نداء الرجال الأجوف الفصل 21 — قوس الوصول

اقرأ نداء الرجال الأجوف الفصل 21 — قوس الوصول باللغة العربية على مانجا تايم.

قال: "الحرب ليس بالأمر البسيط. هناك مئة أمر يجب الحذر منه، وخطأ واحد قد يعني النهاية. نقطة. تفصيل واحد فائت، حركة واحدة طائشة، وينتهي الأمر. هناك سبب لقضائنا كل هذا الوقت في التدريب، أيها السناتور. سبب تخصيص الكثير من المال والتفاني لتربية جيش من المحاربين المحترفين المجهزين جيداً. اختر أي جندي في الخدمة من فوجي القديم، وسوف يجتازون مجنديك مثل منجل يضرب القمح".

جلسة استماع ميزانية الاتحاد

شبك أوبيدياس يديه على المكتب، مراقباً تدافع التقارير بعينين باردتين هادئتين. كان هناك تفصيل واحد يزداد وضوحاً. ماتياس بروك كان على قيد الحياة، والرجل قد تلاعب به. لم يعلم أوبيدياس كيف تمكن الرجل من الوصول إلى التعديلات الحيوية، ولم يعلم كيف هرب ذكاء اصطناعي فائق المستوى إلى سفينته، لكنه فعل.

هتف أحد مهندسيه: "فشل في البدء".

أومأ أوبيدياس برأسه مرة واحدة، دون أن يظهر أدنى تلميح لاستيائه. الاحترافية هي كل شيء في مجال عمله.

"هل أعيد المحاولة؟"

"افعل، وانظر ما وحدات مرتزقة محلية متاحة للاستأجار. إن لم نتمكن من المغادرة، فمن الأفضل لنا استغلال موقعنا".

"هذا سيسحب حساباتنا النشطة بما يتجاوز رصيدها، يا سيّد".

نقّر أوبيدياس على الطاولة، وهي ردة الفعل الوحيدة التي سمح بها لنفسه.

"أنت مخوّل لاستخدام حسابات الاحتياط من واحد إلى ثلاثة".

عاد الرجل إلى العمل، فالتفت أوبيدياس إلى خبيره العسكري، غورت. يا لها من أسماء ساحرة يملكها المرتزقة. لكن الرجل كان يعرف عمله، وهو ما لم يستطيع أوبيدياس إنكاره. شعر غورت بنظراته على ما يبدو، فالتفت.

"نحن صامدون، في الوقت الحالي، لكننا نفوق عدداً ونفتقر إلى الاستخبارات النشطة. مع وجود ذكاء اصطناعي للعدو داخل أنظمتنا، لا يمكننا تحمل تكلفة ربط الآليات بالشبكة الرئيسية، وتلك التي كانت قيد التشغيل بالفعل عندما بدأت الانتفاضة تنفد طاقتها. سأحتاج أيضاً إلى إذنك لقتل اثنين وخسين توقيعاً متصلاً".

أمر أوبيدياس: "اقتل كل من يحيد عن التشويش. عدونا يفتقر إلى التجهيز المناسب. لحظة استعادتنا السيطرة على السفينة، أفرغ جميع الممرات والمقصورات الرئيسية. هل تؤدي الفخاخ عملها كما متوقع؟"

"مفهوم. يبدو أن أحد عبيد الشفرات يملك غرسة لاكتشافها. مدى قصير، نقدره بين قدمين وخمسة أقدام".

"من؟"

"ماتياس بروك".

بالطبع. كان أوبيدياس يندم على عدم قتل ذلك الرجل لحظة سيطرته على ريفيرا، لكن الندم بلا جدوى. استعاد ممتلكاته المسروقة، وكسب عبداً مجانياً للشفرات في هذه العملية. لقد كان الأمر مجدياً. بات يرجح أكثر فأكثر الآن أن ماتياس بروك صعد على متن السفينة عن قصد. غرسات خفية، ذكاء اصطناعي باهظ الثمن، تناقضات في تاريخه وفحوصاته الطبية. بدا الأمر واضحاً للغاية بأثر رجعي. لا بأس. لقد تعامل مع الانتفاضات من قبل، ولابأس في أنه سيتعامل معها مجدداً في المستقبل.

