ما خالج جناح الهلاك من سرور أو خفة وتلاشى ما اقترب من الهضبة. لا بد أن ريغال فليم قد شعرت بتغير مزاجه إذ بطأت من سريرتها وبردت الجمرات المتناثرة من خلفه. تراجعت وتركته يتقدم حين انعطف ليهبط غير بعيد عن النصب التي شيدها تخليداً للكوارث ومن رحلوا في قهرها.
كان أشد الوعي بالعيون الكثيرة المرمية عليه. بعضها ذاهل. وأخرى متسائلة. وثالثة مترددة. لم يعبأ بشيء منها. بل انساح بصره إلى النصب الخمسة أمامه. قريباً سيزيد سادساً. ولكنه وجد ذكرياته تتهادى الآن عبر العصور. لا حاجة بسحر شحذ الذاكرة. بعض الذكريات مقضي عليها بالذبول مع الزمان. غير أن غيرها لن يذول أبداً مهما دار الزمان.
ما خبر الرعب حقيقة وهو في صغره إلا يوم انشق الأجواء ومات الملوك وتهاوت الحراشف المكسورة لأبناء جنسه كالمطر. علمه الملك المكسور أمرين ذاك اليوم… الرعب… والكراهية.
أبصر الملك المكسور بعينيه وإن من بعيد. الرعب عند بعضهم نصل دام أو وجه عابس. والرعب عنده سيكون أبداً مسخاً ملتوياً من معدن ملوك فاسد وعملاقاً لعيماً بائساً بذل وسعه في محو صورته. لم يتبق أثر للمك المكسور في العالم إلا في ذكريات التنانين الأولى وفي قاع الحلم العتيق. وهذا الأخير شاهد على بأس الملك المكسور ومكانته كأقدم مخاوف العالم وأعظمها.
زاغ بصره إلى النصب الثاني. سأل نفسه مراراً إن كان ثمة ما يستطيع فعله ليستميل الشجرة الأم. مرت عصور منذ وفاتها وعصور طويلة حبلى بالأسى والفقد. ومع كل معرفة حازها وكل حكمة دفع ثمنها دماً وشجناً ما تبدل الجواب. لقد اختارت ومثلما فعلت فعل هو في النهاية. والحق أنها اختارت قبل ذلك اللقاء الأخير بكثير. وحددهم الملوك كانوا ليقلبوا رأيها وحينها كانوا جميعاً موتى. سر جزء منه لذلك.
لكان ديون سيطاشه لورأى الاثنان يتصارعان.
انتقلت التفاتته إلى النصب الثالث. سيد المد والجزر. التوت شفتاه. كان سيد المد والجزر خصماً جديراً. لم يخف مقاصده وسعى إليها بجلاد تنيني صريح. تلك كانت معركة طيبة أيضاً. معركة تليق. كاد يموت ومع ذلك… نادراً ما شعر بمثل تلك الحياة. كان سيد المد والجزر خصمه. لا تاريخ بينهما ولا سبب للتكلف أو الإبقاء. كان الأمر إما القتل أو الموت. وحتى اليوم وبعد عصور يذكر دقيقة من تلك المعركة.
إن كان سيد المد والجزر خصماً بيناً فإن مصاص الدماء المعتوه كان شاهداً على القمم التي تبلغ بالدهاء. كان مستحيلاً على أي مصاص دماء أن يبلغ تلك القوة غير أن أبا مارس أثبت أن الجنون ليس عقبة في طريق القوة. لكان الأمر جديراً بالإعجاب لو لم تكن طرقه دنيئة إلى هذا الحد — وعواقبه وخيمة.
انقبضت مخالب جناح الهضبة. لو كانت الهضبة أقل صلابة لخرقها بأظفاره. غابت قشرة الفجر في أعقاب الكارثة الرابعة وتلك ضربة أدمت أعماقاً أشد من أي جرح أفلح مصاص الدماء المعتوه في غرسه. لا يعلم إن كانت ستعود يوماً. بل ولا يدري ألا تزال على قيد الحياة.
الأمر غريب. ما زال يذكر الشفقة في نظرتها يوم ولت. كانت حمقاء. حمقاء عاطفية. لتجر حيث تشاء فلن تجد الفردوس الذي ترجوه. مهما زارت من عوالم فلن تجد عالماً بلا صراع. وإن وجدت مكاناً كهذا فلن يريد منه شيئاً. إنه تنين. لا رغبة له في ملاقاة مزيد من الكوارث غير أن حياة بلا صراع لا تستحق العيش.
وهناك النجم المنفي. من بين كل الخصوم الذين واجههم عبر السنين اثنان فقط أرغماه على التراجع. كان الملك المكسور أولهما والنجم المنفي ثانيهما. وحتى اليوم وبعد أعوام طوال ظلت تلك المعركة أصعب ما خاض. اقترب من الموت أمام كاغامي لكنه واجهها وحدها. لقد واجه هو والتنانين الأولى النجم المنفي معاً ولو اختلف أمر واحد لخسروا. من حيث قوة القتال البحتة ما فاق النجم المنفي سوى الملك المكسور.
ومع ذلك خفف من وقع تلك المعرفة حقيقة بسيطة.
