أفعال أندروكليس الفصل 77 — أعباء

اقرأ أفعال أندروكليس الفصل 77 — أعباء باللغة العربية على مانجا تايم.

تمتمت ديانا بصوت خفيض: "تبّاً. تبّاً!"

تبدّدت كلّ بارقة أمل في النظام والهدوء. تفرّق نصف القبيلة في كلّ اتجاه هائج، وتزاحم النصف الآخر بشدّة جعلتها تخشى على الصغار من الاختناق. تردّدت كلمات المَلِك في ذهنها: أنقذيهم. أنقذيهم، وسأحلّ كلّ ما عقّدتِه. شعرتْ بجرأة شديدة قبل ساعة فحسب. جرأة وحكمة، غير أنّ الأمر تغير. كادت تفقد صوابها، وتلك كانت الطامة الكبرى. كان الذعر عذاباً محقّقاً. أجبرت ديانا نفسها على الهدوء.

لا يمكنها إنقاذ شيء إن فقدت عقلها. تدفّقت الأطياف الشريرة حولها بغضب لمهاجمة القبيلة، بأعداد غفيرة جعلتها تحسّ بمرورها كأنّه هواء. ارتفعت همساتها لتصير طنيناً جائعاً ومحموماً. غير أنّها لا تستطيع الاستسلام للذعر. أخذت نفساً بطيئاً لترخيم عقلها، والتفتت باحثة عن بيبر، لكنّ الضفدع الصغير المنتن كان يختبئ مجدداً. لقد ركل الدائرة وأطلق الأرواح الشريرة عليهم، ثم اختفى.

هذا تماماً ما تتوقّعه من ابن ذلك العملاق الشرير. لا أنّه يمكنها لومه؛ ليس تماماً. لقد كان محقّقاً في أمور كثيرة. بشأنها هي. وبشأن قوم سيش. وبدا أنّهم جميعاً يستحقّون ما جرى لهم. لكنّ ديانا عرفت ما يجب عليها فعله. كانت الشخص الوحيد الذي يعلم ذلك.

"ناتواك! استمع. لا، توقف! انظر إلى وجهي أيّها العجوز البليد! استمع. اجمعهم جميعاً إلى هنا. أعدّهم معاً. لا، لا توسّلات! ساعدني في إعادتهم معاً. حالاً!"

أدارت ظهرها لوجهه البليد قبل أن تنتظر ردّ فعل منه. بدا غاضباً ومتحيّراً. لقد فقد العجوز صوابه. ومن الأفضل له أن يستعيده، وبسرعة. اندفعت ديانا نحو أقرب الشياطين إليها: زوجان شابّان يضمّان بعضهما وطفلهما الصغير بإحكام شديد جعل سقوطهامرجّحاً أكثر من بلوغهما أيّ مكان في محاولتهما الهرب. تشابكت ذيولهما وكانت المرأة تصرخ. تحرّكت ثيابهما بشكل غير طبيعي بينما قبضت أيدٍ خفيّة عليها وعصفت بها.

أمسكت ديانا بكلّ منهما من أحد قرنيه وأجبرتهما على النظر إليها.

"ارجعا! ستكونان أكثر أماناً معاً. ارجعا! حالاً!"

حدّقا فيها للحظة، وبداعينا فارغتين بينما سرقت صدمة اللحظة أفكارهما. هزّت ديانا قرنيهما لترجّ عقولهما فتصحو، فرمشا منتبهين وحاولا الإفلات. أمْسَكَتْهما بحزم.

"ارجعا!"

وعندما تركتهما، حدّقت فيهما بأشرس نظراتها حتى رأتهما يبدآن بالاستدارة. ثم ركضت نحو التالي، رجل في منتصف العمر سقط في الثلج وكان يتخبط محاولاً إبعاد لمسات الأطياف غير المنظورة. ركلته في بطنه، فتوقف عن إرهاق ذيله في كلّ مكان.

صرخت ديانا: "انهض!"

مدت يدها إلى الأسفل ورفعتْه من قميصه، صاطعة إياه صفعة على الخدّ.

"قلتُ إنهض! ارجع!"

ألقت به وركلته مجدداً. سارع الرجل إلى قدميه، ثم استدار وعاد أدراجه عندما أشارت له. واحداً تلو الآخر، أرجعتهم ديانا. عجوز تجري كالبرق رغم سنّها. ثلاثة صبية أصغر منها بسنوات قليلة، يبكون بيأس ويمشون عمياناً وهم يمسكون بأيدي بعضهم. امرأة مع ثلاثة أطفال صغار، تشقّ الهواء بسكين وهي تحثّهم على المضي، كأنّ ذلك يجدي نفعاً. لم يتحرك ناتواك من مكانه حيث تركته. كان يحدّق حوله؛

لا ببلادة، بل كمن استسلم. عكست عيناه نظرة ذكّرته بوالدها عندما سمح لنيرانه أخيراً بالتهامه حتى الموت. مستسلم وهادئ، إن لم يكن مسالماً بحق. نظرت إليه وتلاقت أعينهما، لكنّهما لم يتبادلا شيئاً. حسناً، انتهى أمر ناتواك.

صرخت: "بيبر!"

لكنّ الصبي لم يكن لُيرى في أي مكان. لا شكّ في أنه قريب، وربّما تحت قدميها تقريباً، لكنّها لن تراه أبداً. إلى أين سيذهب غير ذلك؟ غير أنّ الوقت قد نفد. كلّ شخص آخر لن ينجو إلا بنفسه. بدأ قوم الليل يتقاتلون، صراخاً ودفعاً واستعراضاً للمخالب. خفض عدد منهم قرونهم تحذيراً: إياكم والاقتراب.

"يا هؤلاء! استمعوا! توقفوا، كلكم! استمعوا إليّ! لينظر الجميع...!"

صرخت ديانا ضامة يديها حول فمها. لكنّ أحداً لم يستمع. أمال البعض رؤوسهم كأنّهم لاحظوا وجودها، لكنّ أحداً لم يهتم بما تقوله، ولا حتى القلّة التي أرجعتْها. تخبّطت في التراب حتى وجدت حجرين بحجم قبضتها. جمّعت قليلاً من جوهرها لتقوية ذراعيها، فحطمتهما معاً بكلّ ما تستطيع من قوة، بقوة كافية لتحويلهما إلى رذاذ من الرمل الحاد، وأحدثت صوتاً مشقّقاً يصمّ الآدان أسكت حتى جوقة الأرواح الهائلة.

وفوق ذلك الفراغ المفاجئ، قالت: "أنصتوا. اصنعوا هذه الإشارة. اطردوهم بالتمني. أشر إلى الخارج، في التراب، هكذا."

