تحرك بيبر على غصن الشجرة مأمولاً أن يخفف ذلك شيئاً من ضغط مثانته. مالت الصخرة التي أحضرها معه هنا قليلاً حيث كانت متوازنة أمامه وكادت تهوي لولا تداركه لها. لف ذراعيه الاثنتين حولها وحاول تهدئة أنفاسه المتسارعة هلعاً. في الأسفل، وعلى بعد لا يزيد عن عشر خطوات من الشجرة، انحنى كيما فوق مسواة سهام ليقوم بتنعيم بعض عيدان السهام التي جففها لتوّه. برزت قرونُه السوداء وذيلُه بوضوح ضد الأرض الشاحبة، وألغى هذا التباين تقريباً الزرقة التي تتخذها عادة بشرى أهل الليل.
كان الرجل بطيئاً ومتأنياً في كل خطوة من العملية، مما أتاح لبيبر مراقبة كيفية إنجاز كل شيء بدقة. لم يبدو الأمر صعباً البتة. تيقن بيبر أنه قادر على فعله إن حاول. سيستغرق الأمر وقتاً لجمع كل الأجزاء والأدوات، كقرن الأيل والصوان والقطران، لكنه جازم بقدرته عليه. لم يتفاعل الكشاف العجوز مع أصوات الاحتكاك التي أصدرها بيبر قبل قليل. أبقى رأسه منكساً على عمله. أطلق بيبر تنهيدة ارتياح هادئة.
تألمت عظام حوضه من الجلوس على الغصن هكذا طويلاً. جعلت السماء الملبدة بالغيوم معرفة الوقت مستحيلة، لكن الساعات مضت لا محالة. ورغم أنه أفرغ ما في بطنه قبل التسلق، بدت مثانته الآن وكأنها تعرضت لمئات اللكمات. خشي أن تنففت وتتدفق محتوياتها في بطنه. لكنه خطؤه، وعليه الانتظار فحسب. حين أقبل كيما ممشياً على الدرب الصغير، مارّاً مباشرة تحت مجلس بيبر، كان الأخير متوتراً أكثر من أن يُسقط الصخرة عليه.
ومنذ ذلك الحين، لم ينهض كيما سوى مرة واحدة لتفريغ مثانته، وفعل ذلك على حافة الجرف. عندها بدأ شعور بيبر بالحاجة مجدداً. لم يعد بيبر متوتراً للغاية الآن. على كيما النهوض والمشي عائدأ على الدرب، وينتهي الأمر. دفعة صغيرة هنا، وستتزحلق الصخرة لتسقط بين الأغصان وتهشم جمجمة الرجل. ومع ذلك، أراد كيما قتل بيبر؛ فقد ظل يبحث عنه طوال يوم أمس ممسكاً بقوسه مستعداً. لذا وجب على بيبر قتله أولاً.
ما من حيلة أخرى لديه. لم يستطيع العجوز ناتواك إنقاذه — فالعجوز لا يقاتلون. وكان الأب يقول دائماً إن العدالة تكمن في الإحسان إلى الأصدقاء وإلحاق الأذى بالأعداء. وكان كيما وفارات عدوين له حقاً. لذا وجب عليه قتل كيما، وكانت هذه أفضل طريقة لتحقيق ذلك — هجوم مباغت. فخ. كان الأب واضحاً للغاية بشأن قتال البالغين: لا تقم بذلك. ستخسر. اهرب عوضاً عن ذلك. اركض، اعضض، ثم اركض مجدداً.
لا يستطيع الأطفال قتال البالغين والفوز. لكن إن اضطررت، قال الأب، فلا توجد مواضع كثيرة يمكنك طعن أحدهم فيها لجعله عاجزاً حقاً عن طعنك بالمقابل. العنق، نزولاً إلى عظمة الترقوة. تحت عظمة القص، صعوداً إلى الرئتين مباشرة. في السرة تماماً، لكن بشرط الطعن بدقة دون خطأ. وإن أخطأت، سيقبضون على أحشائهم بيد ويقتلونك بالأخرى. أماكن أخرى ستجدي نفعاً، لكنها أصعب — الوتر فوق الكعب، العليان معاً، الإبط...
ظن بيبر أنه سمع شيئاً قادماً من اتجاه الطريق الذي يراقبه كيما، لكنه حين حدّق وانحنى ليحاول التطلع بين الأشجار، لم ير أي شيء يتحرك. مجرد أغصان تلوح في نسيم أوائل الربيع العليل. غير أنه من هنا، كان أي التفاتة عبارة عن تشابك من الأغصان. لم تكن هناك أوراق، ومع ذلك تعذر عليه الرؤية لمسافة بعيدة سوى صعوداً وهبوطاً. تطلع كيما نحو الطريق من مقعده الصغير على الجرف الصخري، لكنه لم ينهض لذا بدا أنه لم يكن شيئاً يُذكر.
