راقبت بذهول القادمين الجديدين وهما يتقدمان ببطء نحو غيرثا. كانا يتشابهان إلى حد كبير، ويكاد يُصنفان معاً في الحسن الفائق. امتلكا عينين سوداويين براقتين وشعرين أسودين طويلين، وبشرة مسمرة، ومشية يطبعها الاسترخاء. لمسا جبينيهما ثم قلبيهما قبل أن يقتربا منها، وفعلت المثل، فتعانقا. واكتفى الأيل بمراقبة بيغز بعينين ضيقتين وضربات حوافر متقطعة.
قالت غيرثا بابتسامة: "لقد كبرتما يا لكما من فتيان!"
وقال الرجل: "صرنا أقوياء في غيابك. لقد فاتك الكثير."
وألقى عليَّ نظرة حذرة وهو يعانق غيرثا. ابتسمت وأومأت برأسي على أتم وجه يدل على أنني لا أُمثل خطراً بعد. انفصلا. وتوجهت غيرثا نحو الأيل الذي خفض أشواكه باقترابها.
وهمست بغنج: "ومن هذا الفتى الوسيم؟"
فأجابت المرأة: "هذا غور."
وكبحتا ضحكة كادت تخرج مني. لقد كان اسماً حرفياً ومناسباً جداً لأيل. شرعت غيرثا تحك رقبة الوحش، فأنحى برأسه مستسلماً لحنانها، واهتزت أشواكه على طول ظهره. خطوت خطوة إلى الأمام، مستنداً بيداي على مقبض سيفي، وارتسمت على وجهي أودُّ الابتسامات وألطفها.
"أنا تولين فال بارراظ، من أفاوندون سابقاً. يسرني لقاء أبناء غيرثا!"
لم أكن متأكد من أعرافهم، لذا حافظت على مسافة آمنة ومحترمة. لا يمكن المرء الحذر أكثر مما ينبغي.
قال الرجل وهو يلمس جبينه ثم قلبه مجدداً: "سيلا فال هيرون، وهذه أختي سايلو فيل هيرون."
ولم يتحرك لمعانقتي، ولن ألومه على ذلك.
سألت رافعاً حاجبِي في وجه غيرثا التي بدا جلياً أنها ليست من الأراضي النائية أو زيلوند: "أكان أبوكم زيليشياً؟"
أجاب سيلا: "نعم، كان كذلك."
استفسرت وقد بلغ بي الحيرة كل مبلَغ: "أوه، أرى ذلك، صحيح، من أيّ جزء من زيلوند ينحدر؟"
لم يبدُ عليهما أي أثر للطباع الزيليشية في هندامهما وسلوكهما.
حدق سيلا فيَّ ببلاهة وقال: "لا أعلم. لقد توفي حين كنا صغاراً."
ردت غيرثا من بعيد: "إنه يسأل هذا لأنه ظن أنني ولدتكما ويتساءل لماذا تبدوان كأبناء الأراضي النائية."
فاحرّ وجهي خجلاً. ضحكت المرأة، سايلو، وكان صوتها طرباً لآذاني.
"ميصريليا هي أم معقلنا؛ ولم تضطر لتحمل الألم عند قدومنا."
سخرت غيرثا قائلة: "بل اضطُررت لتحمل خسارة معظم مؤنتي وقت كل وجبة."
قبل أن تترك غور وتنضم إلى الثنائي، رابت كتفيهما كليهما.
بدأت قائلة: "عذراً. أنا لست... معتاداً على... ميصريليا؟"
علّق غيرثا وهي تومئ لي بجدية أربكتني: "تول غليظ بعض الشيء مع البشر، لكنه بطل بسيفه ورجل نعم السند في ظهرك. لكنت ميتاً دونه."
فرددت فوراً نادماً على استخدام اسمها المختصر: " لكنت ميتاً بالدرجة ذاتها لولاك يا غيرث."
ففاجأتني برفعت حاجبيها معاً وهز رأسها.
سألت: "كيف عثرتما علينا على أي حال؟ إنها لمصادفة لطيفة، لكنها غريبة، أن تصادفانا هكذا."
استهل سيلا حديثه: "لقد أشرق البرج بسطوع شديد حتى رأيناها من أميال بعيدة. وأرسلنا بوليار لنستطلع الأمر."هست غيرثا: "أوه، الزعيم بنفسه، يشرفني ذلك."
وأنهت سايلو الكلام: "ووردتنا أخبار بأنك قد فقدت يا ميصريليا."
