التنين الأسود الفصل 26 — التسلسل الهرمي

اقرأ التنين الأسود الفصل 26 — التسلسل الهرمي باللغة العربية على مانجا تايم.

قضيت الليل نائماً تحت النجوم وفي درعي بينما التفّت إغزز حولي مطمئناً إلى أن حراس النوماض سينبهوننا إن تسلل إلينا شيء. ثم إنني لم أكن واثقاً من أن أي كائن يتسلل ليقترب من التنانين الصغار سوى أضخم سحالي الدنيا. لم تكن الضواري تحب المجازفة بالإصابة وكان كائن مجهول مثل إغزز -حتى مع حجمه الأصغر نسبياً- كفيلاً بردع أي مهاجم فضلاً عن أعداد النوماض الغفيرة. لم يكن ذلك كافياً لإقناعي بالنوم بلا درع.

كنت قد ارتديت درعي في طرفة عين داخل ذلك البرج غير أنني صرت منذ ذلك الحين أخلعه وأرتديه بنفسي. كان السحر ليوفر عليّ وقتاً طويلاً حقاً لكنني لم أكن أظن غرثا لتبذر قرشاً في سبيل راحتي. حلمت بآفاندون وساورني شعور غريب بالحنين رغم ضآلة مودتي للممدينة التي نشأت فيها صدفة. افتقدت بساطة حياتي في الغالب رغم كونها مسخرة للغير طوال مدة. ها أنا أعيش في البراري الآن وأنتقل من مكان إلى آخر مترصداً الأخطار في العتمات التي لا تنقص أبداً في أي غابة.

مع ذلك لم أبلغ هذا الحد من الحرية قط ولم أظفر بمثل هذه الثروة من الأصدقاء. كان إغزز وغرثا نقطتين مضيئتين في حياتي بلا شك وبدأت سيلا وصايو تأسران قلبي أيضاً وسررت بأن مهاراتهما القتالية تسندان ظهري. كانت تلك أول خاطرة خطرت ببالي حين أيقظني الإدراك البطيء بأن أحداً قربي يشوي لحماً. نهضت لأجد إغزز يحدق باتجاه شاب يعلق تشكيلة من اللحوم على الأسياخ. التفت الشاب إلى إغزز ثم عاد إلى اللحم بضع مرات فحسب مما أنبأني بأنه صلب العود.

لست أدري إن كنت أنا نفسي أحتمل أن يرم بنظراته تلك نحوي. ـ أأنت جائع؟ ـ نادى نحوي حين وقفت أفرك عيني. ـ أجل، بكم اللقمة لي ولحيواني... الأليف؟ ـ سألت. ـ يعتمد ذلك على حجم لقمته. ـ ابتسم الرجل. أرجعت ظهري إلى الوراء ورمقت إغزز وما زالت عيناه الذهبیتان مسمرتين على موقد النار. ـ ما رأيك بالكامل؟ ـ هذا كثير من اللحم. ـ وهما كثير من التنانين الصغار. ـ أجبت وأنا أتلمس كيس نقودي قبل أن أتذكر أنني لم أحضره معي.

فما جدوى النقود في الغابة حين تُبعث في مهمة استكشاف؟ لم أكن أنوي أن يغدر بي رجال سيدي وأُجبر على الفرار وسط سلسلة من الأحداث الغريبة. لكنت سأطلب مالاً من غرثا غير أنها لم تكن قريبة وما كانت تملكه من قروش كان على الأرجح يصطك بأسنانها. ـ على رويتي، لا مال لدي. آسف. ـ قلت. وضعت يداً حانية على عنق إغزز فقطعت نظراته الحادة أخيراً. ـ لا حاجة للمال! يا ابن باراز! ـ تلك الكلمات الست البديعة رفعت روحي وحلقت بها بعيداً فوق السماء إلى أعلى أفق بلغته قط.

التفت لأرحب ببولريار الذي فتح ذراعيه ليحتضنني. طوقني بذراعيه الضخمتين فشعرت لبرهة أنني طفل يعود صغيراً ويُرفع بيسر رغم ارتدائي الدرع. تخيلت أن بولريار ومعظم الدرايك يأكلون حصصاً شبيهة من الطعام وهو ما قد يفسر كثرة الوشوم التي تزين جسد الزعيم. ـ لا أستطيع أن أتوقع منك أن تطعمني أنا وإغزز بلا مقابل فأنتم جميعاً تكبدتم العناء من أجل ما تملكون. ـ قلت. ـ لا تكن جافاً وترفض هدية يا ابن باراز!