أظهرت ديانا الطريقة برفع يدها في إشارة القرون، وهي لفتة قدم البحر. لوّحت بالقرون في الهواء ثم نحو الأرض، موجّهة الأرواح للرحيل. حاولت قلّة قليلة من الشياطين فعل ذلك في البداية، لكنّها مشت وسطهم وبدأت تدفع الناس وتجبر أصابعهم على اتخاذ الوضعية المطلوبة.

"تمنّوا زوالهم! لا تسألوا، بل أُمُروا! ارحلوا، ارحلوا! أمروهم بهذه الإشارة!"

كم مرة فعلت هذا في صباها، حين لم تكن نيران المساء تستحضر الأجداد، بل مخادعاً هائماً، دخل العالم بالأكاذيب والخبث؟ عرفت القبيلة بأسرها ذلك النوع فوراً وطردته. مئات المرات؟ لا، كان ذلك كثيراً. أم هل كان كذلك؟ كم أسبوعاً مضى... لا تهتم.

صرخت مجدداً: "أمروهم بالرحيل!"

حتى الأطفال. ولن تتوقف عن التحرك حتى تجعل كلّ من حولها يفعل ذلك. يمكنهم حماية بعضهم. كان عددهم أكبر بكثير من أن يواجهه شخص واحد، ولكن القبيلة بأسرها، وهي تردعهم في كلّ اتجاه؟ لن تكون للأطياف الشريرة فرصة للنجاة. صراخ ألم حول نظرتها، وغير بعيد عنها بعشرين خطوة، طرح رجل امرأة أرضاً وكان يخمش صدرها كأنّه يريد شقه وأكل قلبها. تراجع الجميع على عجالة، لكن ديانا ركضت إلى الأمام وركلته في كتفه، فطار مبتعداً نحو الجانب.

في اللحظة ذاتها، كانت المرأة تشق طريقها صعوداً على ساق ديانا، وعيناها تبرقان، وفمها مفتوح لتنفث لعنات مبهمة يتطاير معها البصق. حاولت غرس قرنها في فخذ ديانا لكنها لم تستطع اختراق الجلد.

صرخت المرأة: "أكرهك!"

وبدت كلماتها بهيمية أكثر منها بشرية.

قال الرجل ممسكاً بكتفه: "أقفوها، أرجوكم! لقد محاولت قتل الأطفال!"

أه. أه، كم هذا مروع. نظرت ديانا إلى أسفل أخيراً وأدركت الحقيقة. لقد ضاعت المرأة وفقدت صوابها. غلبتها الأطياف. أهذا ما حدث لذلك الشيطان الميت خارج الدائرة، الكشاف العجوز؟ هل كان على بيبر مقاتلة هذا؟ كانت أكبر سناً من ديانا ببضع سنوات، لكنّها لا تزال في ريعان صحتها وجمالها. يوحي ثدياها الممتلئان بأطفال، ربما صغار. بشرة صافية ملساء وعضلات مشدودة. كان شعرها الأسود طويلاً ومموجاً قليلاً، ويلمع ببريق يحسد عليه، وكذلك كان شأن قرنيها وذيلها الأنثويين النحيلين.

كانت المرأة تحاول أيضاً قضم صابونة ركبة ديانا. ربما كان بالإمكان إنقاذها، لو مُنحت وقتاً أطول. ربما كان بالإمكان طرد الأطياف الشريرة منها بطريقة ما، وإصلاح عقلها. لكن ليس الآن، حين انعدم الوقت. عبست ديانا ووطّنت قلبها. اغرورقت عيناها بالدموع وتكوّنت غصة خانقة في حلقها. ثم داست بعنف على مؤخرة رقبة المرأة وطوّحت بها نحو الأرض. حطمت بعقبها العظام المتاخمة للجمجمة وفصلتها.

ماتت المرأة قبل أن تتيح لها فرصة الزفير. التفتت ديانا حولها، وعيناها مغرورقتان وقلبها مثقل، لكنّ أحداً لم يقفز للانتقام. بل بدا وكأنّهم تنفسوا الصعداء بظلام وحدّقوا في كلّ شيء سوى الجثة. لا يزال خوف الموتى يمسك بهم جميعاً بقبضة محكمة؛ وقفوا متصلبين، أو تحلقوا معاً ضافلين ذيولهم كحبال، أو حاولوا الإمساك بذويهم بإحكام لمنعهم من الذعر. غير أنّ أغرب ما أثار قلقهم كان الإصابات.

كان تلويح أحدهم بمعصم مضمّد كافياً لاستدرار دموع المحيطين به. وبدا المصابون محتجزين بإحكام يفوق الآخرين، كأنما رافق ذلك قدر إضافي من اليأس. نشبت جلبة جديدة في الجانب الآخر من القبيلة، فاندفعت ديانا لتجد ثلاثة بالغين يثبتون يافعاً، لم يكن قد بلغ سناً تسمح له بنموّ نتوءات جيدة على قرنيه. كان يضحك ويبصق عليهم ويحاول العضّ؛ وقد احمرّت أسنانُه سلفاً من نجاح سابق. قفز رجل رابع للمساعدة، ممسكاً بقرنيه بينما ثبت الباقون أطرافه.

ركعت إلى جانبه امرأة تقبض بيد على جرح نازف في ترقوتها وبأخرى على سكين. مجهشة بالبكاء بلا خجل، قبضت على السكين بيد كلتيها وغرزتها في صدر اليافع ثلاث مرات. صرخ وأطلق فخيزاً وقاتل في لحظاته الأخيرة، التي لم تدم للأسف أكثر من عَدّة عشرة. وما إن فقدت عيناء اليافع بريقهما وسترخى جسده، حتى وجّهت المرأة السكين نحو نفسها. قفز الرجال لإيقافها، لكنّ الأوان كان قد فوات. غرزت السكين في صدرها قبل أن يتمكنوا من انتزاعها منها.

تحول صراخ لوعتها إلى أنين أعمى وهي تموت بسرعة مذهلة. انفطر قلب ديانا حين أدركت ما شهدته لتوّها: أمّ تقتل طفلها. وبدا لها شُنع ذلك كألم جسديّ، يحرق جوفها. كان ذلك موت قبيلة ديانا مجدداً. فجرت في ذهنها الفظائع التي قضت وقتها كله محاولة عدم التفكير فيها. ريليسا وأمعاؤها المتناثرة. رأس باكيو. الصغار الذين داستهم الخيول تسلية. الأب، الذي سمح لنفسه أخيراً بالاحتراق حتى الموت مقابل حياتها.

