دار أندروكليس في دوائر. عجز عن إطالة النظر في السماء أو الأفق للاهتداء إلى موقعه. جرح الدخان المتكاتف حلقه ورئتيه وجعل عينيه تدمعان. وبلغ حر الهواء حداً أفرزه عرقاً. تخيل أنه يسمع ديانا تناديه. تهتف باسمه كرة تلو الأخرى. لكنها لم تكن قريبة قط. لابد أنها فرت من ألسنة اللهب. على أمل ألا تكون تائهة. أما أندروكليس فكان تائهاً. وكلما ازداد الدخان كثافة، ازداد ضياعاً. لا. كان يعرف الاتجاه الذي يجب سلوكه.
بعيداً عن الملك. كان يتجه شمالاً نحو شعب الليل وقمة الجبل. وهناك سيتواجد أي شخص ما زال على قيد الحياة. وهذا يعني الابتعاد أيضاً عن الحفار الذي أصدر دويّاً من جديد. أعلى صوتاً هذه المرة. ومرة أخرى. بدا الأمر كأن الأرض نفسها تئن حماسة. اللعنة على ذلك العملاق. ليت الملوك قتلوه حين أتيحت لهم الفرصة. واللعنة عليهم هم أيضاً. كادت الخشية أن تزرع قدميه في الأرض. مصارعة عقله للسيطرة على جسده.
لم يملك الكثير من القوة لقمع مشاعره بعد الآن. تلاشت كل طاقته الروحية. وبدا الحفاظ على وعيه أصعب أمر قام به قط. لكنه تذكر أجرني والأطفال. ربما يقاتلون من أجل حياتهم ضد ما تبقي من الألوبروجيين. لا يمكنه البتة تركهم يواجهون الحفار وحدهم. أليس كذلك؟ خطا خطوة ثم أخرى. وهرول. عادت أضلاعه تؤلمه بعد أن زال اندفاع المعركة. وظل قلقاً من انكسار قطعة حدادة من العظم توشك أن تغرز في رئتيه.
ستتركه عالقاً هنا عاجزاً عن التنفس ريثما يأتيه الجحيم المحارق ليقضي عليه. هل كان يسير في الاتجاه الصحيح أصلاً؟ لكن الريح هبت في وجهه. وبعد مائة خطوة أخرى فقط خرج من أشد الدخان وتنفّس هواءً أنقى قليلاً. ما زالت عيناه تحرقانه. شُعر برئتيه عليلاً وأصابه تعب مُهلك. لكنه نجا. بطريقة ما. في الوقت الحالي. كانت النيران تتسع. كثرة الأشجار تحجب الرؤية بعيداً، لكنه سمِع الحريق. سمع الغابة بأسرها تكتظ به.
وتحت ذلك كله، ضحكات. ضحك عملاق الأرض العظيم في مسيره الطويل. صوت أشبه بأنين الصخور صعد عبر كاحلي أندروكليس. من تكون تلك الكائنات الخفية التي استدعت الريح أثناء القتال على أي حال؟ أرواح بكل تأكيد، لكن من أي نوع؟ أصدقاء عابس الذئب؟ ربما ما كانت النيران لتشتد هكذا لولاهم. و... كانت الريح تدفع اللهب نحو جيش الملك، وجله الذي كان لا يزال يتجمع. سيحظى محظوظون ببعض النجاة من هذا الجانب من خط النار، والمزيد في الممر أو أسفل الوادي الآخر.
لكن كم عدد من تبقى في تلك الغابة الآن، يموتون حرقاً؟ لا عجب أن الحفار كان يضحك. سيكون ذلك جمعاً غفيراً من الجنود القتلى. الكثير من الجنود القتلى. خفتت الرياح. تاركة الهواء ساكناً وخيوط الدخان معلقة في الجو. استقرت ذرات الرماد تماماً. لا تتحرك إلا حين يتخطاها. حجبت الغابة كل صوت، لكنه ظن أنه سمع نفختين أخريين في بوق، بعيداً في الأفق. أدارته هدرة عاتية تشبه الانهيار الجلدي.
خطا جنباً حتى وجد فرعاً في الأشجار ورأى رذاذ تراب على مسافة مئات الخطوات. ذكره بكف تراب يُقذف في الهواء، لكن بحجم معسكر شعب الليل بأكمله. أشجار مشتعلة، صخور، رجال، وخيول. صرخوا جميعاً بهلع يائس وهم يهوون سقطة مرعبة من علٍ شاهق. ارتفعت دفقة لهب غذها الانهيار ثم خبت. ثم ضحكات أخرى، عميقة ومستحيلة، صوت زلزال. أحدثت قوة الضجيج أمواجاً في الأشجار. أفلتت صرخة رعب من حلق أندروكليس.
استدار وركض بكل قوته. انتشر دخان كثيف باهت فوق رأسه وغطى السماء، حاجباص الشمس ومخفياً الظلال. كم مسافة قطعها؟ ألم يكن يفترض أن يصادف معسكر شعب الليل بحلول الآن؟ إن كان يسير في الاتجاه الصحيح؟ توقف أندروكليس وحاول تهدئة تنفسه قدر الإمكان ليصغي. عاد الحفار إلى دوي خافت يأتي من كل مكان. لكن أندروكليس ظل يشعر بحضوره، وكيف ينمو، وكيف يحذره كل شيء فيه بالفرار. جاء هدير النار البعيد الخافت من اتجاهات عدة ومن لا اتجاه.
التفت يميناً ويساراً، لكنه لم يعل قط مهما كان الاتجاه الذي يواجهه. حجبت الأشجار الصوت. لا ريح توجهه بعد الآن، لا أصوات، لا معالم. لقد ضاع. على حد علمي، كان محاطاً بالنيران بالفعل، وما هي إلا دقائق معدودات حتى يشوى حياً. رأى ذلك يحدث مراراً وتكراراً. لا رحمة في الأمر؛ تتصاعد وتتصاعد حتى تموت. وأحياناً يستغرق الموت وقتاً طويلاً يكفي لتتوقف صرخاتهم بينما يستمرون في الحركة، يلوحون طلباً لإنقاذ أو خلاص لا يأتي قط.
شد أندروكليس قبضته على الرمح. لن ينتهي هكذا، ليس إن وُجد أي خيار آخر. ليرسل الملوك ما يمنع أسرته من التواجد في مكان ما من الغابة المشتعلة بحثاً عنه. تخيل غاربي تصرخ من وسط النيران وكاد يتقيأ. لطم نفسه مرتين ليطرد الصورة. ليرسل الملوك ما يمنع تواجدهم في الغابة، وليرسلوا ما يمنع ذبحهم على يد عشرة آلاف ألوبروجي فارين من الحريق. خطا خطوات قليلات ثم توقف مجدداً. كان الدخان يتزايد هنا الآن، متكاثفاً ليصير ضباباً ويقزم العالم من حوله.
أمكنه رؤية خمسين خطوة، وأبعد قليلاً في بعض الأماكن، لكن ليس أبعد من ذلك. يا لها من فوضى عارمة. كيف تحول الأمر من مطاردة امرأة لاستعادة ماله إلى إبادة جيش بحريق غابة؟ شيء فشيء، هكذا ظن. مال العالم قليلاً وأدرك أندروكليس أنه يصاب بدوار خفيف بسبب الدخان. أعليه أن يركض؟ أن يختار اتجاهًا عشوائياً ويأمل في إيجاد هواء نقي؟
قال بالتوس واقفاً بجانب أندروكليس، كأنهما كانا يمشيران معاً طوال ميل: "أحصل على الكثير من الأيتام الجدد اليوم".
كان يرتدي المئزر الأبيض ذاته المعلق بسلسلة ذهبية، وله الشعر الأسود الطويل ذاته، والبشرة النقية ذاتها التي لم تلمسها الشمس قط. رفع بصره إلى أندروكليس، وعيناه ممتلئتان بالسواد والنجوم. غمر الارتياح أندروكليس. ارتياح كأنه ماء لرجل تائه ثلاثة أيام في الصحراء.
قال: "على ألا تكون تتحدث عن أطفالي".
قال ملك الأيتام: "لا، أولئك عندي بالفعل. لقد كانوا لي منذ زمن طويل جداً. ليس منذ زمن طويل مثلك، مع ذلك. لا، أقصد كل الألوبروجيين. لا أريدهم أن يجوعوا. حسناً؟"
قال أندروكليس: "ماذا تنتظر مني أن أفعل حيال ذلك؟ أتحاول انتزاع قسم مني؟"
هز بالتوس رأسه بهدوء.
"لا، عليّ فحسب أن أذكر الأمر. هذا كل ما في الأمر".
تنهد أندروكليس. وكالعادة، ربما لن يفقط ما قصده الملك إلا بعد فوات أوان نفعه.
"لدي الكثير من اللحم على جسدي، لكني لا أظن أن بوسعي إطعامهم جميعاً، حتى لو عثروا على جثتي قبل أن تفسد".
ضحك بالتوس، صوتاً كالمياه الصافية.
"حسناً، النار قادمة، لذا ستُشوى إن عثروا عليك".
خرخر أندروكليس ساخراً.
"عليّ أن أتدلى فوق فرع لأشوى بانتظام".
ضحك الملك مرة أخرى وقال: "يذكرني هذا بذلك الوقت... حسن أظنك لا تتذكر ذلك. أتعلم أنه في إحدى المرات، كنت عالقاً على صخرة لمدة عام في وسط المحيط؟ كان عليك أكل الطيور، وكان عليك استخدام أحشاء الطيور لجذب المزيد منها. كنت كارثة".
كاد أندروكليس يظن أنه يتذكر الأمر، الآن بعد أن أُتي على ذكره. حلم، في يوم ما، حلم لابد أنه راوده طفلاً. منذ زمن بعيد جداً، ومنسي لعقود، لكنه مألوف على كل حال. بطريقة ما. أخذ الملك يد أندروكليس وأمسكها. لم يختلف لحم ملك عن لحم ولديه، سوى أنه ربما كان أملس قليلاً. لم يجر بالتوس الكثير من حطب المخيم. لا دافئاً ولا بارداً، عادياً تماماً؛ لكن القبضة كانت حازمة ومألوفة وصحيحة.
تلاشى ما تبقى من رعب وشك من قلب أندروكليس. بقي الدخان، لكن أندروكليس شعر كأن ضوء الشمس يسطع عليه. بدا كالشمس على أمواج المحيط، كالشمس على التلال الصخرية المطلة على الكهوف الغامضة، كالشمس في المعارك الجريئة والخيول القوية والانتصارات في الألعاب. بدا كـ... الطفولة. مغامرات عجيبة، قصص شجاعة وحماسة، استكشاف وتعلم وراحة البيت التي لا تقدر بثمن.
قال بالتوس: "أفتقدك، أتعلم. افتقدك دائماً حين تغيب".
انفطر قلب أندروكليس لسماع ذلك، لكنه لم يدري ما يقول. لم يكن لديه أدنى فكرة عما يعنيه ذلك حتى. شوق أشد قوة من حنينه للوطن غمره، بما يكفي ليعض على أنسابه، لكنه لم يصت بكلمة. عصر بالتوس يده وهو يرمي بصره نحو الدخان، وعصر أندروكليس يده بالمثل. لحظة واحدة فقط، وانقضت اللحظة.
قال بالتوس: "أه، ها قد أتوا. هذا كل شيء في الوقت الحالي".
أفلت الملك يده.
"انتظر، من القادم؟"
قال بالتوس، ثم توارى: "كنت واقفاً هنا فحسب كي يتمكن شيذ من العثور عليك. وداعاً!"
رأى أندروكليس الضوء قبل أن يحزر ماهيته، لكن بعد نبضات قليلة فحسب، خرجت بوبي من الدخان. كان شيذ وغاربي يمتطونها وقوفاً على ظهرها،خترق توهج عين شيذ الفانوسية الدخان واستقر على أندروكليس كشعاع شمس.
صرخت الفتاة: "أبي!"
"غاربي؟ لمَ أتيتِ من أجلي ايتها الغبية؟ اذهبي قبل أن تصل النيران إلى هنا!"
بدأ شيذ: "المعلم أندوكويس..."
لكن غاربي هزته. حدقت في أندروكليس، وبرق البرق في عينيها الزرقاوين. ارتفع شعرها الذهبي مع الريح وأشرق وجهها كأن الدخان انفتح ليدخل الشمس.
أشارت بإصبعها وأمرت: "ستتبعني حالاً!"
خطا أندروكليس خطوتيت قبل أن يدرك أنه تحرك. منحته إيماءة غاضبة واستدارت بوبي شارة للاتجاه الآخر. ضحك أندروكليس في سرة، وازدادت روحه إشراقاً، وأسرع الخُطى للحاق بها. بسيّد الملوك، لقد كان هالكا. لابد أن يكون أبا تلك الفتاة. اتبعت بوبي ضوء عين شيذ، الذي دل على الطريق. كان ينطفئ كلما رمش الصبي، وهو ما حدث كثيراً بسبب الدخان. رفع يده مرات عديدة لتجفيف الدموع عن وجهه لدرجة أنه كاد يسلخ جلده.
حدث ذلك لأندروكليس بلا شك. كان الجلد أسفل العينين أرق بكثير مما ينبغي. لكن شيذ هدى الوعل هداية صحيحة وخف الدخان. وقبل أن يمضي وقت طويل، خرجا من أسوأ ما فيه. بقيت الرائحة العالقة؛ وما زالت رئة أندروكليس تشعر بالمرض وهناك الكثير من السعال بينه وبين الطفلين، لكن السماء العلوية كانت زرقاء باهتة، وإلى الجنوب، عمود دخان هائل يرتفع ليلوث نطاق ثيلوس ملك السماء. أقبل عابس الذئب طائراً، وركضت ديانا خلفه أسرع من حصان.