ثنى مات يديه اثنتين وشعر بالاسترخاء للمرة الأولى منذ أن بدأ هذا الكابوس بأسره. كان يثق بقدرة بي على حمايته، على الأقل في الوقت الحالي، ولكن ماذا عن فقدان طرف والعجز عن استعمال الذراع الأخرى بسبب كتف مكسورة؟ لقد اعتاد إلى حد ما الدفاع عن نفسه طوال العام المنصرم، وكان تجرد تلك القدرة عنه أمراً مزعجاً للغاية. لكن الوضع الحالي كان عبارة عن جمود، ونال بذلك بعض الوقت للشفاء.

بما يكفي لإعادة نمو اليد وجبر العظام المكسورة. فتحت القباب الأربع كلها الآن، لكن أتباع أوبيدياس أحكموا إغلاق قطاعهم بالكامل. سدت أبواب معدنية سميكة طريقهم، تلك التي تعجز شفرات الخلد والقنابل عن اختراقها بسهولة.

قالت نوفا بصوت فحيح نبرته متوحشة وحية بشكل غريب: "لا تعجلني. سأستولى على السفينة متى ما كنت مستعداً تماماً، أسمعتني؟"

لم يُعقب بشيء.

"لكنك فكرت في الأمر، ولعنة، ثانية؟ أوبيدياس يريد حقاً، وبكل ما تحمله الكلمة من معنى، طردكم جميعاً إلى فراغ الفضاء. سأتعامل مع الأمر".

بحكم طبيعة وجوده المحضة، لن ينال نوفا على الأرجح قط الفضل الذي يستحقه نظير هذا. لولا وجوده لفتحت أبواب السفينة الخارجية لتسمح بدخول التعزيزات إليها، ولأغلقت أخرى بشكل دائم، عازلة مجموعات كاملة من عبيد الشفرات ليتم القضاء عليهم قطعة فقطعة. إضافة إلى عشر نيف من الأمور المرعبة والبشعة الأخرى، ناهيك عن غياب المعلومات اللحظية. هز مات رأسه ودخل الغرفة بالكامل. انتظر ثلاثه آخرون هناك، جالسين بالفعل.

عرض عليه ريج ابتسامة مسترخية كعادته. لم يقدم نوا أكثر من إيماءة جافة، رغم أن الرجل لم يبدو غاضباً بشكل مفرط. كانت الأخيرة ستيف، امرأة لا يعرفها مات سوى بالسمعة. جندية سابقة، وفوجئ بوجود يون واقفاً خلفها. فازت ستيف بالبطولة خلال العرض الحي، لكن ما عدا ذلك لم يكن مات يعرف عنها إلا القليل. حسنًا، بغض النظر عن حقيقة أن يون كان يعرفها على ما يبدو، وكان قريباً نسبياً منها، وأنها أحكمت سيطرتها على ما يقرب من ثلث عبيد الشفرات.

أربعة أشخاص، وهو ضمناً. قادة الانتفاضة. لقد أزال مسبقاً كل تدابير الأمان المتنوعة الخاصة بهم، مثل مقود الكرة في دم ستيف. وفعل المثل لخمسة أشخاص من كل مجموعة، مراعاة للاعتبارات السياسية. أعادلٌ هذا؟ لا. لكن باستثناء ريج، لم يكن لدى أي منهم أي سبب حقيقي للاستماع إليه، لذا كانت الرشوة ضرورية. حسنًا، إلى جانب حقيقة أنه يتحكم في الذكاء الاصطناعي الذي يمنع أوبيدياس من قتلهم جميعاً.

ساعد ذلك أيضاً.

بدأت ستيف قائلة: "نحن لسنا جيشاً".

لم تكن هذه معلومات جديدة تماماً، لكن ريج أومأ برأسه كأنها أعلنت حكمة قديمة.

"وحتى الآن لا نملك سوى ثمانية أجهزة تشويش. وهي بالكاد تكفي للحفاظ على سلامتنا أثناء السيطرة على الأراضي، ناهيك عن شن هجوم".

