استغرقت الجماعة ساعة كاملة لتزحف عبر الحقل وتصل إلى الأدغال المتفرقة قرب فم الوادي، بينما كان عقل أندروكليس يتسابق محاولاً ترتيب الأمور بطريقة ما. إن استطاع بيبر حقاً تسريب الجميع عبر صفوف الجنود، أيعني ذلك أن بإمكانهم التسلل طوال الطريق صعوداً حتى ديكايا؟ وماذا قد تريد الشياطين بحق الجحيم؟ لم تفصح ديانا ولا بيبر عن شيء، مع أنهما بدا متلهفين لكي يوافق على أيّ طلب، ويعد بعدم قتل أحد قبل التحدث إليهم على الأقل.
كان ينبغي لبيبر أن يدرك على الأقل أن أندروكليس يتحدث أولاً دائماً، إن أراد العدو الحديث. ولن يختلف الأمر هذه المرة. أيريدون ماله؟ لن ينالوا فلساً. ظل بيبر يصفهم بشعب الليل، وبدا لأندروكليس أن ذلك منطقي. فجلودهم بلون الليل. واعتقد أهل لافوفيليا أصلاً أنهم أرواح أسيرة، أرواح سفاكة للدماء، ولهذا دعوهم شياطين. وصراحة، كان تصديق أنهم أرواح شريرة أُسرت بسحر أسهل من ظنّ أنهم بشرعقلاء ومنطقيون، نظراً لكل من التقى بهم قبل الصغير سيف.
وكل من جاءوا بعده. إلا إذا فكر في الأمر جيداً، فالواحد الذي التقاه في حقل الأحجار وكان له طفل تحت صخرة. على الرغم من الأرض الموحلة، والمكسوة بالصخور والأدغال، فقد قطعوا مسافة لا باس بها حتى خارت قمشة ساقي فلاور النحيلتين أخيّراً. ظن بيبر الأسوأ وساوره الهلع حتى أمكن إقناعُه بأن أخاه ليس في نزاع مع الموت، بل متعب جداً فحسب. لكن مع عودة فلاور إلى ظهر الحصان واستغراقه في النوم، شعر أندروكليس بأن الأمور تتحرك أسرع مما يستطيع وضع الخطط لها.
كان جيش الملك يتجمع على بعد ميلين شحيحين منهم الآن، مشكلاً صفوفاً دائرية واقية حول فم الممر. وعلى مسافة لا باس بها على جانبي الوادي، كانت سفوح الجبال صخرية وجرداء لأول مائتي خطوة على الأقل. ستكون الأرض بطيئة ومؤلمة تحت مرأى الجميع. لا سبيلي للاختباء ولا سبيل للعجلة. كانت كل خطوة تقرّبهم من الملك وجيوشه، ولم يكن سوى فلاور منيعاً في وجه الرعب المتنامي لأنه كان نائماً.
استطاع أندروكليس أن يرى ذلك في ارتعاشة بيبر مع كل صوت ضئيل؛ وفي وقفة غاربي منتصبة كلوح الخشب، ويديه المكتوفتين، وجبينه المقبوض بتركيز؛ وفي تأرجح ذراعي أغورني وكأنها تريد ضرب شيء وهي تمشي. حتى أن ولفسكار كان يتخذ وضعية كلب حراسة متنبه، مستنداً على يديه وركبتيه فوق شعر غاربي. واهتزت جناحاه في طنين منخفض وموتر، متصلباً وجاهزاً للوثب مع أول بوادر خطر. وكأن بمقدوره فعل شيء حيال أي خطر.
لكنهم واصلوا جميعاً، برؤوس مرفوعة وعيون تشخص للأمام. وجد بيبر منخفضاً صغيراً في الأرض قرب جدار من الشجيرات الشوكية واختبأ فيه، ملوحاً للجميع بالانضمام إليه. واصل فرك يديه بقلق على قميصه، وتحرك ذيله الأسود الناعم بارتعاش خلفه ليفضح أفكاره المضطربة.
فقال: "حسناً، أتعلمون، لم أُجرّب هذا حقاً مع هذا العدد الكبير، لذا لست متأكداً، إذا، أمم، أعتقد أن بإمكاني فعلها لكن على الجميع المساعدة، لأن—"
جف حلق بيبر وفقد القدرة على الكلام لفترة وجيزة.
قالت أغورني: "يا بيبر"، مائلة في مجال رؤيته لجذب انتباهه، "أسيساعد إن حملت فلاور، وتبعَتْني غاربي صعوداً وعبر الجبل على متن أيلها؟ لست مضطراً لتسريبنا جميعاً."
اقتربت نظرة الارتاح التي منحها إياها بيبر من العبادة.
"أجل، لم أكن... لم أكن أنوي فعلها بهذه الطريقة، لذا لست متأكداً إن كان..."
"عليك تسريب أندروكليس وأغورني حصراً وتجاوز الجيش. أستطيع العناية بالآخرين. أيبدو هذا جيداً؟"
كاد بيبر يضحك، فقد بلغ به الارتياح مبلغه. واهتز صوته بذلك.
أطلق زفيراً حاداً وقال: "كنت أظن أن علي إخفاء الجميع، وأيل غاربي أيضاً، وذلك الذئب، والحصان، وكنت متوتراً حقاً!"
لم يضحك أحد معه، مع أنه نال عدة ابتسامات تعاطف. ابتسامة مقنعة للغاية من أغورني، في الواقع. كانت المرأة تملك مهاراتها بلا شك.
سأل أندروكليس: "إذن ما هي الخطة تحديداً؟"
فأجابت ديانا: "سأحمل فلاور على قدمي، ويمكن لغاربي الركوب خلفي. سنصعد الجبل مباشرة. لن يمسكوا بنا أبداً. لن يحاولوا حتى. يا غاربي، أيمكن لذلك الأيل الركض بسرعة كبيرة؟ يستطيع، أليس كذلك؟"
"اسمه بوبي، وهو أسرع من الحصان."
سمع أندروكليس تلميحاً للتحدي في صوتها، أو ربما الريبة. فتاة صالحة.
أومأت ديانا وقالت: "جيد. ما إن نعود إلى شعب الليل، سنكون بأمان لبعض الوقت، ويمكننا انتظار بيبر ليسرب الباقين عبر الممر. شيث متحمس لرؤيتك يا غاربي. لقد ظل ولفسكار يروي له كل أنواع القصص المجنونة عنك. الأيل، والذئب، وشيء عن نسر. وبضعة أمور عن فلاور لست متأكدة من تصديقها."
بدا ولفسكار وكأن لديه ما يود قوله حيال ذلك، لكن أندروكليس لم يرغب في فتحه على مجال الكلام.
رفع يده وقال: "إذن ستأخذين ابنتي وابني الآخر وتجري مباشرة على سفح الجبل إلى عُش شياطين. بينما يقوم الصغير بيبر هنا بتسريب أطول رجل في أرض الأمجاد وامرأته المتذمرة وسط جيش بربري يقوده ملك ساحر. وما إن نلتمس الشمل ثانية سيكون هناك غناء وكعك بالعسل. أهذا صحيح؟"
احمرّ وجهها قليلاً ولم تستطع ملاقات نظراته.
"نعم، يا سيدي أندروكليس، هذا صحيح. هذه هي الخطة."
للبرهة، لم يقل أحد شيئاً. بدا الأمر سخيفاً، لكن بصراحة، لم يستطع أندروكليس تقرير ما إن كانت خطة جيدة أم سيئة.
قال بيبر بهدوء: "حسناً، ألا يمكننا صعود الجبل مباشرة خلفكم؟ لم نحتاج إلى محاولة المرور عبر المعسكر؟"
قالت ديانا: "هذه... فكرة أفضل بكثير. اصعدوا خلفنا بدلاً من مخاطرة الجيش بأسره. فقط اصعدوا وخذوا وقتكم. كما قلت، لن نبدو أنا وغاربي كهدف يذكر. إنهم يبحثون عنكم لا عنّا. وأستطيع الركض أسرع مما تتخيل، حتى مع حمل فلاور. سنعبر الجبل قبل أن يتمكنوا حتى من الاقتراب."
قال أندروكليس: "حسناً. لنفرض أننا فعلنا ذلك. ما زلت لست متحمسسًا لجلوس ابنتي وسط حفنة من الشياطين وبدوها شهية."
"لن يجسروا على إيذائها أبداً. سأبقيها في متناول يدي، وهم يدينون لي بحياتهم ويعرفون قدرهم. والأهم من ذلك، أنهم يخصون بالفوس الآن. لقد ظهر شخصياً وطالب بهم لنفسه، وأمرهم بالبحث عن أغورني كاهنته. سيعاملون غاربي جيداً."
وحين لم يبد مقتنعاً تماماً، أضافت: "لديهم قواسم مشتركة مع شيث أكثر من الهائجين الذين تألفهم."
سأل: "من شيث؟"
قالت ديانا ووجهها يضيء بابتسامة صغيرة: "سيفي. تبين أن اسمه كان شيث طوال الوقت، لكنه لم يستطع نطقه."
ظن أن الأمر طريف، لكن ليس بالقدر الذي يبدد شكوكه حيال هذا كله. ذبل مرح ديانا سريعاً تحت عبوسه فنظرت إلى الأرض. بدت مختلفة عن الشابة التي يذكرها. كانت ديانا السابقة متحدية ومتكبرة ومتهورة وتتحدث وكأنها معجبة بنفسها أكثر من اللازم، وكأن قدوتها الوحيدة كانت رجلاً ولم تفهم يوماً كيف يعمل الرجال. لقد كانت تكنّ عطفاً حقيقياً لجرذها الأليف، وبعضاً لأطفاله، لكن أيّ أحد كان سييفعل.
لقد ساعدها رغم ارتيابه في سيف، فاستدارت ببعض الإهانات قبيل أن تتمكن من المساعدة. إلا أن المرأة التي يراها الآن بدت أصغر بعشر سنوات من ذي قبل. أصغر سناً وأكثر صدقاً. شعرت وكأنها عثرت على نوع أعمق من القوة، وكأنها قادرة على أن تكون نفسها وتواجه عواقب خياراتها بصدق. لم يعنِ ذلك أنه يثق بها أكثر، لكنه استطاع رؤية أنها تغيرت.
رفعت رأسها إليه، ورأسها لا يزال منحنياً قليلاً، وقالت: "سيدي أندروكليس، أعرف أن ما فعلته سابقاً كان خطأ، وأعرف كم هو صعب الثقة بي. لكني... نلت الكثير من الوقت للتفكير، وكان عليّ مواجهة أمور صعبة حقاً، و... أرى كم آذى الجميع رحيلي حين رحلت. نادمة على ما قلت. لا أعرف حتى فيما كنت أفكر. آمل فقط أن تمنحني فرصة أخرى. أود حقاً حمايتهم."
عبس وأشاح بوجهه. لم يكن ينتظر ذلك، وكان يعلم صف من سيقف بقية أفراد العائلة. ليس صفه.
فقال: "حسناً، ما زلت لا أستحسن الأمر. لا أريد تفريق العائلة مجدداً ولا أريد لقاء شعب الليل."
ابتسمت أغورني وتحركت، حانية على الأطفال وتفقدت الحقائب وما شابه.
وقالت: "ما إن يبدأ بالحديث على هذا النحو، حتى يكون قد قرر مجاراة الأمر بالفعل. يا غاربي، يا عزيزتي الغالية، اتبعي ديانا. احرصي على أن يتبعها بوبي عن قرب كيلا تضلي الطريق أو تنفصلي. سنأتي أنا وأبي خلفكم مباشرة، لكن اتبعي ديانا وستبقيك بأمان إن حدث شيء. سنثق بها الآن."
قالت غاربي: "حاضر يا أمي."
وكان بريق من اللهفة يتسلل إلى عينيها.
تذمر أندروكليس: "لم أقرر بعد."
