أفعال أندروكليس الفصل 8 — عقبات

اقرأ أفعال أندروكليس الفصل 8 — عقبات باللغة العربية على مانجا تايم.

أيقظ أندروكليس من سباته شيء في صوت الصبي، فاعتدل في جلسته ليرى ذئباً هزيلاً أجرب يحوم جيئة وذهاباً على مسافة أقدام قليلة من غطاء الصبيان. تساقط نصف شعره، وانكمش جلده على ضلوعه البارزة، ليبدو كمسخ مرعب. وبدا بائساً في جوعه كالصبيان، وتوهجت أنيابه البارزة في ضوء الصباح الشاحب. انسلّ أندروكليس من غطاء السفر بتخبط وبأقصى سرعة يستطيعها، وهجم على الذئب صارخاً. اقترب بالقدر الكافي ليعلمه أنه جاد في أمره، ثم توقف ليمنحه فرصة الهرب إن أراد.

تراجع الذئب خطوات، ثم انتصب شعره وزمجر في وجهه. صاح به مرة أخرى، فلم يتحرك. اندفع أندروكليس إلى الأمام بركلة، فراوغها الذئب مبتعداً. انحنى الذئب متأهباً للهجوم، فرفع أندروكليس ذراعه ليقضمها. ابتلع الذئب الطعم، وقفز في الهواء ليقبض عليه ويطرحه أرضاً. لكن أندروكليس كان أسرع وكان مستعداً. في اللحظة الأخيرة، سحب ذراعه من بين فكي الذئب وأمسك بحلقه بيده الأخرى. وما إن تأكد من إحكام قبضته، حتى استعمل يديه الاثنتين ليعصر رقبته بأقصى قوة يستطيعها، رافعاً إياه بعيداً عن متناول مخالبه.

وبعد أن ثبّت وقفته، غيّر قبضته بسرعة وأدار جسد الذئب، ليفكك رقبته كطباخ يقتل طائراً. قذف الجثة خلف الشجيرات مباشرة حيث لا يضطر لرؤيتها. تحولت ملامح الرعب على وجهي الصبيين إلى ما يشبه تقديس الأبطال حسبما بدا لأندروكليس، فابتسم وتصرف كأن الأمر تافه، ليثير إعجابهما أكثر.

قال: "ما هذه النظرة؟ كل ما فعلته هو قتل ذئب".

سأل الصبي ذو البشرة البيضاء: "كيف فعلت ذلك؟".

قال أندروكليس مبتهجاً بمزاحته: "أمسكت به وأدركت رقبته، ألم تكن تشاهد؟".

رمقاه بنظرات حائرة لبرهة، ثم قال الصبي ذو البشرة السوداء: "لا، نقصد، اممم...".

أوضح قائلاً: "أنا أعرف ما تقصدان. الذئاب ليست بهذه الخطورة إن كانت وحدها. الشيء الوحيد الخطير فيها حقاً هو الأسنان. وأنا أزن ثلاثة أمثالها، وأقوى منها، ولدي قبضتان ورجلان. وأنا أذكى أيضاً. ذئب واحد لا يمثل تهديداً لمقاتل مثلي. عشرة ذئاب تفعل".

لم يجيبا، وبدآ وكأنهما يحاولان تقرير ما إن كان بإمكانهما تصديقه. ولا شك في أن كل من عرفاهم كانوا جبناء، يهربون ويختبئون من الذئاب بدلاً من قتالها. مشى أندروكليس برهة نحو وسط المفترق، متطلعاً في كل اتجاه بحثاً عن مزيد من الذئاب، فلم يرى شيئاً. لقد كان وحيداً إذن. ذئباً عليلاً تخلّف عن قطيعه. أدرك سريعاً مدى البرد الذي ما زال مخيماً، فعاد بخطى حثيثة إلى غطاء السفر، راجياً ألا يكون الدفء قد تسرب بأكمله.

لم يفعل.

قال: "لا شيء آخر هنا، أيها الصبيان. عودا إلى النوم".

ثم استقر وأغمض عينيه، طامحاً في نيل ساعة أخرى أو نحو ذلك بعد أن يزول أثر الأدرينالين. لكن ما هي إلا لحظة حتى أحس بيد على صدره مجدداً.

سأل: "ما الأمر هذه المرة؟".

أجاب الفتى بخنوع: "يجب أن أقضي حاجتي، سيدي أندروكليس. أعلم أنك تريد العودة إلى النوم لكنك قلت لي أن أخبرك".