قالت وهي تمسح دمعة من عينها: "أه، حمداً للأرواح. لقد وجدتموه".
قال شيذ بلغة غامضة: "استطعت رؤية الطريق".
أوضحت غاربي: "يستطيع رؤية ما خلف الدخان، يا أبي. يرى مثل عابس الذئب بعينه الخاصة".
لم يكن أندروكليس يملك أدنى فكرة عما حدث للشيطان الصغير أو لِمَ كان الضوء في عينه، لكن لم يكن الوقت مناسباً لشرح ذلك.
"إذن يمكنهما إعادتنا إلى البقية. الملك ميت، لكن علينا المغادرة فوراً. هناك ما هو أسوأ من النار آتٍ. هل ما زال أحد حيّاً؟"
قال عابس الذئب: "الجميع أحياء".
طرب حماسة وكاد يرقص في الهواء.
"تعالوا!"
كان ينبغي لأندروكليس أن يعرف. لو مات الجميع، لما بدا عابس الذئب سعيداً هكذا. تنهد بصوت عال وبدأ يمشي. انطلق عابس الذئب سريعاً ليجلس في مقعده المفضل على كتف أندروكليس وأمسك خصلة من لحيته ليحافظ على توازنه. ركضت ديانا في المقدمة، متخبطة هنا وهناك بين الأشجار بحثاً عن أي خطر. بدا عليها هواء جاد جعل أندروكليس يتساءل إن كان مجرد استعراض، لكنه ظن أنه لا يهم. أمرت غاربي بوبي أن يمشي بجانبه، ولأول مرة أمسكت عن نظراتها المتعالية المليئة بالأحكام.
غالباً.
قالت: "أبي، أتريد امتطاءه؟"
أسرع خطاه قليلا وقال: "لا توجد طريقة يستطيع بها هذا الحيوان حملي. لقد رأيت ما يحدث للخيول التي أمتطيها".
"بستطاعته حملك. لقد فعل من قبل".
"ماذا؟ متى؟"
قالت غاربي: "حين خاطرتك. لقد حملك عائداً إلى القرية حيث كانت أمي".
قال أندروكليس: "لا، لم يفعل. كيف صعدت بي فوقه؟"
أنزلت غاربي بصرها من حيث تقف على منكبي بوبي وحاولت كبح ابتسامة. أمكنه رؤيتها تلمع في عينيها، وارتعاشة زوايا فمها.
"سر".
عانقت شيذ بإحكام أكبر. أمعن التفكير في الأمر. المكان الذي سقط فيه نائماً والمكان الذي استيقظ فيه كانا يفصلهما أميال، ولم تكن لديه أي ذاكرة لتلك الفترة الفاصلة. كان مشغولاً للغاية منذ ذلك الحين لدرجة أنه لم يخطر بباله حتى السؤال، لكن الأمر راح يزعجه. لابد أنها تورطت في ذلك بطريقة ما، وكلما أفصح عما يعرفه، قلت احتمالية تحدثها. الفتاة اللعينة. قادتهم ديانا شمالاً. وطوال الطريق، ظل الأطفال يرمقون بعيون عصبية عمود الدخان الهائل أو يرتجفون ويلتفتون كلما أنين الأرض أو وصل صدى صوت الحفار إلى آذانهم.
رمق أندروكليس النار بنظرات عديدة. من يدري بأي سرعة ستصل إليهم؟ كم سيضطرون للقطع بحثاً عن الأمان؟ الدخان وحده سيقتلهم، إن انهار ذلك العمود الذي يرتفع ميلاً وهوى عليهم. سيموتون جميعاً اختناقاً. وحين بلغوا قمة الجبال وأمكنهم النظر إلى الوادي العميق أسفلهم، استداروا وتوجهوا شرقاً. مر فارس بجانبهم، على بعد ثلاثين خطوة ربما، وهبط إلى الوادي بأقصى سرعة. لم يسمع أندروكليس الحصان إلا في اللحظة الأخيرة، لكن الفارس لم تكن لديه أي رغبة في التوقف.
قال أندروكليس: "انتظر لحظة"، وشق طريقه صعوداً فوق صخرة ليظفر برؤية أفضل.
أخبره عابس الذئب أن جل الجيش، أو ربما كله، قد صعد الجبل، وبدا أن ذلك صحيح. لا أثر لعصابات الحرب التي تجمعت أسفل قبل ساعات قليلة فحسب. مع ذلك، بدا أن بعض الفرسان نجوا من النار؛ لمح ثلاثين أو أربعين جندياً في طريقهم نزولاً عبر السفح الشمالي العاري للجبال، مبعثرين. قلة قليلة. راقب للحظة واحدة، فخرج آخر على بعد ميل خلفهم، وآخر مائة خطوة أمامهم. إن لم يفر الكثيرون غيرهم من النار في الاتجاه الآخر ويخرجوا، فسيكون حصاد الألوبروجيين هزيلاً حقاً، مع وجود النساء والأطفال وحدهم للحراثة والزراعة والعناية بالحقول.
لا عجب أن بالتوس كان قلقاً من جوعهم. قد تكون هذه نهاية قبيلتهم.
قالت غاربي بإلحاح: "أبي. هيا، ما زالوا يقاتلون".
تمتم أندروكليس بلعنة خافتة وعاود الحركة. لمَ ما زالوا يقاتلون؟ ألم يرو النار؟ كانت التضاريس على طول حافة الجبل صخرية وغير مريحة، لكنها لم تكن بعيدة لحسن الحظ. سمع أندروكليس القتال قبل أن يرى أي جزء منه. تدحرج صراخ الرجال والوحوش عبر الصخور ونزل إلى الوادي الأسفل، مصحوباً بأصوات أخرى لم يستطع أندروكليس تحديد مصدرها. عواء عميق في الغالب، وصرخة أو صرختان قصيرتان مؤلمتان لسعتا جلده.
بلغوا مساحة خالية منحدرة وبدت مؤخرة فرسان الألوبروجيين للعيان. قدر أندروكليس سريعاً أن عددهم يبلغ ألف مقاتل ربما، لكن استحيل إحصاؤهم بدقة لأنهم لم يصطفوا بأي نوع من التنظيم. خمن أنهم بدأوا كعصابة حرب صغيرة، لكن بعد عثورهم على شعب الليل، تكدسوا في المنطقة بلا أي تشكيل سليم. شغل شعب الليل الطرف الآخر من المساحة، وكان عددهم أقل بكثير. جعلت المقارنة مع الخيول عددهم يبدو أصغر حتى مما هو عليه، لكنهم فاقوا عددياً بشكل درامي.
مئات قليلة، لا أكثر. وكان خط المعركة أقرب بكثير إلى جانبهم. انضمت مجموعة معتبرة من المسوخ والمخلوقات الكابوسية إلى الألوبروجيين قرب مركز المعركة. يبدو أن زهرة لم يتخلص منهم جميعاً بأغنية خوفه سابقاً. لم يفعلوا الكثير، لكن المسافة كانت أبعد من التأكد يقيناً. بدا أن شعب الليل يؤدون عملاً جيداً في إبقاء عدد كافٍ من الرماح موجهة صوبهم لإيقافهم. على طول خط المعركة، ترك الجيشين مسافة طفيفة بينهما، مما أبان له أن القتال الحقيقي لم يبدأ بعد.
رغم أن هؤلاء لم يكونوا لاوفيليين. ربما لم يقاتلوا كصخرة تتدحرج نزولاً، مساحقة كل ما تعترض طريقها بلا هوادة حتى يُكسب اليوم. ربما قاتلوا في مناوشات متتالية بدلاً من ذلك، متراجعين لإعادة التجمع في كل مرة. كانت للهمج أفكار غريبة عن الحروب أحياناً. أشارت ديانا للجميع بالصمت والانحناء بعيداً عن الأنظار.
وما إن انحشروا، قالت: "حسناً، غاربي، أنتِ وشيذ أولاً. بوسع بوبي أخذكما كما فعل من قبل، أليس كذلك؟"
مدت غاربي يدها فرفعت بوبي أنفها لتتلمسها ولعقت يدها ككلب. وبطريقة ما، فعل كل ذلك دون أن يوخز أحداً بمجموعة قرونه الضخمة.
قالت: "إنه بخير تماماً".
قالت ديانا، محاولة إيجاد التوازن الصحيح بين الثقة والاحترام: "جيد. المعلم أندروكليس، سترغب في انتظار عودتها إلى الأمان في الطرف الآخر قبل أن، همم، تعلن عن نفسك. قد تثير تدافعاً ونحن لا نريدها في طريق رسمك".
رسمت ابتسامة طفيفة، مفكراً في مدى متعة مراقبتها وهي تتعلم بعض الأخلاق؛ لكنه تذكر حينها أن أجرني وغاربي هما من ستعلمانها فزالت الابتسامة. لم تملك غاربي سوى نصف معيار من التواضع الأنثوي، ولم تملك أجرني أياً منه مع الإطلاق.
هز رأسه معترفاً: "لقد استنفدت كل نيتي القتالية. سيتعين علي طردهم بالطريقة العادية".
بدت غاربي قلقة حيال ذلك لكنها لم تكن متأكدة تماماً مما يعنيه.
قالت ديانا: "همم. لا أعلم إن كان لدينا وقت لتتعافى، وأنا أنفد أيضاً. كنت أحاول استعادة طاقتي ونحن نمشي لكني بحاجة إلى ساعتين أخريين على الأقل".
سأل أندروكليس: "تعود؟"
لم يخطر بباله بعد إن كانت ستعود أم لا، لكن الأمر كان مريحاً على كل حال. حدقت ديانا فيه بتساؤل.
"ألا تعرف؟ إذن كيف... حسن، انسَ أمر ما. ما زال بإمكاني شق طريقي قتالاً. وأنت؟"
قطب حاجبيه.
"أنا؟ بمن ترينني؟"
شعر بالغباء فوراً، لكنها لم تسمع المحادثة مع الملك. وحتى لو سمعت، فقد فاز. لم يكن هناك شك في هويته. لكي نكون منصفين، لم يكن مؤكداً أنه يستطيع شق طريقه. كانت أضلاعه لا تزال مكسورة وشعر بالاستنزاف بطريقة عجز عن التعبير عنها. لسعته ساقه من ذلك الطعن العميق الذي ملأ حذائه بالدم، وتسللت مخالب كثيرة للشيطان إلى العضلات حين قبضت عليه. لكن زوجته وابنيه كانوا في الطرف الآخر، وبما أن غاربي لم تكن تحمل المال، فكان كل ماله هناك أيضاً.
لم يكن هناك شك في أنه سيشق طريقه. اهتز دوي عميق من باطن الأرض صاعداً عبر كاحليه. عالٍ، لكنه منخفض لدرجة يكاد يتعذر سماعها. بدا... متعطشاً. مسروراً. كالصوت الذي يطلقه المرء عند العثور على حبة عنف أخيرة مخبأة خلف كأس لم يكن يعلم بوجودها.
قال بجفاء: "أظن أنه حري بنا الإسراع".
كان الحفار يقترب كثيراً الآن والجميع يعلم ذلك. توقف فرسان الألوبروجيين عن الحركة وأرخيا ذيليهما لأسفل. حدقا يميناً ويساراً بعينين متسعتين ومنخرين منتفخين. تردد الفرسان، غير راغبين في المخاطرة بفقدان السيطرة والقذف بهم.
قالت غاربي وقد تسلل الخوف إلى صوتها الصغير: "أبي؟"
"حسناً، ليس لدينا حتى وقت لخوض معركة. غاربي، خذي بوبي حول الجيش كما خططت، لكن حين تصلين، أخبرا أجرني وناتواك بالاستعداد للتراجع. يجب أن نخرج من هنا".
"لماذا؟ ما الذي يجري؟"
قال شيذ بهدوء: "أستطيع رؤيته".
أدار رأسه جنوباً، نحو الغابة والدخان.
"إنه كبير".
قالت ديانا: "لقد طردت شيئاً كبيراً من قبل، سيفي. بوسعي فعلها مجدداً".
كاد أندروكليس يبصق.
قال: "ليس هكذا فعلتِها. أنتِ لا تدرين عما تتحدثين".
أجابت ديانا بعناد: "لم تكن هناك لتروي ما حاربتُه، المعلم أندروكليس".
هز رأسه وشعر بالعرق البارد يتساقط على جبهته. هز دوي آخر قدميه وتخيل أذرع التراب الهائلة وهي تكتسح الرجال الصارخين بالعشرات، ثم تحشرهم كحشوة سجق بين أسنانه. ليرسل الملوك ما يجعله يقاوم حضور التتنان القديم هذه المرة ويحافظ على عقله. لكنه شك في ذلك. لا أحد يستطيع. تردد صدى تلك الذكرى مع التتان المقترب نفسه وشعر أندروكليس أن أصابعه بدأت ترتجف. شد وجهه. خفق قلبه بقوة. الملوك، الملوك، أرجوكم، ليس الآن، دعوني أحافظ على عقلي لفترة أطول قليلاً.
ربما لم تشعر ديانا بالأمر بنفسها بعد، لكن لابد أنها رأت مدى تأثره. أسقطت النقطة على عجالة ومضت قدماً.
"غاربي، اذهبي كما قال. سنلحق بكم قريباً. اذهبي يا فتاة. بوسع شيذ مساعدة الجميع على الهرب، لأنه يستطيع رؤيته قادماً".