قالت أغورني: "أحقاً؟ أستضيف الكذب إلى قائمتك الضخمة من العيوب إذن؟ ألم تمتلئ اللفافة برمتها بعد؟"
كانت تعرفه حق المعرفة. اكتفى أندروكليس بالعبوس في وجهها ووضع كيس النقود على ظهر بوبي كي تحمكه غاربي. لم تكن لديه أي رغبة في جره صعوداً على الجاف. أسدَتْ أغورني فلاور على ظهر ديانا. وأيقظته برفق عبر التربيت على أذنيه ومناداته بهدوء باسمه. رمش مراراً وتكراراً، ولم يكن واعياً سوى بنصف عقله.
وقالت: "يا عزيزي، امسك جيداً. ستركد ديانا الآن. لا تسقط. ولا تصرخ. ستصيبها بالصمم. لا تصرخ يا حبيبي الغالي. احبسها داخلك."
سأل فلاور: "ماذا؟"
منتعشاً قليلاً وبنظرة قلق.
صفعت أغورني مؤخرة ديانا وقالت: "انطلقي."
ابتسمت ديانا بخجل وأومأت.
قال فلاور: "انتظري!"
وثبت ديانا إلى عدو كامل، أبعد وأسرع مما يستطيع بوبي مضاهاته حتى. كان صراخ فلاور المفاجئ والمرتعب قصيراً؛ مجرد زقزقة فحسب. كان أطرى أمر رآه أندروكليس منذ دهور. اضطر لكبح ضحكاته مع ذلك، فالضحك كان مؤلماً، ولم يفرغ من التذمر تماماً بعد. فعلت أغورني ذلك متعمّدة. ليبارك الملوك تلك المرأة. كانت ديانا على حق بشأن سرعتها. قفز بوبي طريقه ببطولة صعوداً على سفح الجبل، لكنه لم يملك فرصة لمجاراة السرعة، ولا حتى بأقل قدر.
اضطرت ديانا إلى الإبطاء كيلا تفقد غاربي تماماً. يستاهل الوحش الأبلة تفوق السرعة عليه. رصد الجيش الفتاتين فوراً تقريباً، إذ كانتا تتسابقان صعوداً على أرض مجردة بمعظمها تحت مرأى الجميع. أشار الجنود وأرسلوا رسلاً ولابد أنهم كانوا يدرسون ما إن كان عليهم محاولة اللحق بهما. سقط أندروكليس والآخرون في صمت قلق وهم يتابعون، وانقسم اهتمامهم بين مسار ديانا صعود الجبل والجيش المتجمع، لكن ما من فرسان انشقوا للمطاردة.
لم يستغرق الأمر سوى لحظات قبل أن يفوت الأوان. بالسرعة التي تحركت بها ديانا وغاربي، لن يتم اللحق بهما أبدا. وسرعان ما توقفت الفتاتان لفترة وجيزة عند حافة التل، وألقتا نظرة إلى الأسفل للحظة واحدة، واختفتا في الجانب الآخر. أدى الهارب السهل إلى ارتياح مؤقت فحسب. جاء دور بيبر الآن، وكان صبيّاً متوتراً ومتململاً يبذل قصارى جهده لإخفاء قلة ثقته. وعلى حد علم أندروكليس، ربما كان بيبر محقاً في توتره.
ربما كان الأمر بالغ الصعوبة—فلم يكن أندروكليس يدري كيف يعمل.
بدأ قائلاً: "حسناً، إذن..."
ثم فقد صوته. وسطح أذنيه السوداويتين ليصبح جاداً قدر الإمكان.
"حسناً. علي قول كل هذا الآن، لأني لا أستطيع بعد ذهابنا. ما يحدث هو أنني... أنني أسحب، أمم، حضورنا. وهو يخفينا عن عقولهم، لكن ليس عن عيونهم الفعلية. تستطيع عيونهم رؤيتنا، لكنهم لن يدركوا أنهم ينظرون إلى شيء ما. العقل هو ما يعرف الأشياء، لا الجسد. لذا، أعتقد أنه نوع من الضوء، ربما، أو ما شابه، لكنني أسحبه كله للداخل، ومن ثم لا يمكنه لمس عقولهم ولا يروننا. لكن أحياناً إن علموا بوجودنا—حقاً، حقاً علموا—فسيروننا على أي حال لأن عيونهم لا تزال ترانا. "لذا، علينا المشي ممسكين بأيدي طوال الوقت، ولا يمكنك الإفلات مهما حدث.
مفهوم؟ لذا، لن يأتوا غالباً لأنهم لن يرونا. لكن إن فعلوا، لسبب، أمم، ربما أرادوا القدوم للبحث عن ديانا وغاربي أو شيء من هذا القبيل، فلن يجدونا أيضاً. لكن إن كانوا قريبين، فلا يمكنك إحداث أي صوت. لا تسعل أو تفعل شيئاً. ولا تنظر مباشرة إلى أي شخص، حتى لو أتى أليك مباشرة. إن توقفت عن الحركة، عليك التوقف أنت أيضاً، فوراً. مفهوم؟ oh، ولا يمكن لكليكما أن تتمتعا بأي، أمم، لا يمكنك إظهار مشاعرك أو شرك.
عليك حبسها للداخل وإلا فسيرونا فوراً. ليس حتى بنسبة ضئيلة.
ولا شيء قط."
على الرغم من أن شرح بيبر أثار تساؤلات أكثر مما أجاب، كانت التعليمات بسيطة بالقدر الكافي. أمسك أندروكليس بيد بيبر دون أي تردد، آملأً في تشجيعه.
"هيا يا أغورني، لا تتباطئي."
أمسكت يد بيبر الأخرى وقالت: "لا تذمر بشأن أضلاعك أيها الغول. قال بيبر أن نبقى صامتين."
نهضا معاً من الخندق الصغير وبدآ مسيرهما. للمائة خطوة الأولى، والمائة التي تليها، تساءل أندروكليس عما إن كان سيستطيع معرفة متى يؤدي بيبر حيلته الصغيرة. وهل كانت حقاً حيلة، نوعاً من السحر؟ أم أن تلك مجرد طريقته في التفكير بها؟ لم يكن خفياً فحسب، أليس كذلك؟ مجرد بارع في تفادي الانتباه؟ حسناً إن لم يكن كذلك. شق طريقهما جنوباً نحو الجبل، عبر الأرض الوعرة والثلج المتفرق، بين الشجيرات وفوق سياج خشبي رديء.
التزما الصمت طوال الوقت، مما ترك أندروكليس أشد فضولاً حيال كيف سيجري هذا كله، لكن شيئاً لم يحدث. كانا ببساطة خارج مجال الرؤية، بالطريقة المعتادة. لكن ما إن صلا إلى الأرض الخالية حيث يبدأ الجبل، توقف بيبر. تلفت حوله، منتصباً بأذنيه قدر الإمكان للاستماع إلى الريح. التزم أندروكليس وأغورني الصمت كما أُمرا، لكنهما تبادلا بضع نظرات متسائلة تجاهله بيبر. ثم سمعهما: كانت الهمسات تعود.
مجرد نفر قليل، عند أضعف حافة السمع. لكنهم كانوا يقتربون؛ أو بدا على الأقل أنهم أصبحوا أعلى صوتاً. أطلق بيبر ارتعاشة فزع لربما رافقتها شتيمة لو لم يكن صامتاً. رفع نظراته إلى أندروكليس وأغورني والتقى بعينيهما بنظرة عجز أندروكليس عن قراءتها. حنى الصبي رأسه، وبعد لحظة، تغير العالم بأسره. شعر أندروكليس أن شيئاً ما قد اختلف الآن، بعمق، لكن بطريقة أدق من أن تُرى بوضوح. لم تكن شيئاً يستطيع الإشارة إليه، ولا شيئاً يستطيع تحديده.
كانت بصيرته، وسمعه، ولمسه، وشمه كلها مطابقة لما كانت عليه سابقاً. سمع أغورني تتنفس بثقل جراء الأرض الوعرة، وشعر بيد بيبر الصغيرة الدافئة في كفه. لكنه شعر وكأن العالم تراجع بطريقة ما. مثل اللحظة الأولى التي يبدأ فيها حلم بالتلاشي والانفصال. لا يزال موجوداً، لكن أقل. منفصلاً. تصاعد الهمس من حولهما كجرف موج، نامياً من شبه خفي إلى صال صاخب وفوري في غضون نبضات قلب معدودة.
تحامت الأطياف الخفية وتسابقت، تدور وتسرع عبر الأرض، متخذة شكلاً حلزونياً صعوداً وإياباً. تصطاد. بدا هيكل بيبر الصغير مجهداً من الجهد بالفعل. خطا خطوة، جاداً بوالديه إلى الأمام، ثم كانا يمشيان. وضعت كل خطوة بعمد، بعناية تفوق الراقص وببراعة مضاعفة. لم يملك أندروكليس وأغورني أي أمل لمجاراتها، وطحنت خطواتهما وقرمشت بصوت عال في أذنيهما. تبعتهما الأطياف، لكن بشكل غير متقن.
همست وأعولت، أصوات خفية تحت ضوء الشمس. وكل حين وآخر كان أحدهم يقترب بالقدر الذي يجعله يلامسه، لو كان له جسد، لكنهم لم يبقوا بالقرب قط. لابد أن بيبر كان يخفيهم عن الأطياف أيضاً، وكانوا منزعجين حقاً من ذلك. حافظ بيبر على إيقاعه، ورأسه مثبت بعزيمة. حام ذيله فوق الأرض مباشرة، دون أن يلوح على الإطلاق أو حتى يلامس ورقة شجر. أبطأت ساقا الصبي القصيرتان من سرعتهما، لكن ذلك كان مرحباً به.
كان لدى أندروكليس الكثير لرفعه مع كل خطوة صعود أكثر من الهر الصغير النحيل، وكان يشعر بذلك. وكذلك أغورني. لود لو يسمع ما ستجود به نفسها الآن إن سُمح لها بالكلام. كانا قد بلغا ثلث الطريق صعوداً تقريباً قبل أن يتذكر أندروكليس إلقاء نظرة على الجيش هنا لقتله. لا يزال يتجمع حول فم الممر، على بعد ميل ونصف تقريباً عبر المشهد المكشوف. انشق خمسون فارساً للتو عن الجيش وبدوا متجهين نحو هذا الاتجاه.
لابد أنهم عرفوا بالفرقة المحاربة التي دمرها الآن. لابد أنهم عرفوا، وستأتي هذه الفرقة برؤوس مقطوعة. كانت الأرضية سيئة للخيول، لكن مع هذا العدد ربما لم يهم الأمر كثيراً. سيتحلقون ويهاجمونه نزولاً، و... غرست مخالب بيبر الصغيرة في يده، أو ما سيصبح مخالب عما قريب. في الوقت الحالي، كانت مجرد أطراف وأظافر مدببة قليلاً. نظر أندروكليس إلى أسفل ليرى الهر يعبس في وجهه وأدرك أنه كان يسمح لمشاعره بالافلات منه.
كان عليه أن يكون هادئاً. هادئاً تماماً. خفف بضع أنفاس عميقة من توتره المتصاعد فأومأ بيبر. إن استطاع بيبر إبقاءهم مخفيين، فلن يهم عدد الجنود القادمين، أو ليس فوراً على الأقل. ليأت خمسمائة. إن كان أندروكليس مخفياً عن واحد، فهو مخفي عن خمسمائة. لن يلمحوه. في الواقع، أيمكن لبيبر إيصالهم طوال الطريق إلى الأمجاد؟ مشكوك في ذلك. لم يكن الصبي متأكداً من قدرته على فعل ذلك للعائلة بأكملها دفعة واحدة، ولم يستطع إبقاء الأمر ليلاً نهاراً.