إن النجم المنفي الذي واجهوه لم يكن سوى فتات ضئيل من أمر أعظم شأناً بلا حدود. ذلك العملاق من النور والنار والمجد كائن تحطمت حقيقته على العالم وألقت بالحكم على سواه… لم يكن ذلك المخلوق سوى أوهن الظلال التي يلقيها ألق النجم المنفي الحق. لقد لمح حلم الشجي الحقيقة في أعقاب الحلم العتيق. كان النجم المنفي الحق حارساً ساقطاً حرس بأسه يوماً ملايين الملايين من عوالم ونظرة واحدة منه كانت لتجعل عالمهم رماداً بمليار مرة.
إن شظية النجم المنفي التي واجهوها لم تكن سوى حبة رمل على شاطئ يمتد بلا نهاية. إن الخصم الذي ساقهم إلى حافة الموت لم يكن سوى أصغر جزء من كل أعظم تخيلاً استطاع بطريقة ما الإفلات من أي دفاعات منعت النجم المنفي من إبادة عوالم لا تحصى.
لو أن أهشف كان أقل حظاً، لو أن دوموينغ كان أبطأ في سحره ولو بجزء يسير من الثانية، لو أن أيّاً منهم ارتكب خطأً طفيفاً قط… لكان من الأفضل عدم التفكير في الأمر. مع ذلك، منحت تلك المعركة دوموينغ لمحة عما يقع وراء الظلام بين العوالم. على الرغم من عظمته هو والتنانين البدائية الأخرى، لم يكونوا سوى أسماك بالغة الصِغر في بِركة بالغة الصِغر. وراء عالمهم، متجاوزين السماء والظِل، كانت توجد قوى لا طاقة لهم بإدراكها.
لربما تحطّم شخص أضعف أمام تلك المعرفة.
لكن دوموينغ لم يكن ضعيفاً.
ليكن.
لربما كانت هناك قوى خارجة عن إدراكه. إن وُجدت، فسيتوجب عليه ببساطة إيجاد طريقة لإدراكها. والأهم من ذلك، منحته تلك المعرفة أملاً في إمكانية حدوث صحوة خامسة. وما لمحه في اللحظات التي مكث فيها على حافة الموت بعد إصابته برمح معدن الملوك الخاص بكاغامي لم يؤكد ذلك الاعتقاد إلا قوة. لا بد أن تكون الصحوة الخامسة ممكنة، بل وأكثر من ذلك.
سألت اللهب الماسي: "متى ستضيف النصب السادس؟".
كان بإمكانها التحرك في هدوء بالغ إن أرادت، أو لربما كان مشغولاً للغاية بأفكاره الخاصة.
التفت مبتعداً عن النصب. لم يكن منزعجاً لتكلمها. على العكس، سرّ لأنها أخرجته من ذكرياته قبل أن يغتاله الحجيم. ذكّره ذلك بأيام شبح شبابه البعيدة، حين كان ستورمثوث يجره إلى مغامرة متهورة كلما أدت سخرية أقرانه أو إخفاقاته الخاصة إلى تعكير مزاجه. كانت الأم الشجرة تدعوهما ثنائيّ حمقى، لكنها كانت تبتسم دائماً حين تقولها، فبدت الكلمات صادرة عن ضجر أكثر من كونها توبيخاً حقيقياً.
أجش قائلاً: "ليس بعد. أعرف الأسماء التي أرغب في إضافتها إلى النصب".
وهناك اسم واحد بالذات خطر على بملك.
"مع ذلك، لا بد أن لديك أنت والآخرين أسماء ترغبون في إضافتها أيضاً. أود معرفة تلك الأسماء، لكي تُضاف هي الأخرى. يجب أن نتذكر كل من بذلوا حياتهم لهزيمة الكارثة السادسة".
أبدت نظرة اللهب الماسي تعقيداً وقالت: "جيد. لقد كانت… صديقتك، أليس كذلك؟".
"لقد كانت".
في المناسبات النادرة التي فكر فيها دوموينغ في كاغامي، فضّل تذكرها كما كانت قبل أن يستبد بها جنونها وارتيابها. لم تكن المخلوقة المشؤومة التي آلت إليها صديقته. كلا. إن أي جزء من كاغامي كان يوماً صديقته قد مات قبل وقت طويل من إطاحته بها.
"لكن المخلوقة التي قتلها لم تكن صديقتي قط".
لم تقل اللهب الماسي شيئاً، لكن ثقل نظرتها أتاحه له أن يدرك أنها تفهم. بالطبع. لا بد أنها أُجبرت هي الأخرى على الإطاحة بأصدقاء وحلفاء بعد أن أصابتهم شعوذة كاغامي بالجنون. لقد بدا ذلك ممتازاً في حق ذيل النار. لم يتزعزع ولاء الدريك قط، ولا حتى للحظة واحدة. لم يكن الأعظم شأناً بين أتباع اللهب الماسي، حتى قبل إصابته بعاهة في مخالب صائد الروح. لكنه ظل الأوفى دائماً، ومثل هذا الولاء جدير بأسمى آيات الثناء.
سألت اللهب الماسي: "أصحيح أنها ضربتك برمح من معدن الملوك؟ لا أشكك في كلامك… ومع ذلك… وحدهم الملوك استطاعوا صنع معدن الملوك. وعندما ماتوا، اختفى ما تبقى منه معهم. كيف يعقل أن تمتلك رمحاً مصنوعاً منه؟".
كاد دوموينغ يرفع يده ليلمس الموضع الذي اخترق فيه رمح كاغامي صدره. التئم الجرح، وبقيت صدمة رؤية السلاح قائمة.