سحب مات الكرسي الأخير إلى الخلف وجلس.

"لا ممر لنا. الممرات ليست بالحجم الذي يتسع لأكثر من ثلاثة، وربما أربعة أشخاص للقتال في وقت واحد، لذا فإن المعدات والمهارة أهم بكثير من الأعداد المحضة. كم استقر بنا الأمر من غنائم المستودع، وهل يمكننا استخدام أي منها لصنع المزيد من أجهزة التشويش؟"

أبلغ نوا بنبرة تبدو مساعدة بشكل مثير للريبة: "بعد إصابتك، تولى قومي زمام الأمور. كانت بعض الخزانات فارغة، لكن لدينا ما يكفي لتجهيز نحو ثمانين شخصاً. ومع العتاد الذي نجمعه‌ من القتلى، يصبح لدينا نحو مائتي مقاتل مسلح ومدرع بشكل لائق. ولا، لا نستطيع. يعمل قومي على اقتطاع ما أمكننا من الروبوتات".

عبست ستيف.

"كم عدد المدربين حربياً في مجموعاتكم؟ عسكريون، أمنيون، مرتزقة، أياً كانوا".

أجاب ريج بسهولة: "نحو خمسة وعشرين من مجموعتي. رغم أن الشواذ عن القاعدة، كمات هنا، مقاتلون أکفاء للغاية رغم خلو سجلاتهم من أي تدريب سابق".

تمتم نوا: "نحو أربعين، على ما أظن. سيتعين علي إجراء إحصاء شامل".

وأنهت ستيف الحديث: "وما يقرب من المائة بقليل من نصيبي".

لقد استقطبت كل الجنود إذن. بدا ذلك منطقياً مع خلفيتها.

"أصوت لتجهيز كل أصحاب الخبرة العسكرية السابقة، أو أولئك الذين أثبتوا جدارتهم بطريقة أخرى".

أومأ ريج بحكمة: "مثل مات هنا، على سبيل المثال. فهو ليس فقط من قاد الجهود لتحرير القُمَّة الأولى، مما سمح لثورتنا هذه بالانطلاق، بل إن ذكائه الاصطناعي هو السبب الوحيد في عدم إقدام أوبيدياس ببساطة على تفريغ السفينة. أو جذب مئات التعزيزات الخارجية. وهو أيضاً من شلّ الروبوتات. وأيضاً—"

قاطعتْه ستيف: "أدرك مقصدك. لا اعتراض لدي على وجوده هنا، يا ريجينالد. لقد أبلى بلاءً حسناً سواء الآن أو خلال العرض الحي لعائلة مولدوف".

تمتم مات: "يمكننا الانزلاق نحو اقتتال داخلي لاحقاً. علينا التحرك الآن. سأضيف صوتي لتجهيز أصحاب الخبرة العسكرية في المقام الأول، وأطلب أن تتولى ستيف قيادة الهجوم على نقاط الاختنق الرئيسية. نوا، وجهك مألوف، حتى خارج قبتك. مات خمسة أشخاص لمجرد أن أحدهم نقل جهاز تشويش عشرين قدماً نحو اليمين. لا يمكن تكرار هذا. أيمكنك حفظ تنظيم الناس؟ لا طاقة لنا باحتمال الذعر".

وافق نوا ببطء، وتلألأت عيناه متقلبتين بين ريج ومات نفسه: "أستطيع ذلك. قطع أوبيدياس أيضاً كل إمدادات الطعام والماء عن هذا الجزء من السفينة، لذا سأجمع كل ما بحوزتنا في مخزون مركزي، تحسباً لامدادات المعركة".

"شكراً لك. ريج، أيمكنك جمع المجموعة؟ متطوعون فحسب، ولكن إن رفضت بي، فابذل قصارى جهدك لإقناعها. سيكون القضاء على الوحدة الثانوية عسيراً بما يكفي كما هو".