كان على أندروكليس التفكير في شيء ما. لاحقاً. كان عليه التفكير في شيء لاحقاً، والتركيز على الشعور بالهدوء الآن. ساروا صعوداً، بخطوات بيبر ذات البراعة السهلة، وكل قدم توضع بحدة تامة لدرجة أنها لم تترك أثراً قط. بذل أندروكليس قصارى جهده لعدم الشعور بأي غضب حيال الآثار العميقة التي خلفها في الطين والرمل، إذ سيجلب ذلك عبوساً آخر من بيبر. وطوال الوقت، استمرت الأطياف في العواء، أصوات خفية تمشط سفح الجبل بأكمله عبثاً، عاجزة عن العثور عليهم.
واجهت أغورني متاعب أقل مما توقع. نظرت للأمام بثقة هادئة، محمرة جراء الجهد والبرد لكنها بخير عدا ذلك. بدت ساقا بيبر الصغيرتان متطابقتين مع خطوتها أفضل من ساقي أندروكليس. ولم تحصد أي نظرات حانقة من بيبر، الأمر الذي بدا مجحفاً بما أن النساء يُفترض أنهن أكثر تفلتاً عاطفياً من الرجال. كانا قد بلغا منتصف الجبل تقريباً حين بلغ الجنود قاع مسيرهم. ألقى أندروكليس نظرة إلى أسفل المنحدر نحو خط الأثر الواضح المؤدي مباشرة إليه وتساءل عن مدى غبائهم لعدم استيعاب الأمر.
امتطوا الحصان فقط حتى نهاية الأثر وابدؤوا في تلويح سيوفكم حتى تصيبوا شيئاً أيها الحمقى. أمر بسيط. غرز بيبر أطرافه مجدداً وأدرك أندروكليس أنه كان يزداد هياجاً من جديد. ليس غضباً أو خوفاً حتى، أو أي شعور يمكن تمييزه. بل هياجاً فحسب. محتدماً، ربما. رمقت أغورني أندروكليس بابتسامة خبيثة خافتة، لكنها كانت كافية. كان كلاهما يعلم أنها تفوز. أبقى عينيه متوجّهتين للأمام وقلبه هادئاً وتجاهل الأمر حين بدأ الجنود يمتطون الخيول صعوداً على الدرب، صفاً واحداً وببطء.
هدأت الأطياف نوعاً ما استجابة لذلك، وتضاءلت أصواتها العليلة هابطة مجدداً إلى نفس الهمس التآُمري الذي اعتاده. كان بيبر يعلم بوجودهم بطريقة ما، رغم أنه لم يلتفت للخلف قط. لابد أن الصبي سمَعَهم، لأنه شد يد أندروكليس وتحرك جانبياً نحو صخمة مجاورة. ومن هناك، قاما بالكثير من القفز الحذر للغاية، متحركين صعوداً بشكل غير مباشر ومبطئين السرعة بشكل ملحوظ.
صرخ فارس لا يبعد سوى اثنتي عشرة خطوة للخلف: "هنا، ذهبوا في هذا الاتجاه!"
لا تنظر، قال بيبر. لا تنظر إليهم.
قال آخر: "لا أرى أحداً."
وبد وكأنهم يترجلون عن خيولهم.
قال أحدهم: "إنهم يختبئون في هذه الصخور. احضروا الرؤوس."
قال آخر: "لا احتج لإخباري يا لوغوريكس."
صاح رجل بصوت أعمق: "يا بقعة! اخرج أيتها البقعة!"
طقطق معدن دروعهم واحتك بينما تسلقوا صعوداً إلى الصخور. كانوا يتحركون ببطء، بحذر، ظانين أنهم قريبون من طريدتهم. وكانوا محقين. لا تنظر. شد بيبر بيده بإلحاح فقفزا إلى الصخرة التالية، ثم ترجلا وتسللا إلى التي تليها، ثم التي تليها. لم يستطع أندروكليس منع نفسه من الازدياد تيقظاً واستعداداً. غرز بيبر أظافره، وحاول أندروكليس جاهداً الاسترخاء، وترك الأمر يمضي، لكن ذلك ازداد صعوبة.
توقف بيبر جاداً بهما وما هي إلا نبضة قلب حتى تحرك رجل يمسك بحربة في كل يد وخوذة عالية مزنحة أمام الصخرة التي كانا يقفان عليها. كان على بعد بوصات من قدم أندروكليس، جاهلاً تماماً. بذل أندروكليس وسعه للمراقبة من طرف عينه، لكنه اضطر لمصارعة عقود من الممارسة والردود العضلية لفعل ذلك. اختلجت عضلات عينه، متلهفة بيأس للتركيز على رجل قد يحتاج لقتله. لم يجسر حتى على التنفس.
غرز بيبر أظافره بقوة يائسة، محنياً رأسه ومسطحاً أذنيه في تركيز أقصى. أراد أندروكليس المساعدة، مواساة الصبي أو إعانته بطريقة ما، التدخل وإصلاح الأمر، لكن تلك كانت رغبة توجب عليه ابتلاعها تماماً كالبقية. تفرس الرجل حول الصخرة، ثم خطا خطوتين إضافيتين للنظر خلف أخرى. ألقى أندروكليس نظرة خاطفة على أغورني. التقطت الحركة من طرف عينها ونظرت إليه. كان وجهها مخخطاً بالخوف الذي تحارب لإزالته، المسكينة.
غمزها، فترجمت بغبوس خفيف وأشاحت. لكنها بدت مسترخية أكثر بقليل. بقليل فحسب، إن لم يكن يتخيل. أتى جندي آخر خلف الأول، يحمل هذا سيفاً طويلاً، ثم آخر بفأس ومجنّة مستديرة. استطاع سماعهم يتحركون من حوله، بالعشرات. تحدثوا قليلاً، لكنه استطاع استشعار توترهم حتى دون النظر إليهم. كانوا يعرفون من يصطادون، وما سيحدث لأول رجل تقع يداه عليه. جر بيبر أندروكليس إلى الأمام داخل فجوة صغيرة تركاها، فقطعا ثلاث خطوات من الحصى وتسلقا صعوداً إلى الصخرة التالية، على بعد أقدام من أقرب رجل.
كيف لم يسمعهم؟ على الأقل ستختلط كل الآثار ببعضها. لن تتوفر لديه أي طريقة لمعرفة إن كان أي منها يعود له. كانت الأرواح قد صمتت إلى حد كبير، لكن الرؤوس المقطوعة التي كان الرجال يرتدونها على حبال خشخشت وأنت بخفوت لتبرز أصوات البحث. إلى أسفل صخرة وإلى التالية، ثم بين اثنتين أخريين، ثم صعوداً على جزء شديد الانحدار من التراب الصلب، الجاف بمعجزة. شعر أندروكليس بشدّة في يده.
اصطدم رجل للتو بأغورني. وفي لحظة الارتباك المفاجئة، التقت عيناه بعيني أندروكليس. ركّزتا معاً. لقد رُصد. تجمّد الوقت بذاته. رأى أندروكليس كل شيء في ومضة—قشاش وجه الرجل، خوذته المستديرة، الصدمة في عينيه المظلتين. في منتصف العمر ووسخ، بوجة عريض. فتح الرجل فمه، لكنه كان قد فات الأوان. كانت حربة أندروكليس تتحرك بالفعل، من تلقاء نفسها. توقفت صرخة الإنذار في حلقه بفعل سن حربة أندروكليس.
سحب أندروكليس الحربة محرراً إياها وعاد الواقع إلى بؤرته. تدفق الدم من عنق الجندي بالتزامن مع نبضات قلبه. سحب بيبر وأغورني مبتعداً وجعلهما يتحركان بينما استمعا إلى الرجل يغرغر بأنفاسه الأخيرة، عاجزاً عن الصراخ. تولى بيبر الزمام سريعاً مجدداً، متحركاً بعجلة أكبر هذه المرة. وما كادوا يقطعون عشر خطوات حتى رصده رفاق الرجل الميت. اندلعت الصيحات من حولهم. حارب أندروكليس ردود فعله الطبيعية بكل أونصة تركيز؛
أراد جسده وعقله الاستعداد للقتال، لكن ذلك سيود بحياته. كان عليه أن يكون هادئاً كضباب على بحيرة، وكان الأمر مبرحاً.
صرخ أحدهم: "لا توجد حربة!"
وصاح آخر: "إنه قريب! جدوه!"
وسأل ثالث، وهو من بدا شاباً بشكل ملحوظ: "انظروا، رؤوسه ما زالت سليمة. كيف حدث هذا؟"
صمت البقية حيال ذلك. تساءل أندروكليس الآن ذات الأمر. كيف فعلاً؟ لما لم تحمه رؤوسه المقطوعة؟
"سحر. لقد سمعت ما فعله في القاعة الكبرى للملك."
"لا أرى شيئاً ولا أحداً. وماذا لو كان هذا فخاً؟"
"كيف يكون فخاً؟ كان الدرب تماماً حيث قال الملك، نفس البقعة التي صعد منها سارق الشياطين وذلك الأيل."
"لابد أنه..."
كان الباقي أهدأ من أن يستبينه أندروكليس. لم يكونوا بعيدين إلى هذا الحد، لكنهم لم يعودوا يتحدثون بصوت عال وكان الأمر بعيداً بما يكفي. استمر الرجال في التحدث بنبرات خفيضة، ومن الواضح أن المزيد توقفوا عن التراكض وكانوا يتقاربون للنقاش. وغالباً ما كانوا يراقبون من فوق أكتافهم طوال الوقت. ظنوا أنهم محميّون، ولم يعودوا كذلك الآن. كان الأمر يستحق النقاش. أسيستديرون عائدين؟
ماذا يفعلون الآن؟ لم يستطع أندروكليس احتمال الأمر أكثر من ذلك فشد يد بيبر بخفة فتوقفا. التفت ونظر، حريصاً على ألا ينظر مباشرة أكثر من اللازم، ووجد نحو ثلثهم يقفون متقاربي في مشورة. كانوا على بعد أقل من ثلاثين خطوة، بالقرب لدرجة تمكنه من رمي حجروإصابة أحدهم. وكان معظم البقية في الأسفل، ولا يزالون على خيولهم. انجذبت عينا أندروكليس إلى حجر كبير ومربع الشكل على بعد عشرين خطوة صعوداً من الرجال، حجر يماثل بقية الحجارة التي كانوا يقفزون فوقها.
بلغ نصف طوله تقريباً وبدا مستديراً قليلاً في جانب المنحدر. كان مستقراً بمفرده في قاع انهيار صخري، مباشرة فوق رقعة عشب، وعلم أنه لن يستطيع المقاومة. كادت طفرة بهجته الخبيثة تفضح أمرهم؛ فقد واجه بيبر صعوبة بالغة في إخفائها لدرجة أنه أنين بصمت لنفسه. لم ترفع أغورني بصرها، محاولة على الأرجح عدم إضافة أي ضغط خاص بها للصبي المسكين. دفع أندروكليس مشاعره بعيداً بأسرع ما يمكن وهدّأ من روعه مجدداً، لكن بيبر رمقه بنظرة يأس شديدة لدرجة أنه كاد يتخلى عن فكرته.
لكن كان عليه المحاولة. ربما كانت سخيفة، لكنها ستبقيه مستيقظاً طوال الليل إن لم يفعلها. شد أندروكليس بيبر ليقودهما نحو الصخرة. قاوم الصبي في البداية، وكذلك أغورني، ملقيتين بنظرات مرتبكة أو ملحة عليه. لكن بعد أن أومأ أندروكليس نحو الصخرة والرجال مرتين، استسلم اثنتان لحماقته. كان الوصول إلى الصخرة سهلاً لدرجة المباركة، بشكل مستقيم بدلاً من الصعود. وما إن وصلا هناك، بدأ أندروكليس يساوره الشك.