حدقت غاربي في أندروكليس، فقال: "امنحيني قبلة، أيتها الفتاة".
هزت رأسها وقالت: "لا. لاحقاً. حين تأتي".
حدقت فيه بحزم لضمان وصول المعنى. وصل المعنى.
خرخر ساخراً: "حسناً".
منحت غاربي نظرة أخيرة، ثم تطلعت للأمام. تحرك بوبي من تلقاء نفسه، منطلقاً فجأة من مخبئهم خلف الشجيرات ومندفعاً مباشرة نحو الفرسان. قبل أن يتمكن أندروكليس من الصياح، قفز الوعل عشرة أقدام في الهواء وبدأ يقفز في طريقه عبر الفرسان، قافزاً من فوق الرجال والخيول برشاقة سهلة لدرجة أن كل ما استطاع أندروكليس فعله هو الحدق. أدرك أندروكليس أنه كان عليه طلب الصبي الشيطان الصغير للإشارة وإخباره بمدى قرب الحفار.
حسناً لا بأس.
قال: "لننطلق، ديانا. ركزي على ترويع الخيول. أفهيمتِ؟ إنهم متلهفون للفرار بالفعل".
قالت: "فهمت".
نهضت، هزت يديها عدة مرات لتخفيف أصابعها، قبضت كفيها، واندفعت للأمام. وقف أندروكليس وترنح خلفها بصياغة. فوجئ الفرسان الأقربون وفزعوا، جادين الأزمّة لثني الخيول، لكنهم تسرعوا لدرجة رفضت معها الحيوانات الانصياع. جمحت الوحش وأُلقي فارسان على الأرض. ولم يقل عدد الفارين في كل الاتجاهات عن عشرة، مما روع المزيد منهم. تركت ديانا أثراً من الفوضى ليتبعها. لطمت الخيول، صرخت في آذانها، ركلها أو طعنها في أضلعها.
انهار الجيش من حولها، وأُلقي الرجال على الأرض أو بقوا معلقين بهلع بينما كانت دوابه تمتطي الغابة أو سفح الجبل. تبعها أندروكليس عن كثب، مستخدماً رمحه منخساً لكل حصان استطاع الوصول إليه. لم يقدروا تلك المعاملة، فجمحوا صعوداً أو تسابقوا هرباً كلما أدمى جلودهم. امتلأ الهواء باللجلجة حين بدأ حشد الرجال ينفتح أمامهم. فقد عدد لا يحصى من الفرسان السيطرة تماماً وحاول البقية بيأس الابتعاد، لكن جهودهم زادت الأمر سوءاً.
لن تهدأ الخيول. وسط كل تلك الفوضى، لم يدرك أنهما اخترقا الخط الأمامي إلا حين تعثر في بقعة قصيرة من الأرض الفضاء وتراجع غريزياً ليدع قبضة بحجم إناء نبيذ تصفر أمام أنفه. طعن أندروكليس في اتجاه قدومها قبل أن ينظر حتى ليرى صاحبها. شعرا الرمح يغوص عميقاً في اللحم، قدماً أو يزيد. جذبها عائداً، وانحنى تحت قبضة أخرى، ثم انزلق جانبياً لتجنب ركلة من قدم بحجم شاة. طعنها أندروكليس مجدداً، وحركت هذه المرة ساقها البغيضة الطويلة النحيلة جانباً وتراجع قليلاً.
خرجا من بين الألوبروجيين بجانب كتلة المسوخ. ظن أن تلك هي مخاطرة اتباع ديانا. الفتاة الحمقاء. لكنه كان مخطئاً في أمر واحد. لم تكن المسوخ تقاتل لصالح الألوبروجيين. استغرق الأمر لحظة واحدة ليدرك أن الجيشين حاصرا المسوخ بينهما، ولم ترغب أي من الكرتين في اقترابهم أكثر. تكدس جنود كلا الجيشين هنا بكثافة أكبر من أي مكان آخر. تصاعدت موجة صدمية من الأرض، مرتدة إلى الوادي كصفقة رعد واحدة.
اهتز الألوبروجيون وشعب الليل وجثوا معاً كأنهم رجل واحد. انكمشت حشود المسوخ أيضاً وأطلقت صرخة خاصة بها، صارخة بنبرات علت وانخفضت عما يستطيع أندروكليس سماعه. من الخلف، اصطدمت نلاحظة واحدة عالية حارقة بأندروكليس بقوة مادية، محرقة كل عصب في جسده للحظة قصيرة مؤلمة. استدار ليرى زهرة فوق الحشد وكفاه محيطتان بفمه. جلس الصبي على منكبي ناتواك، عن كثب خلف الخطوط. ذكي. سقط غول على ركبتيه مباشرة بجانب أندروكليس، ثم نهض وركض في الاتجاه الآخر، غير آبه بما يدوس عليه.
أخيراً لمح زهرة فصرخ: "أبي!"
وأشار بحماسة. سبقته حماسته لدرجة أنه كاد يسقط من منكبي ناتواك محاولاً إعلام الجميع. لابد أن الصبي المسكين كان قلقاً بشأنه. غمز أندروكليس لزهرة، وأمال رمحه تحية لناتواك، وحول انتباهه إلى شعب الليل، الذين كانت صفوفهم تفقد تماسكها لظنهم رؤية ميزة، لكن الوقت كان مبكراً جداً. أولاً، لم يكونوا منظمين للاندفاع نحو صفوف العدو، وثانياً، كان الحفار ما زال قادماً.
زعق: "اثبتوا في خطكم! ابقوا في الخلف، ابقوا معاً!"
صاح زهرة بصوت أعلى بكثير، فرن صوته الحاد كالمطرقة على النحاس الثقيل: "اثبتوا في خطكم! ابقوا في الخلف، ابقوا معاً!"
بدا الفأر الصغير فخوراً بنفسه فظاعة حين التفت أندروكليس ليلمحه. من يحتاج إلى بوق حرب؟ بالطريقة الصحيحة، تراجعت شياطين ناتواك إلى أماكنها ووقفت بتشكيل محكم. سمع الألوبروجيون ذلك أيضاً وأعادوا السيطرة على خيولهم أخيراً، بعد الضرر الذي أحدثه هو وديانا باختراقهما. والآن بعد أن ألقى نظرة فاحصة على مقدمة تشكيلهم، لم يكن يشبه أي نوع من الخطوط التي اعتاد عليها. لكان جيشا الأمجاد قد حققا اختراقاً فورياً، لكنه بدا فعالاً هنا.
لم يجلس في المقدمة سوى الرجال ذوي السيوف الحديدية الطويلة أو الحراب، مطبقين فوق خيولهم، ملوحين بكل ما يقترب. بدا أن وحوش الملك وشعب الليل صُدّوا غالباً لمجرد الترهيب، إذ أحبت الخيول الوقوف على رجلين لدهس أي شيء لم يعجبهم. لعين أندروكليس، بدا الأمر كمناورة لتهدئة الحيوانات، لا قتالاً. طرد كل الماعز من الحقول وعبر البوابة، أو ما شابه، والآن وقد انغلقت الشبكة، لم تكن لديهم دراية بما يفعلون.
كانت تكتيكاتهم المعتادة هي التجمع كالنحل. تفقد أندروكليس كلا الخطين ومجموعة المسوخ اللوزية الشكل بينهما. كان كلا الجيشين أقوى في المنتصف بطبيعة الحال، وكان هناك الكثير لاستغلاله حول الحواف. لكن في الوقت الحالي، لم تجرؤ أي من الكرتين على الاندفاع للقتل بوجود وحوش الملك هناك. قاتلوا فقط حيث جمعت بينهم حشود الزحام، وذلك لفترة وجيزة فقط قبل التراجع. التقط غول شيئاً نحيلاً شبيه بالسلطعون بحجم شاة وقذفه فوق خط شعب الليل، ثم حاول مطاردته.
لكن شياطين ناتواك لم ينخدعوا، وتراجع الغول بعد طعن ساقه النحيلة مرات كافية. من طريقة تحريك يديه، بدا وكأنه يريد تهشيم رؤوسهم لكنه لم يجترئ على مخاطرة قرونهم. أنجزت النساء في الخلف عمراً قصيراً بسلطعون الشاة. لمح أجرني أخيراً في قسم آخر وبيدها سكين مدمى وفي الأخرى كيس أعشاب. يبدو أن ذلك لم يكن المسخ الملقى الأول. وصلت غاربي وسيف للتو، وبطبيعة الحال لم يكن بيبر في أي مكان مرئي.
هزت هزة أرضية أخرى الأرض، أسوأ من ذي قبل. حافظ أندروكليس على توازنه برمحه، لكن كتلة قريبة من شعب الليل لم تكن محظوظة هكذا. تعثر أحدهم وأسقط عديدين غيرهم في محاولته للحفاظ على قدميه. لحسن الحظ، كان فرسان الألوبروجيين المقابلين لهم مركزين على إيقاف خيولهم الخائفة عن الرقص ولم يستغلوا الفتحة قبل نهوض الشياطين مجدداً. لاحظ أندروكليس أن شعب الليل لفوا نهايات ذيولهم الطويلة النحيلة معاً لتشكيل حبل امتد على طول الخط.
فعل الصبيان ذلك تقريباً في كل مرة يمشون أو يجلسون بجانب بعضهم، لكنه جعله يتساءل إن كان بإمكانهم الإشارة بالمناورات بهذه الطريقة. يمنح أحدهم جذبة فيشعرون بها جميعاً. جذبتان للتقدم للأمام، وثلاث للتراجع... بأي سرعة يمكنهم لفّها وفكها؟ لو استابعم تقسيم الجيش إلى أقسام والتحرك في اتجاهين معاً، لصنعوا فرقة هوبليت مخيفة. سيسألهم عن ذلك ذات يوم. طارت شجرة مشتعلة بحجم سفينة ثلاثية المجاديف فوق كلا الجيشين وقطعت نصف المسافة أسفل الجبل في الطرف المقابل، موقعة الجميع في مساراتهم.
سكتت ساحة المعركة بأسرها، وتوقفت كل الصرخات والقرقعات. وبعدها بوقت قصير، انفجرت خمسون كتلة تراب بحجم الخيول من الغابة المحترقة ورصعت ساحة المعركة بظلالها. زار الحفار، بصوت عميق طويل مفعم بالحصى المتحطم. أطل وجهه الترابي عليهم فوق خط الأشجار من مسافة قصيرة جنوباً وسقط سم حضوره في المنطقة كماء المحيط، مخنقاً كل تفكير. كانت عيناه كهفين فارغين من الظل لا يلوّنهما سوى الرمال المتطايرة الساقطة من حاجبيه.
تقاطرت صخور بحجم الكلاب وتدحرجت من رأسه الأصلع تقليداً للعرق. وصنعت صخور أكبر من الأبواب أسنانه، مكشوفة في ابتسامة جائعة. لو كان أندروكليس أكثر استعداداً، لربما حظي بقوة إرادة كافية للتخلي عن كل شيء والفرار. عوضاً عن ذلك، سمّرت الصدمة قدميه في الصخر وأبته جامداً لفترة قصيرة كفت لعودة جزء قزم من العقل إليه قبل أن يتحرك. قاتل. كان عليهم القتال. قاتل. قاتل! لم يستطيعوا الإفلات الآن أبدا.
كان عليهم منح الحفار ما يريد، أو الموت. دفع خوفه بكل قوته. تزحزح. رفع رمحه وأطلق صرخة حرب فاترة. كان ذلك كل ما استطاعه تحت حضور الحفار المخنق، ولم يكن يكفي. كانت الشياطين مصدومة، وكل عين فضية زجاجية وفارغة. في الطرف الآخر، مات جل فرسان الألوبروجيين ببساطة، أو ربما فقدوا الوعي فحسب. سمع أندروكليس أصوات جرهم وهم يسقطون، وسمع طقطقة كسر سيقان حيث ثبتوا فرسانهم. انفتح فم الحفار، كهفاً إلى أعمق أعهاق كل الخليقة.
أطلق طلبه، فدوى من باطن الأرض وشعر به في الركبتين قبل سماعه في الآذان. جاء كشيء أكثر بدائية من الكلمات، كأي شيء سبق الفكر، لكن معناه كان واضحاً: قاتل. تنهد أندروكليس تحت الضغط الروحي لإرادة الحفار. حتى لو بقيت كل نيته القتالية، لم تكن هناك مقاومة لذلك. بوسع المرء مقاومة ألف صاعقة برق، أو مقاومة جفاف، بسهولة أكبر. انهيار أرضي. أمكنه الشعور به يسحقه جسداً وروحاً. تسبب حتى بألم في الفراغ الذي احتوى الوباء ذات مرة قبل أن يطلقه عابس الذئب.
تمتم أندروكليس: "قاتل".
كان لسانه أجدف من أن يتحدث فخرجت خشنة.
"إلى الحرب..."
قال ناتواك بهدوء ودون تأثر: "أندروكليس، يا صديقي، ماذا سنفعل؟"
على منكبيه، جلس زهرة منتصباً. راحت عينا الصبي تزوغان في كل مكان، تريان كل شيء ولا شيء. لقد بال على قميص الشيطان العجوز. أصاب عدم تأثر ناتواك أندروكليس كصفعة تقريباً، مهزاً عقله ليستيقظ أكثر.
توافر لديه حضور البال ليقول: "علينا خوض حرب. لقد جاء لمشاهدة حرب".