لن أقبل أن يجوع ضيف ساعدنا في الدفاع عن شعبنا وسط البراري القاسية لاسيما بعد أن حمى العزيزة ميليسينا طوال طريقه أيضاً! شعرت بوجهي يحمرّ فمثل هذه اللطف نادر حتى داخل جدران آفاندون الآمنة المزودة بالمؤون. ها هنا أناس يقاتلون ويتخفون ويتنقلون في سبيل كل ما يملكونه وهم يمنحونني ما يعادل صيداً كاملاً من أجل تنيني ومني. ـ لقد أكرمتني يا بولريار، شكراً لك. ـ حنيت رأسي.

ـ لا تتملق وتنقاد لي يا ابن باراز! نحن محاربون نزفنا معاً دماء الأعداء! تعال الآن لتأكل معي يا ميليسينا وسينضم إلينا الآخرون قريباً. ـ لم تدعو غرثا بهذا الاسم؟ ـ سألت. ـ أستطرح علي الأسئلة بلا طعام بينما بوسعي الإجابة وبيدي طعام؟ لم يكن بحاجة لتكرار كلامه، جلسنا معاً قرب النار ومُدّ كل منا بقطعة لحم على صفيحة معدنية رقيقة وباهتة تتمايل سكاكين صغيرة على سطحها غير المستوي.

كانت خفيفة بشكل مخدع في يدي وخالية تماماً من أي بريق. غمرتني البهجة حين لاحظت أن اللحم الذي على صفيحتي لم يكن سوى لحم خنزير مملح. إنه مفضلي. مزق بولريار نوعاً من الطير أصغر من أن يكون دجاجة وعجزت تماماً عن تحديد هويته لكن رائحته كانت شهية. لم يكلف نفسه عناء استخدام السكين بل ترك العصارة تسيل على ذقنه ويديه. قطعت شريحة كبيرة من الخنزير المملح وقضمتها. كان الطعم مالحاً ومدخناً وممطواً بتمام النضج.

هممت بأن أسأل بولريار عن اسم غرثا الغريب حين أطلق إغزز فحيحاً فأدركت الخطر الذي عرضت له فطوري وفطور بولريار. كان إطعام المفترس المجنح نافث النيران أولاً فكرة صائبة على الأرجح. ـ دعني أطعم إغزز فهذا سيمنعه من قياس طعامنا بعينيه. ـ قلت. ـ يعجبني حيوانك الأليف لكن لا تظنن أنني لن أقاتله من أجل طائر الفيلان. ـ قال بولريار وفمه ممتلئ بالطير المبهم. ـ أنت مجنون أخرق يا بولريار.

ـ قلت بجهامة. فنلت ضحكة مجلجلة جزاءً بينما انتظرت الرجل الذي يطهو الطعام ليتنحى جانباً. هز رأسه وابتعد فالتقطت قطعة لحم كبيرة. بدت كفخذ ظبي ضخم واستعددت لحملها إلى الجانب الآخر. بسرعة فائقة سلبت أنفاسي انقضى إغزز للأمام فكادت ضخامته تخمد لهيب نار المخيم وهو يطبق لحييه على لحم الخنزير خاصتي. قفز بولريار إلى الوراء وطائر الفيلان في يده بينما واصل ضحكاته المجلجلة بقوة جعلتني أظن أنه سيختنق.

ـ إغزز! لا! ـ صرخت حين رفع رأسه في الهواء واختفى لحم الخنزير في بلعة واحدة. التقت عيناه بعيني واتسعت حداقتاهما وهو يغرد. ـ كان هذا لحمك. ـ قلت وأنا أهز لحم الظبي بكلتا يدي ـ سيتعين علي أكله الآن! خطا إغزز خطوة بطيئة نحوي منزلقاً برأسه فوق الأرض مباشرة وهو يقترب من دون إحداث أي صوت تقريبا. انسطحت زعانفه على رأسه واتسعت عيناه. ـ إياك أيها اللعين الغبي. ـ زأرت. غرّد إغزز فاتحاً زعنفته ومغلقاً إياها.

ـ لا. انتزع إغزز الظبي مني فتجاوزت قوته قوتي بكثير إذ انتُزع اللحم من يدي عنوة. زأر بولريار ضاحكاً بينما شعرت بقلبي يهوي في صدري. لو كانت التنانين تشبه الكلاب في شيء لكانت قد تحدتني مرتين وفازت. لا أستطيع السماح لكائن -حتى لو كان بجمال إغزز- بأن يتحكم بي. قد يعقر كلب غير مدرب طفلاً. فما عساه يفعل تنين أسود حقيقي؟ اقتحمت المكان محملقاً في إغزز بينما بسط زعنفته وانكمش ليجعل نفسه يبدو أصغر حجماً.

