ذراعيها. رأت رين الأحمر والأخضر، وللحظة، ظنت أنها رأت الأسود والأبيض عوضاً عن ذلك. للحظة فحسب. عانت رين لإيجاد كلمة تصف ما تكونه آش. كلمة ليساثيا أتت عفواً: سماوية. انتظرت رين الابتسامة. الميل المتغطرس للذقن. ربما الشماتة. هكذا يتفاعل ذوو القوة، وبعد استعراض كهذا، سيشمت أي شخص.
كانت رين لتفعل بالتأكيد. لم تقم ليساثيا بأي من تلك الأمور. بدلاً من ذلك، خفضت يدها وستحدقت في الفراغ. توقفت نصف الشيطانية ونظرت للوراء نحو الغرفة. مرّ بصرها على الجميع، وتريث لثانية أطول قليلاً على رين، ثم تجاوزها. لو اضطرت للتخمين، لربما أطلقت رين على ذلك التعبير الغريب اسم الحزن. وهو ما لم يكن له أي معنى على الإطلاق.