ألم حاد في قلبه جعل أندروكليس ينحني ويمسك بقميصه. أنين. الفراغ، وعاء الوباء، احترق. أمكنه الشعور ببصمة يد صغيرة هناك كأثر طعنة. ما فعله عابس الذئب لم يلتئم تماماً بعد. رفع رأسه وهزه ليحاول التركيز. قطب ناتواك حاجبيه بقلق، لكنه حافظ على هدوءه. مد أندروكليس أصابعه المرتجفة وأخذ بيد زهرة.
"زهرة! يا زهرة، انظر إليّ. انظر إلى وجهي. هنا لأعلى. زهرة، استيقظ. أحتاج صوتك!"
عاد الضوء ببطء إلى عيني ابنه البريتين. راقب أندروكليس الحدقتين الذهبيتين تتحولان مع استعادة قدرته على التركيز، وراقب حركتهما تهدأ. راقب امتلاءهما بالغضب. وراقب زهرة يأخذ نفساً عميقاً ويستعد، عاجزاً عن كبح مشاعره. حظي أندروكليس بحضور بال لإمساك ذقن الصبي وتوجيه صرخته، لكن بالكاد. كان الأمر قريباً. لم يصدر صوتاً سمعه أندروكليس، لكن عقله سبح فيه، كاد ينجرف في حلم. التحدي.
التحدي الخام غير المقيد. أحدثت صرخة زهرة أمواجاً في الهواء اصطدمت بوجه الحفار، مزيحة المزيد من الرمال المتطايرة عن حاجبيه. وأزاحت أيضاً آخر ضباب عن عقل أندروكليس، محولة مزاجه من الخوف إلى الغضب. قهقه التتنان ورفع المزيد من نفسه عن الأرض. ظهرت منكبتا تراب وصخر ودفعتا في الهواء، محدثتين زلزالاً هادراً آخر. سقطت أشجار مشتعلة من الأرض الناهضة وتحطمت على الأرض. كان وجهه عالياً كتمثال فوق معبد، لكنه مكشوف حتى إبطيه فحسب.
جعل الحجم الهائل رأس أندروكليس يصاب بدوار.
هس زهرة: "أنا لست زهرة القديم!"
ارتجف الصبي غضباً، وكون أندروكليس انطباعاً بأنه لم يكن هنا بالكامل بعد.
"لا أحد يظنك الصبي الذي كنته. استيقظ يا بني. زهرة!"
قال زهرة عارضاً أنيابه: "لن يموت زهرة الجديد بسبب الخوف!"
أمكن لأندروكليس رؤية الأنوار في عينيه ترقص بينما شق الصبي طريقه نحو اليقظة التامة.
هز أندروكليس كتفيه بلطف وقال: "اسمعني جيداً. حين نصل إلى ديكايا، سأمنحك اسماً آخر. أفهيمت؟ اسماً آخر. اسماً جديداً. حينها لن تكون زهرة على الإطلاق".
تلاشى ذهول زهرة دفعة واحدة.
سأل بعينين واسعتين: "حقاً؟"
"نعم".
فكر في نفسه، محاولاً فرض ابتسامة داكنة: لست زهرة القديم ولست أندروكليس الشياب. جعل حضور الحفار كل حركة تبدو وكأنه يسبح في ماء ثقيل ولم تكن إصاباته بمساعدة. مزقت ذراعاه غرزاتها في مواضع كثيرة وكانت أضلاعه المكسورة تملك حرارة رطبة جعلته قلقاً. ليعلم الملوك كم من الدم خسر بسبب مخالب الشياطين تلك. لابد أن هذا كان شعور التقدم في العمر - صعوبة الحركة، وألم في كل مكان.
"حسناً يا زهرة، أحتاج صوتك، أفهيمت؟ يجب أن تبقى معي وتبقى يقظاً"، قال أندروكليس، قابضاً على رمحه بقوة من غريزة.
كانت ساحة المعركة ساكنة، وكل رجل مقهور بالخوف من الحفار، لكن ذلك لن يدوم.
وأضاف: "ناتواك، أتحمل حمله كي يصل صوته بشكل أفضل؟"
اكتسي وجه ناتواك بنبرة إلحاح وقال: "أندروكليس، يا صديقي، لست متأكداً من أن ذلك هو خيارنا الأرجح. أظن أننا وصلنا إلى نهاية طريق طويل".
قال أندروكليس، رغم ظنه أنه يعرف إلى أين يتجه الشيخ: "ماذا، هنا؟ أترى طريقاً في أي مكان، أيها العجوز؟"
"من أجل صداقتنا يا أندروكليس، أرجوك استمع لما أريد أن..."
"توقف عن ذلك. لن ألتقط عدداً من أطفالك وأفر. هذا ما ستسأله، أليس كذلك؟"
خان وجه الشيخ المشاعر العميقة التي بذل قصارى جهده لإخفائها. مجرد وميض هزيمة وبؤس، لكن أندروكليس رآه.
قال ناتواك: "أرجوك، يا صديقي. أنا أعرف هذا الملك وهو لن يتركنا نذهب. إنه الكارثة، أليس كذلك؟ الملتهم الأكبر؟"
لم تتحلى الحفار بالصبر تجاه محادثتهما فصرخ بصوت علا بما يكفي لتهتز الغيوم وتحدث أمواجاً. قاتل. حامت كهوف عينيه الجوفاء فوق ساحة المعركة. أنزل ناتواك زهرة من منكبيه ودفع به نحو أندروكليس. كانت عينا الصبي تتألقان تشوقاً، حالمتين بلا شك بما سيكون عليه اسمه الجديد. بدأ أندروكليس يتساءل إن لم يكن ذلك هو النهج الخاطئ لإبقاء زهرة يقظاً.
توسل الشيخ: "أرجوك. أنقذ صغارنا. خذ كل ما تستطيع. خذهم جميعاً واذهب. سنقاتل حتى نؤكل، وهذا حسن. أنقذ أيضاً المدفونين في حقل الصخور وكن أبّاً لشعبي، صديقي الوحيد. افعل ذلك احتراماً لبالتوس، إن لم تحرك الشفق لي قلبتك".
قال أندروكليس: "لم تدرك مقداره، إن ظننت أنني رجل يفر قبل اضطراره لذلك".
"أظن أن رجلاً يفر لم يكن ليملك هذا الكم من الندوب. لكني أعلم أنك تفي بقسمك فوق كل اعتبار، وأعلم قسمك لشراء ممتلكاتك في مدينتك. إن بقيت هنا ومت، فلن يوفي. وأعلم أيضاً أن بالتوس نفسه يحفظك وعائلتك. إن كان لأحد أمل في الإفلات من الكارثة، فأنت ومن تستطيع أخذهم معك. أرجوك، أرجوس، أرجوك، دع ذلك يشمل صغارنا. لا أمل آخر. سوى قسمك وفضل ملكك"، قال ناتواك.
بذل الرجل قصارى جهده للحفاظ على كرامته، ربما لأنه ظن أن اللاوفيليين هكذا يفترض بهم التصرف. لكن مهما كافح لإخفائه، تعذر إبقاء اليأس عند الحواف مخفياً تماماً.
رأى الشيخ تردده فقال: "أرجوك، أرجوك، اذهب".
حسناً، إن كان سيطرح الأمر هكذا. عرف أندروكليس أن الشيطان العجوز يملك نقطة وجيهة، مهما ألمّ فراره بكبريائه. كان كل هذا سعياً وراء قسمه بعد كل شيء، وامتلك كل ما يحتاجه لإتمامه. لقد وضع الملوك الشياطين في طريقه لحماية عائلته بينما يحارب الملك، أليس كذلك؟ وإن لم يكن، فلا يهم كيف ولماذا. لا مفر من الحفار. ليس لمعظمهم. إما لبعضهم، أو لعدم أحد منهم.
"جعلت الملك يعاني ويموت، يا ناتواك. أخبرك بهذا القدر. مات في خزي وألم. لقد نلتم انتقامكم بالفعل، وسأحرص على ألا ينسى صغارك تضحيتك"، قال أندروكليس.
استدار وجذب قميص زهرة.
"تعال يا زهرة. كف عن أحلام اليقظة".
بشكل غريب، شعر بالقليل جداً من المشاعر إزاء القرار. لا ثقل، لا خفة. لا ارتياح ولا ندم. لا شيء. زاد ذلك الأمر سوءاً. تمنى لو شعر بقليل من الذنب على الأقل. ربما كان مستنزفاً ببساطة الآن وسيُحس به لاحقاً. ليحد على ناتواك، على الأقل.
قال ناتواك: "لا أستطيع شكرك كما تستحق، يا صديقي".
بدا اليأس فيه يتلاشى، مستبدلاً بالعزيمة. أو ربما ارتياح بسيط لعلمه بأنه فعل كل ما في وسعه، واقتراب راحته. أمسك أندروكليس بيد زهرة وجذبه معه، مسرعاً عبر صفوف شعب الليل المرتعبين صدمة نحو أجرني، آملاً أن يكون الأطفال هناك أيضاً. قبل أن يبلغها، استيقظ أحد الغيلان من رعبه ونهض ليقف بكامل طوله. راءى شعب الليل بلا استجابة، فأطلق قهقهة غلظية وخطا بخفة فوق الخطوط الأمامية.
ركل رجلين بعيداً بضربة واحدة من قدميه، ثم واصل التقدم عبر صفوف الرجال النحيلة نحو النساء. وحيدة بين الحشود، كانت غاربي تتحرك. قفزت مع وعيلها، مقوسة عالياً في الهواء صوب الغقال المبتسم. لم يعد سيف برفقتها، ووقفت بذراعين مكتوفتين كتمثال ملك يمتطي غمامة.
"غاربي، توقفي! انتظري!"
صرخ. كانت تقترب كثيراً من الغول، لتعنها الملوك. تجاهلته. بلغت بوبي مدى الذراع من المسخ وقفزت برشاقة حين حاول الإمساك بهما. حاول مجدداً، ممدداً يده نحوها هذه المرة، لكن بوبي رقصت متراجعة وأبعدتها عن متناول يده.
"غاربي! ابتعدي أيتها الفتاة! غاربي!"
صرخ. الملوك، ليس هكذا! ليس الآن! عادت أي مشاعر افتقدها قبل لحظة بألف ضعف. غمره الرعب، متفاقماً بحضور الحفار السام. توقفت بوبي وتوقف الغول بدوره. تبادل الكابوس وفاته الصغيرة النظرات للحظة فحسب.
صرخ: "غاربي!"
ممزقاً صوته، شاقاً طريقه نحوها. مدت الطفلة يدها للأمام، ومد الغول ذراعه الطويلة لها.
صرخ زهرة: "غاربي!"
أعلى من صرخة عقاب. لونت الفطرة في قلب الصبي صوته برعب فوضوي. لم تلتفت حتى برأسها. وضعت الطفلة الصغيرة يدها بهدوء على طرف إصبع الغول الممدود للحظة. لحظة سكون تام، مجمدة كلوحة على خشب، ثم انحنى الغول - وتوقف قلب أندروكليس عن النبض في صدره - وقبل يدها. سحبتها، مشتعلاً شعرها الذهبي ببرتقالي ساطع ومجيد حين اخترق شعاع من شمس ملونة الدخان بطريقة ما ووجدها. وقف الغول بكامل طوله.
رمق أندروكليس بنظرة، ثم تراجع. تخطت بوبي الغول، متحركة نحو بقية وحوش الكابوس. تبعها الغول، واقفاً عن كثب. حامياً. ترنح أندروكليس وكاد يقع، مشتتاً عن الانتباه إلى وجهته. كان عليه بلوغها، إبعادها للأمان قبل أن ينتزع ذلك الشيء رأسها بعضّة واحدة. بدت حضورها توقظ بقية المسوخ ببطء. نفضوا عن أنفسهم وبدوا أكثر نشاطاً؛ فتحت ذوات العيون عيونها، رمشت، ورمقت المحيط. مدت غاربي يدها مجدداً، وبعد لحظة تقدم غول آخر وقبل يدها.
ثم آخر، وآخر، كمتوسلين أمام عرش وغاربي ملكتهم. أو ربما أميرة. جلس عابس الذئب بسعادة على كتفها، كأن كل ذلك لم يكن مجنوناً تماماً. التفتت ابنته الصغيرة الهشة لتلقي نظرة عليه وشعر بقوتها، بحبها. طريقة الساحرات الغامضة التي علمتها إياها أجرني، قوة تشبه عكس غضبه. لقد مضى وقت - أشهر - لكن روحه تذكرتها. نقية، بريئة، ولا تنكر. أكانت تمتلك الكثير دائماً، أم نما في غضون ذلك؟
ثم التفتت مجدداً ومدت يدها ليعشقها مخلوق الكابوس التالي. حين بلغا وظهرة على بعد عشرين خطوة منها، كان حبها قوياً بما يكفي لمحو سم حضور الحفار المخنق. زال ثقل عن منكبيه وشعر أخيراً بانقشاع عقله، رغم أنه كان بخير من قبل. لم تكن أجرني بعيدة خلفها أيضاً، راكضة من الاتجاه الآخر، بوجة أحمر قانٍ من الجهد متخبطة بجنون وهي تمضي. لم تكن خُلقت للركض. انحنى غول آخر لطفلته الصغيرة، ثم آخر.
اقتربت مخلوقات أخرى بلا أسماء وأقرت بكل منها، مباركة إياها بامتياز وضع يدها عليها. أشياء برأسين أو بلا رأس، أشياء بخمس سيقان، مخلوقات تبدو ككرات شعر منتنة؛ وإن لم تكن طويلة بما يكفي، أنزلها الوعل لتصل إليها. لكن لم تكن كل المسوخ تقصدها. بدا أن نصفها تقريباً يتجه شماً، نزولاً من الجبل، تاركة المعركة خلفها. بدا وكأنهم بلا وجهة تقريباً، كأنهم يهيمون في الاتجاه ذاته لكن بلا هدف.