قال الصبي الأسود: "وأنا أيضاً عليّ ذلك".

تنهد أندروكليس واعتدل في جلسته مجدداً.

تذكر قائلاً: "أنا قلت ذلك؟ أظنني فعلت، أليس كذلك؟ يفترض أن أصطحبكما إذن. يا للهول، الجو بارد هذا الصباح. بارد أكثر من اللازم في الشمال. هل أنتما دافئان في الداخل؟".

أجابا بصوت واحد: "نعم".

قال أندروكليس وهو يزحف خارج غطاء السفر للمرة الثانية وينهض على قدميه: "جيد".

لم يلاحظ قبل لحظة، لانشغاله بالذئب، لكن جسده بأكمله كان متيبساً ومتألماً لدرجة تجعله يكبح ألمه. يا لها من روعة. يقترض أنه تلقى ضربات كثيرة بالدروع يوم أمس. من الأفضل أن يكون الصبيان ممتنين. فهذا ذنبهما.

قال مساعداً الصبيين على الخروج من فراشهما: "هنا، اخرجا بعرض الجسد ليظل الغطاء مغلقاً خلفكما. سيحبس الحرارة لوقت عودتكما".

جذب الفتى الأسود ليقف على قدميه وفوجئ مجدداً بمدى خفة وزنه. كان ضعيفاً ومهتز الخطوات لدرجة تعجز عن المشي حقاً، لذا ضم أندروكليس الصبي إلى جنبه وأسنده. أما الصبي الأبيض فكان أقل اهتزازاً بقليل حين أقامه أندروكليس، لكنه ظل متمسكاً بيد أندروكليس بقوة تحسباً لأي طارئ. فقد الصبي الأبيض توازنه بضع مرات وكاد يقع، وكان الصبي الأسود يُحمل بالكاد، لكن الأمر نجح. سار أندروكليس بهما نحو حافة الخلاء، حيث قضى الثلاثة حاجتهم جنباً إلى جنب، كصديقين قديمين يسند أحدهما الآخر بعد ليلة من السكر الثقيل.

لم يخلف أي من الفتيين الكثير، مما يعني على الأرجح أن أجسادهما كانت تمتص الماء بدلاً من طرحه. ولم يستغرق جسداهما النحيلان وقتاً طلباً للارتجاف، بل تصرفا بعجلة أكبر للعودة إلى الفراش مقارنة بخروجهما منه، وتكور الواحد منهما على الآخر بإحكام فور عودتهما. أشعل أندروكليس النار بقوة مجدداً، وأكل بسكويت، وأعد المزيد من النبيذ الشاب والعسل للفتيين. ومع تقدم الصباح، وفي الفاصل بين إطعام الفتيين وسقيهما، نشر ملابس اللصوص وجلودهم لتجف، وشحذ سيفه القصير وسكين بانسَي، وأمضى نصف ساعة في تمارين الإطالة والقوة.

ومع أنه أبقى عيناً مراقبة على كل ظل ترقباً لمزيد من الذئاب، بدا أن الخطر قد زال. بحلول وقت متأخر من الصباح، محت الشمس الساطعة برد الصباح بطريقة ممتعة للغاية ومعها الكثير من الضباب في السماء. وحين دفع الفتيان الأغطية بعيداً أخيراً لامتصاص دفء الشمس كالسحالي على صخرة، اقترب أندروكليس وأخذ وقتاً ليقارن بينهما. بدا عليهما الهدوء والرضا، ولامس علامات تفاعل أجسامهما مع رعايته.

بدأت بطناهما تستديران، لكن ذلك لأن أمعاء الرجل الجائع تشبه عربة ثقيلة — يستغرق الأمر وقتاً لتتحرك مجدداً. ستنتفخ كالكعكة، لكنها ستسطح في غضون أيام قليلة. وبدأت قدما الفتى الأسود تنتفخان أيضاً؛ إذ لم يعلم جسده أين يضع كل ذلك الماء. كان ذلك طبيعياً. لم يرى أي تقرحات أو طفح جلدي جديد، وهو أمر جيد. أحياناً يبدأ جلد الجياع بالتساقط، لكن الفتيين بدا عليهما صحة كافية. أمضى الظهيرة في التنقيب بين أكياس الحبوب والدقيق والفول بحثاً عن فضة التاجر.