شابهت تلك الفوضى هذه، إلا أنها كانت أكثر وحشية. وأسرع. لم تستطع إنقاذ قبيلتها. ولم يستطع الأب ذلك، ولو كان إمكاناً لبشريّ لفعله. لا، لقد أتت أمواج الوقت وجرفتهم، محتومة. لكن ليس هذه القبيلة. لقد أخبرها المَلِك أن تنقذهم. مَلِك أغورني، الطفل. عنى ذلك وجود أمل ما زال قائماً. أجبرت نفسها على التحرك مجدداً، متجاهلة الشفقة الحارقة كأي ألم آخر. كوني قوية، حدثت نفسها. ابنة الأبي.

تسابقت عبر الحشد باحثة عن وجه مألوف، عن أي شخص يحدثها وسط هذا الذعر الهائل. وجدت ديانا أبوي شيذ يحصرانه بينهما، خارج التجمع العام للقبيلة. بدا الأب فكراً في الفرار بينما حاولت نيموا الأم جذبهما مجدداً نحو الآخرين.

قالت وهي تصرخ دون قصد: "ما الذي يحدث؟ لماذا يفقد الجميع عقولهم؟ أنتم تزيدون الأمر سوءاً فحسب."

أخذت نفساً محاولة استعادة بعض الكرامة لكنّ ذلك لم ينجح. قبضت أم شيذ على شيذ بقوة أكبر وواصلت محاولة سحبهما نحو المجموعة.

فقالت: "الأرواح تعصف بعقولنا، إن استطاعت الدخول. وإن غادرنا إلى خيمتنا، فسنسطع للعيان! علينا تفادي الأنظار!"

فأجاب الأب: "وسيفتك بنا أحدنا إن بقينا هنا! لقد رأيت ما حدث لتويّن للتو يا نيموا!"

قالت ديانا: "استمعوا، أرواح كهذه ليست بالقوة التي تؤذيكم إن هدأتم فحسب. إنّها غير مؤذية في الغالب، مجرد—"

التفت إليها الأب وبصوت يقطر سمّاً قال: "إنّها ليست غير مؤذية بالنسبة لنا."

ظنّت أنّه الذعر بذاته. الخوف. الانغماس الذهني. لقد رأت أناساً يفعلون أشياء غريبة في محنهم، وكان استغلال طيف شرير لذلك أمراً منطقياً. لكنّ هذا كله كان مبالغة مفرطة! كيف لا يعلمون؟

سألت: "لماذا لا نستطيع الهدوء وإصلاح الدائرة؟"

قالت نيموا: "سيفعل الشيخ ذلك في أي لحظة الآن. سنكون آمنين هنا بمجرد أن يفعل."

"وكم غيرنا سيتحول؟ الأرواح هنا بالفعل، يا نيموا. ربما هي في خمسين آخرين، ممن سيتحولون في أي لحظة! هل سنقف بجانبهم حين يحدث ذلك؟"

"حقّاً؟ وماذا إن كنتِ الهدف الوحيد المتبقي يا كيشبا، وجاءت كل الأطياف نحوك دفعة واحدة؟"

"إن لم نكن هنا، فلن يستطيعوا!"

قالت ديانا وهي تمسك بأكمامهما لجذب انتباههما: "كيشبا! نيموا! توقفا وأخبراني لماذا تخافان من هذه الأطياف إلى هذا الحد؟ أعلم أنها مرعبة، لكنكما تمنحانها القوة بتصرفكما هذا!"

قال الأب كيشبا: "ديانا، ليس لدينا وقت لك!"

لم يتوقف اثناهما قط عن محاولة سحب بعضهما حيث أرادا الذهاب، وبينهما، لم يكن شيذ يعيش وقتاً طيباً. من اللمحات التي تمكنت ديانا من التقاطها، كان المسكين الصغير قد أغلق عينيه وفمه بإحكام وبدا أخوف من أن يتحرك. أظهر مثلث مبلل أسفل ردائه أنه تبول على نفسه. كانت المشكلة الحقيقية هي الهياج، لا الأطياف. لكن الهياج لن يتوقف حتى تتوقف الأطياف ويشعر الجميع بالأمان مجدداً.

حاولت مرة أخرى فقالت: "لا تستطيع الأرواح فعل شيء لكم ما لم تسمحوا لها. لا تستطيع التغلب عليكم هكذا ببساطة —عليكم أولاً منحها القوة بالخوف، أو بالإرادة على ما أظن. أعلم كيف يبدو الأمر، لكن الأمور لا تسير هكذا! لا تستطيع روح ميتة حقيرة القفز داخلكم وفجأة، ودون تنفس، تبدؤون محاولة قتل كل من حولكم!"

قال الأب كيشبا: "معنا يا ديانا، مع قومنا، هكذا تماماً تسري الأمور، لا سيما إن كنّا مصابين. يمكنها الدخول. ولهذا سنكون أكثر أماناً، في مكان بعيد حيث لن يؤذينا أحد!"

"كيف يحدث ذلك حتى؟ ليس هذا...!"

نفخت ديانا بضجر.

"لماذا لا يحدث هذا متى ما خدشت ركبتك إذاً؟"

قالت الأم نيموا: "لأن الموتى يتجنبوننا. إنهم يكرهوننا كما نكرههم. لا نعرف سبب حدوث هذا، وحتى نتبين الأمر، فنحن في أمان أكبر مع بقية الناس!"

قررت ديانا أنه يستحيل إقناع هؤلاء القوم بالمنطق. ليست لديهم خبرة في أي من هذا، ليس مثلها. لماذا المجادلة مع الحمقى؟ لا، عليها فعل شيء. لن تنجح أبداً في إقناع عدد كافٍ منهم ليحدث فارقاً. إذن، مشكلتان: إبعاد الأرواح والعناية بمن غلبوا بالفعل. وحينها قد تتمكن من شرح سوالف الأرواح ومنع تكرار هذا مستدلاً. مدت ديانا يدها بين الأبوين وربتت على رأس الصبي الصغير.

سألت: "شيث، أترى الأطياف؟ أترى الأرواح؟"

غطى عين فانوسه بيد وفتح الأخرى بحذر ليلقي نظرة خاطفة عليها.

قال بخنوع، بصوت أكد يكفي سماعه وسط صراخ قوم الليل وهدير همسات الموتى: "بعيني فقط."

قال كيشبا، مسترخياً أخيراً قليلاً ضد جذب زوجته المللح: "إنه يراها. لقد رأاها تتدفق كجيش غازٍ فصرخ بصوت عالٍ حتى ركض نصف القبيلة."