البقية، أولئك الذين بقوا، انتظروا وعشقوا غاربي الصغيرة، الواقفة على وعيلها. انتشرت مشاعر شبه بشرية على وجوه مشوهة، وانحنت أشياء بلا وجوه نحوها. كانوا قبيحي الشكل، وكره رؤيتهم عن كثب هكذا. كره رؤيتهم أصلاً. لكن ما الذي كان عليه فعله حيال ذلك؟ زأر الحفار مجدداً، وبعد لحظة طارت صخرة بحجم ثور فوق الرأس، تلتها أخريات. بالكاد لاحظ أندروكليس. بالغا جانبه أخيراً، كانت أجرني مصدومة مثله.
تطلّعا في وجهي بعضهما، بوجوه خالية تماماً.
قالت غاربي: "أبي. أبي؟"
لم يدرك أنها توقفت.
"ماذا؟"
"الملك ذهب، لذا سيقاتل هؤلاء من أجلي الآن. أنا جاهزة يا أبي. أخبرنا كيف ننتصر".
ابذن ابنته، ذات الأعوام الثمانية وبالكاد نحيلة لدرجة تعذر رؤيتها لو التفتت جانبياً، قطبت حاجبها في وجه الألوبروجيين وكتفت ذراعيها.
"نحن..."
فتح فمه ليتكلم، ثم أغلقه. لا يمكننا القتال. علينا الفرار. تطلع خلفه نحو ناتواك. كان الرجل يسرع على طول الخط، صافعاً شعبه ليخرجوا من ذهولهم. ثم عبر نحو الألوبروجيين، مئات والمزيد، كلهم مدججون بالسلاح ويمتطون الخيول. كانت أفضل فرصة لشعب الليل هي التراجع الحذر. لم تكن لديه فرصة للفوز، والآن لن ينجيهم حتى التراجع. مع ذلك، شعر بعدم الاستقرار الآن. اتخذ القرار، لكن... تطلع فوق ساحة المعركة مجدداً.
مدرساً. مقدراً. مخططاً، مدبراً، مفكراً. تخيل استراتيجية في عقله، ثم أخرى. ثم ثالثة. لمح الحفار، شعر برعب حضور التتان المطبق عليهم جميعاً. كانت هناك طريقة. ترنحت أجرني لتضع يديها على ركبتيها وتلهث وتقدم زهرة ليضع يده على كتفها ويتأكد من أنها بخير.
سأل أندروكليس: "أين بيبر؟"
أجابت بقدر ما استطاعت: "إنه يراقب... الأطفال... الآخرين".
تطلع أندروكليس للخلف حتى وجد ديانا، التي كانت تتجه نحو هذه الوجه أيضا. ألوح لها، فقطعت المسافة المتبقية ببضع من تلك القفزات اللابشرية خاصتها.
"ديانا، حافظي على حياة غاربي. أفهيمت؟"
أومأت الشابة وقبضت كفيها.
قال: "أجرني، لن يفيدنا الدرع بشيء لأني استنفدت كل غضبي. اذهبي حيث يسرّك".
قالت: "لدي فكرة إلى أين"، وأغلقت فمها للدلالة على أن هذا كل ما سيحصل عليه.
قال أندروكليس: "زهرة، ركز. أمعي أنت؟"
"عذراً يا أبي، كنت أفكر مجدداً".
"باسمك؟"
"نجل. أستخبرني ما هو؟"
"لا. وتوقف عن التفكير في الأمر الآن. ابقَ قريباً مني، لكن بعيداً بما يكفي لألا تُقطع. سأحميك لكن عليك حماية نفسك. أتقدر على ذلك؟"
قال الصبي محاولاً إبداء الجدية: "نعم، يا أبي!"
استل سكينه المصنوع بمهارة سكايثاند من داخل قميصه ووقف مستعداً. شجاع كالعادة، الفأر الصغير. كان شعره الأبيض وأذناه المكسوتان بالفراء كارثة تامة من التراب والقذارة، لكنه زاد سحره فحسب. ابتسم أندروكليس قليلاً مفكراً في مدى بلاهة عائلة زهرة القديمة لعدم رؤية قيمته.
"ستصيح أو تغني، لا تقاتل. أرجو ذلك. كن مستعداً".
"نعم، يا أبي".
غالباً لنفسه، تمتم أندروكليس: "آمل أنك تشاهد هذا، يا بالتوس. ستكون كارثة".
عاد أضعف همس مع الريح، يكاد لا يلحظ فوق الأرض المتمردة. ماذا عساي أفعل غير ذلك، أيها الأحمق؟ أمال زهرة رأسه ورفع أذنه، مما أخبر أندروكليس أن الهمس ربما كان حقيقياً، وهو ما كان مطمئناً. ربما.
"حسناً غاربي. إليك ما نحتاجه. يجب أن تبقى تلك الأشياء معاً لأنه لو تفرقت، فستكون أسهل من أن تُقتل. معاً، لن يجترئ أحد على مهاجمتها. أفهيمت؟ إنها مخيفة معاً، وتمنح شعب الليل مساحة للقتال. الطريقة الوحيدة لنفوز، هي أن نضرب الألوبروجيين بقوة تجعلهم يفرون"، قال أندروكليس.
قالت غاربي بثقة غاضبة كادت تجعله يبتسم: "حسناً، سيهربون، لأننا الأغابيثيديون!"
"نعم، نحن كذلك. أيقظهم يا زهرة. أيقظ الجميع"، قال أندروكليس.
"نعم، يا أبي"، قال زهرة.
هدأ وعيناه أصبحتا زجاجيتين. فتح فمه وبدأ يغني، لحناً بسيطاً بنقاط صافية ارتفعت حجماً - انفطرت الشمس بالأعلى، ممطرة كتل مشتعلة في كل الاتجاهات. رآها أندروكليس مقتربة من علٍ يفوق العقل، ساقطة، هابطة لسحق كل شيء. غمره الهلع - طرف أندروكليس مرتين. استغرق ثانية ليدرك ما حدث، لكن الجميع ممن أمكنه رؤيتهم صُفِعوا لليقظة بالرؤية. أغلق زهرة فمه.
ثم فتحه مجدداً وقال بهدوء: "راودني ذلك الكابوس".
زأر الحفار رداً، صوتاً سطّح الأشجار. غضب وجهه الحجري وارتفع أكثر من الأرض، مكشفاً نصف صدره. رفع ذراعيه فصعدتا ككرمات صخر أسمك من طريق، طويلة متلوية في الهواء كالمجسات. تشكلت أيدٍ عند الأطراف، رفعتها الحفار فوق ساحة المعركة، ملقية بظل على نصف البشر بالأسفل. قاتل. كان التهديد واضحاً - لقد استعد لبدء التحطيم.
"غاربي، هاجمي! زهرة، صرخ بكل ما أقوله من الآن فصاعداً. أيها الشياطين، اقتلوا الفرسان، لا الخيول! هاجموا أيها الرجال! الآن، الآن!"
ثبتت غاربي نظرتها على العدو. أشارت بذراعها فجن جنون حشد المسوخ واندفع صوب الألوبروجيين بصمت مرعب وخارج عن المألوف. كرر زهرة أوامر أندروكليس، وما إن رأى شعب الليل الفوضى التي أحدثتها المسوخ، حتى استجمعوا شجاعتهم واندفعوا. استعاد الألوبروجيون وعيهم بالتزامن مع الشياطين، لكن الخيول رفضت طاعتهم. انكمشت الحيوانات وارتجفت ككلاب سمعت الرعد. وُضعت صفوف العدو بمسافات للقتال على ظهور الخيول، مما ترك فراغات في كل مكان، وبوقوف الخيول ساكنة، أصبح ذلك عبئاً.
امتلك أكثر من نصف الألوبروجيين دروعاً، لكن دون القدرة على تدعيمها معاً، استطاعوا حماية القليل فحسب. كانت مسوخ غاربي فعالة، مسحقة كل ما في طريقها بينما تقدمت بتثاقل، لكن عددها كان محدوداً. ما فاجأ أندروكليس هو فعالية شعب الليل. بدا أنهم اعتادوا هذا النوع من المناوشات، وضبطوا توقيت هجماتهم تماماً وهم يندفعون إلى الفراغات، ويسددون ضربة لفارس، ويندفعون للخارج مجدداً.
في غضون ثلاث أنفاس، مُزق خط الألوبروجيين الأول من على خيولهم ومُزقوا أرباً. رقصت الدواب بلا فرسان للخلف خوفاً وارتباكاً، معطلة التشكيل أكثر. تحرك أندروكليس للأمام بخطى سريعة، لا ركضاً؛ سيكون جزءاً من القتال لكن دون الانغماس فيه. كان عليه الاستعداد للقيادة. لحسن الحظ، كانت ذراعاه ورمحه طويلين، وبوجود شيطانين يشتتان فارساً، لم يتطلب وخز ثقب في صدر عدو سوى جهد يسير.
كان محظوظاً أيضاً بأن شعب الليل كانوا أقصر من أن يروا بعيداً في الألوبروجيين لتقدير عددهم.
"يا رجال الأطراف، اطووا! اطووا كإسفين!"
صرخ رافعاً رمحه عالياً في الهواء ومحاولاً الإشارة. كرر زهرة الأوامر بصيحة علا بما يكفي ليشعر كالإبر في أذني أندروكليس. رن صوته الحاد فوق ضجيج المعركة وما لبثت أطراف خط شعب الليل الأشعث أن بطأت وتدادت، مخلقة قوساً محترماً مع نقطة المركز المتبعة للمسوخ. عرف أندروكليس شكل هذه المعركة. كان عليهم شق الألوبروجيين نصفين، وجعلهم يشعرون بأن عددهم أقل بكثير مما هو عليه. إشعارهم بأنهم يخسرون.
كان حضور الحفار محتوماً، كوجود أحدهم يقف على صدرك؛ كفى الرعب البدائي الذي أحدثه لجعل أي شخص يفر، بالنظر لسبب. أو حتى بلاه. كان عليهم فقط منح الألوبروجيين سبباً. سحب الحفار يديه بحجم المرج وضحك، مسروراً لرؤية القتال يبدأ مجدداً. جعل ضحكه الأرض تتدحرج، مانحاً أندروكليس التلميحات الأولى لدوار البحر. قاتلت مسوخ غاربي طريقها للأمام. شبّك غول يديه ولوّح بهما صعوداً، ملتقطاً حصاناً في الصدر وقاذفاً به وبفارسه عشرين قدماً للخلف.
ومد آخر ذراعه الطويلة النحيلة للأمام وأمسك ألوبروجياً من رأسه، مدوراً إياه في الهواء ليلوي عنقه، ومستخدماً ما تبقي منه كمقلاع لسحق آخر من فوق حصانه. كان الصغار بنفس القدر من الفتك لكن صعوبة المتابعة. لم يجد أندروكليس سوى بوانت دم من العدم، أو رجل يصرخ ويختفي نحو الأرض. اندفع شعب الليل ووخزوا الخيول أو عملوا أزواجاً للصد والطعن في آن. قافزون بلا خوف وخارجون مجدداً، مبقين على صفوفهم منتظمة.
لم يكن متأكداً أين وجدوا الإيقاع أو الانضباط لذلك؛ فلم يستطيعوا ببساطة الحفاظ على ذيولهم ملتفة، مندفعين للداخل والخارج هكذا. حمد الملوك، أداء ترك الخيول حية فعل ما تمناه أندروكليس. وقف البعض حيث هي أو هام، ونجحت تلك في اعتراض طريق البضائع الأخرى. انطلق البعض باتجاهات لا يمكن التنبؤ بها، غالباً للخلف صوب جيش الألوبروجيين. لم يتواجد الكثير خلف خطوط شعب الليل القليلة الأولى، لذا لم يهم إن عبروا بهذه الطريقة.
لمح أجرني قريباً تطارد الخيول خلف خطوط المعركة وتهدئها. لم يكن متأكدا من كيفية فعلها نظراً لعدم طولها لدرجة تتيح للخيول ملاحظتها طوال الوقت، لكنها أمسكت بأزمة اثنين في يديها. كانت رؤوسهما منخفضة حتى رأسها، وكانت تهمس بشيء في آذانها.
ربما شيء مريح، مثل "الحفار لا يأكل الخيول".
شك أندروكليس في أنها أضمرت خططاً أخرى قبل لحظة، لكن هذا كان جيداً. ابتسم حين خطر له أنه يستطيع قريباً التفاخر بامتلاك زوجة تسرق الخيول مباشرة من ساحة معركة. من يتخيل أمراً كهذا؟ رن ضحك الحفار عبر الأرض مجدداً، صوتاً يُشعر به في الركبتين قبل سماعه في الآذان. بدا جدري التتان الفاسد أسعد فأَسعد. ظهر ناتواك، شاقاً طريقه عبره. عيناه الباهتتان الفضيتان مشتعلتان بغضب أو إحباط أو كليهما، وهو يقترب من أندروكليس.
"ماذا تفعل؟ يجب أن تذهب! يجب أن تأخذ الصغار قبل أن يبتلعنا الكارثة في الأرض!"
فوجئ أندروكليس لعدم مجيء الرجل باكراً.
قطب حاجبيه نازلاً نحو الشيخ وقال: "أعلم، لكني أردت تجربة هذا أولاً. إن لم ينجح، فسنرحل".
هس ناتواك: "ماذا عن الأطفال؟"
"بيبر يراقبهم".