لم يجدها، رغم تفحصه لكل الأكياس مرتين. في تلك المساء، قطع عباءة لنفسه من القماش الأحمر ونجح في خياطة أطرافها قبل حلول الظلام. استعمل مشبك عباءته القديمة، نظراً لأن أسد الفضة العائد لخدمة عسكرية كان أثمن من أن يُترك جانباً. وقد يتعرف عليه أحدهم ويناديه حليفاً، حتى في أراضي البرابرة. فالمرء لا يدري قط. بالنسبة للفتيين، مر اليوم بلا حوادث. أكلا، ناما، قضيا حاجتهما مرتين، وانطويا على نفسيهما.

جعله ذلك يشعر بالوحدة لسبب ما، كأنه ينبغي عليه تسليتهما. وبالتأكد كان معلمه ديوكليس ليحط ذلك؛ فقد أحب الرجل الأطفال كأي شيء آخر في العالم. وهو ما كان حظاً سعيداً للفتي الحزين الضائع الذي كانه أندروكليس، طوال تلك السنين الغابرة. وحين عادت تلك الذكريات إلى ذهنه، سرت في قلبه دفقة صغيرة من الغضب والامتعاض والندم؛ علمه ديوكليس ألا يستهلكه الفقد والغضب، لكنهما لم يفارقاه تماماً.

كان ديوكليس الأب الذي احتجنه أندروكليس يومذاك، ومجهزه للجيش وممنحه رمحه الأول. تماماً الرجل الذي احتاجه أندروكليس في حياته. هكذا كان جميع أصحابه، وقد أخذ كل منهم جزءاً منه معهم حين ماتوا. احتج هؤلاء الفتيان إلى شخص ما أيضاً، شخص يشبه من عثر عليه أندروكليس. لكن رغم وسامة الفتيين كفاية، أو ما سيكونان عليه بعد أسابيع من الغذاء الثابت، لم يرغب في أن يعتادا عليه. الأفضل لهما إيجاد شخص يؤويهما، شخص سواه.

شخص ليس هائماً على وجهه مع قسم ينبغي الوفاء به. ولم يرد هو الآخر أن يعتادا عليه، للسبب ذاته. ومع ذلك، بدا الأمر موحشاً بعضش، بمرور الثلاثة وقتاً هادئاً. وهكذا في تلك الليلة، وحين استقرا حول النار، غنى أغاني من أيامه في الجيش، رغم خلوّه من قيثارة أو طبل يرافقه بها. كان صوتاً جندياً، لا صوت منشد، لكنه غنى بصورة جيدة. بدأ بمعركة سيكوبوليس، التي حارب فيها صبياً؛ كانت اللحن حيّة وممتعة، وبدا أن الصبيين استمتعا بها.

ثم غنى أغنيتي حب علّمته إياهما ديلا؛ وكانتا بمقام غريب، لكن يسهل تذكرهما. ثم صمت برهة متفكراً فيما سيغنّيه تالياً. التفت الصبيان برأسيهما صوبه لمراقبته بترقب، متمنين وضوحاً ألا يكون قد انتهى. لاحظ للمرة الأولى سهولة قراءة مشاعرهما بشكل غريب. ربما كان جميع الأطفال هكذا. لكنه لم يستطع تذكر سوى أغنية أخيرة ليغنيها، أغنية قديمة رددها مراراً وتكراراً. بلا اسم حقيقي، واكتفى الجيش بتسميتها بالنشيد.

تألق ما دمت حياً؛ ولا تعانِ شيئاً قط. فالحياة لا تدوم طويلاً،  والزمن يطلب ضريبته. ارقص بفرح خالص،  وغنّ بمرح،  اشرب النبيذ وكل ما تشتهيه،  فالموت آتٍ لا محالة يوماً. حين انتهى، شعر بنبرة شجن؛ فقد ردد تلك الأغنية فوق قبور أصدقاء لا يعوضون. استعاد محادثات دارت بينهم عن رائحة الحصاد ووافر النبيذ، وزيارة مزارع بعضهم البعض بالتناوب. قُتلوا واحداً تلو الآخر. ديوكليس أولاً، بعد سنوات معدودات؛

ثم أوفيموس وأثاناسيوس، اللذان كانا أقرب إليه من الإخوة. وأركوليوس، الذي احتضنه أثناء الجراحة أكثر من مرة، بينما كان يصرخ من الألم. ونيكون، الذي اشترى له ليلته الأولى مع امرأة. وتايس، التي علمته الطب. جميعهم موتى، وأغلبهم حُصدوا وهم واقفون بجانب أندروكليس مباشرة، يحمونه بدروعهم كأفضل الجنود. لفترة، حدق أندروكليس في النار، مفكراً في أيام وأشخاص ولّوا إلى الأبد. لم ينبس الصبيان بكلمة تزعجه، بل بدا على شيء منهما حزن ما بطريقة ما.