بدأ الجواب يتشكل في ذهن ديانا.

"سيفي، أيمكنك رؤيتها حين تكون داخل أحدهم؟ أو عليهم؟ هل تنظر وتحاول؟"

ارتجف الصبي الصغير ولم يرفع يده. أدار وجهه بعيداً. بدأت غصة ذنب تتشكل داخلها. أكانت تفهم حقاً ما تطلب منه فعله؟ كيف تبدو الأوتام الميتة؟ ماذا لو كانت أشياء مرعبة وكابوسية ستطارد ذكرياته إلى الأبد؟ لكن أي خيار آخر بقي؟

"سيفي، أرجوك. عليك أن تنظر، لبرهة ضئيلة فحسب. أيمكنك رؤيتها حين تكون داخل الناس؟"

تمتم بشيء لم تستطع ديانا تمييزه.

سألت ديانا بإلحاح: "شيث؟"

"لا أريد!"

توسلت إليه: "سيفي، أرجوك، الأمر مهم! أرجوك، أتفعل ذلك من أجلي؟ مرة واحدة فقط؟"

كانت النظرة التي رمتها به أشدها بغضاً رأته يطلقها، وفي أي ظرف آخر لكانت أضحكتها. ليس هذه المرة.

"أرجوك."

انزقت يد شيث تدريجياً، كاشفة عن عينه المغلقة. حدّق في الحشد بعينه العادية، ثم فتح عين فانوسه. في ضوء الشمس الساطع، استححالت تقريباً رؤية التوهج. أشار إلى رجل مسن ونحيل، ثم أغلق عينه مجدداً واستدار ليخفي وجهه في سروال أمه. عانق الرجل الذي أشار إليه شيث نفسه بإحكام جعل عضلاته ترتجف، وحدّق في التراب. كان فمه يتحرك بسرعة كأنه يتحدث، لكن لم يكن هناك من قريب ليستمع. للوهلة الأولى، بدا حقاً رجلاً يفقد عقله.

شعرت ديانا بتدفق حماسة، خفف منها قليلاً شعورها بالذنب لدفعها إياه لفعل هذا. لكن الأمر سيجدي!

"سينقذ شيث الجميع هنا. لقد كنتما على حق كليكما. ابقيا هنا، بعيداً عنهما لكن ليس ببعيد جداً. سأعود فوراً!"

هرولت إلى حيث ركع ناتواك في التراب وركلته في جنبه. ليس بقوة، بالقدر الذي يفقده توازنه فحسب.

طالبت: "أين الملح؟"

حملت عيناه المتعبتان وميضاً باهتاً من الكراهية حين رفع نظره إليها، وكان ذلك جلّ ما تبقّى فيهما من حياة.

"إنه هناك، على الأرض."

"أعلم أن لديك المزيد أيها العجوز البليد. أين هو؟"

"استهلكت كل ما امتلكته وكل ما تمكّنّا من جمعه بسرعة. لا مزيد."

"حسناً، سأجده بنفسي. قلتَ إن لديك تعاويذ؟ أم لا، قلت إنك لا تستطيع صنع ما يكفي في الوقت المناسب. ألديك أيّ منها؟"

"لدي القليل، لكنها لن تنفعنا بشيء الآن."

أمرت ديانا: "اذهب وأحضرها."

توهجت عيناه، مائيتين وعجوزتين لكنهما تحترقان مع ذلك. لم يبدِ أي محاولة للتحرك.

قالت: "اذهب وأحضرها وإلا بدأت بركلك."

"من ترين نفسك لتأمريني هكذا؟"

مدت ديانا يدها لتساعده على النهوض. لم يتحرك، مفضلاً النظر بعيداً.

"أيها الجبان شبه الميت!"

نظر إليها مجدداً، وعيناه أكثر حيوية بقليل، وأكثر غضباً بكثير. خفض قرنيه باتجاهها، وهو ما اختارت تجاهله.

"لقد قاتلت ووهبت أكثر مما يمكنك تخيله، أيتها الطفل. اذهبي وارقدي تحت رجل وأنجبي أطفالكِ الخاصين، بدل محاولة التسلل لأخذ أطفالنا."

مدت يدها بإلحاح أكبر.

"سأبدأ بركلك حقاً، أيها الشيخ. اذهب وأحضر تعاويذك أو رموزك أو أياً كانت."

اختلجت ساق ديانا فانكمش هو. مرت لحظة، وليّن تحديق التحدي على وجهه حين أدركا معاً أنه خسر. بعد نفس عميق وتنهيدة، أخذ بيدها فرفعتْه إلى قدميه. لم تختبر حظها بالصراخ عليه ليُسرع. مرسلة القوة لساقيها، انطلقت ديانا بسرعة شبه قصوى، راكضة نحو الخيام الأبعد عن الدائرة لأنها الأرجح لحفظ الملح. غير أنها عندما حان وقت التوقف والفحص داخل إحداها، استكتشفت مدى غدر الوحل فانزلقت عشراً كاملة من الخطوات قبل أن تصطدم بالرفرف وتتخبط في الداخل.

تدحرجت طوال الطريق واصطدمت بالجدار البعيد، مما جعل الخيمة تميل وتهتز بقوة جعلتها توقن بأنها ستسقط فوقها. لكن الدعم صمد فرفعت نفسها إلى قدميها وبدأت تعيث فساداً في خيمة أياً كانت، باحثة عن وعاء ملح. قلبت كل شيء تقريباً هناك، من السلال إلى الحقائب إلى أكوام الثياب، بلا ملح. تركت ديانا كل شيء كومة طينية عملاقة وهرولت إلى التالية، التي زأرت عبرها كإعصار. لن يكونوا سعداء فور رؤيتهم ما فعلته بأشيائهم، لكن تلك مشكلتهم لا مشكلتها.

لم تكن في الخيمة الثانية ملح أيضاً، لكن الثالثة حوت بعضه، إلى جانب دمى قماشية وأسلحة لعب خشبية، لفتت انتباهها. لم ترَ قط أطفال قوم الليل يحملون أي ألعاب، لكن مرة أخرى، نادراً ما كانت تراهم. أخذت وعاء الملح وعادت أبطأ ممّا أتت، عدم رغبة في المجازفة بالانزلاق في الوحل مجدداً وكسره، لا سيما مع تركيز القبيلة الكامل عليها. بدا أن القتال والذعر قد تباطآ، إذ يبدو أنهم لاحظوا سرعة عدوها وباتوا يراقبونهم بدلاً من ذلك.