لاحظ بيبر للمرة الأولى أن أحد قرني الرجل الأسودين الحادين أطول من الآخر، بطول إصبع على الأقل. كيف يحدث هذا؟ لم يبدو مختلفاً، بل أقصر فقط. بدل بيبر وزنه مجدداً مع تزايد شعوره بالانزعاج. تشنجت العضلات الماسكة لبول بيبر بغتة، ولم تترك له سوى ثوانٍ معدودة. شرع في هلع لإنزال حافة بنطاله بالقدر الكافي، لكن مع تتدلي ساقيه فوق الغصن هكذا تبين أن الأمر يكاد يكون مستحيلاً.
تعين عليه استخدام يد واحدة وإلا سقطت الصخرة، لكن شكراً لفالتوس لأن عقدة الرباط انحلت مع الجذبة الأولى. وما إن أخرج قضيبه حتى أثارت ريح عاتية عويفاً وجعلت جميع الأشجار تتأرجح، بما فيها تلك التي كان يعتليها. قبض بفخذيه على الغصن ونجح في التشبث بالشجرة، لكن ذلك كان نهاية حبس بوله. لم يمتلك حتى متسعاً لاختيار وجهته — فقوس بولو متدفقاً نحو غصن في منتصف الشجرة، لولا أن عاصفة قوية ذرت رذاذه وأبعدته.
تشبث بيبر برعب وبذل قصارى جهده لعدم السقط أو إسقاط الصخرة. إن أسقطها، فقد يكتنفه كيما. وإن سقط من هذا الارتفاع السحيق، فسيموت. استغرق بوله دهراً ليفرغ. أطول من أطول مدة استغرقها الأب نفسه. تألمت عضلات مثانته وبطنه طوال الوقت، وتألمت ساقاه من ضغط الغصن. في مقعده، ثبت كيما مقتنياته لمنعها من التطاير ونظر حوله بما بدا ارتباكاً. كانت رياحاً عاتية تهب من العدم وبدا الكشاف العجوز متفاجئاً بقدر بيبر، من واقع تلفتهِ المتقطع يمنة ويسرة محاولاً معرفة إن كان هناك خطب ما.
لحسن الحظ، انتهى بيبر أخيراً قبل أن تهدأ الريح. لقد هبت طوال الوقت، عاوية عبر الثلج الذائب والثقيل ومسقطة الحفنات الأخيرة من الأوراق الميتة عن الأشجار. لقد فرقت الريح بوله تماماً؛ بل في الواقع، وصل القليل جداً منه إلى الأرض، أو هكذا بدا له. لم تكن هناك بركة صفراء ضخمة بالأسفل تفضح أمره. كل ما خلفه وراءه كان ألماً خفيفاً في مثانته لم يظن أنه اختبره من قبل. مع ذلك، نهض كيما على قدميه وتلفت في كل اتجاه، كأنه يترقب رؤية شيء ممتع.
لكنها كانت رياحاً فقط، هكذا علم بيبر، مجرد رياح عادية. ماذا سيجد، عملاقاً؟ وحين فكر في الأمر، كان بيبر قد وقع في أسر الشياطين المرة الأولى لاضطراره لتبول يفوق طاقته على الاحتمال. لما يتكرر هذا دائماً؟ لم يكن ذلك منطقياً حتى. كيف يمكن للمرء أن سيء الحظ في التبول؟ كان ذلك... كان كيما يروح ماشياً نحو الشجرة. لا بد أنه شم الرائحة. من هنا، لم يستطع بيبر تمييز تعابير وجهه، لكن طرف ذيله كان يرتجف كذيل سكايثاندري متوتر.
توقف الكشاف العجوز، ثم عاد والتقط قوسه وألقى سهماً. هوى بطن بيبر مذعوراً وقد تملكه الرهبة. بوسعه الاختفاء، لكن ماذا عن الصخرة؟ كانت مستقرة هناك بشكل مستحيل على غصن. ماذا لو رآها كيما؟ حينها سيدرك وجود بيبر هنا أيضاً ويشرع في إطلاق السهام حتى يصيبه. لم تكن هناك أي سبي لتفادي سهم وهو جالس. مد يده للأمام والتقط الصخرة بيديه الاثنتين وضمها إلى صدره. أيمكنه إخفاء أشياء يحملها أصلاً؟
ماذا لو رأى كيما الصخرة ولم يره؟ كانت أثقل ما استطاع حمله، وقد أسقطها مرتين محاولاً صعودها إلى هنا، لذا لم تكن صغيرة. تعين عليه المحاولة على أي حال. إما ذلك أو تلقي سهم. تنفس بعمق وببطء، متجاهلاً كل الآلام الصغيرة في جسده. قلص حضوره، ثم شفطه بقوة أكبر. جعل وزن الحجر بين ذراعيه التوازن أصعب، لكنه أهدأ عقله وركز. في الأسفل، أقبل كيما ووقف قرب قاعدة الشجرة، والسهام مستعدة.
