سلكنا الشوارع الرئيسة ونحن نتجه غرباً، وبقينا ملاصقين لجدران المنازل. تفادياً لمضايقات جديدة في المقام الأول، ولئلا نخلف وراءنا المزيد من الشهود الواجب إسكاتهم. تبادلنا حديثاً خافتاً، وكانت سايا تتعلق بذراعي بينما كان كل ما أقوله يمازحها أو يدفعها للرد بما يناسبه من دلال. كان الأمر تمثيلية في مجملها، مجرد ثملين عابثين حالفهما الحظ معاً. لكن سايا كانت ظريفة. بل إن تقليدها لغيْرثا كان بارعاً بصورة مرعبة، مع أنني استبعدت أن تجد والدتها بالتبني الأمر طريفاً بالقدر ذاته.
أخبرتها بكل ما أفشى به ضحيتي الأخيرة عن مولد، وهو في الحقيقة لم يترك سوى القليل. غير أننا كنا نعرف أين سنجده. بلغنا الجهة الغربية بسرعة كافية، وحالفنا الحظ إذ كان حي التجار معلماً بوضوح بلافتات خشبية مطلية ومكتوبة بخط اليد ومثبتة على عمود قرب منتصف تقاطع الطرق. سرنا دقائق أخرى عبر أجزاء أكثر بؤساً من سيمفيلن، إن جاز القول، بالنظر إلى الطلاء المقشر والإصلاحات المرقعة في واجهات المباني.
وهناك مبنى ضخم ثُبِّتت في واجهته الأمامية لافتة بحجم رجلين أحدهما فوق الآخر. كانت فطيرة خشبية هائلة، طليت لتبدو كقشرة بنية اللون، وتدلت على طول حافتها العلوية خصلات من صوف الغنم المتسخ والمشتبك. في الأيام الخوالي، لربما بدت كتصاعد البخار مباشرة من الفطيرة. أما في حالتها الراهنة، فما هي إلا شبيهة بالعفن. أطلقت سخريتي من الفكرة وأنا أتذكر اسم مولد. حقاً. من يُسمي طفله بهذا الاسم؟
أشفقت على ذلك اللقيط الضخم. تقريبا.
"تلك هي متجر الفطيرات، وصديقنا يسكن فوقه تماماً. أراهن أنه في الداخل الآن".
قلت.
"حسناً، فلندخل ونطوِ هذه الصفحة، أليس كذلك؟"
ردت سايا وهي تعبث داخل الحقيبة التي تحملها عند جنبها.
"سيكون متيقظاً ومقلقاً. علينا التحرك بصمت وسرعة".
همست وأنا أشرع في عبور الشارع. أخذت سايا بذراعي، واقتربنا معاً من الباب الخشبي الثقيل. لقد أكل الدهر عليه وشرب من كثرة الاستعمال حتى صار خشبه أملس. وأمسكت به مفصلات حديدية غليظة، وتوسّطه ثقب مفتاح كبير. جربت مقبض الحلقة فأجابني صوت صطح أملس ودون أي حراك. مقفل.
"علينا إيجاد طريق آخر، الباب مقفل".
راودتني لفترة وجيزة رغبة في ركل الباب لفتحه، لكن الأمر سيصدر ضجيجاً أكبر من اللزوم.
"ربما لا".
قالت سايا وهي تخرج أدوات فتح الأقفال التي أعطانا إياها الطبيب.
"أتعرفين كيف تستخدمين تلك؟"
سألتها رافعاً حاجب بحيرة.
"برأيك لماذا أمتلكها بحق الجحيم؟ أنا لست سيلا، لكن هذا ليس قفلاً سجن حصيناً".
"انسَ أنني سألت".
قلت. دفعت بقضيب رفيع داخل القفل أولاً، قبل أن تضغط على طرفه وتُدخل إحدى القطع المعدنية الأصغر. لم أكن أفلح يوماً في فتح الأقفال بنفسي. شعرت دوماً أن كفي أكبر من أن تمسك بتلك القطع المعدنية الدقيقة. وفضلت عليها تمرير نصل بجانب المزلاج. أو إسقاط الباب بأسره.
صدر صوت طقطقة و"تباً".
شتمت سايا قبل أن تسحب قطعة معدنية رفيعة أخرى.
"أتريدين مني إحضار سيلا؟"
مازحتها.
"أخرس".
هتفت بين أسنانها. انطلق صوت نقرة وطقطقة حين دفعت سايا الباب ليفتح. أصدر صريراً، ولثانية عابرة تملكتني الريبة ظناً منا أننا نبهنا مولد، لكنني علمت أنه يسكن فوق متجر الفطيرات. يستحيل أن يُسمع الصوت من الطابق الثاني.