لقد بلغت حقاً نصف طوله وستكون ثقيلة باستحالة. ربما لا يتمكن حتى من جعلها تتزحزح، لكن لم التوقف الآن؟ حفر بعناية قدر الإمكان من الصخر والرمل تحت الواجهة، ثم تحرك خلفها، وما إن تيقن من أنه مخفٍ بالطريقة المعتادة، أفلت يد بيبر. انحنى أندروكليس نحو الصخرة، وثبت يديه قرب الحافة العليا، وغرز قدميه، ودفعه بكل قوة تملكها ساقاه. لم يتحرك الصخر بالكاد في البداية، مما جعله يجهد بقوة أكبر وكاد أن يهمهم مع الجهد، لكنه انحنى للأمام بعد ذلك، ثم بمقدار أبعد، وفجأة أفلت.
انطلقت يد أندروكليس نحو يد بيبر، ووقفا يراقبان الصخرة تدحرج وتكتسب سرعة. لم ينجُ سوى واحد من الجنود في طريقها في الوقت المناسب. ولم يبطئ البقية من سرعتها حتى. لم يكن الصوت الذي أصطدمت به عالياً، لكن إحساس القوة والقدرة كان مذهلاً. حطمتهم كقبضة آركس أب القسم ذاتها المنهمكة من السماوات وبدت الرؤوس المقطوعة وكأنها نرجس بالنسبة لجدواها. لكن بيبر لم يمنحه وقتاً للشماتة، وكان يشدّهما بقلق لاستئناف الحركة.
لمعت في عيني أغورني بارقة متعة لم يهدها منذ عصور، فابتسم لها بالمقابل، لكن بيبر شدّهما بإصرار إلى الأمام. اندفع الثلاثة قطرياً نحو الأعلى، مستهدفين غطاء بعض الأشجار الصغيرة الشائكة والملتوية. وازدادت قبضة بيبر ضغطاً بإصرار، وقل يقين خطوات الصبي كلما ازداد يأسه. شعر أندروكليس باللحظة الدقيقة التي أفلتت فيها قبضة بيبر عن حيلته، فاضحتاً إياهما. لم يتغير شيء في العالم، ولا شيء مرئي، لكنه شعر باختلاف الفجوة الغريبة بينه وبين كل شيء آخر.
لم ينتظر أن يُلاحظ. حمل بيبر وقذفه فوق أحد كتفيه، ثم ناول أغورني حربته، وحملها وقذفها فوق الكتف الأخرى. اندفع أندروكليس صعوداً على الجبل كثور. هدأت الأطياف المعولة فوراً إلى همس، خافت لدرجة أن خطواته المدوية وتنفسه الخشن طغيا عليه. على بعد ثلاثين خطوة أخرى، سمع رجالاً يصيحون، بلا شك لرؤيتهم إياه. ضربه إجهاد الجهد بقوة وسرعة أكبر مما توقع، لكن دفقة الخطر قمعت نار الألم المزهرة في أضلاعه المكسورة.
توترت الغرز في ذراعيه وتمزقت، لكنه تجاهلها. قدم صلاة شكر صامتة لأي ملك جعله بضعف حجم أي شخص آخر. لكانت هذه الحماقة مستحيلة لولا ذلك. وثب أندروكليس صعوداً من صخرة إلى رف بارز يعلوها بأربعة أقدام. انتزع الجهد صرخة من حلقه، لكنه بلغها، وبعد خطلتين، تحولت صرخته إلى ضحكة. ضحك بقوة وعلو تحدياً لرئتيه المجهدتين والرجال في الأسفل. شاركته أغورني، متجاوزة السخافة المتهورة قدرتها على التحمل.
لكنها لم تستطع الاستمرار طوال الوقت، فمع كل هبوط لقدمه، كان يدفع بكتفه إلى بطنها. بحين قطعه مائة خطوة أخرى، كانت المتعة قد تلاشت. ولم يتبق سوى عضلات مائية وعزيمة متضائلة. إن لحقوا به الآن وألحوا في القتال، فسيكون صيداً سهلاً. عليه مواصلة الركض إذن. مائة خطوة أخرى، وكان يقترب. حتى وهو مثقل ومركض بشكل محرج حاملاً كيسين كبيرين عديمي الفائدة من اللحم، كانت ساقاه طويلتين وخطواته راسخة.
ليتبارك الملوك الذين جعلوا هذا الجبل قصيراً. خمسون خطوة. بدأ الرجال في أسفل المنحدر يمتطون الخيول صعوداً خلفه. سمع صياحهم لكنه لم يجسر على الالتفات للخلف. بدت متشابكة وفوضوية؛ لم تملك خيولهم أملاً في متابعة مساره. شديد الانحدار، الكثير من الصخور. أربعون خطوة. اصطدم أندروكليس بجرف أعلى منه بقدم، بحافة ضيقة في القمة وضفة شديدة الانحدار من التراب الرملي خلفها.
أنزل أغورني، مسروراً لرؤيتها محتفظة بحربته، ثم قذف بيبر صعوداً دون كلمة. صرخ الصبي بمفاجأة وتخبط عبر الهواء، لكنه هبط على قدميه والتف سريعاً.
فصاح: "أبي!"
صاحت أغورني: "لا، إياك أن—!"
رفع أندروكليس أغورني فوق كتفه، ووضع يده تحت مؤخرتها، ورفعها بكل قوته. لم تذهب بعيداً للأمام كما توقع وكادت تسقط عليه مجدداً، لكن بيبر أمسك بها وسحبها للداخل. لم تسقط حتى الحربة. حين حاول التسلق خلفهما، استغرق الأمر خمس نبضات قلب كاملة لإقناع ذراعيه ببدء سحبه صعوداً. كان جسده بالكامل منإنهاك ولم تستطع رئتاه مواكبة حاجته للهواء. شعر بخفة في رأسه، واختلال في التوازن.
تمزقت العديد من الغرز لدرجة أن الدم تقاطر إلى أسفل مرفقيه في ثلاثين خيطاً أحمر متشابكاً. زمجر أندروكليس وأرغم نفسه، فصعد. بدا ذراعاه ككيسين من الماء، وأصابعه كعيدان مفككة، لكنه سحب نفسه صعوداً، ثم وجد موضع قدم، وآخر، وسرعان ما بلغ القمة.
همس بيبر بعينين واسعتين وجسد متوتر: "إلى هناك!"
تسلق المنحدر متخابطاً واجتاز إلى صخرة بارزة أخرى، بحجم منزل تقريباً. تتبع أندروكليس وأغورني بالسرعة التي استطاعا تدبرها؛ فضلت أغورني بطنها بعد كل تلك المعاملة الوعرة، وأمل أندروكليس ألا يكون قد ألحق الضرر بالمسكينة. وما إن صلا فوق صخرة بيبر، حتى أمسك الصبي بيديهما واختبأ مجدداً. أصبح الهدوء أسهل بكثير الآن، إذ كان أندروكليس وشيكاً على الاستلقاء، وإغماض عينيه برياحة، والموت.
تفرس فوق الحافة وأدرك سبب اختيار بيبر لهذه البقعة—فقد كانت تبرز كفاية لإخفائهما عن أعظار أولئك في الأسفل. بإمكانهما الانحناء للخلف قليلاً والبقاء بعيداً عن الرؤية. لم يمنح الآفة الصغيرة سوى لحظات قليلة للراحة، قبل أن يجرهما صعوداً مجدداً. عبس أندروكليس وحاول ألا يلهث كثيراً، لكن أغورني تقدمت وركلته لجعله يتحرك أسرع. ما زالت تحتفظ بنفس اللمعة في عينيها، شفاها مقوستين بابتسامة خفيفة من متعة حقيقية.
لم يستطع لومها. بشكل غريب، رغم شعوره بأن حيلة بيبر كانت تعمل، لم تستأنف الأطياف عويلها المتذمر. عوضاً عن ذلك، واصلت نفس الهمس الهادئ الذي أنساه لأيام الآن. بلغا المنحنى الممسطح لقمة الجبل في نفس الوقت الذي وصل فيه الفرسان إلى تلك الصخرة. التفت أندروكليس للمراقبة للحظة، متلهفاً لرؤية إحباطهم لعدم إيجاد أحد.
أشار الرجل الذي وصل أولاً، وهو رفيق قصير أسود الشعر بدرع سلسلي، وفأسين، وثلاثة رؤوس مقطوعة، إلى الدم الذي تقاطره أندروكليس في كل مكان وصاح أسفل: "إنه مصاب! جدوه!"
شد بيبر مجدداً، فواصلا المسير. شعر أندروكليس بالأمر في ركبتيه الآن، تؤلمان بخفة وغير مستقرتين. شعر وكأن عليه المشي بحذر وإلا تباعدت العظام. عشر خطوات إلى داخل ظل الصنوبر، وكان ذلك بعيداً كفاية. كان الهواء راكداً هنا، مما يجعله يبدو أدفأ مما هو عليه.
أفلت أندروكليس يد بيبر وقال: "منحني لحظة لالتقاط أنفاسي. اذهب وانظر إن كانوا سيتبعوننا طوال الطريق إلى هنا. أراهن أنهم لن يفعلوا."
قال بيبر: "لم لن يفعلوا؟"
لا يزال الصبي يبدو متوتراً. مشدوداً كوتر قوس.
"أراهن فحسب أنهم لن يفعلوا. غالباً لم يتوقعوا صعود الجبل إلى هذه الهضبة في المقام الأول."
صاح بيبر: "أبي! إنهم قادمون إلى هنا!"
وكأن الهر المسكين على وشك فقدان صوابه. لابد أن الضغط على روحه الصغيرة كان أكبر مما أدرك أندروكليس.
"لكنني سأذهب لأنظر. جهّز حربتك يا أبي"، أمر الصبي.
التفت الصبي الصغير وتوارى، وكأن الظلال في الخلفية ابتلعته في قضمة واحدة. سماوي، كان الأمر خارقاً للعادات. أكان يستطيع فعل ذلك دائماً؟ لم يسبق له ذلك قط، ليس حين كان أحدهم ينظر إليه مباشرة. ركّز أندروكليس، محاولاً رصده، لكنه عجز. كان يعلم أن الصبي هناك. كان هناك تماماً. لكن مهما حاول، رفضت عيناه رؤية ما عرفه عقله بالفعل. أم العكس صحيح؟ ماذا قال الصبي؟
صفعت أغورني حربته على صدره وقالت: "من حسن الحظ أنك لم تزرع طفلاً في داخلي بعد، فلولا تلك الجريّة لكنت فقدت عقلي. غالباً أنزف حتى الموت في الداخل."
"يجب أن يكون أي طفل من نسلي قادراً على تحمل ذلك. لا يمكننا تحمل ضعيف في العائلة."
قالت بهدوء: "أنا جادة يا أندروكليس. أشعر وكأنني سأتغوط دماً."
ألقى نظرة سريعة عليها، لكنها كانت تبتسم بخبث ولم تكن جادة حقاً.
وقالت: "أوه، يبدو أنه حريّ بك التحرك."
عاد بيبر للظهور ملوحاً بجنون ليأتي أحدهم. تنهد أندروكليس.
"حسناً. اذهب واختبئ هناك. إن حدث شيء، سأجعل بيبر يأتي بك."
"سأكون مستلقية ميتة على الأرض حين يصل، أيها الغول. إنني أموت."
فأجاب: "إذن سيكون لدينا ما نأكله على الطريق"، وبدأ يسير.
كانت دفقة الجهد تبدأ بالتلاشي، وبدأ يدرك مجدداً كم تؤلمه أضلاعه. بدت رخوة وسائلة في الداخل، لكنها تحترق. مثل صب أحدهم حديداً منصهراً وتركها تتقلب. حاول ألا يئن مع كل خطوة. لم يكن الوقت مناسباً للارتخاء مع ذلك. حصّن نفسه ونفض عنه استرخاءه. قطع بيبر المسافة جرياً وأمسك بيد أندروكليس في الوقت المناسب لإخفائهما عن فارس يبلغ قمة المنحدر. كان نفس الرجل القصير أسود الشعر الذي تقدم بالركوب سابقاً.