"أعرف تماماً كم يبدو الأمر مستحيلاً، لكنه كان معدن الملوك".
اشتعل لهيب في فكيه.
"أتذكر ملمس معدن الملوك منذ العصر الأول. لا يمكنني أبداً الخلط بينه وبين أي شيء آخر. لا أعرف من أين حصلت عليه، لكن لا شك عندي في أنه كان معدن الملوك حقاً".
مالت اللهب الماسي برأسها جانباً وقالت: "لكنك استطعت تدميره. مما أتذكره من العصر الأول وتعاليم الأم الشجرة، ينبغي أن يكون ذلك مستحيلاً. وحدهم الملوك استطاعوا تدمير معدن الملوك. كان ذلك، جزئياً على الأقل، ما جعل الملك المحطم خصماً رهيباً. وحدهم الملوك استطاعوا جرحه".
قال دوموينغ: "وأبوك. وحده، من بين كل مخلوقات الملوك، استطاع جرح ذلك الخصم الأشد رهبة".
هز رأسه.
"في الحقيقة، لست متأكداً كيف تمكنت من تدميره. لعل أية طريقة استخدمتها للحصول عليه أضعفته بطريقة ما. كل ما يمكنني التأكد منه هو أنه لم يبقَ منه شيء".
ألم يكن ذلك مؤسفاً؟ كان هناك الكثير الذي يمكنه تعلمه من رمح صُنع من معدن الملوك، لكنه لم يكن في وضع يسمح له بالتراجع حين واجه سلاحاً كهذا.
"ومع ذلك، فرغم الجرح الذي عانيته، أنا ممتن".
"أهلاً؟"
اقتربت اللهب الماسي، وتألقتا عيناها بالفضول: "لماذا ذلك؟".
"كادت الروح تفارقني. لكن على حافة الموت، رأيت شيئاً منحني الأمل".
"ماذا رأيت؟".
ارتجف دوموينغ وقال: "عيناً. عيناً فضية هائلة. عيناً لتنين. رأيتها بينما كانت روحي تحوم عبر المستوى النجمي".
كشف عن أنفاسه وقالت أسنانه: "معدن الملوك مخيف ليس فقط بسبب قوته البدنية بل أيضاً لأنه يضرب فيما هو أبعد من الجسد. أملك أيضاً سحراً يتيح لي إدراك المستوى النجمي. في كل مرة لمحت داخله، رأيت نوراً، إشراقاً يبدو كأنه موجود في كل مكان بينما لا يأتي من أي مكان. هناك، على حافة الموت، فهمت. ما ظننته طويلاً نور المستوى النجمي لم يكن سوى نظرة تلك العين الفضية".
حدقت اللهب الماسي قائلة: "ذلك… لكي يكون أمر كهذا ممكناً، أن يمتلك تنين قوة كهذه…".
ابتسم دوموينغ مبرزاً أسنانه.
قال: "مثل هذا التنين دليل على أن اليقظة الرابعة ليست النهاية".
ضحك بخفة.
وأضاف: "لكي أكون صريحاً، طالما راودني هذا الظن. ألم يتمكن أبوك من جرح الملك المكسور بالنهاية؟ لقد كان أعظمنا جميعاً، فكيف لا يفعل تنانين تلك الحقبة الآخرون شيئاً؟ ربما وجد في لحظاته الأخيرة سبيلاً ليصبح شيئاً أكبر، ليبلغ ما وراء اليقظة الرابعة".
ابتسمت ريغال فليم وبانت في ابتسامتها مرارة ليست بالقليلة.
قالت: "كان أبي مختلفاً عن بقية التنانين. كنت صغيرة جداً آنذاك، ولكنني عرفت ذلك حتى في ذلك الحين. إن كان هناك من استطاع تجاوز اليقظة الرابعة فهو لا شك هو. ويا للأسف، أياً كانت البصيرة التي نالها، وأياً كانت... القوة التي حصل عليها، فقد ماتت معه".
أخذت نفساً عميقاً والتفتت نحو النصب التذكارية. لا بد أن الأمر غريب. كانت صغيرة جداً حين مات ساوفرين فليم. وكانت معرفتها به مستمدة من حكايات شجرة الأم أكثر من تجربتها الشخصية.
ثم تساءلت: "كيف ستجمع الأسماء للنصب السادس؟ يمكنني أن أقدم لك قائمة. غير أن البقية... لن يكون التحدث إليهم كلهم أمراً سهلاً. الحق يقال، هناك من لا رغبة له البتة في الحديث معك".
تألقت عيناها دوموينغ وكاد يطلق نفخة ازدراء. فهو يعلم حق العلم مدى ضيق الصدر الذي قد يتصف به بعض أقرانه من التنانين البدائية. قلة فقط كانت بحماقة سولاثيكر القديمة، لكنهم كانوا مزعجين بطرقهم الخاصة. بعضهم، كـ ستورمبرينغير، يمكن التعامل معهم رغم غرابة أطوارهم. أما كيف كانت تجد كل هذا المرح في رمي المخلوقات التعيسة داخل بركة صعود، فلم يتوقف قط عن إيراده الحيرة، ولم يتوقف حظها قط عن إزعاجه.
ولكن كان هناك آخرون أصعب شساعة في التعامل. استطاع أن يفكر باثنين على الأقل يُرجح أنهما سيهاجمانه بقدر ما سيتحدثان إليه. زيارتهم واحداً تلو الآخر لن تكون بالغة انعدام الكفاءة فحسب بل وخطيرة أيضاً. وكان لديه حل أفضل.
