خرجت من الخيمة خلف بولريار الذي كان سريعاً وضخماً ويقهقه في طريقه كطفل مسرور. خطفت نصلتي من مكانها مستندة إلى صندوق خشبِيّ. انفجرت يداي بألم لاسع وأنا أشتم الأحمق الذي تركها مائلة رغم تعليماتي الواضحة. كان عليّ تأديب ذلك الأحمق لو عثرت عليه. انطلقت خلف بولريار الذي استمر يضحك بمرح لنفسه. بدأت أدرك أن عقلية رجل يستمتع وضوحاً بفرصة كسب العلامات عبر مقارعة ضواري العالم الكبرى كانت معتلة على الأرجح.
لحسن الحظّ أنه كان في صفنا. استمر البوق في إطلاق نغماته من مسكن يبعد عنا مجموعة واحدة. كنت أسمع مسبقاً صرخات وجلبة وصياح درّاك حادّاً. حاولت بيأس تذكر ما شاركه أولثر عن خبرته مع أحدهما قبل كل تلك السنين.
"إنهم أبناء عاهرات سريعون يا تول، وهم أذكياء، وألسنتهم قادرة على الإمساك برجل من مسافة تفوق العشرين قدماً. إن غاب عن عينيك، فهو خلفك أو فوقك".
كنت حازماً. احتجنا لقتل هذا الكائنات، وبسرعة. الدّراكات، كمعظم سحالي تلك البقاع اللقيطة، تستطيع تغيير حراشفها لتطابق محيطها، لكنها قادرة أيضاً على تسلق أغلب الأسطح. لونها الطبيعي متعدد الألوان، وهذا سبب كون أقواس قزح فألاً سيئاً. الذكور تملك خصلات عظيمة من الريش، بينما الإناث أكبر حجماً وأكثر شراسة. تبعَتني صايو وسيلا وجيرثا عن كثب. في كل مكان، استطعت رؤية محاربي البدو الأحرار يركضون نحو أصوات البوق.
رجال ونساء ارتدوا جميعاً جلوداً أو أدماً أو دروعاً طرازها قديم لممالك شتى، متخالفة في موادها وعصورها. كل منهم حمل نوعاً من الرماح أو الفؤوس أو الأقواس أو المناجل. كانت هذه جماعة مقاتلين لا شك في ذلك، لكن بدلاً من الدروع والمعدات المتطابقة للجنود، كان هؤلاء المقاتلون متفردين بقدر شراستهم. كان البدو الأحرار محاربين، وهم عرفوا ذلك. لم أستطع منع نفسي من الابتسام وأنا أركض معهم.
الشجاعة سلعة نادرة هذه الأيام. دخلنا الفسحة لنراها صامتة بغرابة، لكن لم يكن هذا هدوءاً يعقب عاصفة المعركة. كان هذا هو النفس العميق الذي تأخذه قبل أن تنفجر كل الشرور من الأرض. الموتى والمحتضرون افترشوا المكان حولنا، وأولئك المتعلقون بالحياة أمسكوا بأجزاء أجسادهم المحطمة معاً. رجل واحد استند إلى كومة قماش خشن من خيمة منهارة؛ كان يحاول حشو أمعائه مجدداً داخل الجرح الثغري في بطنه.
وقف عشرة محاربين في دائرة وظهورهم لبعضهم، غير آبهين بالجرحى. قد ترون ذلك قسوة، لكنها ببساطة سنة الأمور. إن أردت النجاة، فعليك الاهتمام بالآخرين فقط حين يستتب الأمان؛ وإلا فأنت مجرد جثة أخرى للكومة. كل بناء تقريباً مُسح بالأرض؛ والبناء الوحيد الباقي جزئياً كان الخيمة المركزية، رغم تمزق شقوق ضخمة عبرها.
"أين الدرّاك؟"
ناديت وبولريار معاً. التفت إلي فوراً، فحنوت برأسي موافقاً، لكنه ابتسم وشارب إلي.
"حريص على قتله أيضاً، يا ابن باراز؟ يعجبني أمرك، ربما تنال علامة ثانية من أجله، هه؟"
أخبرتني ابتسامته أن كلماته لم تقصد جرحي كما فعلت. انحنيت مرة أخرى قاطعاً الحديث.
"إنه قرب الرئيس، الأشجار تتحرك هنا وهناك، وأحياناً تنكسر الأغصان. اللقيط يلاعبنا".
قالت امرأة شابّة تحمل رمحاً ثلاثي الشعب، ولم تنظر إلينا، بل واصلت تفحص خط الأشجار بعينيها.
"إذن ننضم إلى الدائرة، لنجعل أنفسنا نزهة أشهى من أن تُتجاهل!"