رفعت ستيف حاجبها قائلة: "أهو أمر تود مشاركتنا إياه، سيد بروك؟"

"حدد ذكائي الاصطناعي مصدر طاقة منعزلاً؛ خللاً في تصميم السفينة. سيكون محروساً، ولكن حين ينطفئ، سيفقد ذكاء السفينة الاصطناعي ما يقرب من نصف طاقته المعالجة، دون قدرة أي نظام احتياطي على تولي المهام حتى يقيموا جسراً يربط الاتصال فعلياً".

توقف برهة، ناظراً إلى الثلاثة.

"أشعر أنه يتوجب علي قول هذا، ولو من باب الإدلاء به. أنا أحد أكثر المقاتلين تجهيزاً في صفوفنا. أنا من يتحكم بالذكاء الاصطناعي الذي يبقينا أحياء، وأنا من أطلق شرارة هذه الانتفاضة، محققاً ما استحال لسنوات طويلة جداً. إن عمل أحدكم، أو أحد أتباعكم، ضد هدفنا المشترك الآن، فسأقتلك. إن خنتمونا لصالح أوبيدياس، إغواءً بالثروة أو الحرية أو الخوف، فسأقتلك. آمل أن تستوعبوا موقفي".

استقبل الصمت ذلك التصريح، وطوال لحظة طويلة ومتوترة، تأكد من أنهم سيختبرون حقيقة تهديده. وحده يون ربما يستطيع تمزيقه، نظراً لكونه المسؤول عن معظم تدريبه. وستيف مقاتلة ماهرة بحد ذاتها، فضلاً عن كونها جندية. ونوا شخص مجهول، لكنه خطير بطريقته الخاصة. ومع ذلك، كان لا بد من قول ذلك، لأنه تمادى في طريقه أكثر من اللازم ليدع الغباء البشري الأساسي يفسد الأمر الآن. كانت يداه غارقتين في الدماء أكثر من أن تترددا في تنفيذ التهديد، ونتمى أن يأخذوه على محمل التحذير الذي كانه.

لم يبدو الرهان على سمعته سليماً، ولا على الشائعات وتاريخه في انتزاع هراء مستحيل جهاراً من العدم. لكنه فعل، وقبل كل شيء على حقيقة أن هؤلاء الناس أذكياء بما يكفي ليتساءلوا: ماذا لو؟

أومأ نوا أخيراً، بحركة بطيئة وثابتة: "سأبقى أتباعي تحت السيطرة".

وأضافت ستيف بنبرة هادئة وكلمات موزونة: "وأنا أتباعي. لا تحذرني هكذا مجدداً، سيد بروك. يتحدث يون عنك بحرارة، لكنك لست رئيسي".

ظن مات أن ذلك منصف بما يكفي. لم يكن يريد حقاً أن يكون رئيساً في المقام الأول، بغض النظر عن هذا المسرح هنا والآن.

"إذن سأجمع فريقي وأمضي قدماً. أه، وخذ هذا".

مرر لوح بيانات عبر الطاولة، وجالت عيناه ستيف سريعاً على الصفحة الأولى. لم تتسعا، ولم تتيبس من الصدمة، لكنه أقسم أن رمشتها كانت واحدة من المفاجآت.

شرح ربما بلا داعٍ: "إنه كل ما تمكن ذكائي الاصطناعي من الحصول عليه بشأن أوبيدياس وقواته. عدد المقاتلين، المعدات، الأفراد الآخرين وما يفعلونه حالياً. سيطرته على السفينة مرنة في الوقت الحالي، لكن لوح البيانات سيُحدث نفسه في الوقت الفعلي".

حنحنَتْ قائلة: "سيكون ذلك مفيداً للغاية. شكراً لك".

"كل سرور. ريج؟"

نهض ريج متممطاً كقطة، وبدت نبرته لطيفة ومفترسة في آن معا: "بالطبع. لنصطاد أولئك الذين تجرأوا على ظني عبداً".

تقدم مات من جديد، وإن كانت بيا خلفه مباشرة هذه المرة. تساءل عما إذا كانت أدرى بدور رأس السربة، حتى مع تعزيزات السرعة الحيوية، لكن مجادلتها في الأمر بدت جبناً. علاوة على ذلك، ظلّت مهارته في الإدراك الشامل محلّ حاجة لاصطياد الفخاخ. تولى ريج وتوبي وجيسون مؤخرة السربة، وهم يحملون السلاح والعتاد للحرب. أمسك كلّ من ريج وجيسون ببندقيتين أنيقتين وثقيلتين، وحتى بيا حملت مسدساً عند خصرها.