لم أبتلع الطعم. فالغبي الصغير ظن على الأرجح أنه يستطيع جعلي أتراجع. جُرّ لحم الظبي على الأرض وكان غارقاً بالفعل بقطرات لعاب إغزز الكثيف. أمسكت اللحم ونظرت إلى الشقي الصغير في عينيه. ـ اتركه. اتسعت عيناه الذهبیتان أكثر مما رأيت قط وأطلق أنيناً خافتاً. ـ يا صغير. اتركه. ـ قلت بحزم رافعاً رأسي ونافخاً صدري لأبدو أكبر حجماً. أطلق إغزز أنيناً طويلاً ومتردداً وغاص أكثر في الأرض ناشراً جناحيه وهو ينظر إلي ببطء حتى أطلق فكاه لحم الظبي وسقط اللحم الممزق على الأرض.

حسبت تفاعل إغزز خضوعاً بين التنانين إذ نظر إلي ثم إلى اللحم من دون أن يبرح مكانه. كان لزاماً علي أن أوضح لإغزز أشد الإيضاح كيف تسير الأمور هنا فمن شديد الخطر علي وعلى إغزز أن يكون التنين الحقيقي هو من يتخذ القرارات. ركعت قرب اللحم ونظرت في عيني إغزز وقضمت قضمة. غمر فمي طعم الطرائد البرية فبذلت قصارى جهدي لأمحو فكرة لعاب إغزز من عقلي. ركزت عوضاً عن ذلك على المضغ ثم بلع لحم الظبي الذي ظل شهياً على نحو مفاجئ.

مال إغزز برأسه إلى الجانب محركاً ذيله قبل أن ينبطح مسطحاً. أخذت قضمة أخرى أمضغ وأبلع ثم قضمة أخرى تلتها أخرى. مزقت ذلك الظبي إرباً إرباً كجائع أزفة أزمته حتى شعرت بشبع نسبي. وقفت حينها ويداي وفمي لا يزالان يقطران بالدهن فأشرت لإغزز نحو الوجبة الممزقة. ـ كل. ـ أمرت. انتظر إغزز لحظة قبل أن ينشر زعنفته ويأخذ الظبي بفمه مرة أخرى ثم التوى عند قدمي ليقضم وجبته. ـ يسرني أن الأمر انتهى.

ـ قلت بلا مخاطب لكنني انتبهت حينها إلى حشد المحيطين بي. كلهم صامتون ودفاعاً عنهم لم يسبق لأحد منهم على الأرجح أن رأى رجلاً يأكل فطور سحلية ضخمة نصف المأكول ليخضعها لسطوته. ـ أنت مجنون أخرق يا ابن باراز! ـ قهقه بولريار بصوت خفيض وهي أخفض نبرة سمعته بها قط. ـ إن انتهيت تماماً فأمامنا مسافة طويلة لنقطعها! ـ انطلق صوت غرثا من خلفي. التفتّ فرأيتها ومعها سيلا وصايو وقد علت وجوههن تعبيرات متحيرة.

كانت صايو تمسك جناح ما تبينت الآن أنه طائر الفيلان بينما غرست سيلا نقانق في سكينه. ـ أستسرق فطورى أنت أيضاً أيها التنين؟ ـ سألت سيلا. ـ لم تسئ أدبك معي صح؟ ـ سألت ممتعضاً وقد علت وجهي ابتسامة. ـ ليس مادمت ماهراً بذلك السيف. ـ أجاب قبل أن نقهقه معاً. غرّد إغزز وفمه مملوء بلحم ممضوغ بنصفه. ـ لا تتحدث وفمك ممتلئ. ـ قلت بتمثيل درامي قاطعاً صمت الحشد المذهول بضحكات متفرقة.

لمفاجأة الجميع وبخاصة أنا بلع إغزز طعامه بلا أي صوت إضافي. تساءلت عن مدى استيعاب حيواني الأليف وما قد يختار تجاهله منها. ـ سنرحل بعد عشر دقائق يا تول. أريد استغلال هذا الضوء خير استغلال. ـ قالت غرثا مستديرة لتسير مبتعدة عن الجمع. ابتسمت صايو وسيلا وتبعانها. ـ لا تخدعنّك الظنون يا إغزز. فهناك سلم للأفضليات. ـ قلت وأنا أرمق الساحرة وهي تقود البقية.