انضم بولريار إلى الدائرة وهو يلعق أسنانه ويقهقه بخطر. أثار أسلوبه توتري في تلك اللحظة. بدا كرجل مهشم الحرب، تحطم عقده جراء خبرات مروعة كثيرة، لكن الناجين استرخوا علناً حين اقترب. تساءلت كم من تباهيه كان تمثيلية للإلهام وكم منه حقيقياً. لابد أنه الكثير رغم ذلك؛ فقد غطته أوشام لحيوانات شتى. لا تنال ذلك بكونك وديعاً. انضم الحراس والآخرون بجانبنا. كنت جوار بولريار الواقف على يمينتي، واتخذت جيرثا مكانها قرب يساري، رغم ملاحظتي تردد صايو لنصف ثانية قبل أن يبعدها صديقي جانباً.
دفئ ذلك صدري قليلاً وضحكت بخفة. أخذ بولريار هذا علامة على أننا متشابهان وضرب كتفي.
"مرح المعركة، أنت تذوقه أيضاً. لا عجب أنك تحمل علامة خطيرة، يا ابن باراز!"
أدار فأسه في يده، فالسلح الضخم بدا كقشّة يلوح بها طفل. كان المكان صامتاً بغرابة وساكناً برعب حولنا. سمعت ضجيج محاربين آخرين من قطاعات أبعد عنا وهم يتسابقون، لكننا ملكنا دقيقة جيدة، ربما اثنتين، قبل وصول مددنا. أخبرني صرخ بعيد أن البيض قد سمع الضوضاء وبلا شك يسرع نحونا، وهو ما عزز معنوياتي كثيراً. رغم أن الدرّاك امتلك وقتاً أزيد من الكافي لتمزيقنا. انكسر غصن أمامنا، مباشرة أمامي بثلاثين متراً.
لم أستطع رؤية شيئ، لا شكلاً، لا حركة مفاجئة. عصرت مقبض سيفي بيدي، مستخدماً تنفسي لمقاومة ألم الإصابات التي ألحقها بي الليندوايرم. مددت سيفي مباشرة أمامي ورأسه يشير من حيث نشأ الصوت. لم احتج أياً من حراسي في هذه اللحظة، ليس إلا إن قررت الدراكات تعلم نسج الفولاذ. استدار الجميع ببطء ليواجهوا الفراغ ذاته مثلي، وتحولت الدائرة إلى خط. ثم انقسمت إلى مجموعتين ونحن نتحرك بلطف لمجاوبة الفراغ، وأولئك الذين حملوا الرماح تسللوا أبعد.
سمعت غصناً آخر ينكسر أمامنا، وتشابكت عيناي بجيرثا. أومأت، ممسكة بقطعتي نقد بين أسنانها. ثم انطلقت ضربة رطبة من الخلف متجاوزة أذني، وشاهدت بولريار يُلتقط بغتة بلسان ضخم وعضلي.
"إن غاب عن عينيك، فهو فوقك أو خلفك".
ترددت كلمات أولثر في رأسي بينما صاح بولريار بغضب. لم يتردد أي منا، قطعت اللسان فوراً، مباشرة تحت مكان التقاطه لبولريار، بينما هو، عاجزاً عن تحريك ذراعيه، حنى رأسه للأسفل وعض المخلوق بأقسى ما استطاع. لعلنا كنا متشابهين أكثر مما ظننا. نهش نصلتي عميقاً، وكوفئت بدم أحمر قاني بينما صرخ المخلوق. حرر اللسان بولريار الذي انضم إلي بجانبي بينما راقبت اللسان يتحرك إلى الوراء، متجاوزاً عشرين قدماً داخل فم درّاك.
وقف على أربع أرجل وكان بحجم البيض بستة أضعاف بسهولة. لمعت حراشفه في الضوء، واستطعت رؤية الألوان المتقزحة تتموج عبرها. امتلك الوحش فماً عريضاً بأسنان متوحشة وحادة لمعت بوعيد الموت. تدلت جلدة سوداء سميكة من زوايا فمه والتحمت خلف رأسه؛ ربما كانت نوعاً من رباط خيمة أُمسك به وهو يعيث فساداً، لكنه بدا غريباً، منظماً تقريباً. راقبت عينا الدرّاك السوداوان بصراً بلا رمش. بدا أننا نلنا تركيزه المطلق.
هوى بطني حين لم أرى خصلات ريش بارزة من رأسه. كانت هذه أنثى، وهي تقليدياً أكبر حجماً وأكثر شراسة من الذكور. هذا الشيء اللعين كان ضخماً. كيف باغتنا بينما سمعناه قبل لحظات يقاتل بأسنانه ومخالبه؟ لابد أنه تراجع ليكتسب أفضلية. عرفت أن الدراكات قادرة على تغيير حراشفها، لكن تحركه بلا رؤية أو صوت من ناجين مخضرمين للغابات الحرة كان مذهلاً.
"اقتلوا ذلك اللعين!"