"وهذا ينبغي أن يريحني؟"
"لا، ينبغي أن يخبرك أني لا أعرف أين هم. إنهم مع بيبر. أتر اهم في أي مكان؟"
توقف ناتواك متجْمداً، فمه مفتوحاً مع تجلي الأمر له. بدا الشيخ وقد شاخ عقداً إضافياً وهو يتلفت بعجز، عاجزاً عن إيجاد الصغار. تدلت أذناه الطويلتان المدببتان وجر ذيله على الأرض. بدا الشيطان العجوز المسكين كأن الشيء الوحيد الذي يبقيه خارج القبر هو انشغاله الشديد عن الموت. صرخ زهرة فجأة محذراً غاربي بالانتباه والتفت أندروكليس في الوقت المناسب لرؤية ديانا تقفز خمسة أقدام في الهواء وتبعد رمحاً.
إن رأت ابنته الخطر، فلم تبد أي رد فعل. بدا أنها كانت مركزة تماماً على الظهور بأكبر قدر من الأبهة أمام جيشها البائس. كانت حركاتها رشيقة ومقصودة، متوازنة تماماً، وخارجة تماماً عن السياق وسط المذابح من حولها. ألم قلب أندروكليس خوفاً عليها، لكنها ألهمت الرهبة حقاً. كان ذلك مؤكداً.
قال أندروكليس: "يمكننا الحديث عن هذا لاحقاً يا ناتواك. الوقت غير مناسب".
تقدم للأمام وبحث عن ألوبروجي آخر ليطعنه، لكن الأقرب تخلى عن حصانه وفر مشياً على الأقدام قبل أن يتمكن شعب الليل من اللحاق به. على بعد خطوات قليلة إلى يساره، أمسك شيطانان بفأس حجار طويل وحاولا جذبه، لكن الألوبروجي أبلى بلاء حسناً في التمسك. اخترق رمح أندروكليس أسنانه واصطدم بمؤخرة خوذته، وخر صريعاً. وخز شيطان أصغر ظن أنه عرفه أحد قرنيه بلحم حصان لدفعه. جمح الحيوان وركل وأحدث كل أنواع الفوضى قبل أن ينجح أخيراً في الابتعاد، متسابقاً للخلف ومعطلاً الألوبروجيين أكثر.
ببطء لكن بلا شك، ضغط شعب الليل الألوبروجيين متفرقين، شاقين جيشهم نصفين. كانت مسوخ غاربي تؤدي معظم الشق، إذ فضل الفرسان تجنبها بدلاً من الأكل، لكن الشياطين صمدت وضمنت عدم انغلاق الخطوط مجدداً خلفهم. ما لم يتغير شيء جذرياً، ستنتهي هذه المعركة قريباً. فقد عدد كبير من الألوبروجيين وعيهم، مستدارين للفرار بأقصى سرعة مع صرخات رعب لا تنقطع وعيون جامحة. تعذر على الأكثر ثباتاً بينهم استخدام الخيول لمصلحتهم.
كان أسهل بكثير لاثنين أو ثلاثة من شعب الليل التعاون على فارس واحد. واحد أو اثنان للصد، والثالث للقتل. لو تراجع الألوبروجيون وأحدثوا هجوم فرسان سليم، لكانت معركة مختلفة تماماً، لكن مع الحظ ستنتهي قبل أن يدركوا ذلك.
صرخ أندروكليس، وكرر زهرة بصوت عالٍ كالمعتاد: "ابقوا معاً! حافظوا على خطوطكم!"
اشتد القتال. ترجل بعض الألوبروجيين ووقفوا بين الخيول لتشديد تشكيلهم. في مواضع أخرى، قذف الفرسان على صف أو صفين خلف المقدمة حرابهم في الفراغات، بأثر عظيم. راقب أندروكليس أربعة شياطين في مواضع مختلفة يُصابون ويسقطون في الوقت ذاته تقريباً. بطأ التقدم للأمام، ثم توقف. شعر أندروكليس بتغير التوازن. لا، لن يفلح ذلك. الأفضل إعادة التشكيل من التعرض لهزيمة سريعة.
صرخ، وكرر زهرة: "تراجعوا عشرين خطوة! الجميع للخلف عشرين خطوة، الآن!"
حاول أندروكليس منع نفسه من الإصابة بالهلع وهو يراقب شعب الليل يبذلون قصارى جهدهم لفك الاشتباك. ومما يدعو للإعجاب، أنهم أنقذوا جرحاهم عند الانسحاب، ودفع أكثر من واحد الثمن بإصابة في الظهر. بعد فترة قصيرة لكن متوترة، أوقف الفرسان القتال لإعادة تشكيل صفوفهم، مقوين أعدادهم غالباً في المنتصف ضد الوحوش، التي بطأت دفعها للأمام لكنها ظلت تسيل الكثير من الدماء.
صرخ أندروكليس، وكرر زهرة: "غاربي، تراجعي! اسحبيهم للخلف!"
رفعت الفتاة يدها نحو السماء، راحة الكف للأعلى. استدارت بوبي وحملتها عائبة نحو أندروكليس، وسرعان ما انكسرت المسوخ وتابعت.
سألت حين اقتربت بما يكفي: "أبي، هل أبلينا حسناً؟"
تنهد.
"نحن أحياء، ومعظم شعب الليل كذلك. هذا أفضل ما نأمله الآن".
أدار وعيل بوبي عينه المتهكمة ليرمق أندروكليس باحتقار واضح، وقامع أندروكليس الحيوان اللعين بذات الاحتقار. الملوك، لمَ لم تستطع إيجاد صديق أكثر... تثخن سم حضور الحفار. شعر الجميع بذلك وهدأت ساحة المعركة سكوناً في رعب. دوت الأرض، بصوت طاغٍ أغرق كل ما سواه وصعد الحفار أكثر من الأرض. ارتفعت قبضتاه أعلى من القمر. خنه قلب أندروكليس. الملوك، لا، كنا نعيد التشكيل للتو! صرخ التتان العظيم بغضب وهوى بقبضته على ساحة المعركة.
كادت قوة الارتطام تسقط أندروكليس مغشياً عليه. انفجرت فوهة في قلب جيش الألوبروجيين، قاذفة بالتراب والدم واللحم المتشابك عشرات الخطوات في كل اتجاه. استدار أندروكليس ليرى ما حدث للشياطين، لكن الغبار الكثيف في الهواء حجب الرؤية. امتلأ الهواء سريعاً به، مقلصاً الرؤية لبضع خطوات. لن تكون هناك معركة الآن. لم يعد هناك سوى الموت الآن.
صرخ أندروكليس: "افروا لحياتكم!"
رفع التتان قبضتيه عن الأرض، وسمع أندروكليس أصوات ارتطام رطبة لأشياء تتقاطر عنهما. استحوذ الهلع على الجميع، الهلع العميق في الروح الذي لا يستطيع رجل مقاومته.
صرخ عابس الذئب: "هيه!"
بطريقة ما، حمل صوت طائر العالي فوق الضجيج المتصاعد.
"هيه، توقف عن ذلك!"
انطلق الجني الصغير طائراً من كتف غاربي وهز قبضته في وجه التتان، وهي صورة لكانت مضحكة في ظروف أخرى.
صرخ أندروكليس: "غاربي، فرّي! اذهبي يا فتاة، اذهبي! ديانا، أخرجيها من هنا!"
صاح عابس الذئب: "أبي، ماذا نفعل؟"
اندفع وتوقف على بعد ذراع من وجه أندروكليس. ارتجف وانتفض بجنون في الهواء، ووجهه الصغير منقبض كله خوفاً.
"نفر. لقد قلت ذلك بالفعل!"
"لكني لا أريد!"
صرخ أندروكليس بغضب: "إذن اذهب وأخبر الحفار بأن يكف عن ذلك!"
وما إن غادرت الكلمات شفتيه حتى أدرك أنه ما كان ينبغي له قولها. هدأت هيئة عابس الذئب. اتسعت عيناه البنفسجيتان قليلاً مع استحواذ فكرة سيئة للغاية على عقله.
قال أندروكليس: "انتظر، لا...!"
لكنه كان قد فات الأوان.
"عُد!"
انطلق عابس الذئب أسرع من سهم صوب الحفار. كاد أندروكليس يبكي، عارماً بعلمه أنه سيتعين عليه مشاهدة صديقه الصغير العزيز يموت. قطع عابس الذئب المسافة الكبيرة وتوقف على بعد خطوات قليلة من وجه الحفار، حيث حام. على هذه البعد، لم يستطع أندروكليس رؤية ما يدور، لكن من طريقة وميض النجم الصغير تخيل أن الجني كان يوبخه بشراسة.
توسل: "اخرج من هناك يا عابس الذئب".
لكن الجني لم يفر. تسلل الارتباك ليحل محل الرعب الحيواني، وأدرك أندروكليس مع الجميع أن القمع الثقيل لخبث الحفار كان يتراجع. عبر الغبار، استدارت كل عين في ساحة المعركة صوب الحفار وتسمرت على عابس الذئب الصغير. تألق كنجمة صباح أمام كائن عملاق أقدم من الملوك.
تشبثت غاربي بمعطف فرو الدب لأندروكليس بكلتا يديها وتوسلت: "أبي، أنقذه! أنقذ عابس الذئب الخاص بي! أه، أه!"
لم يلاحظ حتى الوعل حاملاً إياها إلى هنا. تئنت، يائسة جداً عن البكاء. ماذا كان بوسعه الفعل؟ ماذا كان بوسعه القول حتى؟
"إن استطعت"، كان كل ما استطاعه.
كان قلبه ينفطر. دوت تشققات وأنين ودوي عبر الحقل ونزلوا الجبل بينما رد الحفار على ما كان عابس الذئب يخبره به. بدا أنهما يخوضان محادثة حقيقية هناك بالأعلى. لم يحتج أندروكليس لإخبار الجميع بالفرار - فقد أدركوا في الوقت ذاته الذي أدرك فيه أن الحفار مشتت وأن لديهم فرصة. ظهر ناتواك في المزيج، موجهاً قبيلته لحمل هذا الشخص، أو وضع ذاك على حصان أجرني، وهكذا. لكنه لم يستطع الفرار بنفسه، ليس الآن.
ليس بينما أبقى اليأس قدميه مسمرتين في البقعة. ليس حتى يرى ما سيحدث لعابس الذئب الصغير المسكين. أخذ زهرة بيد أندروكليس الأخرى وعانقها، غير آبه بكل الدم والغرز المتمزقة. قبض أندروكليس عليه بشدة بالمثل.
تذمرت أجرني: "وأي يد سأمسك بها؟"
حشرت نفسها بين أندروكليس وغاربي، آخذة بيده في يدها ومعانقة الفتاة بذراعها الأخرى.
تنهدت: "حسناً؟ أيمكن لأحد منا تحمل مشاهدة هذا؟"
عصر أندروكليس يدها وقال: "استعدي للفرار. فور أن... نرى ما يحدث".
"لو علمت ما سيتعين علي تحمله لأحصل عليك بين ركبتي، لبقيت في سلة وصرت ساحرة غابات".
ابتسم ورمقها بنظرة. تألقت عيناها ردًا عليه. بسيّد إراستريا، لقد كان مولعاً بها أكثر مما ينبغي. لكن ابتسامته ماتت أسرع مما ينبغي.
"أين أخذ بيبر كل الأطفال؟"
"هو وبضع من النساء اتجهوا نزولاً من الجبل. لا أظنهما ذهبا بعيداً".
رقص عابس الذئب في الهواء، قافزاً يميناً ويساراً. فقد وجه الحفار جزءاً من شكله، منهاراً لأسفل. انهار أحد ثقوبي عيون التتان، مصطدماً بصخور عظيمة تهوي مائة قدم إلى أرض الغابة المدمرة. امتلأ الهواء باللهاث والصراخ. تفكك الحفار قطعة فقطعة. تحررت صخور عظيمة وكومات تراب وتدحرجت بعيداً، مصطدمة بالأشجار. غاصت ذراعاه للأرض وصارت تلالاً طويلة تطوق ساحة المعركة. لو أن التتان برز من الأرض أقرب إلى ساحة المعركة، لكان كل كائن حي قد سحق بفعل الانهيارات الأرضية.
انهار آخر الحفار، مخلفاً كومة تراب هائلة صماء بلا ملامح. صُدم أندروكليس. دفعة واحدة، أطلق كل كائن حي في الحقل صرخة نصر. رَفَع الابتهاج أندروكليس عالياً في الهواء، بدا، فأمضى أجرني بكلتا ذراعيه ودورها في دائرة، عاجزاً عن التوقف عن الصراخ. قفز زهرة صعوداً وهبوطاً، صارخاً بصوت طفل عادي. حتى ديانا رفعت قبضتيها وهتفت بأعلى صوت استطاعته. ترددت صرخاتهم ضد السماء وعادت إليهم مضاعفة.
سقط ناتواك على ركبتيه، مهزوزاً بشهيق عظيم في صدره. ما لبث أن حاصره العشرات من شعبه، بعضهم يهتف، والآخرون عاجزون عن إصدار صوت. جعل الألوبروجيون خيولهم ترقص وتقفز. رفعوا أسلحتهم نصراً وركضوا في دوائر لكنهم لم يبدوا أي إشارة لرغبتهم في مواصلة القتال. شك أندروكليس في أنه لو مشى إلى هناك وبدأ يعانقهم، لرحبوا بذلك. استغرق الأمر من غاربي خمس صرخات، لكنه سمعها أخيراً.
"أبي، أبي، انظر إلى عابس الذئب!"
