قالت زينيا وهي تمسك بيد الفتاة: "كل شيء سيكون على ما يرام".
كانت الفتاة قد استيقظت وتحدّق ببلادة في السماء الاصطناعية. استيقظت وهي تصرخ قبل أن تهدئها زينيا بطريقة ما. ومنذ ذلك الحين لم تنبس بكلمة. وقف أدولين إلى جوار الآخرين بينما يراقبون زينيا والفتاة. ما زال غير متأكد ممّا ينبغي عليه فعله حيال الفتاة، لكن هذه النزهة القصيرة أثبتت على الأقل أنها بقيت هناك لأسابيع قِلال على الأقل. لم يكن التفكير المفرط في أمور عديمة الفائدة ما يدور بخلده، فتوقف عن التفكير في الأمر.
بمجرد أن تهدأ الفتاة بما يكفي، ستوفر كل الإجابات التي يحتاجونها نأمل ذلك. وحتى لو لم تفعل، لم يكن أدولين محترقاً شوقاً لمعرفة ما حدث لها. كان إخراجها من الزنزانة أكثر من كافٍ. قاده يوري إلى جانب بعيداً عن الآخرين.
سأل يوري بتعبير غريب: "إذن، ماذا وجدت؟".
أكان يحاول التظاهر بعدم الاهتمام؟ كاد أدولين يقهقه بصوت مرتفع.
قال أدولين: "ليس الكثير. تتبعنا آثار الفتاة. وانتهت في كهف يبعد مسافة مشي ساعتين من هنا. وقد عثرت عليها المخلوقات في منتصف الطريق إلى هنا. ليس لدي أدنى فكرة عن كيف تمكنت من النجاة من مطاردة استمرت نحو ساعة حتى بلغت المدخل".
"هذا كل شيء؟"
"حسناً، هناك الكهف أيضاً. فقد عاشت داخله لأسابيع قِلال على الأقل، وربما أكثر إن كانت قد خضعت لما أسماه كلاي إعادة ضبط".
أومأ يوري برأسه بينما يعبث بلحيته غير الموجودة. لم يكن ذلك مناسباً له تماماً، إذ لا يملك الشياطين أي شعر على وجوههم، مما يعني أنه أمر تعلمه منذ قدومه إلى العالم الجديد.
قال يوري: "قرأت عن عمليات إعادة ضبط الزنزانات. أشياء رائعة!".
"حقاً..."
بدا يوري أيضاً... أكثر حيوية؟ لم يكن أدولين متأكداً من كيفية وصف الأمر، لكن بدا وكأن نوعاً من الضغط قد زاح عن كاهل ملك الشياطين. كان القيد الذي يلازمه منذ دخوله الزنزانة لا يزال موجوداً، لكن معظم زال. لقد عاد ليتصرف بطريقته المعتادة. عاد يوري إلى مجموعته بعد لحظات قليلة تاركاً أدولين وحده. التفت ببصره إلى الفتاة، لكنها لم تتعاف بعد. فكر في استخدام مهارة التحليل على الفتاة، لكنه كان واثقاً من أن زينيا لن تُوافق على ذلك، فقد طردتهم بالفعل عندما استيقظت الفتاة.
رغم أنه ظل يتأمل الجمرة. كانت ساطعة قدر ما يمكن للجمرة أن تكون، مما يعني أن الفتاة كانت في حالة ممتازة. لم يكن هناك ما يهدد حياتها، أو حتى ما يسيء إليها. كانت تتمتع بصحة مثالية. لم يكن قد تحدث إلى كلاي بعد عمّا فعله الصبي، لكنه لم يكن في مزاج يسمح له بذلك الآن.
شعْره وكأنه بحاجة لإعطائه "المحاضرة"
المعتادة عن السلامة. قطب جبينه وجلس على الأرض. أخرج تفاحة من مخزونه وقضمها. استرخى جسده بالكامل واستلقى. كانت تفاحات الزنزانة أشهى ما تذوقه طوال حياته. استغرق الأمر أكثر من ساعة حتى تعافَت الفتاة قليلاً أخيراً. جلست على الأرض وإلى جوارها زينيا.
سألت زينيا وعلى وجهها ابتسامة رقيقة: "هل أنت جائعة؟".
