استجمع جارود شتات أمره.
قال بصوت هزّ المكان: "سحر دفاعي الآن! قدر ما تستطيعون! كله!"
تُحسب لجنوده قدرتهم على نفض الرعب عن أنفسهم، فأنبتوا السحر حيوية حوله. تشكلت دوائر متوهجة من الطاقة الغامضة في الهواء فوقهم بينما تجسدت تعويذة تلو الأخرى لتلوي العالم لإرادتهم المجتمعة. احمِ. ارصُد. دافع. ترددت الكلمات صدىً في روحه، فتحرك الأمل في داخله. بمقدورهم فعل هذا. التنين ربما كان ضخماً، لكنه كائن واحد فحسب. وهم مئة من خيرة رجال المملكة. لم يكونوا جميعاً سحرة حقيقيين، لكن عدداً لا بأس به منهم استطاع استخدام سحر الرتبة الثالثة والرابعة.
كل جهودهم المجتمعة يجب أن تعادل تقريباً سحر دفاع من الرتبة الخامسة، وسحر الدفاع من الرتبة الخامسة كان قوياً بما يكفي لصمود أمام قصف من ساحر حصار. هذا قد ينجح. سحرهم الدفاعي سيبقيهم أحياء، وسيجبر التنين على الاقتراب لأن الجميع علموا أن التنين لم يستطع نشر هجوم أنفاسه إلا لوقت محدود قبل أن يضطر للانتظار حتى يعيد شحنه. التنين كان ضخماً، لكن هذا يعني أنه سيكون بطيئاً وخرقاً.
لو أنه استطاع تفادي هجومه حين ينقض، فسيتمكن من الفوز لأنه حمل معه أحد كنوز المملكة، سيفاً من العصر السادس. السيف افترض انتماؤه لنبيل من ذلك العصر الغابر، وقد أعطاه إياه الملك لمساعدته في خدمة مصالح المملكة بشكل أفضل. كان مشحوناً بسحر عجز سحرة المملكة وحدادوها عن نسخه، وقادراً على اختراق حتى الفولاذ المسحور بسهولة. اختبره جارود ضد حراشف تنين قتلته المملكة. تطلب الأمر بعض الجهد، لكن النصل استطاع اختراقها مع ذلك.
قال جارود بصوت هادر بينما استل السيف ورفعه عالياً: "تشجعوا! ما إن ينهك التنين نفسه محاولاً اختراق دفاعاتنا، حتى أرديه قتيلاً!"
هتف جنوده، ومدّ جارود يده إلى السحر المنسوج في السيف وأضافه إلى ترسانة التعاويذ الدفاعية فوقهم. تلألأ النصل بضوء أزرق مرعب، وتضاعفت قوة التعاويذ الدفاعية أكثر من ثلاثة أضعاف. مع هذا، قد ترقى دفاعاتهم لتصبح تعويذة من أدنى درجات الرتبة السادسة.
صاح: "افعل ما بوسعك أيها التنين! فإنك تواجه خيرة رجال المملكة!"
تأمّل «دوموينغ»
التلفيقة المثيرَة للشفقة من تعاويذ الدفاع تحته وقاوم رغبةً في التنهّد. أهذا حقّاً ما فعلوه؟ هل كانوا يحاولون صدّ أنفاسه الناريّة ببضعة تعاويذ من الرتبتين الثالثة والرابعة؟ كان الأمر مهيناً بصدق. صحّ أن تلك التعاويذ مجتمعة ترقى إلى ما يطابق الرتبة الخامسة، وأن ذلك العود الصغير الذي يلوّح به قائدها رفعها ربّما إلى الرتبة السادسة، لكنّ هذا كلّ ما في الأمر. ولم يكن ذلك كافياً أبداً.
كانت تعويذة الرتبة السادسة هي النوع الذي استخدمه والدا «دوموينغ»
لإيقاظه حين كان فرخاً. لطالما أحبّ النوم فوق كنزِهِ، حين كان أصغر حجماً من أن يتهشّم تحت ثقله. وبدل إهدار وقتهما في جرّه بعيداً عنه، كانا يُطلقان ببساطة تعويذة أو تعويذتين. لم يكن الأمر مؤلماً حقّاً، لكنّه كان مزعجاً بما يكفي لإيقاظه. ولطالما شغفت أمّه بخاصّة بعكس الجاذبية، ممّا كان يتركه يتخبط ليلقي سحراً مضادّاً قبل أن يطفو كنزُه بعيداً. لقد افتقدها ووالدَه. اللعنة على أولئك الحمقى من العصر الأول.
لقد جُرّ هو وجنسه إلى ورطتهم، ونجا القليل منهم فقط. لقد أفلحوا على الأقلّ فيما لم يفلح فيه الملوك الأوائل. مُحِقَ التنانين، غير أنّ ولا مَلكاً واحداً من الملوك الأوائل بلغ العصر الثاني. بئساً لمعظمهم، لكنّ قليلاً منهم استحقّ الاحترام والصداقة.