"بعدك".
ابتسمت.
"يا لك من لطيف".
قلت، مقلداً صوت بيريك بأفضل ما أستطيع. انحنت سايا محاكاة للتحية، وولجنا الداخل معاً لنغلق الباب خلفنا. كان مدخل المبنى ممرًا خشبيًا بسيطًا، يضم بابًا على اليمين يؤدي إلى متجر الفطيرات، وفي نهايته درج قصير. وأنرنا طريقنا إلى الأمام بضوء باهت من شمعدانات صغيرة تتأجج فيها النيران. وحملت الشمعدانات شمعات قصيرة دائرية متباينة الألوان. بدا أن مولد يملك متسعاً من المال للشموع الغريبة.
خيار غريب لرجل، فكرت في نفسي، ولكن بما أنني لست رجلاً عادياً، فكيف لي أن أعرف؟ أشرت بإبعادي لسايا كي تتبع خطاي. امشياً على قدمي من العقب إلى الأصابع، شققت طريقي إلى قاعدة الدرج ثم صعدته. واضعاً قدمي على حواف كل درجة كعادتي لتجنب الصرير الذي قد يكشف موقعي. في أعلى الدرج، شعرت بمقاومة خشنة وخفيفة تحت أصابع قدمي. توقفت فوراً، ساحباً قدمي وناظراً إلى الأسفل بينما رفعت يدي لأمنع سايا من التقدم.
"ما الأمر؟"
همست.
"شظايا زجاج".
رددت هامساً. رافعاً قطعة صغيرة بين إصبعي الإبهام والسبابة، ومفركاً إياها بلطف دون أن أجرح نفسي. لو وطئت عليها، لسمعوا دبيبنا لا محالة. تخطيت منبه السطر المحتمل، وحذت سايا حذوي تماماً في خطواتها. فتاة ذكية، ذات حدس سليم. هززت رأسي مؤكداً لنفسي بعض اليقين. يجدي الاستعداد والحذر نفعاً دوماً. ولو اندفعت بعشوائية لكنت أفسدت الأمر برمته. وسبب آخر يدفعني للامتنان لبيفان. اللقيط.
كبمت فكي، طارداً طيف وجهه الميت وهو يحاول شق طريقه مجدداً إلى ذاكرتي اليقظة. اقتربنا من الباب الوحيد المتاح مقابل قمة الدرج. انحنيت عند الجدار الأيسر للباب، تاركاً الجدار الأيمن وثقب المفتاح لسايا. تسارعت دقات قلبي مع ترقب العمل الدموي. عرقت راحتا يدي فمسحتهما بأعلى كمي كأنني أرتجف برداً، ثم سللت نصل عصا سيفى. فتحت سايا الباب في غضون ثوانٍ معدودات. لا بد أن هذا القفل كان أيسر من سابقه، إذ تجاوزنا عتبة الباب قبل أن أدرك ذلك حقاً.
استقبلتنا أربعة جدران، ونار خافته، وتمام طاولات، وأربعة مقاعد وثلاثة أشخاص مسجّين حول النار. كان أحدهم مولد جلياً، وبدا جسمه الثقيل يعلو ويهبط مع تنخيره الخافت. وأمامه استلقت امرأة نحيلة شقراء تغطيها سجادة كثيفة من صوف الغنم؛ وكانت المطرقة ملقاة بجانبها تماماً. وعكسهما رقد صبي في التاسعة أو العاشرة من عمره بشعر أسود حالك. هوى قلبي. أبصرته بعين خيالى. وميض حديد. ودماء تتفجر عبر الفراغات بين أصابع أمي.
ماتت أغيتا فيل سالالدال وهي تلظى بكلمات لن أستوعبها أبدا؛ إذ غيبتها جوهر حياتها. أما أبي، باراز، فاكتفى بالبكاء. كانت شهقاته تتقطع منه كأنفاس حيوان محتضر ميمم الموت. وركع مهزوماً، تاركاً أصابعه تعبث بيأس وسط بركة دماء أمي المتسعة. كم تمنيت لو أنه قاوم. وكم شعرت بالشفقة والكراهية تجاهه لجبنه. وذات وميض الحديد اخترق القلب بطرفه كما فعلت أنا بسكين حاملها المجهول.
"مثير للشفقة".
هذا ما قاله بيفان حين نفض دم أبي عن نصله.
"أي نوع من الرجال لا يقاتل لإنقاذ زوجته وطفله؟"
لم أجب بطبيعة الحال، بل وقفت صامتاً، أرتجف، وأترقب الموت. أظن أحياناً أنني ما زلت هناك.