أومأت الفتاة برأسها. كانت تغطي صدرها بيدَيها وهي جالسة على ركبتَيها، محاولةً جعل نفسها تبدو صغيرة قدر الإمكان. بدا الأمر لأدولين كاستجابة لصدمة نفسية، لكنه لم يكن خبيراً حقاً. لذا راقب من بعيد فقط. أخرَجَت زينيا تفاحة من مخزونها —تفاحة زنزانة— وأعطتها للفتاة. استغرق الأمر لحظات قبل أن تقبلها، واستغرقت وقتاً أطول قبل أن تقضم منها أخيراً. كان رد الفعل... مخيباً للآمال، إذ خلت الملامح من تلك البهجة الخالصة التي تظهر على وجوه الآخرين عندما يجربون التفاحة.
أكد ذلك على الأقل وجود المزيد من التفاحات في الغرفة الأولى وأن مجموعة يوري قد أخذت نصيبها. وأكد أيضاً أن الفتاة تناولت هذا التفاح من قبل. أو... أنها كانت مصدومة لدرجة عطلت براعم ذوقها. حسناً، كان واثقاً من أن حتى من بلا براعم ذوق سيعجبون بالتفاحة، إذ يعقب كل قضمة إحضاس لا يمكن تجاهله. بعد أن أكلت الفتاة التفاحة، عرضت عليها زينيا الماء فقبضت عليه وشربت منه جرعة ضخمة.
ثم عاد الصمت ليسود من جديد. لم يتحدث أحد، ففي كل مرة حاول فيها أحدهم، تلقى نظرة من زينيا جعلته يخرس. لسبب ما، راود أدولين شعور سيء حيال الفتاة. لم يستطع تحديد ماهيته ولا سبب وجوده. لكن ذلك الحدث لم يكذب قط ولم يخيب ظمأه، وقد بات يعتمد عليه أكثر بكثير مما ينبغي. نفس الحدث الذي حذره بشأن عقار العُدّة والأحداث التي تلت ذلك. عاد كلاي إلى التأمل واستخدام تقنية التنفس، بينما جلس يوري والآخرون بالقرب من زينيا.
عاد الصبي ليطفو في الهواء أيضاً بفضل يورينوموس الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة عندما ارتفع الصبي عن الأرض. بعد ما بدا لساعات في نظر أدولين، نطقت الفتاة أخيراً.
"أين أنا؟"
ارتدت زينيا ابتسامة رقيقة.
وقالت: "في زنزانة. لكن لا تقلقي، أنتِ بأمان".
سألت الفتاة: "زنزانة؟".
"نعم، خارج مدينة وولك مباشرة".
لم تنبس الفتاة بكلمة لأكثر من دقيقة. حدقت فقط في نقطة عشوائية بجانب زينيا.
"كيف... كيف وصلت إلى هنا؟"
بقي أدولين في مكانه السابق محدقاً في السماء، وعزّز حاسة السمع لديه لكي لا يفوت أي شيء تقوله الفتاة.
قالت زينيا: "لا أعرف. وجدناكِ قبل بضع ساعات، وكنتِ نائمة طوال ذلك الوقت".
أومأت الفتاة برأسها وهي تمسح مؤخرة عنقها.
"أنا... كل شيء... ضبابي".
بعد لحظات من الصمت، سألت زينيا: "ما اسمك؟".
"رينا".
"سررت بمعرفتك يا رينا. أنا زينيا".
ابتسمت الفتاة بضعف عند ذلك. بدأ الملل يتسرب إلى أدولين، لكنه علم شيئاً جديداً أخيرًا. لم يكن بالكثير، لكن أي شيء أفضل من الحدق في السماء وحدها. كانت تبدو بحق كالسماء الحقيقية؛ ولم تكد توجد أي دلائل على أنها اصطناعية. الدليل الوحيد الذي لاحظه هو أن الغيوم تتحرك دائماً في الدورة نفسها. كانت كثيرة إلى حد ما، لكنه حدّق في السماء طويلاً بما يكفي ليلاحظ أنه عندما تنتهي الدورة وتبدأ جديدة، تكون هي نفسها دائماً.
نفس الأشكال، نفس الطول.
"هل ما زلتِ جائعة؟"
أومأت الفتاة برأسها. أخرجت زينيا تفاحة أخرى، لكن الفتاة رفضتها.
"هل لديكِ أي شيء آخر؟ أنا... لا أريد أن أكون ناكرة للجميل، لكني اكتفيت منها لمدى الحياة".