قال دوموينغ أخيراً: "سأدعو إلى اجتماع يضم جميع التنانين البدائية".
ضرب بذنبه الأرض.
وأردف: "هنا، على هذه الهضبة. لقد طال سباتي، وتغير العالم كثيراً في ذلك الوقت. نُسيت الوعود. وتُخلي عن العُهود. أود تذكير البقية بمسؤولياتهم. أود تذكيرهم بأنه إن أرادوا تجنب تكرار الكارثة السادسة وما رافقها من تضحيات جسيمة، فعلينا مجدداً تجديد تلك الوعود والعهود القديمة".
ضحكت ريغال فليم. وكان صوتها لطيفاً، لا يسخر بل يغمره السرور.
قالت: "اجتماع يضم جميع التنانين البدائية؟ نجل. لك الحق كل الحق في الدعوة إلى أمر كذا، وقد مر وقت طويل منذ أن اجتمعنا كلنا. بيد أن الاتصال بالبقية لن يكون سهلاً. إنهم بعيدون، وبعضهم اعتزل العالم وانطوى في خلوات".
انتصب دوموينغ بكامل قامته ونشر جناحيه. اشتعلت النيران في فكيه، وهبطت قوته عليه كالكفن.
قال: "أنا دوموينغ. وحين أدعو سيجيبون. سيتكفل سحري بذلك".
وطلعت عيناه كبركتين من الذهب المذاب.
ثم تابع: "إن كان بين أتباعك من يملك موهبة سحر التواصل، فأنصحك بأن تدعوَهم. لا أعلم إن كانوا سيتعلمون شيئاً من مراقبتي، لكنهم قد يظفرون ببعض الفوائد إن كانت مواهبهم كافية".
قالت: "ما الذي تنوي فعله؟"
أجاب: "سأدعو البقية... ولكن بطريقة لا يمكنهم تجاهلها".
أرسلت ريغال فليم كلمة إلى من بين أتباعها ممن وهبوا موهبة سحر التواصل أو ممن أظهروا اهتماماً حقيقياً بالسحر عموماً. ولم تتفاجأ حين وصل كل من فروستفانغ وسقولوينغ أيضاً. فمشاهدة دوموينغ وهو يمارس سحراً عظيماً خارج المعركة فرصة نادرة وثمينة. بل إن مجرد اعتبار دوموينغ لتقنيته جديرة بالملاحظة يعني أنها بالغة القوة حقاً. فمعاييره عالية للغاية لدرجة أن ما يعتبره معظم الناس سحراً فائق الجودة يراه هو عادياً إلى حد لا يستحق معه أي تأمل دقسق.
كان في نفسها جانب يشعر بخيبة الأمل لأن يوماً مضى بمثل هذا النجاح قد طغى عليه الندم والأسى القديمان. غير أن ذلك كان جزءاً من كيان دوموينغ. فالحزن الذي يتهادى أحياناً كثيرة كالغلالة عليه، والشجو الذي يعلق كأثر المطر بعد العاصفة، لم يكن بمقدوره نبذ هذه الأشياء بيسر أكبر من قدرته على تغيير نفسه. كان من طبيعة دوموينغ أن يحزن بعمق قدر اهتمامه. ولن يعترف قط بأمر كهذا، لكنها عرفته منذ زمن طويل.
ورأت أوقات تألقه وأسوأ حالاته. وخلافاً لكثيرين غيره، كانت على يقين تام من أن حزنه وشجوه لن يكسراه أبداً. إنه دوموينغ. سيحزن وينوح. سينزف ويعاني. لكنه لن يستسلم أبداً. فالاستسلام سيمثل وصمة عار بحق تضحيات كل من سبقوه. والاستسلام يعني أن أصدقائه ماتوا عبثاً، وهو ما لن يسمح به قط. كان دوموينغ أشبه بتنانين السالف. سيموت قبل أن ينكسر.
سأل سقولوينغ فروستفانغ: "ما الذي سيفعله؟"
كان التنين اليافع يرتجف حماسةً عملياً. ومنذ وصوله، عرفت الكثير عنه، سواء من الملاحظة أم من أتباعها. فهو في معظم الجوانب لم يكن مثيراً للإعجاب، لا سيما إذا أخذ المرء نسبه في الحسبان. إذ لم يكن يطير جيداً. وكانت قدراته الجسدية قاصرة برمتها. بل حتى قوته السحرية كانت متوسطة.
لكنه ملك حبّاً عظيماً للسحر — لا السحر العظيم وحده الذي يُسوي الجبال بالأرض ويغلي البحار، بل كل سحر. لقد منحته حق الوصول إلى الكتب واللفائف والألواح التي تُغطي ما تعده التنانين سحراً ضئيلاً. قلّ من عَنَى له الأمر بالنظر إليها طويلاً، فقد كان مثل هذا السحر يُعدّ في الغالب دنيوياً ومملاً. كان سكوولوينغ غارقاً في الرضا وهو ينغمس فيها. عندها أدركت أنه يجد متعة في فعل تعلم السحر البسيط، مهما كان ضعيفاً أو دنيوياً.
كان أشبه بإنسان يتخبط في الصحراء، وتلك السحور الباهتة التي ينظر إليها الآخرون بازدراء كانت تشبه الماء البارد العذب.
كان الأمر محبباً بشكل غريب.