وفي الوقت الحالي على الأقل، لم يعد أحد منهم يفقد عقله. وجدت ديانا بسرعة المكان الذي ركل فيه بيبر خط الملح وشقّت أخاديد جديدة بإصبعها، والتي اضطرت لتقويتها بالجوهر تعويضاً عن غياب المخالب. ملأت الأخدود بالملح، مكملة الدائرة مجدداً. لم يحدث شيء. لم ترتفع أي حاجز روحي ليحل محل ما كان هناك سابقاً. لم تستطع إخفاء خيبة الأمل الغاضبة التي ملأتها، مستبدلة تماماً الأمل الذي بثّت فيها الحيوية من قبل.

أطلقت هسيساً بلعنة تحت وفحصت حولها لترى إن كُسرت في أي موضع آخر. لم تكن هناك أي كسور أخرى.

"لماذا لا يعمل؟"

قالت بصوت عالٍ، لنفسها غالباً. لم تستخدم قبيلتها الملح قط، إذ اعتادت كل الأرواح التي أرادت الحماية منها الخروج من المحيط. لماذا الملح؟ أي روح ستخاف من ماء المحيط المجفف؟ لولا أنها رأت عمله، لما صدقته أبداً. لقد احتاجوا لحمايات حقيقية، كخاتمة من حبل معلق بها عين الماشي العالي أو يد الأب. صفعت الأرض بضجر وحاولت عدم الاستماع إلى همسات القلق المتزايدة للقبيلة، أو صرخات وضحكات الأطياف الخفية.

لقد كان أمراً يثير الجنون! جعلها تغضب لدرجة اغروراق عينيها بالدموع. ماذا كان مفترضاً منها أن تفعل؟

سأل ناتواك، الذي عاد حاملاً قلائد قليلة بيده: "أطهرت الملح؟ وباركتَه؟"

"لا. أيتعين ذلك؟"

"عليك ترك سماء الليل تطهره وتحراق قرنب لتبريكه قبل أن يستطيع حماية قومه."

"حسناً، ليس لدينا وقت كافٍ لذلك. أهناك طريقة أخرى؟"

مد ناتواك القلائد، التي عُلّق بها قطعتان خشبيتان صغيرتان مسطحتان حفرت عليهما رمز لم تعرفه. كانتا أربعاً.

قال بجهامة: "اختاري من سيعيش يا ديانا، بينما لا يزال هناك أحياء."

وكأنّما بإشارة، ألقى الرجل الذي رأته يرتجف ويتحدث لنفسه رأسه للوراء وضحك، بصوت عالٍ وبلا تفكير. وحين خفض رأسه مجدداً، أضاء الحماس المفترس وجهه. وقبل أن تتيح له الفرصة لمهاجمة أحد، طعنه أحد اليافعين نظيفاً من الخلف برمح معدني رفيع. تيشوان؟ أكان ذلك اسم اليافع؟ لم تستطع التذكر، لكنه كان شيئاً هكذا. كادت ترى آخر أمل اليافع يموت حين انزلق الشيطان الميت عن رمحه. كان أصغر منها، بسحر صبي غريب يتحول ببطء إلى رجل.

كادت نظرة الموت والفراغ الرمادية على وجهه تهزّ عزمها. كادت. لمعت فكرة في رأسها. لقد أتت هنا لأن المَلِك أمرها بالمجيء، أفلن يكون مستعداً لفعل دوره إذن؟

نهضت على قدميها وصرخت في السماء: "بالثوس، مَلِك أغورني وأندروكليس وراعي الأيتام، لقد أمرتني بالمجيء لإنقاذ هؤلاء القوم! سمعت صوتك أيها المَلِك، لذا أعلم أنه أنت! تعال وطهر هذا الملح!"

لم يحدث شيء.

غير راغبة في فقدان اللحظة، التفتت ديانا وسألت ناتواك: "كيف تُنادي مَلِكاً؟ ماذا تفعل؟"

حدّق إليها ببلادة، مبدياً عدم تأكّده من كيفية مقاربة ذلك السؤال.

"ألا تعرفين الملوك؟"

"عبدنا أرواحاً، لا ملوك. لم يكن لنا شأن بأي ملوك."

تنهد ناتواك، وبدت ديانا وكأنها تراه يزن ما إذا كان الأمر يستحق الجهد لشرحه لها.

قال أخيراً: "أتعرفين صلوات هذا المَلِك؟ أتعرفين القربان الذي يقبله، أم أوقاته وفصوله؟ ألديك مساحة مقدسة له، بخور لتحرقه؟ أأنت كاهنته ليستمع إليك؟ لا أعرف شيئاً عن مَلِك بيبر ولا أستطيع مساعدتك."

ملأها الضجر. لم تدرِ أكانت تريد الصراخ أم الضحك أم البكاء. لقد كانت قريبة جداً! مجرد أمر واحد، ومن ثم يستطيع شيث الإشارة إلى الأرواح وينتهي كل شيء! وقفت ديانا مجدداً وخطت ثلاث خطوات للابتعاد والنظر إلى الدائرة من زاوية أخرى. لا لأن ذلك سيساعد. بل عجزت عن الجلوس ساكنة. وفي أذنيها، بدت الهمسات والضحكات وعواء الأطياف حولها كالمصير. بدت أشياء تخاف منها الآن. ليس بسبب شيء جاؤوا لقوله، بل لمجرد حضورهم.

لم تستطع أرواح صغيرة كهذه إيذاء شيء وخوفها منها أشعرها وكأنها تفقد شيئاً فشيئاً كونها طفلة قبيلتها. ماذا سيقول تشاغان لو رآها الآن؟ لا شيء. لقد رحل للأبد مع بقيتهم، وكل ما كانوا عليه وآمنوا به. تمنت لو استطاعت تتبع تلك الفكرة حتى النهاية والحداد. لكنها لم تستطع. احتاج قوم شيث إليها. وحدها، هي وحدها. وحدها تستطيع مساعدتهم. ركّزي. المَلِك. بالثوس. كيف تلفت انتباهه؟ حسناً، ذكر ناتواك القرابين، فربما وجدت شيئاً.

بدت تتجول بعصبية، محاولة الظهور كمن توشك على فعل شيء. كأن لديها خطة أفضل من هذه. أرادت أرواح الأجداد الأشياء التي أحبوها في حياتهم. استُحضر كوباتي العظيم بنبيذ اليام والحرير، والأم بخبز طازج وأغاني الحضانة. والتراتيل بالطبع، والإشارات. والنار والدخان المقدس. لم تمتلك أياً من ذلك، وما الذي سيريده مَلِك طفل على أي حال؟ جرو؟ كانت الألعاب تخميناً جخّاً كأيّ شيء. بلا كلمة لأحد، هرولت ورجعت للخيمة التي سرقت منها الملح.