قالت زينيا وهي تأخذ بيد رينا وتعصرها برفق قبل أن تقف وتمشي بخطى واسعة نحو يوري: "بالتأكيد. سأرى ما يمكنني إحضاره لك".
في أقل من دقائق معدودات، كان يوري قد أشعل ناراً وشوى أسياخ اللحم لتصدر أصوات إزيز. وفي غضون ذلك كانت الفتاة تأكل رغيف خبز —من تلك الدفعة الممزوجة بإكليل الجبل والملح الرقائقي. استحسن أدولين هذا التطور إذ جعل رائحة اللحم المشوي معدته تقرقع. لم يكن يستساغ إهدار الوقت عادة، لكن طريقة تعامل زينيا مع الموقف كانت هي الأفضل حقاً. ولسح الحظ، كانت برفقتهم. توقف كلاي عن التأمل بمجرد أن استيقظت الفتاة وصار يمشي نحو أدولين.
همس بمجرد أن اقترب بما يكفي: "ما رأيك؟"
"لا شيء حقاً".
ضغط كلاي شفتيه ودار بعينيه.
"حقا؟"
"حسناً... تبدو وكأنها فقدت ذاكرتها".
لم يتغير تعبير وجه كلاي. قهقه أدولين.
قال معطياً رأيه بصراحة: "تبدو الفتاة ناطقة بالحق. لكن".
عندما لم يتابع أدولين، قطب كلاي جبينه.
"لكن؟"
"حسناً، لست متأكداً من كيفية شرح الأمر. أشعر فقط أن شيئاً ما... غير مألوف؟"
قال كلاي: "هذا كل ما في الأمر؟"
"نجل... ماذا تريد مني أن أقول أيضاً؟"
هز كلاي كتفيه.
"ظننت أنك استخدمت السحر أو شيئاً من هذا القبيل..."
"على فتاة عاجزة؟"
هز كلاي رأسه وقہقه. جلس بجانب أدولين متسمراً ببصره على الأسياخ التي يشويها يوري. انتهى يوري قريباً من شواء الأسياخ؛ وذهبت الدفعة الأولى إلى رينا، بينما نال أدولين حصته من الثانية. أكلت رينا كأنها لم تتناول طعاماً حقيقياً منذ أشهر، فالتهمت كل شيء في غضون دقائق. تركها الآخرون وشأنها بينما تناول الجميع وجباتهم. عندما فرغ الجميع من طعامهم، نهضت رينا لأول مرة منذ استيقاظها.
تمددت في مكانها قبل أن تتأمل المكان. استقرت نظراتها على وجوه الجميع لبرهة. ثم مشت حيث تجلس زينيا ومجموعتها. وحدها أدولين وكلاي جلسا في الجانب الآخر بعيداً عن الجميع.
سأل يوري بمجرد أن اقتربت الفتاة منهما: "أكان لذيذاً؟"
قالت وابتسامة تعلو محياها: "نعم. كان مثالياً".
قال يوري بحماس: "يسعدني سماع ذلك! هل يمكنك إخبارنا كيف انتهى بك المطاف في زنزانة؟".
حدقت بها زينيا بنظرات قاتلة، لكنه تصرف كأنه لم يلاحظ. ابتسمت رينا لذلك قبل أن تجلس إلى جوار زينيا.
"لست متأكدة. كل ما سبقت وصولي إلى الزنزانة... ضبابي. لا أعرف كيف أشرح ذلك..."
قالت زينيا: "لا تقلقي. أخبريناها بما تتذكرينه فقط لنستطيع مساعدتك".
راحت رينا تلوي شعرها حول إصبعها متجنبة التقاء العيون.
"الشيء الوحيد الذي أتذكره هو... الركض. استيقظت تحت شجرة تحمل التفاح الأحمر. وكل ما قبل ذلك هو... أول بضع ساعات كانت مليئة بالحيويّة قبل أن أرى العبيد".
توقفت عند ذلك ضاغطة على أسنانها.
"ثم... معظم الوقت كنت أركض وأختبئ منهم. لكنهم ظلوا يعثرون علي بطريقة ما... لا يرام أين اختبئت أو مدى جودة اختبائي. الشيء الوحيد..."
استمرت رينا في شرح تجربتها في الغرفة الأولى من الزنزانة بينما كان أدولين يترصد أي تناقضات. لكن لم يكن هناك أي منها. بدا كل ما روته وكأنه الحقيقة وتطابق مع تجربته الخاصة في الغرفة الأولى. حسب ما صرحت به الفتاة، ظلت عالقة في الغرفة الأولى لأكثر من شهر على الأقل قبل أن تستكشف أحد جوانب الزنزانة التي لم تسبرها من قبل وتدخل الغرفة الثانية. كانت زينيا تمسك بيدها مجدداً وبدت على محياها مسحة حزن.