سألت غيرثا بصبر محتار وكأنها تستفسر عما إذا كان جُعْل جرتها باهظاً إلى هذا الحد حين غادرت لتشترِ جولة أخرى: "كيف عسى أن تكونوا قد علمتم بذلك؟"
أجابت سايلو: "جاء رسول من ملوك أفاوندون إلى المعسكر. لا نعلم كيف عثر علينا، لكنه قال إن ملك بيريك يطلب أملاكه المستعبدة. لقد فُقد ساحر وحارس أوتار، وسيدفع بسخاء نظير إعادتهما."
خطوت نحوه سايلو ومررت إصبعها على حلقها مضيفة: "قالت إن الموت أو الحياة لن يؤثرا على قيمة الأجر."
بدا لي أن نيموند قد شق طريقه عودة، وبدلاً من رد الجميل بالعفو عن حياته حين أخبر بيريك بموتنا، وشى بنا لنُطارد بقية أعمارنا. أقسم بالصياد، يا له من وغد، ألَم يفهم شرف المحاربين؟
سخرت غيرثا وبدأت تطوف جيئة وذهاباً: "إذن فأفاوندون يريداننا ميتين معاً، وتوجها إلى ذات القوم الذين سلبوني منهم طلباً للمساعدة؟"
قال سيلا بصرامة وهو يقبض على أعلى ذراع غيرثا أو ميصريليا: "عرضوا ثمناً سخياً، لكننا لم نكن لنسمح لهم بأخذك مجدداً يا ميصريليا."
سألت: "ما قصة ميصريليا هذه؟ هل غيرثا اسمك الحقيقي أصلاً؟"
ردت غيرثا بحدّة: "إن ناديت تفاحة والتفتَّ، أيكون ذلك اسمك؟"
"ماذا؟ كلا؟"
"إنه أحد أسمائي، اسم قديم. اسم يعلم صغاري أنه امتياز."
قال الاثنان بصوت واحد: "عذراً، أم المعقل."
سألت: "كم مضى منذ أن رأى بعضكم بعضاً؟"
أجابت غيرثا بحزن: "وقتاً طويلاً، طويلاً جداً."تعانقوا جميعاً مجدداً، ووقفت هناك بتخبط أتأملهم.
وجدته أمراً غريباً ألا يبدوا أكثر تأثراً. طالما شاهدت حراس الأوتار يجتمعون بعائلاتهم بعد هجوم عنيف أو أسبوع من حراسة الليل، وكانت هناك دموع وقبلات ومعانقات. لكن ليس لي حق الكلام. لو أعدتم تعريفي بوالديَّ لما تعرفت عليهما حتى. إلا إن شوهوهما بالطريقة ذاتها التي فعلها بيڤان. انسل بيغز خارجاً من جثة الويفيرن والتف حولي. كانا يقطران دماً، وتنهدت حين تسلل السائل النتف عبر الفجوات الضيقة بين لحمي ومعدن درعي، ليتشرب سترتي ببطء.
قالت سايلو: "لديك تنين."
بدت حذرة، لكن الابتسامة الخفيفة على وجهها أخبرتني أن جزءاً منها على الأقل يحب المجازفة.
أجبْت وأنا أُدغدغ بيغز تحت فكه فصدر عنه هدير طرب: "كلا. إنه ويفيرن."
ضحكت سايلو قائلة: "الويفيرن ليس حقيقياً."
وبدت نبرتها في قول ليس حقيقياً قريبة من كلمة عقدة الساعة، فخالني الخجل يسري في وجهي.
أردفت وأنا أبتسم بتهكم حين اتسعت عينا الشقيقين وسمعتهما يشتمان خفية بالزيليشية: "اعدد الساقين."
صاح سيلا مذهولاً: "حقاً؟ أليست هذه خدعة؟"
واقترب، متوقفاً حين أصدر بيغز هسيراً حتى أشرت له بأن يتابع.
"لا خدعة. فقست بيضة فخرج بيغز."
سألت سايلو ووجهها يطفح بالدهشة: "البيضة احتوت بيضاً أكثر؟"
قلت مشيراً إلى طفلي المغطى بالدماء أو حيواني الأليف: "حسناً، كلا، اسمه بيغز."
قال سيلا: "هذا ليس اسماً لويفيرن. الويفيرن يستحق اسماً من الأساطير لا من وجبة الإفطار."
ضحكت قائلة: "مهلاً، أُريك مخلوقاً أسطورياً، وتتندر على اسمه؟"
غنّت سايلو بغنج: "إنه لمخلوق وسيم، نعم إنه كذلك!"
فزدت ميلاً إليها. شم بيغز التوأمين بحذر وشرع في تنظيف نفسه. كان المشهد عجيباً لمخلوق بحجم حصان. واكتفى غور بالمراقبة وظلت أشواكه منتصبة طوال الوقت.