توقف ونظر فرأى لا نجوم نهار بل اثنين ينزلان نحوهما. توقفت عائلته للدهشة، لكن أحداً في الحشد لم يلاحظ. جني صغير آخر، طفل أزرق ضئيل بأجنحة حشرات، تلا مباشرة خلفه. لم يكن عابس الذئب وحيداً. توقفا على بعد أقدام قليلة.
قال عابس الذئب: "حسناً يا جماعة، الأمر بخير الآن. لن يفعل ذلك مجدداً".
كان صوته شبيهاً بصوت عابس الذئب لدرجة جعلت أندروكليس غير متأكد من قدرته على التمييز بينهما. لكن لغة جسدهما كانت مختلفة؛ انحنى الحفار للأمام وتطلع بخجل، بينما لم يكن في عابس الذئب أي خجل على الإطلاق.
قال أندروكليس: "أه؟ ما اسمك إذن؟"
هتف الكارثة في طفرة حماس مفاجئة: "الكارثة!"
أشرق كبرياءً ودار في دائرة.
"كان معي من قبل! قال أحدهم!"
كان عابس الذئب أقل حماسة، لكنه أقر على مرغمًا: "إنه اسم جيد".
قطب أندروكليس حاجبيه ممتعضاً، بمشاعر غير مستقرة. تسبب الحفار في الكثير من المعاناة له شخصياً. قتل معلمه وصديقه الأول، ديوكليس، الرجل الذي رباه كابنه. غرس جرح حزن في قلب أندروكليس ألم لعقود. الكارثة.
تسللت أجرني إلى جانبه وقالت: "أعلم ما تفكر فيه أيها الغول، وأنت تنظر إليه خطأ. لديك دليل على أن الحفار زال إلى الأبد. دمرته بجنيك وانتهى الأمر. فكر في الأمر هكذا".
تنهد. كانت محقة، حتى لو كانت تمنحه الكثير من الفضل في تلك الصياغة. ما جدوى حمل ضغينة الآن؟ ماذا سيفعل، أخنق جني حتى الموت؟ بالطبع لا. ستقتله غاربي ولربما تلقت مساعدة. كأنما يجادل الريح، لكل نفع جناه.
قال أندروكليس: "تسميتك بالكارثة ستجعل الأمر يبدو كأنك تجلب سوء الحظ حولك. ما رأيك أن ندعوك بشيء آخر؟ ما رأيك في تشوبر؟"
قال الجني متردداً: "تشوبر؟"
دس طرف إصبع في فمه ليمضغه، تماماً مثلما فعل عابس الذئب. في الواقع، ألم تكن أسنان القرش تلك تؤلمهم على الإطلاق؟ لمَ لم تكن أصابعهم تنزف باستمرار؟
"نعم، كفأس. تشوبر. إنه اسم قتال جيد، ألا ترون؟ تشوبر وعابس الذئب، مدافعا الأغابيثيديين".
سأل تشوبر: "ما هو الأغابيثيدي؟"
"ذلك اسم عائلتي"، قال أندروكليس.
فكر تشوبر: "همم..."
دع أندروكليس الجنيين يتأملان الأمر.
مغيراً الموضوع، قال: "أجرني، أين بيبر؟ هل لديك فكرة؟ يريد ناتواك ركبتيه تعودان".
"أعلم الاتجاه الذي ذهب إليه. تعالي يا غاربي، يا زهرة. لنذهب للبحث عن أخيكما. عابس الذئب وتشوبر، أستطيران للأعلى وترَيان إن كان بإمكانكما إيجاد أي إشارات عليه؟ ذهب في ذلك الاتجاه، فوق تلك القمة هناك، وأسفل الجبل قليلاً".
أخبر تشوبر عابس الذئب: "أنا تشوبر الآن".
قال عابس الذئب: "أعلم. هيا".
انطلقا متسابقين، متلويين حول بعضهما في سباق مرح.
ابتسم أندروكليس وقال: "تقدمي يا غورغون. لنتظاهر بأننا نحاول مواكبة".
قالت ديانا ببريق ماكر في عينها: "أستطيع المواكبة".
قالت غاربي: "أبي، ما هو الغورغون؟ أعرف ما هو الغول الآن، فما هو الغورغون؟"
ضحك أندروكليس فحسب، إذ سيووقعه الشرح في المتاعب. ستصاب الفتاة بالرعب. بدأ بالمشي فحسب، وما لبث الجميع أن تتابعوا. ظلت غاربي تلح على أجرني لتقول ما هو الغورغون، وكان ردها دائماً 'لا أعرف'، وهو ما ربما كان كذبة أو لا. مشيا فوق منخفض قمة الجبل وشقا طريقهما نزولاً، أسعد مما ينبغي بالنظر إلى ما اجتازاه للتو. كان صوت زهرة مفعماً بالضحك، كأنه لا يستطيع الانتظار لبدء الغناء، وتصرفت غاربي كمن مُنح أفضل هدايا العالم بأسره - ديانا وتشوبر - وعجزت عن إبعادهما عن مرأى العين لثانيتين.
وتبين أيضاً أن ديانا لم تكن تملك أدنى فكرة عما هو الغورغون. بعد ثلاثين خطوة أخرى أو نحو ذلك نزولاً التل، حين بدأوا بلوغ أرض أكثر انحداراً وشجيرات، رأوا الدماء الأولى. صار المزاج كئيباً فوراً. كانت الدماء في ساحة المعركة شيئاً، لكن لا ينبغي لها التواجد هنا. ليس حيث ذهب بيبر. كانت مبعثرة في كل مكان، كأنها قذفت من إناء في كل اتجاه. وجدوا المصدر سريعاً - ألوبروجي ميت بثقبين هائلين على رقبته.
لم تنتهي الدماء عند ذلك الحد. إن كان ثمة شيء، فقد ازداد الأثر بللاً. كانت امرأة شيطان ميتة هي الجثة التالية التي وجدوها، مقطوعة عبر المنتصف ومشطورة نصفين تقريباً. لابد أنه كان أحد تلك السيوف الألوبروجية الطويلة. ثلاثة ألوبروجيين موتى آخرون، وامرأة شيطان ميتة أخرى. كان لأحد الألوبروجيين فأساً محشوراً في كاحله، وتعرف عليه أندروكليس باعتباره ذلك الذي منحه لبيبر قبل المعركة.
حسناً، علم على الأقل أن هذا هو الاتجاه الصحيح. دماء أكثر، أثر طويل من التدفقات، يليه تلطخ بيد فوق صخرة مسطحة، يليه ألوبروجي ميت آخر مليء بثقوب الوخز. قاد الأثر أكثر فأكثر نزولاً من الجبل، قاطعاً قطرياً عبر سفح الجبل نحو شجيرات واضحة. مجموعة أخرى من الجثث، بامرأة شيطان أخرى وخمسة ألوبروجيين موتى، ملأت تلك البقعة. وتابع الأثر. رجلان ميتان آخران، مات كل منهما كالبقية - مطعوناً ومتروكاً لينزف بينما يحاولان مطاردة قاتلهما.
لا أطفال موتى، حمد بالتوس. ليس بعد. من هناك، قادت مجموعة آثار أقدام دموية، صغيرة، أبعد نزولاً عبر بعض الشجيرات النحيلة وانتهت في وسط بقعة عارية من الصخر الرملي. مباشرة خلف ذلك كانت شفة شق صغير انفتح في الجبل. كان تشوبر وعابس الذئب يحومان فوقه، ما زالا يبحثان. أطلق أندروكليس تنهيدة ارتياح ومشى سريعاً إلى نهاية أثر الأقدام الدموية. وضع كلتا يديه على منكبي بيبر، مخمناً بشكل صحيح أين سيكونان.
وما إن فعل ذلك حتى صار الصبي مرئياً، طبيعياً، كشيء جالس فوق طاولة طوال اليوم لكنه لم يُلاحظ إلا الآن. كان بيبر متصلباً. لابد أنه كان في حالة صدمة، وإلا لكان جاء راكضاً لتحيتهم. وكان غارقاً من الرأس للقدمين بالدماء، كأنه اغتسل بها. غمس رأسه. الملوك، كيف نجا؟
قال أندروكليس بلطف: "أنا هنا يا بيبر. أأنت بخير؟ أأنت مصاب؟"
قال بيبر مع عودة الوعي ببطء: "أبي؟"
تحركت عينا الغلام الذهبيتا وركزتا. صرخ وسقط للخلف.
"أنت ميت!"
"لست ميتاً يا بني. انظر إليّ. أنا هنا الآن"، قال أندروكليس.
"لقد انتهى كل شيء".
قال بيبر، واليأس في صوته: "تبدو ميتاً!"
مفطر القلب.
"لست ميتاً"، قال مجدداً.
"لقد فزنا".
قال بيبر، ووجهه منقبض بألم عاطفي: "لديك رماد ودماء".
مرت عيناه فوق البقية، لكنه لم يبد رؤيتهم حقاً. كان وجهه كمن في وسط كابوس.
"...عابسا ذئب...؟"
صرخ زهرة: "بيبر!"
مندفعاً للأمام لمعانقة أخيه، بذراعين ممدودتين.
صرخ بيبر: "لا تلمسني!"
تدفقت الدموع من عينيه، محولة بقع الدماء على وجنتيه إلى وردية وتاركة آثاراً.
"لا! أنا ميت! أظني ميت!"
قال أندروكليس: "بيبر..."
لكنه لم يستطع الإنهاء. بدأ الهلع يتصاعد داخله. ماذا كان عليه قوله الآن؟ ما الخطأ؟ أانكسر عقل الغلام أخيراً؟ كم حجم الضغط الذي رزح تحته طوال هذا الوقت؟ أشهر الشتاء الكئيبة هذه...
دفعته أجرني جانباً وكان الألم في صوتها وهي تقول: "حسناً أيها الغول، تحرك. أنت عديم الفائدة. الآن انتبه يا غاربي، لأن هكذا كان مفترضاً استخدامها".
تراجع وابتعد عن الطريق. كانت أجرني المسكينة تقطب حاجبيها بعمق، ووجهها يعرض معاناتها. حاول بيبر تفاديها، لكنها خطفته في عناق أسرع من تمكنه من الابتكار. قبضت عليه كجثة منتشلة من الماء، كأنها إن أطلقت سراحه، فلن يُرى مجدداً أبداً. كافح بيبر للإفلات في البداية، لكنها ثبتت ذراعيه. ما لبث أن أسقط قرن الشيطان الذي أمسك به، كاتماً إياه ليطقطق على الصخر. بعد أن بطأت محاولاته، دفعت رأسه إلى كتفها، مجبرة إياه على الاستناد إليها.
لم تهتم بكل الدماء، بكيف ستلطخ ملابسها، بكيف ستنتن حين تجف. كأنه كان رضيعاً طازجاً من حوض الغسل، من طريقة حملها له. بدأ أندروكليس يتساءل إن كان بيبر سيشعر بتحسن الآن بعد أن هدأت من روعه.
قالت: "أه، يا بني، يا بني المسكين".
تقاطرت الدموع من ذقنها وسقطت على كتف بيبر. حين سقطت، انهار العالم. لم يكن أندروكليس مستعداً لذلك. ابتلعها قوامها، صدمه، مفرغاً عقله من كل تفكير ومكشفاً عن أعماق روحه. طرد حب أجرني العالم، مجبراً إياه على التلاشي والنسيان.
قالت باكية: "يا بني، المسكين، المسكين".
كل هزّة من صوتها غلبته، دافعة به إلى ركبتيه. ألقى حبها به في عالم من الخامية المفتوحة. عالم كحكم الملوك حيث تعذر إخفاء شيء. صعد كل عذاب، كل كسر قلب، كل الفقد والخزي والذنب المدفون داخله كفقاعات محيط. حامت على السطح، وانفجرت، وتلاشت إلى العدم. تعذر عليه الرؤية. طرف، وطرف مجدداً، وطرف مجدداً، وأدرك أن عينيه ممتلئتان بالدموع، متقاطرتان وساقطتان عن وجنتيه. كان على يديه وركبتيه.
لم يتذكر حتى السقوط. لم يستطع التنفس! لم يستطع التنفس... كان صدره مشدوداً بشهقات خاصة به رفضت القدوم. أمسكها، محاولاً استعادة السيطرة على نفسه بكل قوته. جاء نفسه بنوبات، ولم يستطع إيقاف الدموع. كان قريباً جداً! كانت تفعل ذلك لبيبر، لكنه كان قريباً جداً وعلق فيه. استنزفت كل نيته القتالية ولم يملك القدرة على المقاومة. بدا كجراحة، أُجريت على قلبه. روحه. كان عذاباً. عذاباً ثميناً لا يوصَف.
في تلك اللحظة، علم أنه يحبها. أجرني. تكلمت مجدداً وألم صوتها أفطر قلبه.
"ستكون بخير، يا حبي الحلو، يا بني الحلو. الأمر بخير الآن".
غمر حب أجرني، أطبق عليه، غائصاً ومقبضاً عليه بأصابع لا تُستصغر ولا تُرد. لكن بدل الأذى، صارت المواضع الخشنة ملساء، سقطت الأشياء الصخرية، تبلدت الحواف الحادة وتراجعت. وما زالت تمسكه. كان عاجزاً منذ اللحظة التي بدأت فيها، وربما كان ذلك للأفضل. استمر الأمر طويلاً وطويلاً. أمسك حبها به وآواه، رافضاً إطلاقه حتى شفي من أعمق الجروح. انتهت المعارك كلها، محسمة بالفعل، حتى تلك الآتية.