لم تكن لدى توبي، مثله مثل مات تماماً، خبرة تُذكر في الأسلحة النارية. كان الرواق مقفراً. خالياً وعارياً، وتتفرع منه غرف قلائل. وجدوا تلك الغرف خاربة، بعضها هُجر على عجالة، وبقي في إحداها طعام نصف مأكل فوق الطاولة. لم يكن هذا جزءاً مزدحماً من المركفة على ما يبدو، رغم أنه لم يكن خبيراً بالمرة.

حذّرته نوفا بصوتها: "أنت تمشي نحو نقطة عمياء. لا يمكنني مساعدتك من هذه اللحظة فصاعداً."

علينا تدبر أمرنا. خفض مات صوته وجعله خافتاً، مع وجود هذا العدد المحتمل من منشآت التقنية، لم يكن السمع المعزز أمراً مستحيلاً أبداً.

قال: "نحن نمشي بعيون عمياء من الآن فصاعداً."

لم يجب أحد، وكل ما رآه هو إيماءة بسيطة من بيا. هزّ مات كتفيه وعاد إلى مهام رصد الفخاخ، رغم أنه لم يصادف أياً منها حتى الآن. مجرد أروقة باهتة وخاوية. كم بلغ حجم هذه المركفة يا ترى؟ تمددت الدقيقة فصارتا دقيقتين، ثم خمس، وانقضت عشرون دقيقة قبل أن ترفع بيا يدها. تجمد مات بقلق، لكنها أشارت إلى ما هو أبعد في الرواق. أمال رأسه ولم يتبين شيئاً. لا، كان هناك شيء ما. أ… تمتمة؟

لا، بل حديث. أعداء. كان الرواق خاوياً. الاندفاع الأعمى نحوه سيعصف بدروع الطور لديهم في لحظات. نظر إلى بيا ملوحاً باتجاه الرواق. أومأت برأسها، ثم التفتت نحو الباب الذي تجاوزوه قبل بضع عشرات من الأقدام. تحركت وقطعت المفصلات تماماً في صمت شبه تام. التقط جيسون وتوبي القطعة قبل أن تهوي، وكان على الباب من الداخل عارضة معدنية مفيدة. عارضة يمكن استعمالها لإغلاق الباب بإحكام.

أو تثبيته قائماً. تقدم توبي، إذ لم يملك أي منهم تعديلاً للقوة. لكن توبي كان أقوى مما ينبغي لأي بشر، حتى من دون تعديل. امتيازات الأبناء الأثرياء، هكذا ظن مات. أفضل علاج جيني استطاع الأب والأم تحمله. رفع الباب، وكان معدنياً وثفيقاً. ترعشت ذراعاه، لكن الرجل صمد، وبدون نقاش إضافي، بدأ الجري في الرواق. ركض مات خلفه محاولاً البقاء خلف الدرع المرتجل. هذا جنون مطبق. قد لا يكون متقدماً، لكنه ظلّ صفيحة معدنية ثفينة بشكل مدهش، ولم يكن بحاجة للصمود طوال الرحلة.

اكتسبوا زخماً ثانية بعد ثانية، حتى صار خمستهم يهرولون في الرواق بكل ما أُوتوا من قوة. لم تكن العلامة الأولى لحراس أوبيدياس هي الحراس أنفسهم. كلا. بل اصطدمت كرة صغيرة متطاولة بالأرض، ولم يمنحها مات سوى نظرة خاطفة قبل أن تركلها بيا إلى ما خلفهم. كاد الانفجار يفقده توازنه، لكنه عدل وقفته، وأوقف بيده الواحدة توبي عن السقوط إلى الأمام. تردد صدا ثلاث طلقات مكتومة، واجتاحت طاقة غليان الباب، وانضمت إليها طاقات أخرى قريباً.