وقد فسّر ذلك أيضاً اهتمامه بدوموينغ. إن كان أشهارت أقوى تنين من الناحية البدنية البحتة، فيمكن قول الشيء نفسه عن دوموينغ عندما يتعلق الأمر بالسحر. على أي حال، كانت الفجوة بين دوموينغ وأبرع تنين تالٍ في السحر أكبر من تلك الفجوة بين أشهارت والتنين الثاني الأقوى.
لم يكن هناك جانب واحد من السحر يعجز عنه دوموينغ. لم يكن الأمر مسألة موهبة. بالتأكيد، كان دوموينغ موهوباً. ومع ذلك، فقد وجد طرقاً للتفوق في مجالات عملت فيها طبيعته ضده. لم يكن ذلك مسألة موهبة بل مسألة عناد بح بحت وفخر أعمى. إنه دوموينغ. كان السماح لأي جانب من السحر بالإفلات منه أمراً لا يُتصور، شبیه بترك كنز لا يُقدر بثمن ينزلق بين مخالبه. ربما كان هناك تنانين من العصر الأول تفاخرت بقوة سحرية أكبر منه، لكنها كانت على يقين من أن معرفته لا يُدانيها أحد.
قال: "تعويذة تواصل — قوية بما يكفي للوصول إلى كل تنين بدائي في العالم، بغض النظر عن مكانه".
تدرهس فريستفانغ بسخرية: "دون استخدام مرآته؟"
أومأ ريغال فليم برأسه.
"إذن يبدو أن دوموينغ ينوي تذكير الآخرين بالسبب الذي يجعلنا نتبعه إلى المعركة. مثل هذا الإنجاز سيكون فوق استطاعة أي منا".
تطايرت الجمرات في الهواء بينما حنّت ريغال فليم رأسها إقراراً. حتى بالنسبة لتنين بدائي، لم يكن الوصول من قارة إلى أخرى أمراً سهلاً، وكان ذلك مع وضع هدف واحد في الاعتبار. التواصل مع كل تنين بدائي آخر في العالم في الوقت نفسه، بغض النظر عن المسافة؟ وحدَهُ دوموينغ سيكون أحمق بما يكفي لمحاولة مثل هذا الأمر — وبمهارعة بما يكفي لتحقيقه.
مسحت نظرات ريغال فليم الحشد المتجمع. جاءت تنانين كثيرة للمشاهدة، لكنها حافظت على مسافة احترام من دوموينغ الواقف في وسط الهضبة. إن كان انتباههم يزعجه، فلم يُظهر أي علامة على ذلك. بل كان راضياً بالانتظار حتى تمنحه ريغال فليم الإذن بالبدء.
لقد كان ذلك من باب اللياقة. سحر المستوى الأعلى يؤثر دائماً تقريباً على المنطقة المحيطة. وباعتبارها حاكمة هذه المنطقة، لكان عاراً عليها لو أنه تصرف دون إذنها. يمكن أن يكون دوموينغ قاسياً مع من ترى أنهم يستحقون الاحتقار، لكنه كان مهذباً مع من كسبوا احترامه.
ولما رأت أن كل التنانين التي توقعتها حاضرة، نفخت ريغال فليم نفخة نار قصيرة في الهواء. كانت تلك العلامة له كي يبدأ. أومأ دوموينغ برأسه إقراراً ثم أغمض عينيه.
قطّبت ريغال فليم حاجبيها. لقد كانت تتوقع منه أن يُعمل قوته فوراً، وأن يأخذ نبع الطاقة الهائل الكائن داخله ويستخدمه لإجبار الواقع على الانصياع لمطالبه. هكذا كانت التنانين تُمارس السحر. تُصدر الأوامر، فيطيع العالم. ما كان دوموينغ يفعله الآن كان… مختلفاً.
تغلغلت قوته في المنطقة المحيطة به، وتدفقت بلطف شبه كامل داخل تيارات السحر الوفيرة التي تسري عبر الهضبة. لم تكن هذه زأرة تُخضع العالم. كانت أقرب إلى المناجاة بين درياد والأراضي التي تعيش فيها. اتسعت عيناها بينما سرى همس خافت من الارتباك في الحشد. لم يكونوا قد استشعروه بعد، لكنها استشعرته.
مهما يكن ما كان يفعله، فقد بدأت تيارات السحر تتغير — وليس حول دوموينغ وحده. كل تيارات السحر، كل واحد منها يسري عبر الهضبة ونطاقها، بدأ ينبض ويطين. والإيقاع الذي اتبعوه لم يكن يعود للعلام بل لقلب دوموينغ. ألقت نظرة على فريستفانغ. لا بد أنه استشعر ذلك هو الآخر، فقد اتسعت عيناه بدوره. مهما يكن ما فعله دوموينغ، فهو لم يره من قبل أيضاً.
ببطء، تحولت همسات الارتباك إلى صدمة. بدأ الآخرون يستشعرون ما لاحظته هي وفريستفانغ مسبقاً. ظهر ما يشبه الابتسامة الماكرة على شفتي دوموينغ مع أن عينيه ظلتا مغمضتين. ومع نبض كل تيارات السحر متزامناً مع دقات قلبه، انتظرت منه أن يستخدم التحريك الذهني. كان بإمكانه بسط سيطرته عليها وتشكيلها في تعويذة تواصل تثير الرهبة حقاً.
لم يكن ذلك ما فعله.
