الفصل 24: لن يتكرر ذلك أبدا
بعد أن قال تلك الكلمات لأمه، تبع سايمون زاجلور دون أن ينطق بأي كلمة أخرى أو يصدر أي صوت آخر.
راقبت ليسا رحيله بتعبير معقد وألم في قلبها.
على الرغم من كل ما قالته، كان سايمون لا يزال طفلها. وكل ما فعلته قبل أن تبيعه كان نابعا من الحب.
أيام الجوع، وأيام العمل الشاق الإضافي، والليالي التي اختارت فيها أن تجلب له أفضل الطعام لنموه، كل ذلك كان بدافع الحب.
لقد أحبته، لكنها تعبت من الحياة التي كانت تعيشها.
كانت هذه فرصة لها لتعيش حياة أفضل بكثير. كانت هذه فرصة لحياتها لتشهد تغيرا جذريا.
لا مزيد من الأيام التي تقضيها في التفكير المستمر عما ستأكله في اليوم التالي.
لا مزيد من الليالي التي تسكب فيها الدموع وهي تنام على أسرة شديدة القسوة بينما يضربها البرد القارس للبراري.
ولن تعود إلى ارتداء الملابس الممزقة والقديمة بعد الآن.
كانت هذه فرصتها، وبما أنها قد تموت في أي لحظة، فستكون أحموقة إن لم تنتهز هذه الفرصة.
تمتمت بصوت خفيض قبل أن تلقي نظرة أخيرة على سايمون: "سامحني يا بني. أريد أيضا أن أستمتع بحياتي قبل أن أموت."
ثم حولت نظراتها إلى قبيلتها، إلى بيتها الذي أصبحت تلتهمه النيران والدماء والصرخات الآن.
كان بإمكانها سماع الصرخات المألوفة لشياطين كانت تعرفهم في الماضي، شياطين ضحكت ومازحتهم يوما ما.
’من المضحك كيف استطاع شيطان واحد يملك الثراء أن يدمر القبيلة دون أن يرفع أصبعا واحدا. كل ما استخدمه كان الكلمات.’
نظرت ليسا إلى الكيس الذي في يدها، ثم وضعته داخل ملابسها ومشت نحو بوابات القبيلة.
خطت خارج القبيلة وبدأت رحلتها الجديدة.
في هذه الأثناء، وفي موقع آخر لم يكن بعيدا جدا عن قبيلة ناب الغسق، كان سايمون وزاجلور يسيران في البراري بخطوات هادئة ومستقرة.
كان سايمون مطأطأ الرأس، إذ كان عقله لا يزال مشغولا بحقيقة تعرضه للخيانة من قبل أمه.
على الرغم من كل ما قاله حينها، فقد تأذى بشدة من خيانة أمه... لا... من خيانة ليسا.
لم يكن متألما فحسب، بل كان مشوشا للغاية أيضا.
كيف يمكن لأم أن تبيع طفلها مقابل بعض المال؟
على الرغم من أنه كان يعلم أن مثل هذه الأشياء تحدث حتى على الأرض، وقد رأى مثل تلك الأمور، إلا أن ما فعلته ليسا كان مختلفا تماما.
لو كانت حالتهم لا تزال سيئة كما كانت عندما أصبح الوضع الاقتصادي لقبيلتهم ميؤوسا منه، لكان قد تفهم الأمر.
لكن وضعهم كان قد تحسن كثيرا.
كل الأموال التي نجح في سرقتها جعلت حياتهم أفضل وأسهل بكثير.
كان بإمكانهم الأكل ثلاث مرات في اليوم، بل وكان لديهم المال للعيش برغد لفترة من الوقت.
ولأن العيش بتلك الطريقة كان سيجذب انتباه القبيلة بأكملها وتطرح الأسئلة، لم يكن بوسعهم بطبيعة الحال فعل ذلك.