ضحك سيلا وأشرف عليَّ بابتسامة عريضة: "نعم، سحلية جبارة. لكنها ليس غاضبة. ربما يمكنك إخبار أصدقائك بتركنا وشأننا، أليس كذلك؟"
كانا غريبين، لكنني أحببتهما. تساءلت كيف كان ليكون شعور غيرثا لو تربى هذان الاثنان على يدها.
ضحكت غيرثا: "يحاولان ترويض أي شيء يصادفونه هذان الاثنان، يا تول، انتبه. قد تجد منافساً لك."
ابتسمت، مرتاحاً لعدم خوض قتال آخر وأيضاً لرؤية وجوه ودودة أخرى. بانضمام شخصين إضافيين لصفنا، سيما وأنهم رحلتا أحرار يستطيعان القتال والبقاء أحياء هنا، تضاعفت فرص نجاتنا.
سألت: "لا عيب في المنافسة. لكن انظرا. القدر ذاته هو ما ساقكما نحتاج إلى أي مساعدة ممكنة لبلوغ معقل الأركوزان. أسترافقاننا؟"
بدت غيرثا مصدومة، لكنني قدرت أن كان هذان الاثنان بمثابة الأبناء لها فهذا حسبني كافياً على أي حال. كان عليّ أن أثبت لها جدارتي بالثقة. نقرت سايلو بلسانها، وهمهم سيلا في نفسه.
قال سيلا: "ربما، يجب عليك أولاً القدوم إلى معسكرنا. لقاء بوليار."
سألت وشعور الريبة يتبرعم في صدري: "لماذا؟"
قبل أن أنفضه عني الآن.
"كانت ميصريليا من الرحل قبل أسرها. وستعرف الكثير عن الملك بيريك مما سيحتاج بوليار لمعرفته."
قلت بحزم: "هذا منطقي، لكن ثمة خطر هنا لا يمكننا الاقتراب منه. أمور عجيبة لا تصدقونها."
سألت سايلو: "أعجب من مخلوق أسطوري ينبض بالحياة؟"
أجبْت: "أكثر فتكاً."
قال سيلا بلا مبالاة: "آه، لقد رأيت الموتى إذن."
همست غيرثا: "ليس الموتى فحسب. كان أحدهم يملك سحراً... فاق سحري."
التفت الشقيقان نحوها فوراً.
وضع سيلا يده على ذراعها: "لقد تحدوك؟ هل أنت بخير؟"
قالت غيرثا: "نعم. لقد عشنا. بفضل بيغز."
قالت سايلو وهي تلمس جبيبي ثم تلمس جبيني: "إذن علينا شكر ويفيرنين أسودين لسلامة أم معقلنا."
احرّ وجهي؛ وكانت تلك المرة الأولى التي يُقال لي فيها هذا اللقب بلا أدنى سخرية.
صفق سيلا بيديه معاً: "يجب عليكما كلاكما لقاء بوليار؛ لنتشارك كل ما نعرفه معاً. وحينها يمكننا مناقشة أمر الأركوزان. أليس كذلك؟"
نظرت إلى غيرثا، مئوماً لها لتتولى القيادة. ابتسمت لي بفتور قبل أن تومئ رداً على ذلك.
قالت: "حسناً. لنرحل قبل أن تبدأ هذه الويفيرن اللعينة بالتعفن."
ابتسم سيلا وعانق غيرثا مرة أخرى.
قال قبل أن يمسك بأحد أشواك غور ويبدأ بقيادتنا مبتعدين: "سيكون رائعاً أن نريكم معسكرنا ونتشارك مجلساً حول النار."
أمسكت غيرثا بذراع سيلا الأخرى، وبدآ يتحدثان. التفت غور للخلف وأصدر خنفرة باتجاه بيغز. اكتفى بيغز بإصدار صوت خفيف ونظر إليَّ. هززت رأسي.
همست سايلو في أذني: "أعتقد أنه من الأفضل إبقاء الويفيرن بعيداً عن غور. في المؤخرة."
قلت: "أوه، حقاً، بالطبع سنتبعكما ونسير في المؤخرة."
ابتسمت عريضة وقالت: "كلا! سأمشى معك!"
احرّ وجهي مجدداً.
سألت وأنا أبذل قصارى جهدي للانتباه لما تقوله سايلو بينما غرقت في عينيها الداكنتين بينما كان بيغز يهرول خلفنا نافخاً على مؤخرة رقبتي: "إذن حدثيني عن معسكركم."