آه، «ديون»..
كم كان رفيق شرب عظيماً، حتّى لو لم يوافق والدا «دوموينغ»
عليه قطّ. كان من السّخف أن يكتفي بنسف الجنود، لكنّه أراد أن يعرف ما يستطيعه أهل هذا العصر. قد يبدو البشر ضعفاء ومثيرين للشفقة، لكنّه التقى بالكثيرين منهم طوال السنين ممّن استطاعوا التسامي فوق أصولهم الوضيعة. كان بعضهم أعداءه. وكان بعضهم حلفاءه. وكان نفر نادر أصدقاءه. سرّ جزء منه لأنّهم ماتوا جميعاً، فلو كان هذا ما آلت إليه البشرية لماتوا مرّة أخرى من محض الخزي. تقلّص الجحيم في فمه حتّى بات أشبه بلهب شمعة، لكنّ حتّى ذلك كفى ليضيء سماء الليل.
اصطدم سهم النار بالتشكيلة الدفاعية وشقّها كما يشقّ مطرق ثقيل بيضة. وحمل الانفجار اللاحق من القوة ما مزق حفرة عرضها ميل في الأرض بينما بخر فوراً كلّ قطعة لحم ومعدن مألوف في نطاق تأثيره. ومع انقشاع سحابة الدخان وتوقف مطر الصخور المنصهرة، لم يبقَ حيّاً سوى قائد الجنود.
وعلى عكس الفرخ، استطاع «دوموينغ»
التحكم بلهبه. كان إبقاء شخص واحد أمراً يسيراً لمن أمضى آلاف السنين في صقل تحكّمه. نظر الأحمق حوله إلى الدمار ثمّ إلى السيف الذي يحمله. كانت تفهة، ذلك النوع من اللعب الاحتفالية الذي قد يمنحه أحد أصدقائه القدامى لنبيل أسخطه، كتذكير لطيف بمسؤوليته في ألا يكون أحمق. غير أنّ أهل هذا العصر نسوا الكثير فيما يبدو حتّى باتت لعب العصر السابق جديرة بالاحترام الآن. البشر. أسرع الناس نسياناً.
لكنّ ربّما كان غير منطقيّ. محظوظ هو البشريّ الذي يعيش ثمانين عاماً. ألف عام لا بدّ وأنها فترة زمنية بالكاد تُستوعب بالنسبة لهم. أمّا بالنسبة له؟ كان يحعد الألفيات كما يحعد البشر السنين.
— تلك كانت كلّ قوتك، أليس كذلك أيّها التنين؟
— لوّح البشري بلعبته.
— قد تكون قد أرديت جنودي قتلى، لكنّي سأنتقم لهم!
سأ — قلب «دوموينغ»
عينيه وهبط بصوت مكتوم. حافظ البشري بالكاد على توازنه ثمّ اندفع نحوه، حاشداً أتفه الطاقات التي استطاعها في محاولة لصمود أخلاقي بطولي.
حطّمت شظية بالغة الصغر من سحر «دوموينغ»
النصل وربطت البشري في مكانه.
— السبب الوحيد لبقائك حيّاً — ماطل «دوموينغ»
ببطء.
— هو أنني أريد معرفة المزيد عمّن تخدم.
حدّق الرجل بأقصى ما يستطيع. إما أنه كان شجاعاً جداً أو غبياً جداً. والأرجح كلاهما.
— لن أخبرك شيئاً أيّها التنين.
— ستخبرني بكلّ شيء.
ضاقتا عيناها «دوموينغ».
تطلب الأمر منه تركيزاً. لم يكن ماهراً في السحر المتحكم بالعقول مثل بعض أصدقائه القدامى. أوه، استطاع سبر عقول الآخرين، حتّى انتزاع المعلومات منهم إن قاوموا. لكن لم تكن لمسته رقيقة. كلا. حين امتدّ إلى عقول الآخرين، لا سيما أولئك الضعفاء كالبشريّ هذا، كانوا يميلون إلى الموت بشكل مروع. ولن يكون هذا البشري استثناء.
وبينما بدأ «دوموينغ»
يسبر ذكريات البشري، شرع الدم يتدفق من عيني البشري وأنفه وفمه.
قهقه «دوموينغ».
آه، لَوَجد «ماركوس»
هذا مسلياً.
لطالما أحبّ مصاص الدماء العتيق السخرية من عجز «دوموينغ»
عن سبر عقول الناس دون إذابة أدمغتهم، سيّما وأن «ماركوس»
كان أكثر براعة في ذلك بكثير. تبّاً.
كان «ماركوس»
مصاص دماء. وكان بارعاً بطبيعة الحال في سبر عقول البشر. كان ذلك جزءاً لا يتجزّأ من كون المرء مصاص دماء، جنباً إلى جنب مع مصّ الدماء، والتجهم، ونمط الحياة المترف الذي يتضمن ارتداء الكثير من الجلد الأسود.
— غاه!