"بعد أن عبرت إلى المدخل، كان المكان الآخر أسوأ من الأول. كان شديد الشبه بالأول، لكن لم يكن هناك أي طعام..."
توقفَت بعد ذلك ضائعة في ذكرياتها.
لم يجبر أحد الفتاة على المتابعة أو قول أي شيء، لكن بعد دقائق معدودات من الصمت سأل يوري: "لماذا لم تغادري الزنزانة؟".
عمل رائع! فكر أدولين. كانت هذه المرة الأولى التي يطرح فيها أحدهم سؤالاً حقيقياً.
"لا أعرف. كنت أعرف فقط أنه إن غادرت الزنزانة... سيؤذيني شخص ما أو شيء ما. لذا كان علي اغتنام فرصتي داخل الزنزانة".
سألت زينيا: "أتعرفين من؟".
هزت الفتاة رأسها فقط وعادت لتحدق في الأرض. حسناً، بدا ذلك سبباً وجيهاً للبقاء في الزنزانة. وبما أن الطوابق الأولى كانت تعج بالأعداء الضعفاء، كان بإمكان أي شخص النجاة بأقل جهد إن كان يفر من خطر خارج الزنزانة.
"ماذا حدث بعد ذلك؟"
هذه المرة، سألت زينيا.
قالت الفتاة: "كان الأمر نفسه تقريباً. كان البقاء على قيد الحياة أسهل، إذ لم تبدو الوحوش هناك كأنها تطاردني، لكن... لم تكن الأشجار تضم أي طعام. اضطررت لقتل... لكي أبقى على قيد الحياة".
شعر أدولين بالأسف نوعاً ما بعد سماع ذلك. وتخيل أن الجميع شعرو بالشيء نفسه إذ تغيرت الأجواء من حولهم. حتى يوري. تخطت الفتاة الكثير من التفاصيل حول بقية وقتها في الزنزانة. وبدا أنها ما زالت غير قادرة على الحديث عنها، بينما استمع الجميع في صمت. لم تخض في الكثير من التفاصيل، لكن لم يبدو أنها قضت وقتاً طيباً داخل الزنزانة. المشكلة الأساسية التي كانت لديه مع كل ما قالته الفتاة هي أنها...
بدت ضعيفة للغاية. أو على الأقل، جعلتها القصة التي روتها تبدو ضعيفة للغاية. كل شخص التقاه أدولين في العالم الجديد كان يمتلك نوعاً من الفئات التي تجعله قوياً، أو على الأقل قوياً بما يكفي لمسح كل من في الغرفتين الأوليين. كما بدت الفتاة من أصل نبيل، أو تنتمي لعائلة ثرية على الأقل. قد يكون مخطئاً، لكنه ظن أنه محق بناءً على أدابها وملابسها. ومن خبرته حتى الآن، كان لكل غني وصول أفضل إلى المعلومات حول كيفية عمل البركة وكيفية ازدياد القوة بفضلها بالكثير.
ورغم ذلك نجت الفتاة بالكوال بالكاد عبر الزنزانة. كل شيء آخر ذكرته كان متوافقاً مع اكتشافاته حتى الغرفة الرابعة.
"تمكنت من النجاة فقط من خلال صيد مخلوق واحد كل أسبوع..."
كان هناك خطب ما في قصتها. لكنه لم يكن أمراً يستطيع تفسيره. كان هناك احتمال بأن تكون هذه المرة الأولى التي تضطر فيها للقتال. وهذا من شأنه أن يفسر سبب عدم قتالها للعفاريت أو الكوبولد. حاول أدولين التحقق من كل ما قالته الفتاة عن الغرفة الأخيرة، وكل تفصيلة كشفت عنها استطاع تتبعها. لم تكن هناك ثغرة واحدة في سردها. كل ما كشفت عنه كان متسقاً مع ما رآه بعد تتبع أثارها. على حد علمها على الأقل.
المشكلة هي أنه كان سيئاً للغاية في التتبع وقراءة الآثار. وبطريقة ما، استطاع معرفة ما حدث بالضبط. كان الأمر نظيفاً أكثر قليلاً مما يروق له.