كانت كل الأمور بخير. في سلام. عاد الوعي ببطء، قادماً فقط مع استعادته لرباطة جأشه. بدا الاستيقاظ ببطء من حلم. تراجع الضيق في صدره، وانحلت العقدة في حلقه. حرقت عيناه لكنها توقفتا عن تسريب الكثير من الماء. سعل أندروكليس وجلس. جلست أجرني في نقطة ما لتأخذ بيبر كرضيع. بدا الغلام أصغر مما تذكره أندروكليس. ما زال مغمض العينين وهو يبكي، بصوت خشن كأنه مارس ذلك لفترة. انكمشت ديانا في كرة، قابضة على حافة قميص أجرني بيد واحدة بينما كانت ترتجف بشهقات صامتة، تبدأ بالكاد الآن بالبطء.
جلس زهرة ووجهه مفعم بسلام عميق. كانت وجنتاه حمراوين كأنه مرّ بجهد عظيم، لكن لابد أنه استيقظ أبكر من البقية. جلست غاربي مقابل أجرني، بنظرة رهبة وتعبد على وجهها. لم تظهر عليها أي علامات بكاء، وبدت بدلاً من ذلك كمن رأى ملكة للتو. جلس الجنيان في حجرها بابتسامات رقيقة متأملة على وجهيهما. كانا متراصين لدرجة تجعلهما كالمتعانقين. تساءل أندروكليس عن تجربتهما، لكنه علم أنه إن سألهما فلن يحصل على شيء معقول رداً.
خطر له أنه امتلك بالفعل أشد الناس رعباً في العالم داخل عائلته، وكان تشوبر إضافة طبيعية وواضحة. كان عليه إدراك ذلك باكراً. خلف غاربي، العشرات من الشياطين. أمهات وأطفال، وبعض الآباء أيضاً. مئة؟ أكثر؟ احتضنت الأمهات صغارهن وهزهزنهم، محتضنين معاً. استغرق الأمر من أندروكليس لحظة لتجميع الأمر - أخفاهم بيبر في ذلك الشق على بعد خطوات قليلة أبعد، وخرجوا زحفاً حين شعروا بحب أجرني.
لابد أن الأمهات استُدعِينَ حين شعرن بقوتها في الهواء أيضاً. كان الصغار يبكون بهدوء بمعظمهم، بكاء الإرهاق في نهاية نوبة جيدة حقاً. تراجع حب أجرني ببطء، كنار ميتة تركت ذكرى الدفء. جلس بشكل مريح، منفضاً الغبار عن ركبتيه المؤلمتين. رافعاً بصره، وجد أن الشمس تحركت وكانت توشك على الغريب. كم مرّ من الوقت؟ ساعة؟ أقل، ربما؟ أين كانت الشمس من قبل، تحديداً؟ كان الهواء بارداً للمرة الأولى اليوم، مذكراً إياه بأنه لا يزال ربيعاً مبكراً.
قالت أجرني بهدوء: "أترين يا غاربي، يا عزيزتي الغالية؟"
استغرق الأمر لحظة لتجيب. بدا أنها نسيت كيفية الكلام وتعين عليها التذكر مجدداً.
أجابت أخيراً: "نعم".
"يحرس الآباء الأجساد، والبيوت، والناس. لكننا نحرس شيئاً أيضاً، أليس كذلك، يا حبيبي الصغير الحلو؟"
همست غاربي: "قلوبهم".
لم يطرا المزيد، لذا اقترب أندروكليس وجلس بجانب أجرني، واضعاً ذراعه على كتفيها ومقَبّلاً شعرها. شعر بحبها من قبل، غالباً حين كانت تحاول تعليم غاربي إخراجه، لكن قطّ لمثل هذه القوة. لكنه خمن سبب عدم رؤيته معروضاً هكذا من قبل. كيف يجترئ أحد على رخصه بالاستخدام المتكرر؟ سيكون ذلك تدنيساً.
سمع نفسه يقول: "أحتاجك يا أجرني".
أجابت: "تفعل، وأنا سعيدة لإدراكك ذلك".
ابتسم وقبّل شعرها مجدداً. ثم قرص جانبها. ضحكت كشابة وحاولت دفعه بعيداً بفتور لكن تعذر عليها دون إزعاج بيبر. الملوك، يا لها من امرأة وجدها. كان عليه تقديم ثور كامل لبالتوس لهذا فحسب. ربما اثنين. لا، بدا حتى ذلك غير كافٍ. لن يكفي ثمانية. لم تكن هناك ثورة كافية في العالم.
أتاه صوت بالتوس مباشرة في أذنه: "على الرحب والسعة".
كان نفس الملك دافئاً على جلده. عرف أندروكليس أنه أعقل من الالتفات والنظر. لن يكون هناك. عوضاً عن ذلك، ابتسم قليلاً وأومأ. شك في أنه لو رأى ذلك الملك في أي مكان آخر اليوم، لكان يطارد بعض أطفال الشياطين النحلاء، والجميع يضحكون بصاخب ودون إدراك لوجود طفل زائد. بعد ذلك جلسا بصمت، مستمعين إلى البكاء الناعم في كل مكان حولهما، ولم يكن مزعجاً بطريقة ما. تلاشت اللحظة وتلاشت أبعد.
بدأ الجميع بالاستيقاظ والإتيان بأنفسهم، ملاءين المنطقة بنشاط حيث لم يكن سوى السكون. أعلنت إصابات أندروكليس العديدة عن نفسها مجدداً، أضلاعه، ذراعاه، تلك الطعنة العميقة الجديدة في ساقه. مواضع أخرى كثيرة، شيء جديد في كل مرة يتحرك فيها. انتهى الأمر أخيراً حين بدأ بيبر يضحك.
سألت أجرني: "ما المضحك جداً؟"
أجاب بيبر: "لا أعرف. لكني أشعر بتحسن الآن".
منح أجرني قبلة، ثم زحف خارج حجرها. توجه رأساً إلى زهرة، ناهضاً به على قدميه. تشابكا بالأيدي، لفا ذيوليهما معاً، وبدئا البحث عن قرن شيطانه، الذي لابد أنه نطح وتدحرج في مكان ما. من منظرهما وتصرفهما الآن، لم تكن الأشهر السابقة قد حدثت أصلاً. عادا تماماً من حيث توقفا.
قالت أجرني: "هذان الصبيان متسخان لدرجة يكادان فيها بنفس اللون".
ابتسم أندروكليس بخبث وقال: "إنهم كذلك، ولا أعرف ما أفعله حياله. لا يملك بيبر ملابس غيرها والجو أبرد من أن يُقذف به في جدول".
ظن أنه حان وقت التحرك، بما أن الجميع تحركوا. نهض بزمجرة صادقة من الألم، ثم ساعد أجرني على الوقوف.
قال: "أنت كارثة أيضاً".
قالت: "يستحقني، أظن، بعد كل تلك الحياة السهلة التي استمتعت بها".
ابتسم بخبث للبريق في عينها.
"أنت فظيع".
حاولت ديانا تسوية شعرها القصير بيديها وترتيب أسمالها لتكون أكثر لياقة.
ثم قالت: "سيدتي؟ المعلم أندروكليس؟ وماذا الآن؟"
تنهد.
"حسناً، لأمر، معسكرهم كله محترق، لذا سيتعين علينا اكتشاف عشاء الغداء. رأيتهم يجمعون المؤن قبل رحيلهم لكني لست متأكدًا إلى أي مدى ستمتد".
قالت ديانا: "ربما هناك خمسون حصاناً ميتاً هناك".
أومأ.
"إذن أظن أن لدينا عشاء. لنتحرك"، قال.
حمد الملوك لعدم كون الجو أدفأ. لم يرغب أحد في حصان متعفن. أمسك بيد أجرني، جزئياً لأنه أراد، وجزئياً لأنها احتاجت مساعدة لتجاوز كل الصخور. تبع شعب الليل، قطار من أطفال متعبين وأمهات متعبات أكثر، متعثرين في كل شيء وهم يمضون. نزل ناتواك وعدة من الرجال لملاقاتهم في المنتصف. بدا العجوز متعباً كالقبل، متحركاً بالإرادة البحتة لا أي قوة أطراف، لكن الارتياح على وجهه كان واضحاً.
قبل أن يقول أي شيء لأندروكليس، بدأ يعد الصغار.
قال حين رضي بالعدد: "احمدوا بالتوس. هؤلاء هم جميعاً".
قال أندروكليس: "لو فقد أحدهم، للاحظ آباؤهم بالتأكيد. ربما يتذكرون شكلهم أيضاً. وربما أسماءهم أيضاً".
منح العجوز ابتسامة مجاملة قسرية تلاشت في اللحظة التالية.
قال أندروكليس: "سيحل الظلام قريباً والجميع مستنزفون. يجب أن نركز على الضروري لنخرج من هنا. لا أستطيع التفكير إلا في أمرين - يحتاج أحدهم لتقطيع بعض لحم الحيوانات للعشاء، ويحتاج موتاكم إلى عناية. أتدفنونه؟ كيف تودعونهم؟"
تنهد ناتواك.
"نحرقهم. ولن ننتهي قبل حلول الليل، لكن لا بأس. نرى في الظلام أفضل من قومكم".
"لا تفعل خيولكم ذلك. أخبرني بما يجب فعله، وسنرى إلى أي مدى نصل. أتريدني أين؟"
قال الشيخ، مائلاً قليلاً للخلف كأن ما أراده حقاً هو أن يتركه أندروكليس وشأنه: "سيستغرق الأمر وقتاً لجمع ما يكفي من الحطب الجاف، يا صديقي. لقد فعلت الكثير من أجلنا اليوم. يجب أن ترتاح".
"سأرتاح حين أموت. للأسف، لم يكن ذلك اليوم".
قال ناتواك.
"أشعر بذات الشعور، لكني أستحقه أكثر. أنا ضعف عمرك".
تنهد المسكين بعمق. ربما لم يكن يمزح. تخبطا عائدين صعوداً للتل وشرع الجميع في العمل. وجد أندروكليس سيفاً وبدأ بتقطيع لحم الخيول، لكن أجرني وجدت قريباً بعض القماش في حقيبة سرج ألوبروجية وجعلته يتجرد لتبضده. كان يأمل أن يظهر بالتوس كما فعل بعد ماري ويشفي جراح الجميع، لكنه لم يفعل. ربما لعدم كون أندروكليس على بعد دقائق من الموت هذه المرة. كان الأسوأ أضلاعه، التي أحدثت كدمة امتدت من إبطه إلى أربيتة.
كان جزء منها أرجوانياً داكناً لدرجة أن أجرني شقته، وهو ما كان مؤلماً للغاية. لكنها كانت محقة. تجمعت الدماء هناك ومع تصريفها، وسع تنفسه العظام للخارج مجدداً واستقرت في مكانها. كاد الألم يتقيأه ولم ينجُ منه سوى الارتياح لعلمه بأنه سيفعل حقاً. عرف الكثير من الرجال بصدور مشوهة، ألم مستمر، وتنفس شاق رافقهم حتى الموت. بعد ذلك، لم تكن الغرز سيئة للغاية. احتاج عدداً لا يحصى منها.
استغرق أجرني وغاربي وقتاً طويلاً بعد حلول الظلام للانتهاء. احتج كل ثقب مخلب شيطان للخياطة، وكذلك ساقه. لم يتوقف ذلك عن النضح قط. خاطت أيضاً جطاً على كتفه ومؤخرة فخذه. بينما عملت، راقب أندروكليس شعب الليل يجمعون موتاهم - أقل من عشرة، حمد الملوك - وينزعون ملابسهم للمحرقة. ذهبوا للسماء عراة، بلا أدوات أو حلي أو أسلحة. أمكنه تخمن السبب. كانوا فقراء لدرجة تعذر معها توفير شبر قماش.
على الأقل لم يأكلوهم. جمع الألوبروجيون موتاهم، واضعين إياهم على الخيول ومقودين إياهم بعيداً. ظن أندروكليس أنهم سيجدون بقعة بتراب ألين في الوادي ويدفنونهم هناك. لم تكن الأرض صالحة لذلك هنا. مع تحطيم ديانا للأشجار الصغيرة وإسقاطها، لم يستغرق جمع ما يكفي من الحطب طويلاً. كانت المحرقة التي صنعوها كبيرة، كبيرة بما يكفي لأخذهم جميعاً دفعة واحدة وبعيدة بما يكفي عن الأشجار تحسباً.
لم يشعلوها فوراً. عوضاً عن ذلك، انتظروا حتى حل الظلام ووصل الظلام الحقيقي. لم تكن هناك نجوم أو قمر. فقط التوهج البرتقالي لحريق الغابة، الذي أضاء الدخان الصاعد في عمود أعظم من الجبال في السماء. أشعِلت المحرقة بلا أي مراسم، ولم يقضِ شعب الليل وقتاً طويلاً في مراقبتها تحترق. تمايل الدخان صعوداً وفُقد في سحابة الرماد والدخان المتوهجة المتساوية بالأعلى، وكانت تلك نهايتهم.
وجد أندروكليس تعاطفه مع شعب الليل ينمو. لقد فقدوا حتى صلواتهم للراحلين. كم بلغ بؤس الناس؟ لكن تلك كانت مشكلتهم، لا مشكلته، وستتحسن الأمور لهم قريباً جداً. ستتحسن الأمور له قريباً جداً أيضاً. سيضيف جمع العبيد وإنقاذ أطفال الشياطين المختطفين أسابيع قليلة، لكنه سيكون في البيت بمنتصف الصيف على أبعد تقدير. تعثر هو وعائلته نازلين الجبل بوهج الجنيات الخافت لإضاءة الطريق، وبنوا ناراً جديدة للتدفئة، وناموا كالموتى.