كانت الدمية القماشية الصغيرة حيث تركتها، مدفونة جزئيًا تحت بقايا قماش الكتان المنقلبة. التقطتها وتأملتها. كانت قطعة رثة، قديمة غالباً. زال الصبغة منذ زمن وإن بدأت زرقاء الشفق مثل قوم الليل، فباتت بنية ورمادية مرقطة. فُقد أحد القرنين وتآكل خيوط الشعر إلى حد كبير. كان الذيل قد ذهب أدراج الرياح منذ زمن، لكن الفستان الصغير بدا بحالة جيدة. أو أجدد. انتظري، أكان بالثوس صبياً، ألم يكن كذلك؟

أأراد دمية حقاً؟ نظرت إلى السيف الخشبي الصغير ومضغضغة من الخبث منعتها من التقاطه. إن كان مَلِك الأيتام الذكور فحسب، فليجد شخصاً آخر ليقضي مهامه. ركضت عائدة، تقريباً كمن تهرب من خوفها من ألا يجدي الأمر. ركعت بسرعة عند الملح الذي وضعته ورفعتا الدمية.

"حسناً، بالثوس، أمنحك هذا القرربان! أأحرقها؟ ماذا أفعل يا ناتواك؟"

قبل أن يستجيب الشيخ، ركضت فتاة صغيرة خارج الحشد، كائنة صغيرة بحق. أصغر من شيث. توقفت على بعد خطوات قليلة من ديانا وأشارت إلى الدمية، ثم قالت شيئاً بلغة أطفال مشوهة لم تستطع ديانا فهمها.

"أه، لماذا، من...!"

بدأت ديانا، لكنها أطبقت فمها لمنع نفسها من صراخ إحباطها ورمي الدمية على الفتاة الصغيرة. ماذا الآن؟ أتعيدها؟ أكانت هذه مزحة ما؟ تطلب الأمر بضع نبضات من تدارك نظر كلتيهما للأخرى لكي تغطي الفتاة الصغيرة وجهها بيديها وتبدأ بالبكاء؛ صوتاً متعباً، مفطور القلب. بحلول ذلك الوقت كان أبوها قد بلغها وحملها، وكانت المسكينة منزعجة لدرجة أنها انهارات ضده وأجهشت بيبان وحشتها في كتفه.

كانت النظرة التي منحها الأب لديانا... مسكونة. قفزت ديانا إلى قدميها ومدتها متبعة الخطوات. شعرت بالغثيان.

"ها هي، كنت سأعيدها. خذيها، ها هي."

أخذ الأب الدمية وأعطاها للفتاة الصغيرة، التي عانقتها لكنها لم تتوقف عن البكاء. رائع، يمكنك أن تكوني لئيمة حقاً أحياناً، همس طفل في أذنها. قفزت بعيداً عن الصوت وكادت تسقط. لم يكن هناك شيء.

"بالثوس؟"

سألت. سمعتك سابقاً. أردت فقط رؤية ما ستفعلينه، همس المَلِك مباشرة في أذنها، قريباً جداً لدرجة أنها توقعت الشعور بشفتيه تلامسان بشرتها. ثم قهقه وتراجع، بصوت يطفح بالمرح والتسلية جعل روحها ترتجف. عاد الجدار غير المنظور للوجود، مسكتاً الأطياف تماماً ومبقياً فقط على شهقات قوم الليل المذهولة في الفراغ المفاجئ. ارتياح ديانا بلغ مبلغاً جعلها تبكي، وكادت تفعل. توجب عليها الحدّيق في الأرض لحظة وطرف مرات عدة وتعديل تنفسها قبل أن تجرؤ على النهوض.

وما إن فعلت، حتى تجاهلت الضجيج المفاجئ بينما نادى مئات من قوم الليل لفت انتباهها. تفحّصت الحشد باحثة عن شيث أو أبويه. هناك! على بعد عشر خطوات، حملت أم شيث طفلها، بغض النظر عن سراويله المبللة، وكان أبوه يمسح الحشد بحثاً عن التهديدات. كاد لا يدع ديانا تمر حين اقتربت، لكنها انتظرت لحظة ليختار التحرك بدل الشجار.

وضعت يدها على كتف الصبي وقالت: "شيث، إنه دورك. عليك النظر ومعرفة من لا يزال يحمل روحاً بداخله. هيا. أنت بأمان الآن. لن تحتاج أمك لإنزالك حتى. حسناً؟ عليك النظر يا شيث. افتح عينك."

تردد شيث، وقالت أمه نيموا: "إنه يرتجف يا ديانا. إنه خائف جداً. دعيه وشأنه."

حاولت ديانا مجدداً، متحدثة بنبرة جمعت بين اللطف والإلحاح.

"شيث، يكاد الجميع يكونون بأمان الآن باستثناء نفر قليل. عليك إخبارنا بمن هم لننقذهم بدورنا. وحدك تستطيع فعل ذلك يا سيفي. هيا. أيمكنك أن تكون شجاعاً مثل... مثل أندروكليس؟ أتوَجّد حين أتى وأعادك بعد أن أخذك أولئك الرجال؟ واضطر لمقاتلة نفر من الرجال ليقوم بذلك؟ هذا يشبه ذلك تماماً، لكن حتى هو لا يستطيع فعل هذا. وحدك أنت. ولا يتوجب عليك فعل شيء—فقط أخبرنا من يحمل طيفاً داخله."

ببطء، خفف شيث قبضته المميته عن أمه واستدار ليواجه ديانا. بدا وكأنّ باقي القبيلة تتزاحم الآن، بقلق لترى ما يدور. استشعرت كل عيونهم، إلحاحهم. وعيونها هي. عين فانوس الصبي لم تكد تتوهج في ضوء الشمس الساطع؛ كانت تكاد لا تُرى والشمس في وجهه. لكن مع ذلك، رأت وميضاً هناك حين جمع حيويته الذهنية.

"هذا هو سيفي الشجاع! أمسك يده يا كيشبا. إنه بحاجة لأبيه أيضاً. الآن تعال! انظر للجميع وأخبرنا بمن يحمل روحاً في داخله."

بغرابة، انكمش المقربون كفاية لسماع ما تقوله حين استدار نظرة شيث ماراً على الحشد. ظنّت أن ذلك منطقي، إذ لم يعلموا ما كانت لتفعله. ربما ظنوا أنها ستطعن الممسوسين فحسب؟

صرخت: "ليثبت الجميع في مكانكم! إن تحركتم فستضيعون الوقت فقط!"