"أتريد أن تموت مثله، أيها الفتى؟ أم تود تعلم كيفية تسخير الموت ذاته؟"
لو علمت حينها ما أعلمه الآن. أكنت سأوافق؟ أكنت سأسير يداً بيد مع قاتل أبوي وأتحول بدوري إلى مثله؟ أكنت لأثأر لهم بعد كل تلك السنين؟
"سأجعلك قوياً، مثلي. لقد انتهت حياتك القديمة. اتخذ خطواتك الأولى لإحكام السيطرة الحقيقية. القوة الحقيقية".
تراءى بيفان فوقي، ممسكاً بنصله القاسي كأنه مخلب طائر جارح.
"لا تقتلني".
توسلت إليه، بصوت واهن كصوت فأر.
"إذن استحق رحمتي".
قال. كان ذلك اليوم الذي بدأ فيه تدريبي. جذبة حادة في كمي انتشلتني من شرودي. طعنت سايا باتجاه مولد بقوة، ثم ألوت بيدها ببطء نحو المرأة والصبي. رفعت يدي لأوقفها، كي استعيد أفكاري وأنفاسي. تململ الصبي أمامي وشرع في الاعتدال، وهو يفرك عينيه. اندفعت إلى الأمام، رافعاً يد السيف أمامي بينما قبضت يدي الأخرى على عنقه لأشده نحوي، ومقرباً النصل من رقبته. أخرجت سايا نصليهما تماماً مع إطلاق الصبي لصيحة خوف مخنوقة.
انتصب مولد واقفاً فزعاً وهو يوقظ المرأة بصراخ.
"لا صوتاً واحداً".
همست، مشدداً قبضتي على الطفل المتململ.
"أ... أنت".
تلعثم مولد.
"مولد، ما هذا؟"
قالت المرأة.
"قلت لا صوت".
قربت النصل أكثر من رقبة الصبي، لاعناً نفسي لفعلتي هذه بطفل. بطفل يشبهني كثيراً.
"لقد... وجدتموني. كيف؟"
قال مولد، مطيلاً النظر إلى المطرقة.
"سيموت الصبي قبل أن تبلغ سلاحك".
قالت سايا. ولمحتني بطرف عينها لأجز من الثانية قبل أن تدور حول مولد والمرأة.
رفع مولد يديه، "حسناً... حسناً. فقط لا تؤذِ ابني. أرجوك".
"باعك صديقك".
قلت. حنى مولد رأسه.
"أكان سريعاً؟"
سأل.
"أسرع مما تستحق".
صرخت "أنا آسف. لكوني جزءاً من المجموعة التي... هاجمتك. وقت الحرب قاسٍ".
"لم أرى كثيراً من الحرب بعد".
زمجرت، محاولاً إخفاء مقرتي لنفسي.
"لا، ولكن الضرائب؟ لقد رأينا منها ما يكفي".
"ينفطر قلبي لأجلك".
تململ الصبي مجدداً فشددت على النصل، لتتدلى قطرة دم صغيرة على حد السيف ويسترخي تماماً. كان جسده الصغير يرتجف كورقة في مهب الريح.
"ماذا تريد. ما الذي يجعلك تترك عائلتي وشأنها؟"
"أريد صمتك".
قلت.
"أنا أفهم. فقط. اجعله سريعاً، ودع عائلتي بعيدة عن الأمر".
تقدم خطوة، فاتحاً قميصه ليكشف عن صدره.
وأشار إلى قلبه، "افعلها".
قال. نظرت في عينيه تلك اللحظة. ها هو ذا رجل، يشوبه النقص، نعم. لكنه أب. أب مستعد لأن يجود بنفسه كي تعيش عائلته.
"لا مزيد من الدماء، لم ترَني، ولم أرك أنت وأصدقاؤك. لقد غادروا البلدة".
قلت، بصوتي الحازم ونصل المستقر على رقبة الطفل.
"بحق الملوك، يا مولد. لا تصدقه"، همست المرأة ذات الشعر الاصفر.
"اصمتي أيتها المرأة".
زمجر مولد.
"إنه عرض جيد. أفضل من قبر بارد".
قلت.
"لم أرى شيئاً، ولا أعرف من تكون. لم يكن عندي أصدقاء قط".
همست ببطء، مطيلاً النظر إلى ابنه.
"جيد. وتذكر الآن. أعرف اين تسكن، وأعرف وجوهكم. لا تجعلونا نعود".
"اخرجوا. أرجوكم".
بكت المرأة. دفعت الصبي أماميه، فتعثر متوجهاً نحو والديه اللذين احتضناه فوراً بذراعيهما. وما إن رفعا بصريهما، كانت سايا وأنا قد غادرنا الباب بالفعل.