مع كل ضربة كان توبي يرتد إلى الوراء، فوضع مات يديه على كتفي الرجل. بدا الجري على تلك النحو مزعجاً إلى أبعد الحدود، لكنه أبقى الرجل منتصباً. انضم المزيد والمزيد من إطلاقات النار إلى الرشق، وبعد أربع ثوانٍ بالكاد، اخترق الشعاع الأول الباب، ليتناثر بلا ضرر على درع طور توبي. لكن دقة تصويبهم لم تتناهَ إلى الكمال، وحتى حين تحول الثقب الواحد إلى عشرة، تلقى المعدن العبء الأكبر من الضرر.

ألقيت كرة أخرى، ثم ثلاث أخريات. لعن مات، لكنه انضم إلى بيا في ركلها بسخاء نحو خطوط العدو. كلها عدا الأخيرة. رجع مات بقدمه إلى الوراء، محاولاً الحفاظ على سرعته مع عدم تفويت الكرة، وفي اللحظة التي سبقت تلامس قدمه لها، صار النَّوْرُ عالمه. حدث ذلك في جزء من الثانية. شُفَيْهَةٌ من الزمن. كان هناك ضوء، كفتح الستائر في صباح صيفي. ضوء عمياء، يغمر كل شيء. ثم جاء صوت، كفرقعة رعد وهدير شلال.

ثم أُعقِب ذلك بالقوة. تدفق الريح والمعدن الذي حاول تمزيق جسده إرباً. تلقى درع طوره معظم الضرر، وبدفع من الحظ، حمى جسد مات باقي أفراد الفريق. حظّ لم يستطع تقديره إلا لاحقاً، لأن كل ما رآه هو قدمه تسابق القنبلة، ثم وُصِدَ بالحائط، وقد عصِرت كل قطرة هواء من رئتيه. ساعده الدرع. لم يساعده بما يكفي. لم يشعر مات حتى حين اصطدم بالأرض، إذ قُذف صعوداً قبل أن تعيده الجاذبية إلى أسفل.

رنّت أذناه، ولم تمنحه عيناه سوى أطياف بدلاً من الرؤية السليمة، وخدر جسده بطرق لم يعهدها من قبل قط. كان هناك صراخ الآن. أصوات معركة، تُحَسّ أكثر مما تُسمع. تمكن مات من دفع نفسه للنهوض، مترنحاً أثناء ذلك. طقطقت أذناه، وحدّت رؤيته ببطء، وهز رأسه مجدداً مع مجيء نوبة دوار أخرى وذهابها. يا للهول المروع. بفضل الإدراك الشامل وحده رأى الضربة قادمة. بالكاد اعتمدت المهارة على عينيه، وحتى وإن لم تبعد سوى ثلاثة أقدم، فقد كانت كافية.

التوى مات، متحركاً قبل التفكير، وحول ذلك قطع الرأس الكامل إلى جرح غائر. انطلقت ساقه مفاجأة، لتكسر تزان من هاجمه. اقترب مات، واتضحت معالم الشخص تماماً. امتد معدن على طول عمودها الفقري، شبيهاً بما رآه يوماً على صور الديناصورات، لكن معظمها كان لحماً ودماً مجردين. استقرت سكين خلد في يدها، وشفرة حقيقية في الأخرى. أما سلاحه هو فقد ضاع. التوت محاولةً بقر بطنه بالسكين. صفّع مات معصها وتقدم، مقترباً بما يكفي ليلتصق بجانبها تقريباً.

التفت ذراعاه، على خدرهما، حول عنقها، وركلها خلف ركبتها. سقطت إلى الأمام، محاصرة في قبضة إخضاع كتابية. اندفعت شفرة الخلد نحو رأسه، فأخفاه خلف رأسها هو للاستتار. ما زالت الحافة الحادة استحالةً تقرض كتفه، مخلفة جرحاً عميقاً. لكن انعدام القوة ودرعه الخاص حالا دون ما هو أكثر، فشد قبضته على عنقه، وانتفخت عضلاته ببذل الجهد. إن لَيَّ العنق ليس بالأمر البسيط، هكذا ألقى يون محاضرة ذات مرة.