كانا من بين الأثرى في قبيلتهما، وكان كلاهما يخطط حتى لمغادرة القبيلة للانضمام إلى عشيرة أو إحدى القبائل الست الكبرى.
كانت حياتهما تتحسن، وهذا ما جعل اختيار أمه لخيانته أمرا أكثر إرباكا لسايمون.
لو كانت حياتهما لا تزال تعيسة، لكان قد تفهم، ولكن أن تتخذ مثل هذا القرار بينما هم يتقدمون في الحياة؟
لم يستطع استيعاب ذلك ببساطة.
كان ذلك حماقة مطلقة وتعريفا واضحا لضيق النظر.
كان يدرك أن عشرين بلورة جهنمية من الرتبة المنخفضة تعد مالا كثيرا.
كانت كافية لتعيش براحة في عشيرة صغرى، ولكن هل كانت كافية لتبيع طفلك؟
لم يسمع قط عن أم أو أب من البشر يبيعون طفلهم عندما يبدأ الطفل في جلب المال إلى المنزل وجعل حياة الجميع أفضل.
وحينها فقط فهم سايمون.
الشياطين.
الشياطين لم يكونوا مثل البشر. إن طبيعة الشيطان وطريقة تفكيره تختلف تماما عن طريقة تفكير البشر.
كان الشياطين جنسان متأصلا في الشر والخبث. كانوا جنسا معروفا بالفوضى وإراقة الدماء والموت.
تعامل سايمون مع الشياطين لأكثر من ستة عقود، لذلك كان يعرف مدى خطورة الشياطين.
لم يكن بمقدورهم أن يكونوا أخيارا. فالخير لم يكن في طبيعتهم. والشر والفوضى هما كل ما يعرفونه.
قد يكون الشيطان مبتسما وساحرا وودودا، ولكن في لحظة ما، يمكن لذلك الشيطان نفسه أن يتحول إلى مخلوق تعطش للدماء يذبح المئات والأولاف دون ندم.
لقد حدث ذلك في حياته السابقة عندما وثق أحد رفاقه بشيطان. وفي نهاية المطاف، انتهى الأمر بالشيطلن بقتل رفيقه وعدد لا يحصى من البشر الآخرين دون ندم.
ولأن ليسا كانت أمه، لم يأخذ حذره منها. لقد وثق بها وآمن بأنها لن تؤذيه، وبأنها تريد الأفضل له.
لكن تبين أن الشياطين لا يملكون حبا حقيقيا حتى لأطفالهم أو لأولئك الذين تربطهم بهم صلة دم.
كان البشر أشرارا، لكن الشياطين كانوا أشرارا بحق.
وبسبب كل ما مر به في الماضي، لم يصادق أي طفل شيطاني في القبيلة على الرغم من إصرارهم على أن يكونوا أصدقاء له.
على الرغم من مرور عقود طويلة، كان بإمكانه تذكر مشهد قتل شيطان لوالديه وإخوته وحبيبته وابتلاعهم بوضوح عندما كان أصغر سنا.
لهذا السبب كان يكره الشياطين كثيرا، وكان ذلك هو السبب الذي جعله يبدأ رحلته في ذبح الشياطين.
ظن أنه كان يلعب بأمان وكان حذرا، لكن أمه أثبتت بطلان ظنه.
كان البشر أشرارا، لكن الشياطين كانوا أشرارا بحق.
رفاقه لأكثر من ستين عقدا خانوه لأسباب غير معروفة له، وأمه الشيطانية خانته مقابل مبلغ زهيد من المال.
لم يستطع حتى أن يبدأ في استيعاب أي الأمرين كان أسوأ.
لكن ما كان يعرفه هو أنه لن يتكرر ذلك أبدا... لن يتكرر أبدا أن يطعن في ظهره بهذا الشكل.
سواء كان بشريا أم شيطانا، لن يثق بأي شخص ثقة كاملة بعد الآن.