ربما كانا يتأملان عبء الذاكرة بأنفسهما. كاد يسألهما عن قصصهما، لكنه عدل عن ذلك. لم يرغب في الجلوس قرب نار يتذكرهما هما أيضاً يوماً ما، حين يرحلان عن حياته. ولم يرغب حتى في معرفة اسميهما حقاً. وبعد انقضاء وقت الغناء، أطعم الصبيان مجدداً وتأكد من استقرارهما لليلتهما. ثم زحف إلى الغطاء ذاته الذي نام فيه الليلة السابقة، إذ لم يستيقظ مغطى بالبراغيث. لكنه هذه المرة، أبقى سيفه القصير وسكين بانسَي قريبي المنال، احتياطياً.

* * *

كانت الليلة شبيهة بسابقتها، مع شعور بغضب عميق في باطن الأرض يعكر أحلامه. استيقظ طوال الليلة مرات عديدة على وقع تحرك أشياء في الشجيرات، لكنه لم يرى شيئاً في كل مرة، فغذي النار وعاد إلى النوم. نام الفتيان خلال ذلك كله، وفي الصباح التالي استيقظ قبلهما وأعد الإفطار بحلول استيقاظهما النهائي. ثخّن النبيذ بقليل من الدقيق ليجعله أكثر مغذية بلا صعوبة في تقبله، وإن لاحظا شيئاً فلم يتذمرا.

وحين اصطحبهما لقضاء حاجتهما، وجد الفتى الأبيض أثبت على قدميه بكثير، وبدا أن الفتى الأسود استعاد بعض القوة في رجليه التي غاب عنها بالأمس. حل دفء النهار أبكر من الأمس، وبدت الشمس أسطع. أقبل سرب من طيور الغناء تحط وتطير مزمجرة، مانحة الهواء موسيقى. هبت نسائم خفيفة عبر التلال وهزت أوراق أشجار ذات لحاء شاحب ذهبية اللون، لا تبعد في مظهرها عن أمواج الماء. في الواقع، كان الجو لطيفاً بما جعل أندروكليس يستوعب رغبة أي شخص في العيش هنا، رغم خفوت السماء ورداءة الطعام.

لا نبيذ ولا زيتون، إلا المستورد منها. لكن ذلك النسيس كان رائعاً، والمنظر مشبهاً بمنى أي رجل.

ومع أنها لم تتحدث كثيراً عن المناظر الطبيعية، إلا أن ديلا انحدرت من مكان ما في الشمال، مكان وراء الخرائط في بقعة أسماها قومها «أراضي المروج».

والتفاصيل الوحيدة التي منحتها له هي تربيتهم للكريش الكثيرة وكون الأرض صخرية وباردة. إن لم يلحق بها وبحراسها الشخصيين، فخطة أندروكليس الوحيدة هي الهيام حتى يعثر على مكان كهذا آملأً وجودها هناك. إن كانت ما زالت على قيد الحياة أصلاً. لو قتل اللصوص حراسها الشخصيين، فهذا سيكون كل شيء. عبس وهو يتخيل، للألف مرة، لصوصاً يشترون لأنفسهم مزرعة وبعض العبيد ويعيشون حياة رغيدة في الريف.

سأل الفتى الأبيض بخجل: "سيدي أندروكليس، هل أنت غاضب من شيء ما؟".

"همم؟ لا، أنا بخير. أبدوت غاضباً؟".

"بدوت غاضباً حقاً، وأنت تفعل ذلك كثيراً. أهو بسببنا؟".

بدا الفتيان شديدي التوتر، كأنهما يظنان نفسيهما في ورطة. اضطر أندروكليس للابتسام بسخرية حيال ذلك. بدا وكأنهما ضُبطا يسرقان سلة تين ولم يتأكدا بعد إن كانا سيعاقبان.

قال: "لا، ليس بسببكم. أنا مجرد رجل يبدو غاضباً، حتى حين لا أكون كذلك. لا تقلقا حيال الأمر".

لم يكن بحاجة لإخبارهما بأنهما مسؤولان جزئياً على الأقل، بما أنه جالس هنا ولا يرتحل. استرخى الفتيان ومنحاه ابتسامتين خجولتين، اعترف بأنهما كانتا محببتين قليلاً.