أبقاهم ذلك مجمدين في مكانهم، لحسن الحظ، لكنه لم يفعل شيئاً لتلطيف الوجوم عن وجوههم. اشمأزت لتخيل شعور شيث بكل من يعرفونه يمنحونه نفس النظرة، لكن ماذا كان بإمكانها فعله؟ كان لزاماً أن يُنجز الأمر. أشار شيث إلى شابة، ما زالت يافعة في سن ديانا تقريباً. كانت تلك التي عادت وحدها، التي ساعدها أندروكليس. انتشرت أخبارها بسرعة، لكن ديانا لم تلتقط اسمها تماماً. كانت تضم صغيرها بين ذراعيها.

قفز يافع آخر، ذكر، أمامها صارخاً: "لا! لا يمكنك إيذاؤها!"

قالت ديانا: "لن أؤذيها. لا أحد سيفعل. استداروا وساعدوني. اصنعوا هذه الإشارة. ليصنع الجميع هذه الإشارة! الآن!"

رفعت يدها اليمنى بإشارة القرون، الحماية من كل شر. رفعت بإلحاح وبدأت تحدق بالناس واحداً تلو الآخر حتى استجابوا. حين بدا أن ما يكفي منهم يتبعها، أظهرت كيفية توجيه القرون وتوجيه الشر إلى الأرض.

"سنفعل جميعاً هذا في الوقت ذاته. وحين نفعل، نصرخ «ارحلي!» مفهوم؟ اصرخوها كأنكم تعنونها وسيطيع الطيف. مستعدون؟ على عدّ الثلاثة. واحد، اثنان، ثلاثة! ارحلي!"

أفزعها صراخ الحشد تماماً. جاء متزامناً وأعلى صوتاً مما توقعت. كانت واثقة من تطلبه عشر محاولات قبل أن يقرروا الجدية. لكن لا، كان ذلك مثالياً! أحست بضغط إرادتهم الموحدة في الهواء. التفتت ديانا إلى شيث.

"أنجح الأمر؟ أرحلت؟"

كان الصبي بفاهم مفتوح وحدّق بذهول في أشياء لا يراها غيره. رأت ديانا تلك النظرة عليه مئات المرات. إن سألت، تيقنت أنه سيطيل الحديث بلا طائل منطقي. سألت مجدداً لمسة ذراعه.

"شيث، أرحلت؟"

همس بخشونة: "أجل."

ثم بلع ريعه لتلطيف حلقه.

"لقد أنقذتها. أنقذت حياتها. الآن، من غيرها؟"

هتف: "خرج الكثيرون..."

"من غيرهم يا سيفي؟ أسرع وانظر."

ظل بصر الصبي معلقاً بالفراغ العديم فوق رؤوسهم جميعاً، واضطرت ديانا لإدارة رأسه لينظر إليها.

"من غيرهم؟"

نظر شيث حوله مجدداً، أوسع عيناً وبلا خوف. بدأت أمه تحمله عبر القبيلة، باحثة عن أي شخص قد يكون محجوباً أو مختبئاً. تفحص الجميع، رغم تشتته المستمر بأشياء جزمات ديانا برغبته الحديث عنها. لكنها أبقته مركزاً، وسرعان ما انتهى الأمر. لم يبقَ أحد غيرهم.

قال شيث مشيراً بخفية نحو ناتواك: "أه، هناك واحد آخر. صغير، في..."

كشر الشيخ باشمئزاز وقال: "لا أحمل طيفاً!"

تجاهلته ديانا وقالت: "حسناً يا جموع! مجدداً! اصنعوا الإشارة! واحد، اثنان، ثلاثة، ارحلوا!"

هذه المرة كان الأمر صرخة صفت الهواء كصاعقة رعدية. إن لم تكن القبيلة بأسرها، فلقد اقتربت لدرجة تكفي. لم يبدُ ناتواك مختلفاً عما قبل، ولم تخفف هيبته.

سألت ديانا: "أرحلت يا سيفي؟"

أومأ شيث برأسه.

التفتت ديانا إلى الحشد وقالت: "أهناك من لم ينظر إليه؟ أتأكدتم جميعاً من نظره إليكم؟ إن لم تكونوا متأكدين، فتقدّموا!"

بعد نحو مساحة خمسة أنفاس، لم يتقدم أحد، وأدرك قوم الليل نجاتهم. ارتفعت هتافة، وتلاشى الجو المقمط. تساءلت ديانا لبرهة عما إذا كانت الأطياف خارج الدائرة قد رحلت أيضاً، لكن في الداخل، لم يكن هناك بالتأكيد سوى البهجة. كانت فوضى عارمة من الضحك والعناق والرقص لدرجة عجزت ديانا عن تمييز من يتبع أي عائلة.

اقترب ناتواك منها معترفاً بضغينة: "إنه لأمر مذهل ما فعلتِه يا ديانا، لكننا لم ننجُ. نحن عدنا للتو حيث بدأنا."

"لا أيها العجوز الأحمق، ألا ترى؟ سينجو كل واقف صامد. أستطيع صنع التعاويذ، بالقدر الذي يتطلبه الأمر. أو يمكننا فعل أمور أخرى إن لم تغادر الأرواح. الصعب قد انقضى. لقد فزت!"

ربما تنهد وهو يستدير، لكن ديانا لم تسمعه. ودعه يغلي إن أراد! سيبتهج لاحقاً. جعلها ارتياحها حمقاء على أية حال واحتجت للصراخ لتتخلص منه.

"بالثوس، فعلتُها! فعلتُ ما طلبتَه وأنقذتهم!"

حتى أنها بدأت في رقصة حصاد الشمندر، منضمة إلى ابتهاج القبيلة. علمت ديانا باستماع المَلِك إليها، ومن اللازم أن يفي بوعوده بالتأكيد. نجا قوم شيث، وسرعان ما سينجو أندروكليس وعائلته أيضاً، وحينها... حينها قد تجد مكاناً للعيش. وربما تتزوج، وربما... قال المَلِك إنه سيحل كل ما عقدته، وانطباعها الذهني أن كل أخطائها ستُمحى. كخيط صيد مليء بالعقد القديمة لدرجة علوقه بكل شيء وعودته بإحباط يفوق السمك.

لكن كيف يبدو ذلك حقاً، من يدري؟ أرادت عناق شيث، لكن الجميع احتشد حوله، ممرين إبهامهم فوق نتوءات قرنيه بحركة خمنت أنها تعني المودة أو الصداقة. لم يلمس البالغون قرون بعضهم أبداً ما لم يكونوا مقربين، لذا لا بد أن هذا هو. من منظورها للصبي، كان ضائعاً في مكان ما بين ذهول وحبور. شعرت ديانا بشد في سروالها فنظرت لأسفل لترى شيطاناً صغيراً، ربما في الثامنة أو العاشرة من عمره، يحدق إليها.