بل أبقى عينيه مغمضتين… وبدأ يرقص.
وتحركت تيارات السحر معه.
هس فريستفانغ: "هذا..."
سألت ريغال فليم: "أتعرفه؟"
كانت حركات دوموينغ مألوفة بالنسبة لها، على الأقل، لم تكن قد رأت تنينًا يقوم بها من قبل. ومع ذلك كان هناك شيء فيها، شيء يشد ذكرياتها. راودتها رغبة في استخدام سحر الذاكرة، لكن كان سيكون من الوقاحة استخدامه بينما دوموينغ مشغول. نعم. لقد رأت بالتأكيد حركات شبيهة بهذه من قبل، ولكن أين؟
قال فروستفانج وهو يهز رأسه ثم سكن: "نعم. أعلم. رأيت شيئاً مشابهاً خلال العصر الخامس. وجد بين قوم الوحوش في ذلك العصر جمع من ذوي النمور الأقوياء. لم تكن سحرهم الأقوى، بل وجدوا سبيلاً لل... تواصل مع تيارات السحر حولهم. مكّنهم ذلك من النمو من عشيرة صغيرة إلى حكام أمة قوية. هذا... ما يفعله دوموينغ يذكرني بذلك ولكن مع تعديل الحركات لتناسب جسد التنين".
"ولكن كيف أمكن دوموينغ تعلم أمر كهذا؟ لقد حفظ قوم النمور مثل هذه الطريقة سراً".
وعرفت ريجال فلام حق المعرفة أنه حتى بين تلك الأجناس التي طالما ازدراها التنين، كان هناك من يفضل الموت على مشاركة أسراره مع التنين.
ومع استمرار دوموينغ في الرقص، ازدادت يقيناً بأن فروستفانج كان مصيباً. كانت تعرف كيف يقاتل. قاتلت إلى جانبه مرات عديدة. كانت حركاته الآن مختلفة عن المعتاد. بدا فيها شيء سنوري بشكل واضح، شيء شبيه بلا شك بقوم النمور الذين لمحتهم في الماضي. لم يكن هذا شيئاً يمكن لدوموينغ تعلمه بمجرد المراقبة، مهما بلغت حدة فراسته. كان هذا شيئاً تلقى تعليماً بشأنه. ومع ذلك، كان من الصعب تخيل دوموينغ يتخلّى عن كبرياءه ليطلب دروساً من أحد قوم النمور، وكان الأصعب من ذلك تخيل فرد من قوم النمور يمتلك الشجاعة والجرأة لتعليم دوموينغ.
ومع استمرار رقصة دوموينغ، استجابت تيارات السحر بحماس أكبر فأكبر. ولم تعد تلك الاستجابات مقتصرة على تيارات السحر التي تسري عبر الأرض. بل بدأت تيارات السحر التي تسري عبر السماء تعكسها. والأهم من ذلك، أن ما بدأ كارتعاشات خشنة في تيارات السحر قد تحول إلى تغييرات أدق فأدق. كانت رقصته تنسج تيارات السحر في تعويذة تواصل، شملت أسسها مجالها بأكمله والسموات من فوقه.
وأخيراً، سكن دوموينغ، لكن تيارات السحر استمرت ترقص على وقع دقات قلبه الثابتة والأكيدة. فتح عينيه وبدأ يتحدث، وأدركت ريجال فلام فوراً أن كلماته ستُحمل بعيداً، بعيداً جداً عن نطاقها، مطيةً تيارات السحر التي تسري عبر الأرض والسماء. وحين وجهت اهتمامها نحو الأفق، شعرت بأصداء رقصته تنتشر كتموجات فوق سطح بركة ماء. وحين بلغت البحر، لم تتوقف. بل بدأت تيارات السحر التي تسري عبر مياه العالم تتحرك هي الأخرى أيضاً.
حتى دوموينغ لم يمتلك القوة لنشر كلماته عبر العالم بأسره. لكنه لم يكن مضطراً لذلك. فمن خلال رقصته، طلب من العالم أن ينشرها نيابة عنه.
ووافق العالم.
أمر مذهل.
كان دوموينغ راضياً عن الرسالة التي أرسلها — سواء من حيث الكلمات التي تلفظ بها أو القوة التي أظهرها. أحب كل التنانين، وخاصة التنانين البدائية، العيش بالقرب من أماكن القوة حيث يتوفر السحر بغزارة. لكانت كلماته قد دوت كالرعد في مثل تلك الأماكن، حاملة إياها تيارات السحر السارية في الأرض والبحر والسماء. ومن قمم السماء الشامخة إلى أعماق البحر السحيقة، لم يكن هناك مكان قوة واحد لم تبلغه كلماته.
ولكنه، في الوقت الراهن، كان ميالاً للراحة. لم تكن التقنية التي استخدمها أمراً يسيرًا، فقد كانت تختلف تماماً عن السحر الذي يمارسه التنانين عادة. بل في الحقيقة، يمكن اعتبارها في بعض وجوهها مناقضة لطبيعتهم ذاتها. ومع ذلك كانت أيضاً أفضل طريقة تمكن من التفكير بها لنشر رسالته. علاوة على ذلك، كان يعلم أن التنانين البدائية الأخرى ستذهل كيف أنجز ذلك. فضولهم — إلى جانب المحفزات التي قدمها — سيمنحهم السبب الوافي لحضور الاجتماع الذي دعا إليه.