أمسك بالفأسين مستعدين ودع الحصص يوجه نفسه، ماشيًا ببطء إلى أرض غير مألوفة. كانت عيناه سريعتين، حذرتين، وخبيثتين. كان يتوقع مفاجأة غير سارة، ونوى أندروكليس أن يمنحه إياها. لم يعبر الفارس أبعد من خمس خطوات، بالقرب لدرجة تمكنهما من شم بعضهما. نقر الرجل بقدمه فتوقف الحصان. عصر بيبر يد أندروكليس ورفع عينيه بملح بينما استعرض أندروكليس خياراته. أعليه جذب الرؤوس المقطوعة ورميها بعيداً؟
لا، لقد كانت مربوطة بالسرج هذه المرة، لا مجرد معلقة فوقه كالتي سبقتها. لقد قتل رجلاً برؤوس مقطوعة للتو، فلم لا يفعل مجدداً؟ لابد أن حيلة بيبر تعمل عليها أيضاً. كان ذلك التفسير الوحيد. ألم ينوم فلاور الجميع في القاعة الكبرى للملك؟ ربما كانت الرؤوس المقطوعة تماماً كالحية. ربما لا تزال تحتفظ بأطياف الموتى بداخلها. قلبت الفكرة معدته—فالأمر مختلف تماماً بين تشريح رجل حي في حرب، وبين إهانة الموتى وسوء معاملتهم.
كان هجوم مباغت يستحق التجربة، وإن لم ينجح، فسيجذبه عن حصانه ويزجر الأيل بعيداً بالقدر الكافي لتتوقف الرؤوس عن حمايته، ويقتله حينها. جهز أندروكليس حربته وجر بيبر للأمام. تقدما خطوات للأمام، تماماً في مدى طعنة حربة. طعن الجندي في حلقه مباشرة. لم يبذل الرجل أي جهد لحماية نفسه أو تفادي الطعنة، وكانت أسهل ضربة سددها أندروكليس قط. فرّق رأس الحربة اللحم كماء ساكن وغرز في عظام العنق.
لوّح أندروكليس بالحربة جانبياً، شاقاً جرحاً هائلاً. راقبا بمفاجأة كيف أدى فقدان الدم المفاجئ والهائل بالرجل إلى الانحناء للأمام. بلا مقاومة على الإطلاق، بلا صوت. أعملت خطة من خططه كما هو مأمول لأول مرة حقاً؟ ابتسم أندروكليس وألقى نظرة ليرى بيبر يبدو مرتاحاً، وإن بدا متموج المعدة قليلاً. أفلت أندروكليس يده وخدش الصبي بين أذنيه. بدأ الرجل الميت بالانزلاق عن السرج، لكن أندروكليس أمسك به وأعاده بعناية كيلا يسقط، ثم أمسك بأعنة الحصان.
ثم، ممسكاً بيد بيبر مجدداً، قاد الحصان عائداً إلى المنحدر. أوشك أربعة رجال على بلوغ قمة المنحدر. جر أندروكليس الحصان، ثم ربت على مؤخرته ليرسله هابطاً نحوهم.
ناد أحدهم: "بيموس؟ يا بيموس، أأنت بخير؟"
رجت خطوات الحصان الجسد قليلاً، فانحنى إلى أسفل أكثر.
"بقوة كامولوس، إنه ينزف! إنه ينزف في كل مكان! ساعدوه!"
لكن قبل أن يبلغوه، انزلق الرجل الميت أخيّراً عن حصانه وهبط بارتطام غير رشيق، وعنقه مفتوح للسماء. لمع الحصان أحمر وكأنه مطلي من عنقه وصولاً إلى حوافره.
"إنه ميت! حلقه مشقوق!"
بدا الأربعة مصدومين. توقفوا للحظة، متمعنين في الرجل الميت. ثم في رؤوس الجثث الذابلة التي لا تزال تتدلى بسلام من السرج، ثم في بعضهم. وبعد لحظة، استداروا كشخص واحد وامتطوا الخيول عائدين أسفل الجبل، منادين رفاقهم وهم يمضون. راقَبَ أندروكليس وبيبر للحظة واحدة فحسب، بالقدر الكافي للتأكد من أن الجنود كانوا يمتطون الخيول عائدين حقاً للإبلاغ للملك. مع قليل من الحظ، سيظن النذل البربري أن الرؤوس توقفت عن العمل وسيحتار في كيفية قتله الآن.
ماذا سيجرب تنههاً؟ أوه، صحيح. شياطينه الاثنين والعشرين. سيبعث بالشياطين، وربما يأتي بنفسه إلى جانب أشرس وحوشه لإبقاء قتيلته الثمينة تحت السيطرة. في الواقع، قد يرسل بضعة آلاف من الفرسان لمجرد إرهاق أندروكليس، ثم يبعث بالشياطين.
همس بيبر: "أبي، ماذا الآن؟"
قال أندروكليس: "بإمكاننا الاسترخاء. لقد رحلوا للآن."
"أسيعدون؟"
"نعم."
قال بيبر: "أوه."
واهتزت أذناه.
"حسناً، إن لم نكن نتحرك، فيمكنني إخفاء الجميع حتى يرحلوا."
لاحظ أندروكليس أن بيبر لا يزال يمسك بيده، رغم أنه لم يبد وكأنهما ما زالا مختبئين. بدأ الدم من غرز ذراعه يتقاطر في كمّي الصبي، ولم يكن ذلك القميص الصوفي بحالة جيدة منذ البداية. لكنه ظن أن هناك ما هو أسوأ، كأشهر من الانفصال والعبودية. منح ضغطة خفيفة.
وتساءل: "إذن كيف يفترض بنا إيجاد شياطينك؟"
تفرس بيبر حوله قليلاً وقال: "لا أعرف في الواقع. أعتقد أن ولفسكار سيجدنا. أو ديانا. ظننت أنهما سينتظران هنا."
خرجت أغورني من مخبأها غير البعيد وقالت: "يبدو أننا انتهينا من كل العنف؟"
"نعم يا أمي. لقد امتطوا جميعاً الخيول عائدين للأسفل"، قال بيبر.
وكان يجر أندروكليس ليمسك بيدها أيضاً.
قالت: "جيد. والآن تعال إلى هنا يا حبيبي"، مقبلة بخطى حثيثة وملفة ذراعيها حوله.
وما إن احتضنته، حتى منحته نحو عشر قبلات، بالقدر الكافي لجعله يشرع بالاحمرار.
"أشك في أن أندروكليس يعلم مدى صعوبة التسلل صعوداً هنا هكذا. لكني أعلم. أعلم جيداً. ما كان لأحد غيرك فعلها، أيها الرجل الصغير الثمين والجميل. ليس بهذه الجودة، ولمثل هذه المدة الطويلة."
قال بيبر بصوت رقيق ومضطرب: "شكراً. كان الأمر صعباً حقاً."
عصر أندروكليس يده مجدداً، متفرساً حوله بحثاً عن ولفسكار، أو ديانا، أو أي إشارة لأي اتجاه يجب أن يبدءوا المشي نحوه. وانتظر بينما غدقت أغورني في التدليل على الصبي لفترة أطول قليلاً، إذ كان يستحق ذلك.
حين تخلت عن الصبي أخيّراً، قال أندروكليس: "أغورني، أأحاول زرع طفل في داخلك الآن، لمجرد التأكد من أنك لست مصابة؟ والتأكد من سلامة كل شيء في الداخل؟"
فقالت: "تبدو مشغولاً. سأجد أحداً غيرك ليفعل ذلك لاحقاً."
أصدر همهمة ساخرة. ثم رأى نظرة الارتباك على وجه بيبر ووجد ذلك أطراف.
"حسناً، لنتحرك إذن."
قالت أغورني: "أوه؟ أي اتجاه أيها الغول؟"
"لا يهم. لا أريد الوقوف في أول مكان سيبحثون فيه إن عادوا."
بدآ بالمشي في اتجاه ربما كان الجنوب، رغم أن الأشجار جعلت التحديد بدقة صعباً. كان بيبر يجر قدميه قبل مرور وقت طويل وبدأ يبدو متدلياً بشكل مروع. فكر أندروكليس في وضع الصبي على كتفيه، لكن أضلاعه ستستاء من ذلك، لذا قرر ترك الصبي يمشي حتى تسقط قدماه وحمله حينها. لم يستغرق الأمر طويلاً لكي يتم العثور عليهم، لحسن الحظ. اقتربت شابة شيطانية، تكاد تكون فتاة، بخطى سثيعة حامدة طفلاً صغيراً.
انقبض صدره فوراً واجتاحه الوجل. بدت بريئة، لكن المرء لا يدري أبداً. امتلكت نفس جلد الشفق وعيني الفضة، نفس الذيل الشبيه بالسوط والقرنين الطويلين الحادين. لكن ملابسها كانت مشدودة ومصففة للدفء، كشخص عاقل، لا الأسمال التي يرتديها أبناء جنسها في المعارك. تقدم أندروكليس وأمسك بحربته، مستعداً قدر الإمكان دون توجيهها إليها فعلياً. ركعت وانحنت ما إن بلغته، محنية رأسها لتوجيه قرنيها في اتجاه مختلف قليلاً.
فقالت: "سيدي أندروكليس. سيدتي أغورني."
حسناً، الأمور تسير على ما يرام حتى الآن، على ما ظن. ليست بالتحية التي توقعها تماماً.
قالت أغورني: "أه, انهضي أيتها الفتاة. قومه لا يركعون ولا قومي أيضاً. لمَ أرسلوا فتاة مع طفل ليأتيا لإحضارنا؟ أحدث شيء؟"
عجلت الشابة الشيطانية بالنهوض، متخبطة في خطاها وهي تفعل.
"لا، لا، أنا..."
وبدت وكأنها على وشك الهلع.
قال بيبر: "يا أمي، كوني لطيفة. هذه إيتيا، والصغير هو ييتو. هذا هو من أنقذه أبي من تحت الصخرة. هذه هي الأم التي ساعدها."
قالت أغورني: "انتظري، ماذا؟ أنقذ الغول صبياً من صخرة؟ ليس سيفاً؟"
لم تكن تتصنع مفاجأتها.
"نعم يا أمي، حين استعادنا من تجار الرقيق وأقنذ سيفاً، رآها تحاول رفع صخرة لكنها لم تستطع، فرفعها. ثم أخذت طفلها وهربت. ظن شعب الليل أنها ميتة لاستغراقها وقتاً طويلاً في العودة."
"مثلما عثرت ديانا على سيف؟ لمَ لم أسمع بهذا من قبل؟"
قال أندروكليس: "أنا متأكد أنني ذكرت ذلك في مرحلة ما. كنت أنوي ذلك. لكنه ليس مهماً. أيتها الفتاة، أإبني وابنتي في معسكركم؟"
قالت الشابة الشيطانية: "نعم، سيدي أندروكليس. إنهما آمنان ودافئان وحين غادرت، كانا يجلسان بانتظارك."
لم تستطع ملاقات نظرته تماماً، لكنه استنبط أنها كانت قلقة بشأن إغضابه أكثر من شعورها بالذنب حيال أمر ما. لابد أن هذا سبب تصرفها المتردد هكذا—فقد أُرسلت لترك انطباع جيد ولم تدر كيف. ليس وكأنه يتذكرها على أي حال، أو كان ليتعرف عليها أبداً. كان الظلام حالكاً وكانت بلون الظلال. لما علم أبداً لو لم ينطق بيبر بكلمة. مع ذلك، كان إرسالها خطوة ذكية من جانبهم، لابد أن يعترف.
لم يكن ليسعد بإيجاد رجل مسلح، لكن فتاة مع طفل صغير؟ واحد ساعده بالفعل؟ وصل للتو وكان يتم التلاعب به بالفعل. تقدمت أغورني وجذبت كتف الصغير لإلقاء نظرة أفضل عليه، ثم أطلقت ذلك الوجه الذي تصنعه النساء للجراء والأطفال الصغار.