لم يرتدِ سوى إزار أبيض نقي عريض بطرز ذهبي دقيق، معلق بحزام رفيع من حبل خيوط ذهبية. كان شعره الأسود الطويل مصففاً للخلف لترك جبهته مكشوفة. كانت نتوءات قرنيه أوضح قليلاً من شيذ، لكنها لن تنمو لسنوات. أمسك طرف ذيله الشبيه بالسوط بأدب في يده الأخرى، وكان وجهه يضيء بالمرح واللهو.

منحها ابتسامة أبوبة بغرابة وقال: "أعجبني ما فعلتِ. عمل جيد يا ديانا."

ثم لاحظت عينيه —كانتا سوداوين عميقتين، ككهف مظلم، ومليئتين بنقاط بيضاء من الضوء كالنجوم. احتواء أعماق مستحيلة. أدركت أنها تعرف صوته.

"بالثوس!"

كادت تفقد صوابها. ماذا تفعل؟ ما الذي يفعله المرء لتحية مَلِك؟ أيسقط أرضاً كما للأسماء؟ لم تدرِ، وكانت مصدومة لدرجة عجزها عن التحرك. لا بد أن بعض المحيطين بها سمعوها لتوقفهم عما فعلوه والتفاتهم للقادم الجديد. بدأت الأخبار تنتشر وهدّأ الجميع لحدّ التسمّر بذهول. كان طفلاً لا يعرفونه ووحده ذلك كفيل بجذب انتباههم. لكن أحداً—ولا ديانا بينهم—توقع رؤية قوم ليل يرتدي قماشاً فخذاً كهذا.

كان أبيض بشكل مستحيل، أبيض كالثلج. في قبيلة من البشر يرتدون كتاناً خشناً وفراء مهلهلة صُبغت فقط بفقرهم، تطلب شيء كهذا الانتباه، وحصل عليه. خطا بالثوس—المَلِك!—نحو الحشد ومشى بينهم، ناظراً إليهم بفضول بالغ. حدّقوا فيه بدورهم بذات الشعور. بعد لحظة، أومأ برضا وعاد ليقف بجوار ديانا.

قال المَلِك الطفل: "حسناً، يا بيبر، اخرج."

مستدركة حركة في طرف عينها، التفتت ديانا لتراني بيبر واقفاً خارج نطاق ذراعها بقليل، بادياً بمظهر مسكين. كان رأسه منحنياً، لكن خجلاً أو توتراً أكثر منه احتراماً. أكان هناك طوال الوقت؟ طوال الوقت!؟

قال المَلِك الطفل: "لقد أوقعت تسعة منهم يا بيبر. هذا كثير من القتلى بركلة واحدة فقط."

بدا بيبر وكأنه يريد الذوبان في الأرض.

قال بالثوس: "ظننت أنني نسيت أمرك، أليس كذلك؟ حسناً، لم أفعل. ولن أفعل. أنت تخصني وستبقى كذلك دوماً. إذن، أأنت راضٍ؟ أيكفي هذا لنعتبرها تعادلاً؟"

"نجل"، قال بيبر.

رمش بنظرة خاطفة، بالكاد تكفي لملامسة المَلِك. لم تستطع ديانا الجزم عما إذا ظن أنه سيتعرض للتوبيخ، أم أنه شعر بالخرج أو الذنب.

"جيد. ستشكل قصة رائعة يوماً ما."

وقبل أن تتاح لديانا فرصة استيعاب ذلك الرد، استدار المَلِك نحو الحشد وقال: "استمعوا، يا أطفال كاليسهك، لقد زال مَلِككم. لقد دمر عرشه وما تبقى منه يخصني الآن. إن أردتم النجاة كقوم، فستحتاجون مَلِكاً. وإن أردتم مَلِكاً، فسيكون أنا أو لا أحد. لن يجترئ مَلِك آخر على سلب لعبي. اذهبوا وابحثوا عن كاهنتي لتشرح الباقي. اسمها أغورني."

توقف بالثوس عن الكلام وواصل الجميع التحديق. أهذا كل ما في الأمر؟ أذلك جل ما أُتيح له قوله؟ حتماً سيكون هناك المزيد! فلماذا يكلف نفسه العناء بالظهور إذن، وحتى بعد انقضاء المشكلة؟

بدرت ديانا بالقول: "أنقذتهم كما طلبتَ."

عبرتها موجة خوف حين التفت بالثوس لينظر إليها مجدداً. بدا غير مؤذٍ تماماً، لكنه ظل مَلِكاً. ألم يكن كذلك؟

أجاب ببساطة، راجحاً على عقبيه مع تلميح لابتسامة: "لا، لم تفعل."

لم تكن تملك فكرة عن كيفية التعامل مع هذا. بدا كأي طفل، عدا الإزار الأبيض وكونه الوحيد الذي يبدو كمن اغتسل منذ عام. كان يتحدث إليها بشكل طبيعي تماماً، بلا ألغاز غامضة ولا نبرة متجبرة للأرواح العظيمة.

"أنا... بلى، فعلتُ. أعدت بناء الدائرة، و—"

"لا، لكانوا بخير. لقد أنقذت كل من أردت إنقاذه. لكان الأمر سيان بأي حال. لا، أريد منك إنقاذهم من ذلك،"

قال المَلِك. أشار نحو الشمال الغربي، والتفتت ديانا لترى نجمة لامعة في سماء النهار، تبدو وكأنها تتجه نحوهم. تعرفت عليها فوراً.

"ندب الذئب؟ تريد مني إنقاذهم من ندب الذئب؟ إذن يعني ذلك..."

ملأها الرعب. لم ترغب بمقاتلة أندروكليس وعائلته.

أه، أيها الأرواح، أرجوك، لا— "لا، أيتها الغبية. خلف ندب الذئب. على الأرض. لكنه آتٍ في هذا الاتجاه. حظاً سعيداً."

ومع ذلك، اختفى المَلِك، متلاشياً كشعلة شمعة منطفئة. تصاعد همس هادئ ومضطرب بين قوم الليل بينما شرعوا يتساءلون بصوت عالٍ عما حدث لتوّه. ثم سمعوا الطرق، هادئاً ومنخفضاً. محسوساً أكثر منه مسموعاً، اهتزازات تصعد من الأرض. طبول. أو خطوات كثيرة كثيرة.