يجب أن يكون الجذع ساكناً، وإلا فإنك تديرهم بسرعة بالغة. يجب أن تكون الحركة سريعة وقوية ودقيقة، وتهدف إلى تحطيم الجزء العلوي من العمود الفقري. وحتى في هذه الحالة، فمن غير المحتمل أن تؤدي إلى الموت الفوري، سيما حين يتمتع الهدف ببيولوجيا صلبة أو منشآت تقنية دفاعية. إن كنت في وضع يتيح لك كسر عمودهم الفقري، فمن الأفضل اقتلاع أعينهم. إنه أسرع وأسهل وموهن بالقدر ذاته تقريباً.

دفع مات مهارة السرعة عقلياً، فتبطأت الواقعية. أطلق سراحها، ممزقاً خوذتها بمساعدة معرفة مكان الإبزيم بدقة. وما إن زالت، حتى استدار وغرس إبهاميه في محجري عينيها. حتى مع قوة بشرية أساسية، امتلأ جسده بالأدرينالين، وكان دقيقاً للغاية. صرخت بحدة وفظاعة، وانتزع شفرة الخلد من أصابعها الواهية. وفي ثانية تالية كان رأسها على الأرض، وتمزق يد مات الأخرى درع الطور من حزامها. احترق درعه الخاص، وكان يعلم ذلك حتى دون الحاجة إلى النظر.

بل إنه عرف الحالة الدقيقة لعدته بأكملها دون أن يمعن النظر. عجائب المهارات. طقطقت أذناه مرة أخرى، وعاد الصوت السليم أخيراً.

تحدث جيسون قائلاً: "—أتساءل حقاً."

ضيق مات عينيه، إذ ما زال بصره رديئاً.

"انتهى القتال، بالمناسبة. قتلت بيا معظمهم. لذا تساءلت؛ ما الذي يتطلبه الأمر حقاً لطرحك أرضاً؟ لأنني متأكد تماماً من أنك أعمى تقريباً، وقد انتزعت عيني تلك المرأة للتو بعد ثوانٍ من الارتطام بالحائط بفعل متفجرات عالية."

خرخر مات، مترنحاً إلى الخلف ومكافحاً للحفاظ على توازنه، وضغط بيده على الجرح في عنقه.

"أكثر من قنبلة."

نادى توبي: "أصيب ريج."

اندفع مات نحو الصوت، مجبراً جسده على الحركة.

"تعطل درع الطور. رصاصة في البطن."

لم يملك عدداً دقيقاً لآليات الطب الباقية لديه، لكنه بينما ركع بجوار ريج المنهار، وجه معظمها نحو الرجل. استقر تنفس ريج، وبعد هنيهة، انفتحت عيناه فجأة. لم يلتئم الجرح، وهو حرق شنيع بعمق بوصتين تقريباً، لكنه وجب أن يكفي. صفت عيناه مات أخيراً، لكن تبعه نوع من الفراغ، ولم تندمل الجراح في عنقه وكتفه.

أبلغ مات: "نفذت آليات الطب."

أخذت بيا صندوق إسعافات أولية من نقطة التفتيش الصغيرة وألقته إليه، فرمق تلك النقطة بنظرة عابرة. لم تكن سوى بضع طاولات منقلبة.

"شكراً. لا أعرف كيف أستعمل شيئاً من هذا."

خرخر جيسون، آخذاً إياه من يديه.

"دعنا نوقف النزيف أولاً. هذا مخدر موضعي، تستخدمه هكذا، ويجذب المشبك الجرح ليغلقه عند تثبيته هكذا. ثم أنت—"

أصغى مات بينما ضمّده جيسون، عارضاً إبهاماً متعباً حين تركّزت عيناه ريج عليه. تجهم الرجل، وأدرك مات أنه ما زال يملك سائل عيون على إصبعه. بصراحة، كان أكثر تعباً من أن يكترث. إلى الأمام وإلى العليا. لكن أولاً، وبصفته القائد الذي أعلنه ريج للمجموعة، كان على وشك الدعوة إلى استراحة وجبة خفيفة لمدة خمس دقائق. كلمة أخيرة باتريون (لا توجد فصول متقدمة حالياً لهذه القصة) ديسكورد