"أه، انظروا إليه! أه يا له من شيء حلو صغير! أيمكنني حمله؟ ناوليه إياي يا إيتيا. دعينا أراه. كم عمره؟"
لم تنتظر الإذن قبل رفع الصبي من ذراعي أمه، لكن الصغير لم يبد تذمراً. مجرد وجه فارغ، مرتبك ربما. أطلقت أغورني العنان لبعض حبها، مدفئة المكان قليلاً في ذلك الغطاء الأمومي خاصتها.
قالت الشابة الشيطانية: "سيبلغ الثالثة في غضون بضعة أشهر."
حضنته أغورني وقبلت رأسه.
"يا له من عزيز صغير ومثالي. وكم عمرك أنت؟"
"أنا في السابعة عشرة، سيدي أغورني."
"أه، صغيرة هكذا؟ في عمر ديانا؟ ولديها طفل بالفعل."
"نعم، سيدي أغورني. علينا البدء حالما نستطيع تحمله. لم يبقَ منا الكثير."
قالت أغورني: "لابد أنكم يائسون جداً إذن. مسكينة."
تنهد أندروكليس.
"لديّ عيون أيتها المرأة، وأستطيع رؤية ما تفعلينه. أيمكننا التحرك؟"
كانت أغورني تستعد لرد لاذع، لكنه كان محقاً وعلم الجميع ذلك.
تحدثت الشيطانية أولاً وقالت: "أنا آسفة، سيدي أندروكليس. ظننت فحسب... أردت فقط أن تراه وترى أنه بخير. وأردت شكرك مجدداً. لن أنسى هذا أبداً. أفكر فيه كل يوم. أعرف أنك لم تستطع إنقاذهم جميعا حينها، لكنك أنقذت طفلي."
تخبط صوتها، لكنها حافظت على رباطة جأشها بمعظمها. وجد أندروكليس الوضع مزعجاً بعمق. لم يكن متأكداً إلى أي مدى أراد التقارب مع هؤلاء البشر. لقد اساؤوا معاملة ابنه، ولا يزال الدم يتقاطر من ذراعيه جراء آخرين صادفهما. ومما زاد الطين بلة، بدأت ذكريات نُسيت لأشهر تتسلل للداخل، ذكريات ذلك الحقل من النيران والصخور، وإنقاذ هذه الواحدة. تذكر الرعب الذي شعر به، مترقباً الحقل بعد معرفة ما كان عليه.
كل الصغار الذين ما زالوا هناك تحت تلك الصخور. لولا انشغاله بهمومه الخاصة منذ ذلك الحين لظل يلاحقه.
فقال: "أراه وأراه بحالة جيدة. أنا مسرور. والآن قودينا إلى طفلي."
"نعم، بالطبع. آفة لأنني فقدت صوابي، أو أقصد فقدت وعيي. أنا أسوأ الأمور سوءاً. آسفة. أنا متوترة فحسب. تلك الجروح تبدو مروعة. ماذا حدث؟"
"حاول زوج من بني جلدتك ققتلني. لكان الأمر سيرم بصورة أفضل، لكن أضلاعي مكسورة وكنت نائماً. الأول، قتلته بيديه العاريتين. الثاني، تعلمت درسي واستخدمت حربتي."
"ماذا؟ كاليسيك الرحيم! أو، بالثوس الرحيم، أعتقد، بما أننا..."
كانت كلماتها متخبطة، وتوقفت لمحاولة جمعها. حاول ألا يعبس، إذ سيزيد ذلك الأمر سوءاً. لكنه أراد ذلك. كان يفقد صبره. استعادت الشيطانية هدوئها كلما فكرت في الأمر أكثر.
أخيراً قالت: "أرى. لم يكن بيبر مخطئاً بشأنك. أرجوك، اتبعني، وأعلمني إن كنت أتحرك بسرعة أكبر من تحمل جروحك."
تذمر: "سأكون بخير."
ليس وكأنه سيعترف، لكن الألم في أضلاعه كان شديداً بما يكفي لسرقة أنفاسه وإصابته بالغثيان. أمل ألا يكون قد صدع العظام بمسافة أبعد مع تلك الجريّة صعود الجبل، لكنه شعر وكأنه فعل. لم يرغب البتة في الركض مجدداً، وليبارك ديورثودون ممهد الدروب، لم تكن 'عجلة' إيتيا كعجلته. لم تكن المعسكر الشيطاني بعيداً مع ذلك، نصف ميل أو نحو ذلك فقط. لابد أنهم عبروا الغابة بأكملها وبلغوا الممر مباشرة قبل إدراك وجود جيش كامل في الأسفل يتمنى قتلهم.
كان المعسكر متعجلاً ورثاً، فوضى عارمة من خيام الفراء المتفرقة والحيوانات والعربات. لقد رأى ما يكفي من البدو في أراضي رجال النهر لتمييز الفرق بين معسكر مشردين قصير الأجل وطويل الأجل، وكان هذا قصير الأجل بوضوح. كانت الخيام مشيدة بنصفها، والحيوانات مربوطة لا محاطة، وكل شيء متقارب للغاية. وبدلاً من إيجاد مساحة صافية، تشابك كل شيء وسط الأشجار، الأمر الذي ساعد في تفريق أي دخان من كل النيران المنخفضة، وكان هناك الكثير منها حولها.
صعب الدفاع، مع ذلك. بالنسبة لأشخاص قلقين بشأن التعرض للهجوم، كان هذا سخيفاً. لم يكونوا هنا منذ وقت طويل، لكن هذا ليس عذراً. كان حرياً بهم معرفة مكان وكيفية الإعداد في المرة الأولى، لا الاستقرار وإصلاح الأمر لاحقاً. وبما أن المهاجم يتمتع بالأفضلية دائماً، فإن عدم القدرة على إيجاد طريق المرء يعني أن عشرة رجال صالحين يمكن أن يحدثوا تأثير مائة ويسحقوهم. حين اقتربوا، لاحظ الشياطين.
ومضت عيونهم بفضة وتلألأت كالثلج في ضوء الشمس حين لمحوه، ثم أشاحوا سريعاً. لابد أنهم تلقوا تعليمات بعدم التحديق أو الالتفاف حوله. خطوة جيدة أخرى ممن كان مسؤولاً. إلا إن كانت تلك طريقتهم، بالطبع. لم تكن لديه طريقة لمعرفة ذلك. كان الصغير سيف أول من برز وحياهم، لأنه سيكون كذلك بطبيعة الحال. كانت إحدى عيني الصبي مغطاة بضمادة كبيرة، ونأمل ألا يعني ذلك أنه فقدها في الطريق.
لابد أن الإصابة كانت سيئة، المسكين. ما زال يرتدي ذلك القميص الصوفي المنفوش، لكنه بات مكملاً الآن بقميص وسراويل من الجلد وبدا أدفأ بكثير.
قال متوقفاً بحياء على بعد خطوات قليلة: "مرحباً سيدي أندوكليس. مرحباً بيبر وسيدي أغورني."
مدت أغورني ذراعيها وقفز سيف فوراً إلى عناقها بابتسامة واسعة ذات أسنان حادة.
"أيها الولد الصالح، لا تجعلني أنتظر! انظر يا بيبر، هكذا يجب أن تسلك. أه يا عزيزي، ما ظننت أنني سأراك مجدداً."
قال أندروكليس: "مرحباً يا سيف. لقد صرت أكبر. وتتحدث بشكل أفضل."
وجد نفسه يبتسم بخفة، مسروراً برؤية الصبي على قيد الحياة.
قال بيبر: "كان والداه يجبرانه على نطق كل الأصوات بشكل صحيح لذا تحسن كثيراً."
سأل أندروكليس: "ألديه والداه؟"
أين كانا طوال ذلك الوقت؟ أوه حسناً، ظن أنه لا يمت بالاهتمام طالما كانا يعتنيان به الآن.
"أراهن أن ديانا شعرت بخيبة أمل. ماذا حدث لعيته؟"
سرى بريق صغير في عين بيبر وانحرفت فمه إلى ابتسامة كان يحاول ويخفق في إخفائها.
"يا شيث، أره إياه. أره أباك عينك."
أفلتت أغورني القارضة الصغيرة، فتراجع خطوات قليلاً وتوقف. نظر سيف إلى أغورني أولاً، ثم أندروكليس، وكأنه يرجو رؤية موافقتهما أولاً. ومقرراً أنه نالها، مد يده ورفع الضضمادة فوق نتوءات قرنيه الصغيرين. كان الجلد تحته صحياً تماماً. لا توجد إصابة تُرَى. لم يعبس أندروكليس، رغم رغبته في ذلك. كانوا يحاولون خداعه. جعل الصغار يبدون مصابين أكثر مما هم عليه لمجرد كسب تعاطفه.
في الواقع، بدأ ذلك يثير غضبه حقاً. بعد معاملتهم لابنه، أأصبحوا يحاولون تحسين فرصهم بالكدب والمسرحيات؟ أمر شنيع. سيدفع هؤلاء الحثالة البربرية الملعونون من الملوك بالدم لقاء— فتح سيف عينه، وتوهجت. صُدم أندروكليس لدرجة أن أفكاره توقفت تماماً. توهجت عين الصبي اليمنى بلون أزرق شاحب وساطع أظلم ظلال الصنوبر تباُناً. شهقت أغورني. لم يستطع بيبر إخفاء متعتعته بعد الآن، وهو ما كان جيداً لسيف غالباً، الذي بدا متوتراً للغاية حيال كشف سره.
"أمتفاجئ يا أبي؟ يا أمي؟ يستطيع رؤية أشياء لا يراها أحد غيره، باستثناء ولفسكار فقط."
قال أندروكليس: "نعم."
قالت أغورني: "نعم."
وضع بيبر ذراعه حول الصغير سيف، الذي بدا واثقاً أكثر بقليل، مجبراً حتى على ابتسامة ضعيفة.
"أترى يا شيث؟ لقد أخبرتك. تلك أقرب ما رأيت أباها للخوف. تلك أقرب ما يصل إليه. عادة ما يغضب حقاً فحسب."
قال أندروكليس، مفسحاً الصدمة لمزيد من التذمر المريح: "لم أكن خائفاً، بل متفاجئاً فحسب."
"نعم، أعرف. كما قلت. الأقرب الذي يبلغه"، قال بيبر، والمرح جلي في صوته.
سأل سيف: "أأقول الأشياء التي أستطيع رؤيتها؟"
قال بيبر: "لا، سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً. ربما لاحقاً."
قال أندروكليس بجمود: "دي أسئلة، لكن لوقتها. لنواصل التحرك."
أومأ بيبر وأمسك بيد سيف، ثم تبع إيتيا الهادئة إلى داخل المعسكر.
وبعد بضع خطوات، انحنى سيف وهمس: "أغاضب مني؟"
لم يكن همساً خافتاً للغاية.
"لا، إنه سعيد لرؤيتك. أستطيع معرفة ذلك. هيا."
كان أندروكليس مسروراً حقاً لرؤية سيف مجدداً. لكن في الوقت الحالي، كان عليه اكتشاف ما يريده هؤلاء البشر منه، إذ شك في امتلاكهم أي شيء ليقدموه له. ما أراده أندروكليس هو عدم القتل على يد جيش من خمسين ألف فارس. وبالتفرس حوله، لم يبدُ أنهم سيقدمون مساعدة تُذكر في هذا الخدد. ولا أن الهرب بدا ممكناً على أي حال—فالأطياف تبقي الملك على اطلاع بموقع أندروكليس، والجيش قريب جداً، وفرق الاستطلاع تملك فرصة جيدة لقتله، محمية برؤوسها السحرية.