"أرجو أن ينال هذا المكان استحسانك".
أدار دوموينغ رأسه. كانت ريجال فلام قد عرضت عليه وكراً لاستخدامه خلال مقامه.
"إنه كافٍ وزيادة".
الوكر الذي عرضته عليه كان ينتمي لأحد عظام التنانين من العصر الأول، أسطورة خلقت بعد أبيها بقليل. ولذا، كان هائلاً حتى بمعايير مقاييسه. ولكن بطبيعة الحال، لم يبقَ أي كنز. فقد نُقلت تلك الأشياء إلى مكان آخر منذ زمن بعيد. ومع ذلك، لم تخلُ اللفتة من معنى. فقد أظهرت أنه ضيف تحظى به لأعلى درجات التقدير.
"لك مني جزيل الشكر".
وعلقت قائلة: "لن يمضي وقت طويل حتى يصل البقية".
"ربما مجرد أيام معدودة".
"أظن أن ستورمبرينجر ستكون الأولى".
وقطب حاجَبيه.
"قد يكون من الحكمة تحذير سكان الصحراء، لئلا يغرقوا في الأمطار التي تحملها".
ابتسمت ريجال فلام باتساع.
"من بيننا جميعاً، قد يكون اسمها هو الأنسب تماماً. أخبرتني أنه في يوم فقسها، كان الطقس صافياً، بلا سحابة واحدة في السماء. ومع ذلك، حين فقست، ثارت عاصفة، ولم تُستقبل بسماء صافية بل بمطر ورعد. ولهذا السبب أسماها والداها ستورمبرينجر — لأنها جلبت معها عاصفة".
أطلق دوموينغ شخيرًا ساخراً.
"قصة قابلة للتصديق. لقد أخبرتني ذات مرة أن تمبيست كلو بنفسها اقترحت الاسم على والديها. وإن سألت فروستفانج، فأظن أنه قد سمع قصة مختلفة".
فأجابت ريجال فلام: "طالما كانت ستورمبرينجر مشاكسة".
"لكنها موثوقة حين يشتد الأمر".
قطّب دوموينغ جبينه.
"هذا، على الأقل، صحيح".
رغم كلّ حماقاتها، لم تكن ستورمبرينغر تعاني نقصاً في الشجاعة. كانت تلبي النداء كلما دعاها، وتبذل قصارى جهدها في كل معركة، بغض النظر عن الخصم. سواء أكان سيد المدفع أم النجم المنفي، لم تتراجع ستورمبرينغر خطوة للوراء. شأنها شأن العواصف التي سُمّيت تيمناً بها، كانت قوة من قوى الطبيعة.
"لن يأتي البقية بمفردهم".
مال برأسه.
"سأضطر إلى إزعاجك للاعتناء بمكان إقامتهم وما شابه".
لوح ريغال فلييم بقلقه جانباً بجناح واحد.
"ليس إزعاجاً البتة. الاجتماع هنا، في نطاقي، شرف عظيم. ومع هذا الشرف تأتي مسؤوليات معينة. علاوة على ذلك، أنا أكثر من قادر على استضافة البقية وأتباعهم لفترة".
"نعم. لاحظت أشياء كثيرة عن نطاقك خلال رحلتنا، وها قد لاحظت المزيد منذ ذلك الحين".
توقف برهة. طالما كان المديح أمراً محرجاً بالنسبة إليه، لكنها استحكته.
"من بيننا جميعاً، نطاقك هو الأفضل، وأنت السبب في ذلك".
تذكر الدمار الذي أحدثه سولسيكر وأتباعه أثناء خيانتهم. كان نطاق ريغال فلييم خراباً يومئذٍ، ومع ذلك ها هو ذا يزدهر الآن. ما كان ليتحقق ذلك إلا عبر قيادة ممتازة.
طرف ريغال فلييم عيْنيه دهشةً. عضّ دوموينغ على ألمه كاظماً إياه. أكان شحيحاً في مدحه حقاً إلى حد يستدعي ردة الفعل هذه؟ ذكّره صوت في أعماق عقله، صوت يشبه صوت ماروس بشكل يثير الريبة، بأنه لم يكن شحيحاً في مدحه قدر ما كانغ غليظاً يبدو عاجزاً عن التلفظ به عادةً. همم... الآن وبعد أن فكر في الأمر، كاد ماروس يتلفظ بتلك الكلمات حرفياً، وفي أكثر من مناسبة أيضاً.
"أهكذا حقاً؟"
قال ريغال فلييم. تحرك جناحاها وذيلها باضطراب.
"شكراً لك".
"لا حاجة للشكر. لقد نطقت بالحقيقة لا غير".
لقد رأى نطاق التنانين البدائية الأخرى. أبلى البعض بلاءً حسناً لأنفسهم. ومع ذلك، لم يجارِ أحد قدرات ريغال فلييم في القيادة والإدارة. لم يكن مصادفة أن يتسع نفوذها طولاً وعرضاً، وأن ينظر إليها تقريباً كل التنانين التي لم تكن أتباعاً لتنانين بدائية أخرى طلباً للقيادة.
"وضعاً هذا في الحسبان، أرجو أن لا تمانعي إن طلبت المشورة لاحقاً".
هدّأت جناحيها وذيلها.
"بالطبع. يسعدني تقديم ما أستطيع من حكمة ومعرفة".
توقفت برهة.
"في السابق... السحر الذي استخدمته... قال فريستفانغ إنه يشبه تقنية استخدمتها مجموعة من البشر النمور من العصر الخامس".