زأر بولريار وانطلق نحو الوحش. كان الرئيس الغاضب والمجنون سيقتل نفسه إن كان الهجوم المجرد هو الخطة؛ لقد نجوت فقط من تلك الحماقة مرات قليلة قبل أن أرى الصواب أخيراً.
"بولريار! انتظر!"
ناديت، لكن الرئيس لم يسمعني أو لم يهتم. انطلقت خلفه بينما نادى آخرون باسمي، لكن أحداً لم ينطلق معي. تفرعوا ببساطة أبعد وتقدموا. اندفع الوحش مباشرة نحو بولريار، وزأر الرئيس وهو يرفع فأسه. قفز الدرّاك نحوه، وأطرافه الأمامية ومخالبه ممدودة. تلك كانت اللحظة التي رمى فيها بولريار بنفسه جانبياً بغتة، متدحرجاً ومغرزاً فأسه فوراً في كتف الدرّاك. بكى بألم، لكن زخمه حمله للأمام، وأدركت أن أحداً لم يهاجم معي لأن هذا التكتيك يعني دهسهم.
تفرعوا للاستفادة من المخلوق، مفترضاً إعادة تمركزه. ساورته فكرة عابرة عن مدى ذكاء استخدام قوة المخلوق وسرعته ضده قبل أن يصطدم بي، دافعاً إياي لأهوي داخل كومة قماش. أدت دروعي عملها بحماية مقبولة، وكنت مشوشاً قليلاً. رأيت محاربين يندفعون نحو الدرّاك قبل أن تسود السماء فجأة، وتردد نحيب متنافر من كل ما حولنا. تمايل المخلوق بفعل النيران في جنبه، وتدحرج على الأرض، محطماً رجلاً تحت كتلته.
"خذيها، جيرثا".
بصقت قبل أن أدفع نفسي للوقوف. مددت يدي نحو سيفي حين رأيت قطرة دم تسقط من يدي على المقبض. كرات الممثل. بدأت جروح عضي تنزف مجدداً؛ سأحتاج لتفقدها. الآن، كان عليّ الأمل بقدرتي على إمساك مقبض زلق بنصف كفاءتي المعتادة على الأقل. عمل البدو الأحرار بتناغم جميل. رأيت سيلا يطعن برمحه، قبل أن ينجح في تطويق المخلوق برسن حول أحد أطرافه الأمامية، وقفز ثلاثة بدو آخرين على الحبل معه لسحبه للأسفل.
اندلقت صايو بين الأقدام والأطراف بسرعة مذهلة، قاطعة بنصالها المنحنية بينما ضربت جيرثا المخلوق بهبات رياح قوية. طعن البدو الآخرون وقصوا وهاجموا المخلوق بلا هوادة. لاحظت أنهم لم يضغطوا هجماتهم قط، جاعلاً كل منهم هجمة واحدة قبل الابتعاد، بينما هاجم آخرون من جوانب أخرى. كانوا يقسمون تركيز الدرّاك، مشوشين إياه. حاول بولريار القفز على ظهر الوحش قبل أن يُدفع بعيداً كذبابة، زاعقاً طوال الوقت.
هززت رأسي وأمسكت نصلتي، قابضاً عليها بإحكام أكبر من المعتاد لتعويض إفساد دمي لقبضتي. كتمت أسناني بوجه الألم، فحتى في الموت، كان ذلك الليندوايرم اللعين شوكة في جنبي. انكسر غصن خلفي، ومرتعباً، استدرت. أمامي وقف شخص يرتدي قماشاً أسود بالكامل وبحذاء ركوب طويل من الجلد مع مهمام شرسة بطول إنش من معدن باهت عند الأعقاب. بدا فقط عيناه مرئيتين، لكن زرقة الجلد بينهما أخبرتني أنهما نارجازي، سادة الفروسية المعترف بهم على نطاق واسع.
حملوا سيفاً بيدين، متجهاً للأسفل للأرض وهم يتبنون وقفة عريضة أخبرتني بوجودهم في وقفة الافتتاح المسماة البوابة المتألقة. حدقوا في بغضب بارد. حينها أدركت أمرين. أولاً، كان هذا الفرد متعلماً بوضوح في نسج الفولاذ. ثانياً، لم يكن الجلد المتدلى من فم الدرّاك صدفة. بطريقة ما، استبدل هذا الأحمق ثقيل الخطى حصاناً بدرّاك لعين. ماذا يفعل نساج فولاذ حياً؟ ماذا يفعلون هنا؟ لماذا أرادوا قتالي؟
أوما لي، بالطريقة التي اعتادها بيفان قبل السماح لجلسة التدريب بالبدء. اي جرأة! متظاهراً بكوني معلما. شعرت بغضب يتدفق عبر رأسي وقلبي. رفعت سيفي بلا مجاملة التحية وانطلقت.