في الواقع، لو كان هو الملك، لكان جيشه يتسابق صعوداً عبر الممر في هذه اللحظة بالذات. لكان بعث باستطلاعات لإيجاد طريدته، ثم عززهم برماة حرب لتحصينه. ولسجل تعليمات بإعطاء الأولوية للنساء والأطفال كأهداف لإبقاء طريدته متخبطة ومكافحة. سيتقدم بضع عشرات من الفرسان المحميين بالسحر أولاً، وخلفهم مباشرة، حزمة الشياطين. وسيحيط بالقتال أكبر عدد ممكن من البقية ممن يستطيع جمعهم، وإن بدا طريدته مرشحاً للنجاة، فسيمطرون القتال بأكبر قدر ممكن من الحارب التي يستطيعون رميها، ثم يندفعون دفعة واحدة للقتل بأي ثمن.
لا تعيروا اهتماماً للرجل المامامك. فقط اندفعوا واقتلوا. لكن من يدري ما يدور بخلد الملك؟ كيف قدّر الملك قوة أندروكليس، بعد صراعات اليوم؟ لابد أن أندروكليس كان يعبس مجدداً، لأنه لاحظ أن العيون التي كانت تختلس النظر نحوه احتوت خوفاً ووجلاً الآن. وكان هناك الكثير، والكثير جداً منهم. كان المعسكر مصمماً بكل عناية كيس نقود مسكوب، وحول كل منعطف، داخل أو قرب كل خيمة، إلى جانب كل عربة، راعين كل حيوان، كان هناك شياطين.
بالغون وأطفال، رجال ونساء. ليس في طريقه تماماً، لكن ليس ببعيد للدرجة التي تمنعهم من إلقاء نظرة جيدة مرة على الأقل. بدوا كالظلال الجائعة المختبئة في أكوام القمامة. ظلال شوكية. كان أندروكليس ينتظر الجلوس حول موقد نار، ومؤخرته في الطين، لكنهما وصلا عوضاً عن ذلك إلى الخيمة الوحيدة المكتملة التجميع في المعسكر. بحجم منزل رجل فقير، كانت فوضى من الفراء والجلود القديمة، متماسكة بخياطة عتيقة بدت مرشحة للانفقاق في أي لحظة.
شكلت رفرفة باباً، وأمسكت إيتيا به ليمر عبره. هبّ هواء دافئ للترحيب به، وهو ما كان مرحباً به. دخل قبل أغورني، تحسباً لاضطراره لقتل شخص ما، لكنه سرّ بوجود فرو ولين ناعمين يغطيان معظم الأرضية. في منتصف الخيمة، احترق جمر في مجمرة نحاسية محترمة. جلست غاربي وفلاور متلاصقتين تحت بطانية صفية، كانتا تفتحانها للتدفئة. استقر ولفسكار في قميص غاربي، برأسه المضيء الصغير البارز من فتحة عنقه وبادياً باكتفاء وكأن لديه أربع حشرات للغداء للتو.
جلست ديانا بجانب غاربي، لكن البطانية بدت أصغر من أن تسعهما الثلاثة. بدا الجميع مكتفين، وكأنهم هناك منذ ساعة وأكلوا بالفعل، رغم أنهم لم يكونوا متقدمين عنه بهذا القدر. على الجانب البعيد من رفرفة الخيمة جلس شيطان عجوز، الشيخ غالباً. لم يرتد قميصاً، وذراعاه وصدره نحيلان بفعل الشيخوخة، وجلده الأسود مترهل ومنقط. وما إن صارا في الداخل حتى نهض أندروكليس وأغورني وسار ليأخذ أندروكليس برفق من ذراعه.
قاده إلى بقعة وُفرت فيها الكثير من الوسائد، مساحة كبيرة بما يكفي ليستلقي كرجل متحضر. تلتها أغورني، ثم بيبر وسيف. وبقيت الشابة الشيطانية مع الصغير في الخارج. وما إن أُغلقت الرفرفة حتى تحدث الرجل أخيرً. كان صوته ضعيفاً، بما يليق برجل في عمره، لكن كلماته كانت واضحة وحازمة.
"أيها المسافر المكرم، حللت أهلاً هنا. أرجوك، استرح وكل. دعني أعالج جروحك. آسف لأنني لا أستطيع اغتسالك، لكنني أفتقر للماء. أنا—"
سأل أندروكليس متفاجئاً بصادف حسن الأدب: "أكنت في الأمجاد؟"
لم تكن هذه في أي مكان قرب قائمة الأمور التي توقعها. في الأمجاد وحدها، في العالم بأسره، يُرحّب بغريب دون إعطاء اسمه أو عمله.
"ما حظيت بهذا الحظ، وأشك في سرورهم برؤيتي. لكني عجوز وتعلمت الكثير. أرجوك، اجلس. اشرب نبيذي وكل خبزي، وسأنظف وأعالج ذراعيك."
"ألا تسأل عن اسمي؟"
تفرس فيه الشيخ بعناية بعينيه الفضيتين القديمتين والمائيتين.
فقال: "لن أفعلا. أنت رجل محتاج للغوث وهذا كل ما أحتاج لمعرفته."
إجابة جيدة. جلس أندروكليس بحرص كيلا ينزف فوق ممتلكات الرجل وأرخى نفسه على وسيدة بتنهيدة خفيفة من الاكتفاء. كم مرّ منذ جلس على أي شيء مريح؟ نزل غوتزون، أواخر الخريف الفائت؟ فضلت أغورني الجلوس مع بيبر، ففعلت، وجذبته ليسترخي ضدها. استرعى ضدها بسلام لدرجة قد لا يجعل أحداً يعرف بانفصالهما أصلاً. ذكره رؤيتهما معاً بمدى افتقاده للصبي، ومدى جماله. بدا مريحين وآمنين ومكتفين، وبدت كل مصاعب اليوم ضئيلة الأهمية، للآن على الأقل.
لعلّه يستمتع بالأمر طالما استمر. دخل شاب بإبريق ماء وبعض القماش، ومد أندروكليس ذراعيه بينما مسح الشيخ وخادمه الدم بعيداً. ثم تناول العجوز سكينًا صغيرة حادة وأزال الغرز التالفة، ثم أصلح البقع المحتاجة للإصلاح بيد ماهرة بشكل مفاجئ. تبين أن الضرر لم يكن سيئاً كالذي بدا، دموياً فحسب. وما إن عُني بذلك، حتى لفوا ذراعيه بشرائط قماش كتاني نظيفة، بطبقتين سميكتين ومطرّزتين معاً لتبقيا في مكانهما.
كيف امتلكا هذا القدر من القماش الجيد للاستغناء عنه بينما بدا كل شيء حوله على تلك الشاكلة، لم يستطع تخيله. استلقى أندروكليس بحرص على جانبه السليم واسترخى، مسروراً لأن ألم أضلاعه المكسورة هدأ أخيراً قليلاً. كان يوماً طويلاً. وما إن استرعى حتى ناول قدر شرب، عادياً وبشكل جيد. أخذ رشفة من النبيذ.
قال متفاجئاً: "هذا ممزوج."
أجاب الشيخ: "بالتأكيد."
وناول سلة من خبز الشعير غير المخمر، ثم قال: "آسف لافتقاري لإضافات لخبزك. في عجلتنا للسفر، لم أحظَ بالكثير من الوقت للإعداد. أرجوك لا تأخذ قلة ضيافتي على أنها قلة احترام."
قال أندروكليس: "إنه يكفي. أنا مكتف."
أخذ قضمة من الخبز ووجد أنه مُعد بالملح وقليل من شحم الحيوان، وكلاهما لم يتوقعهما. حقاً، يوم من المفاجآت. وما إن عُني بالجميع، جلس المضيف وشارك في الوجبة كما يليق.
وبعد أن أخذ قضامات وأخذ رشفة من النبيذ، قال: "سيدي أندروكليس، أيرغب أطفالك في سماع أي قصص؟ أم لنحظى بأغنية عوضاً عن ذلك؟"
دفعت أغورني لقمة فمها إلى خدها وقالت: "أنا جاهزة لسماع قصة لا تتعلق بجيش."
أطلق أندروكليس همهمة متعة ساخرة. كانت تمنحه تلك النصف ابتسامة الماكرة بعيون متحدية.
ابتسم بخبث وقال: "كما تقول."
دون حاجة لإخبار، دخل رجل، في مطلع العشرينيات ربما إن دقق أندروكليس النظر.
همس سيف لغاربي وفلاور: "هذا أبي"، بصوت عال بما يكفي ليسمعه الجميع.
منح الرجل ابنه ابتسامة ماكرة وشرع مباشرة في قصة حول الأيام العتيقة لقبيلتهم، شيئاً عن امرأة داهية جعلت ثلاثة رجال مختلفين يسرقون كنوزاً لأجلها، ثم استخدتموها كمهر لإغواء أمير. عرف أندروكليس أنه لا يجب أن يكون مسترخياً لهذه الدرجة. لنفرض أن الشياطين سمعت شيئاً لم يعجبها وانقلبت عليه. انظر فحسب لوالد سيف—لقد امتلك حساسية كافية للدخول غير مسلح، لكنه لا يزال يمتلك قروناً ومخالب وذيلاً.
لم يكن مرتدياً لقتال—لا دروع، لا طبقات سميكة. كانت الملابس الجلدية التي يرتديها مقصوصة جيداً ومشدودة، لكنها بدت قديمة بوضوح. حملت بقعاً وعدة خياطات لم يستطع أي قدر من التمشيط إزالتها. لكانوا بحال أفضل لو أغاروا على الألوبوروجيين وارتدوا ملابسهم. إلا إن كان الرجل يرتدي ملابس رثة تعمداً لترك الانطباع الصحيح؟ في الواقع، حين فكر في الأمر، متى تبدأ قرونهم في النمو؟
حين ينبت الشعر على محافظهم؟ أألم حين يشق الجلد؟ وأيضاً، متى تكتمل صغار الاسكيثاندر بالفرو في البقية؟ لم يمتلك صبيانه سوى على أذنيهما وذيلهما. لابد أن يكتمل في النهاية. أكان يحك في البداية، كبعض الرجال الذين تنبت لحاهم بعد الحلق لفترة؟ أدرك بعد لحظة أن المخاوف انسلت ببساطة خارج رأسه. كان يعامل كرجل محترم، بالطريقة الصحيحة، ولم يدرك مدى افتقاده لذلك. سرى ألم ضئيل في قلبه، شيء يحن لمدينته وقومه، وكان يستيقظ ويتشبث بذلك قدر الإمكان.
أي جدوى سيجنيها التذمر، هنا والآن؟ نفد الخبز قبل انتهاء القصة، وبما أن أندروكليس اضطر لمواصلة مشاركة النبيذ مع أغورني والأطفال، نفد القدر سريعاً أيضاً. مع ذلك، مر وقت طويل منذ بدت وجبة مشبعة هكذا.
"شكراً لك يا كيشبا"، قال العجوز.
"اذهب وأخبر ييغ ونيموا بإحضار بعض الهدايا لضيوفنا."
رفع أندروكليس حاجبيه عند ذلك. إلى أي مدى يخطط الشيطان العجوز أخذ هذا؟ الوجبة شيء، وقليل من المساعدة شيء آخر، لكن معسكرهم بدا كومة قمامة. ماذا سيجدون مما يمكنهم الاستغناء عنه؟ سلة قديمة؟ دخلت امرأتان، إحداهما أكبر والأخرى أصغر. كان وجهاهما هادئتين، أو ربما داكنتين وغائمتين وثابتتين. لم يستطع قراءة تعابيرهما، وتحركتا بعناية وبراعة متعمدتين. أبقتا ذيليهما الأسودين النحيلين ملقيين فوق كتفيهما كمعظم البالغين، لذا لم يستطع الحكم على مشاعرهما من ذلك أيضاً.
لكن إن كانت الهدايا جيدة، فشك في سعادتهما حيال ذلك.
قال سيف بصوت عال، مشيراً إلى الأصغر: "هذه أمي."
كبتت ابتسامة، بمعظمها، وقالت: "للفتيان، لدينا سكاكين اسكيثاندر جيدة. يمكن لصبي استخدام سكين دائماً، وقد صُعنت من قِبَل قومهم."