— شرع «جارود»
ينتحب، فألقى «دوموينغ»
عليه تعويذة إخماد للصوت. كان هذا النوع من الصراخ الحاد مزعجاً.
ركّز «دوموينغ»
على المعلومات التي كان يسحبها من عقل «جارود».
بدا أنّ الرجل كان نقيباً رفيع الرتبة في قوات ممللته، وكان يحظى بثقة ملِكِهِ وحظوته. أراد ذلك الملك ذاته توسيع أراضيه عبر اقتطاع أراضٍ من جيرانه.
نجحت المملكة في القضاء على تنين منذ فترة، فتوصل الملك إلى نتيجة مفادها أنّ الاستحواذ على بعض أراضي «دوموينغ»
خيار ممكن. أحمق. كان التنين الذي قتلوه فرخاً صغيراً ومغروراً، ذلك النوع من الزواحف الذي يركز فقط على توسيع كنزه بدل صقل قوته وحكمته ودهاؤه.
التقى «دوموينغ»
— وقتل — بالكثير من أمثال هؤلاء الحمقى طوال السنين.
لقد عكسوا الأمور. امتلاك كنز لا يمنحهم القوة والقدرة على نيل الاحترام. كلا. بلوغ القوة واستحقاق الاحترام هو أفضل سبل حيازة كنز مهيب ملائم والاحتفاظ به. كان عليه تثقيف هذا الملك ومملكته بشأن ما يبدو عليه التنين الحقيقي، وكان عليه معرفة ما إن كان سائر تنانين هذا العصر بهذا القدر من البؤس. إن كانوا كذلك، فقد يتوجّب عليه البقاء مستيقظاً لفترة أطول قليلاً، إذ من الواضح أن خطباً ما قد حدث إن ظن تنين لا يتجاوز طوله خمسمائة قدم أنه لا يُقهر.
مع ذلك، لم يستطع إلا أن يشعر بالاستياء من اسم الملك واللقب الذي يدعيه.
توقف «دوموينغ»
عن الخوض في عقل «جارود»
بينما انفتح فم الرجل وانغلق. مذهل. على الرغم من تسرب دماغه من جمجمته، كان الرجل يحاول الكلام.
ربّما كان أحمق، لكنّ «دوموينغ»
استطاع احترام ذلك النوع من العزيمة. أزال السحر الصامت وسمح للرجل بقول كلماته الأخيرة.
— أنتَ...
— كشف «جارود»
عن أسنانه بزمجرة.
— لا فكرة لديك عن المصير الذي ينتظرك أيّها التنين.
سيلقاك الملك الأعلى «إليريوني»
بنفسه! إنه مقدر له حكم هذا العالم!
سيوحّد ممالك البشر مرّة أخرى وسـ — تحولت تلك الشراارة الصغيرة من الاستياء التي شعر بها «دوموينغ»
إلى جحيم نيران.
— اخرس!
— دوى «دوموينغ».
— ملكك لا يستحقّ ذلك الاسم ولا ذلك اللقب!
زمجر، وتوهج النار في فكيه مرّة أخرى. تداعت إليه الذكريات عفواً عن بشريّ بعينين كالألماس وروح كالشمس.
— عرفتُ آخر ملوك، وكنت هناك حين هوى «إليريون»
الباسل! مُزّق درعه في مائة موضع، وحُطّم سيفه المبارك، وأُقعد وعُمي! ومع ذلك قاتل، مسحقاً الخصوم الذين استطاع بلوغهم بيديه العاريتين ومراكماً جثث أعدائه حتى اضطروا لتسلق تلال موتاهم لبلوغه! تطلّب الأمر كارثة العصر السادس ذاتها لترديه، وحتّى حينها، أفلح في جرحها قبل أن يهوي! ليس ملكك سوى قاطع طريق مترقٍ، وآمل حقّاً ألا تكون سلالته صلة برفيق دربي القديم، فإنّ عار ذلك ليطارد حتى في الآخرة!
أخذ «دوموينغ»
نفساً عميقاً مهدئاً ثم تنهد.
غلبه غضبه، وأودت قوة كلماته بـ«جارود»
حتّى صار عجينة.
— لا بأس.
— أطلق «دوموينغ»
هنيناً منخفضاً.
— ينبغي لي تقصي القرى الأخرى والتأكد من عدم بقاء جنود.
بعد ذلك... نعم. سأضع حداً لمساعدتهم على النهوض مجدداً. وحينها يمكنني التعامل مع ذلك الملك المدّعي.
— التوت شفتاه في ابتسامة عريضة ذات أسنان غاية في الظهور.
— لقد مضى وقت طويل منذ أن دمرت مملكة.
ينبغي أن يكون الأمر ممتعاً، وربّما يحوزون بعض الغنائم اللائقة.
— توقف مؤقتاً.
— ينبغي لي الاتصال بـ«ماركوس».
ينبغي أن يظل حياً ما لم يفلح ذلك الأحمق في قتل نفسه بطريقة ما. سيكون الأمر كالأيام الخوالي.