همم. لم يتوقع أن يلاحظ فريستفانغ ذلك، ولكن... آه. نعم. أمضى فريستفانغ بعض الوقت بالقرب من شعب الوحوش خلال العصر الخامس بينما كان يطارد أثراً قديماً ضاع وسط طوفان العصر الثالث.
"ما فعلته استند حقاً إلى تقنية ابتكرها البشر النمور".
"كيف لك أن تتعلمها؟"
سأل ريغال فلييم.
"أعلم أنك أمضيت بعض الوقت على تلك القهارة، لكن تقنية كهذه ما كان تعلمها باليسير".
"كانت سراً تحتفظ به العائلة المالكة"، أجاب دوموينغ.
"لكنني حظيت بما يكفي من الحظ لأتعلمها من شخص رمى اسمه وألقابه خلفه منذ زمن طويل. بحلول الوقت الذي التقينا فيه، كان راهباً بسيطاً. ظن أنني قد أجدها مفيدة يوماً ما. كانت... هدية، واحدة من هدايا عديدة منحني إياها. رأى أن تركها بين يدي أفضل من السماح بنسيانها. استُخدمت لارتكاب شر عظيم، لكنها استُخدمت أيضاً لصنع خير عظيم. بدا موقناً بأنني سأستخدمها في الغاية الأخيرة".
نظر إليه ريغال فلييم، فتذكر مرة أخرى أنها تتمتع بفطنة مخادعة في أمور كhذه. كانت عيناها نافذتين، وذكاؤها حاداً. لقد كانت دبلوماسية بالقدر الكافي لتعرف متى تتكلم ومتى تصمت.
"لا بد من أنكما كنتما صديقين حميمين".
"ما الذي يجعلك تظنين أننا كنا صديقين؟"
سأل رغم أن استنتاجها لم يكن خاطئاً.
"أعرفك جيداً يا دوموينغ. أنت تحمل كبرياءك. حتى لو وجدت التقنية فاتنة، لكنت حاولة تفكيك طلاسمها بنفسك إن أمكن. لكي تبدي استعداداً للتعلم من هذا الشخص، لا بد من أنك وثقت به وقدرت رأيه. علاوة على ذلك، فتذكره بعد كل هذه السنين، لا يستحق هكذا شرف سوى أعظم الأصدقاء أو أشد الخصوم بأساً. ومن الطريقة التي تتحدث بها عنه، لم يكن خصماً".
"هاه!"
ألقى دوموينغ بره رأسه إلى الخلف وضحك.
"دريمسونغ أكثر فطنة منك".
اختلجت عين ريغال فلييم.
"لكن... أُفضل نهجك. هناك أوقات يكون فيها الحديث مواربة أفضل، وأوقات يكون فيها التجرد أفضل".
اختلجت شفتاها كأنها تحاول إخفاء ابتسامة.
"كان اسم صديقي الأخ النمر، وسافرت معه حتى سقط في المعركة. أظنه كان ليعجبك".
"أقال في المعركة؟"
سأل ريغال فلييم.
"نعم. ضد أتباع النجم المنفي. مات وحيداً بلا جراح على ظهره، ولم وطئ قدم عدو واحد الدرب الذي دافع عنه. كانت ميتة تليق بالقصص والأغاني. ميتة تليق بتنين".
ومرة أخرى، حين تحدثت، بدا وكأنها تعرف الأفكار التي خبأها في قلبه.
"موت الص صديق أمر مأساوي، مهما بلغ من المجد".
توقفت برهة.
"هذه هي المرة الأولى التي تأتي فيها على ذكر الأخ النمر أمامي".
في الواقع، كان دوموينغ يفضل رواية قصة أيامه مع الأخ تايغر لأصدقائه غير التنانين. كانوا يفهمون القصة بصورة أفضل. على سبيل المثال، كان هو وأشارت صديقين منذ زمن بعيد جدا. ورغم ذلك، كان يعلم أن التنين الآخر لن ينظر إلى القصة بالطريقة التي ينظر بها هو. بالنسبة إلى أشارت، لن يكون هناك سبب كبير للحزن. لقد وجد الأخ تايغر موتا يليق بأي تنين. كان ذلك مدعاة للاحتفال. ففي نهاية المطاف، رحل الأخ تايغر بطريقة حتى أشارت سيراها جديرة بالثناء.
غير أن ريغال فليم كان لها أصدقاء كثر ليسوا تنانين، بدءا من أيام أم الشجرة الغابرة وصولا إلى الوقت الحاضر، حيث ظلت فايرتايل نذيرتها رغم وجود كثيرين غيرها ممن سعوا لتلك المنزلة.
سألت ريغال فليم: "أيمكنك أن تخبرني عنه؟"
قال: "ماذا ترغبين في معرفته؟"
حمل صوتها تلميحا من المشاكسة.
قالت: "أنت دوموينغ. الجميع يعلم مدى علو معاييرك. لكي تدعوه صديقا، لا بد أنه كان حقا جديرا بالمعرفة. أنا متأكدة من أن لديك حكايات كثيرة لترويها".
وجد نفسه يبتسم. كانت الإجابة الصحيحة.
قال: "حسنا".
استقر دوموينغ وأشار إليها أن تفعل المثل.
"لكنني لن أحدثك بعد الآن عن كيفية موته. بل سأحدثك عن كيف عاش".