كاد أندروكليس ينهض متفاجئاً، ولكان فعل لو لم يتطلب الأمر الكثير من الجهد. سكاكين اسكيثاندر؟ لم تعنِ— لكنها فعلت. في يدي بيبر وفلاور المنتظرتين وضعت سكاكين وأغماداً، مطلية بأرقى أعمال الذهب في العالم. لم يضاهِ أحد اللافوفيليين في الرخام أو البرونز، لكن بالنسبة للذهب، كان الاسكيثاندر الأسياد بلا منازع. امتلكوا طريقة لضغط الذهب بمخالبهم، حسب الإشاعة. كان الأمر قريباً بما يكفي ليرى أندروكليس الشخصيات الصغيرة المنحوتة طولاً وعرضاً على الأغماد والأنماط الغنية على المقابض.
يمكن لرجل قضاء ساعة في تفحص التفاصيل على ذهب اسكيثاندر حقيقي ودون رؤية كل شيء. صُدم الصبيان، وأغورني أكثر. كانت تعرف ما كانت تلك، وقيمتها. رمقته بنظرة تطالبه بقول شيء، لكنه لم يدرِ ما يقوله. ماذا يُفترض به أن يفعل؟ أيرفض؟ يتصرف بشكل مشين وغير محترم، حتى لو كان شفاقة؟ قبل أن يستطيع جمع أفكاره، تقدمت الكبرى نحو غاربي.
وقالت: "يمكن لكل فتاة صغيرة الاستفادة من هذه."
وضعت برفق قرصاً معدنياً بحجم قبضة اليد، مستديراً وسميكاً، في يدي غاربي المنتظرتين. أبقت يديها فوقه للحظة وجيزة، متممعنة في الفتاة الصغيرة. تمنى أندروكليس لو استطاع رؤية وجهها. مهما كانت المرأة تأمل رؤيته، فلابد أنها وجدته، لأنها داعبت خَدّ غاربي برفق وابتعدت. كان كنزاً آخر لا يقدر بثمن. عرف أندروكليس ذلك فوراً، رغم أن الأمر قد يتطلب دقيقة لتكتشف غاربي كيفية فتحه.
حمل الوجه العلوي، المبرز بالفضة، نحتاً دقيقاً لآركس أب القسم يشرب النبيذ ويتحدث مع أبركسيا واصلي الأحلام، زوجته. وكان بالفوس يسرق صاعقة من تحت عرشه. عرف الجميع القصة.
قالت العجوز بصوت رقيق وأمومي: "انتظري. قبل فتحها، لنصلح شعرك. أستأخذين قماشة غسل وبعض الماء يا نيموا؟ وممشطاً؟"
لم يولِ أندروكليس أي اهتمام لتصفيفات شعرهما، وهو ما ظن أنه يبرر بعض شكاوى غاربي السابقة، لكن الشياطين النساء ارتدين شعرهن الأسود الطويل في جديلة شديدة التعقيد. استطاع بالكاد استبيان التفاصيل، حتى مع سطوع ضوء الشمس مباشرة عبر فتحة الدخان الصغيرة في قمة الخيمة.
سألت الكبرى أغورني: "يا أمي، أأنفعل خاصتها كخاصتنا؟ أم أن لديها تصفيفة تحبها؟"
قالت غاربي فوراً: "كخاصتكم."
ابتسمت أغورني بحرارة وقالت: "عرفنا امرأة ذات مرة كانت تدير نزلاً جيداً، واعتادت تصفيفه في الكثير من الجدائل. أحبت الفتاة ذلك. عادة ما أكون مشغولة للغاية."
تسلق ولفسكار خارج قميص غاربي وطار نحو أندروكليس للابتعاد عن الطريق، وبدأت المرأة عملهما. مسحتا وجهها نظيفاً، وسوتّتا قميصها. ضفرت الشياطين النساء شعر غاربي بأيدٍ مارست ذلك مليون مرة، منتهيتين أسرع مما توقع. استغرقت أغورني وقتاً طويلاً وحين فعل غوتزون ذلك، كانت تتحدث وتنسى ما كانت تفعله. تراجعتا للتأكد من مثالية كل شيء، ومقتنعتين بذلك، أرت الكبرى غاربي المشبك على مراتها.
فتحتها الفتاة وشهقت. تحولت ابتسامتها المصدومة فوراً إلى دموع.
تمكنت من الصياغة: "مرآة! إنها جميلة جداً!"
نهضت واثبة ومنحت الشيطانية الكبرى عناقاً يائساً.
"شكراً جزيلاً!"
عناقتها الشيطانية الكبرى بكرم بالمقابل.
تفرست في الرجل المسن وقالت: "أظن أنها تعجبها."
رأى أندروكليس مسحة من الندم المتمني في عينيها، وتلميحاً للحزن في صوتها. استطاع تخيل مدى إيلام إعطاء شيء كهذا لشخص غريب. غالباً أُعطي من قِبَل أو إلى شخص عزيز، بات ميتاً الآن. حسناً، إن كانت هناك فتاة في السابعة من عمرها في أي مكان على وجه الأرض تستحق واحدة، فهي غاربي. بعد هدوئهما مجدداً، لم يستطع أندروكليس الانتظار أكثر.
سأل العجوز: "أتعلم ما يعنيه الترحيب بضيف كهذا؟ ماذا تعرف عن طرقنا؟"
قال الشيخ: "أعرف فقط أن هذا ما يُفعل. لم أستضف لافوفيلياً قط ليخبرني بالمزيد."
كانت نبرة صوته دعوة للشرح. في كل ما فعله، بدا العجوز المضيف المثالي—صادقاً لا متملقاً، مرحباً لا متعالياً. نداً كريماً ومحترماً. كيف يفترض بأندروكليس إبقاء حذره مرتفعاً؟ كلا، لقد هُزم. بوضوح.
فقال: "السبب في عدم سؤالنا الضيف عن اسمه أو عمله، هو أن آركس أب القسم قضى بأن يُرحّب بكل المنكوبين ومتعبي الطرق سواسية. إن عرفنا اسم رجل أو سبب سفره، لعلمنا من الغني ومن الفقير وعاملنا الفقير ب... فقر أكبر."
تغير المزاج في الغرفة سريعاً من البهجة إلى الانتباه القلق. لا يزال الصبيان يمسكان بسكاكينهما على راحتي كفوفهما المفتوحتين، خائفين من إطباق أصابعهما عليهما. لم يستطيعا رفع عينيهما عن جائزتيهما، لكن أذنيهما انتصبتا في اتجاهه. حنى الشيخ رأسه قليلاً ليظهر أنه يستمع. ما قاله أندروكليس الآن كان مهمّاً، وعلم الجميع ذلك.
وتابع: "الضيف المرحب به سيُطعم، ويُغتسل، ويُعنى به، وتُلبي كل احتياجاته، قبل إعطاء اسمه أو عمله. سيبتعد الرجل عن طريقه، حتى بتكاليف لا يستطيع تحملها جيداً، لمساعدة ضيف كهذا في أي شيء يفعله. ملابس جديدة. دليل إلى مكان على بعد عدة أميال. أياً كان."
"الرجل المعامل كضيف تقع عليه التزامات أيضاً. يُتوقع منه اعتبار مضيفه رفيقاً حقيقياً والعودة إن دُعي لتقديم العون. سيرسل الاثنان رسائل منتظمة ويشتركان في كل خير وشّر الحياة. وليس نادراً أن تدوم رابطة كهذه لأجيال، محملة من قِبَل الأسرة بعد موت الرجال أنفسهم. وإن لم يكن الرجل مستعداً لفعل هذا كله، فيمكنه النوم في نزل. لدينا الكثير منها"، قال.
ساد الصمت الجميع. حتى ولفسكار غطى فمه بكلتا يديه. احترق قلب أندروكليس لتذكره قومه بقوة، مدينته وحضارته الطيبة والنبيلة. لقد حن إليها، جائعاً بعد نيل مجرد تذوق هنا.
وبحسنة أضاف: "لم يخبرني أبي قط بمن كان أي من قومنا. لربما اختلفت الأمور لو فعل."
لم يجسر أحد على التحرك، ولم يلاقوا نظرته وهو يتفرس في الخيمة. نظر الأطفال إلى هداياهم، لكنهم لم يكونوا يرونها. كانت ديانا متصلبة، ووجهها قناع يخفي بالكاد الضغط الذي تشعره. أمسكت بيد سيف بلطف وعصرت بقوة. من الغرفة بأسرعها، امتلكت أغورني وحدها نظرة مرتاحة على وجهها، لأنها كانت قد خمنت النتيجة بالفعل. بالطبع فعلت، لتأخذها الغربان. ظن أن قلقهما كان معقولاً.
فمصير الكثيرين تعلق بهذه اللحظة. فلم الانتظار أكثر؟ لقد قرر بالفعل.
"أيها المضيف الجيد، الهدية التي منحتني إياها أثمن مما تدرك. كل ما أردته قط هو الشرف والاحترام المستحقين لي. لقد ذكرتني ضيافتك بالوطن. وتذكرني بالحضارة المشرقة والمجيدة التي تركتها خلفي، والأمور التي أتيت إلى هنا لاستعادتها: اسمي، وممتلكاتي، وربما القليل من المجد. وكيف لا أكتفي حين أرى عائلتي جالسة هناك، دافئة ومحسنة المعاملة؟ ربما أقيم المرأى بأعلى مما ينبغي، لكني أفعله. أقيمه عالياً، ولقد سفكت الكثير من الدماء من أجله. الكثير من الدماء."
ابتسم لمضيفه وقال: "أيها الشيخ، متأكد تماماً من أن كل هذا كان بمثابة تكتيك تفاوضي، بناءً على ما أخبروك به جميعاً عني. أيهما أخبرك بمدى حبي لشرفي؟ أكان بيبر؟ لا، لا، أراهن أنها ديانا. لكان بيبر أخبرك بمدى ولعي بأطفالي، وكم الخطر الذي ستواجهه إن ظهرت غاضباً حيال معاملته. وأراهن أن أحدهم أخبر ولفسكار بإبقاء فمه مغلقاً وإلا أفشاه. وإلا كيف كان سيطيل طوال تلك المدة دون كلام؟"
ارتفعت عينا الجنية إلى أندروكليس، لكنه أبقى كلتا يديه على فمه. ربما تحرك الشيخ بعصبية، لكنه كان طفيفاً جداً، وكان عجوزاً، وربما تخيل أندروكليس الأمر. كانت أغورني على وشك الإشراق، مشاركة سعادته؛ كانت تعرفه حق المعرفة. رفع أطفالة حاجبيهما بترقب قلق. كانت ديانا أشد تواتراً الآن، تعض شفتها. وبدا سيف وكأن يده تُعصر بالقوة الكافية للإيلام.
وتابع: "لكن في النهاية، لا أهتم حقاً إن كان كل ذلك تكتيكاً. تماماً كما لا أهتم بكون اسم سيف هو شيث. إنه سيف بالنسبة لي. وبعيني، امتلك كل هذا الشكل اللائق، وكان محترماً وكريماً. إنه يمنحني شرفاً عظيماً، فكيف لا أرده؟ يبدو كالوطن، وهذا يجعلنا أصدقاء. أنا أندروكليس قاتل العمالقة، ابن پارامونوس من الأغابيثيديين. مدتي هي ديكايا. وتلك هي أغورني، المرأة التي سأجعلها زوجتي ما إن أحظى بموقد لفعل ذلك. إنها كيلثوار وكاهنة لليتيم. أنت تعرف البقية."
تنهد أندروكليس ودفع نفسه صعوداً إلى وضعية جلوس. ندم فوراً على ذلك. كم سيستغرق شفاء تلك الأضلاع المأكولة بالغراب؟ لم يمضِ حتى ربع شهر بعد، ومع ذلك.
"الآن وقد صرنا أصدقاء أيها الشيخ، أعطني اسمك وأخبرني بما يريده قومك مني. لنناقش كيف يمكننا مساعدة بعضنا."