رفس الثلج بقدمه قليلاً، ثم توقف ومسح المشهد بصره مجدداً. أدرك بيبر أنه على وشك تفويت فرصته. ومع ذلك، استغرق الأمر لحظة لتطيع ذراعاه انحناءته. لم ترغبا في ترك الصخرة. لم يرغب هو في فعل ذلك. كان مرعوباً للغاية. انحنى الكشاف العجوز وشعر بيبر بالصخرة تنزلق من بين ذراعيه، تلقائياً تقريباً. انقلبت مراراً وتكراراً أثناء سقوطها. سقطت ببطء شديد، شديد. نظر كيما للأعلى متأخراً.
اصطدمت الصخرة بجبهته بصوت مكتوم أثار غثيان بيبر. انهار الكشاف العجوز، مترنحاً إلى الأرض كأنه مصنوع بأسره من قماش. / نجح الأمر! كاد بيبر يصعق من شدة الذهول. رقد كيما بلا حراك بينما تجمعت بركة من الدم حول رأسه. أسقطت الصخرة أحد قرني الرجل، مخلفة دائرة حمراء دامية تقطر. كل ما تطلبه الأمر الآن هو النزول. لقد رأى جثثاً من قبل. الكثير منها. بعضها نتيجة الشق، وبعضها نتيجة الطعن، وبعضها لمجرد الاقتراب من الأب حين يغضب.
لكن لسبب ما، ملأته تلك الجثة في الأسفل برعب مشدود الأعناق جعله يعجز عن التنفس تقريباً. كلما حاول حمل نفسه على التحرك، عجز. لم تتحرك ساقاه، وعجز عن نقل وزن جسده للبدء بالانزلاق نحو الغصن التالي. تألم صدره بأسره ولم تعمل رئتاه رغم احتراقهما لقلة الهواء. ثم ظن أنه قد يغشي عليه أو يموت هنا فحسب، وزاد ذلك الأمر سوءاً. انحنى للأمام واحتضن الغصن بذراعيه وفوجئ بالشهقات التي خرجت منه.
بكى طويلاً وبمرارة. امتلأ جسده بأسره بألم، أو خوف، أو غثيان، أو شيء آخر؛ لم يستطع التمييز. لم يفرف حتى لِمَ يبكي. بدا عقله صافياً، لكنه عجز عن التوقف. كاد ذلك يغضبه من نفسه. كلما حاول حبس أنفاسه ليتوقف، زاد الأمر سوءاً. بكى طويلاً حتى أقلع عن محاولة إبقاء عينيه مفتوحتين. طويلاً لدرجة أن حلقه تألم. لم يفلح بيبر في التوقف إلا حين هبت الريح مجدداً وهزت الشجرة بقوة اضطرته للتشبث بالغصن لسبب مختلف تماماً.
رمش مطارداً الدموع، وصر على أسنانة متبثاً بذراعيه وساقيه، وبدا الأمر أكثر أماناً بكثير هكذا مقارنة بساقيه فقط. خبت الريح مجدداً، فجأة كالمرة الأولى تقريباً. في الأسفل، سمع كيما يئن ويتأوه بألم. لم يمت الرجل! لم يمتلك بيبر صخرة أخرى. اختبئ مجدداً بهلع، مستنشقاً حضوره ومحاولاً تهدئة نبضات قلبه المتسارعة. أن العجوز مجدداً وشرع ببطء في رفع نفسه عن الأرض. هزت هبة ريح خفيفة وقصيرة الغصن الذي يعتليه بيبر.
ثم أخرى، أوهن منها. ثم سكون. تسابق عقل بيبر وهو يزن خياراته. ظل قرن الكشاف العجوز على الأرض، وكان حاداً. حاداً بما يكفي. ربما إن نزل إلى هناك قبل أن يستيقظ كيما تماماً، أمكنه طعنه به. لكن عليه الإسراع، و... ارتفع كيما على يديه وركبتيه وتقيأ بصوت عالٍ. كاد بيبر يفقد إفطاره المسروق حين سمع ارتطامه بالأرض. تخللت ذلك استراحة قصيرة، وتقيأ الرجل مجدداً. ثم أن ألمأ مرة أخرى.
ثم تمتم بشيء قد يكون محاولة للكلام. داعبت هبة ريح خفيفة فرو أذنه، لكنها لم تحرك شيئاً آخر بالكاد، ملامسة إياه وحده ودون سواه. القرن. عليه الحصول على القرن قبل أن يلتقطه كيما. لم يستطع بيبر فعل أي شيء دونه. شرع جسده بالحركة قبل أن يستعد عقله حتى. لم يرغب في النزول إلى هناك، ليس حقاً، لكنه وجد نفسه يتدحرج نازلاً إلى الغصن التالي، ثم الذي يليه، بهدوء، محاولاً الإسراع عوضاً عن الاختباء.
ثم الغصن التالي، فالأدنى منه، فالدوران حول الشجرة نحو الغصن الذي يلي... هبط بيبر القدمين الأخيرتين إلى الأرض، موقعاً قدميه بصوت مقرمش عالٍ في الثلج المتجمد. وقبل أن يتفاعل كيما، قفز بيبر للأمام والتقط القرن الأسود الأملس وتراجع للخوار. كان لا يزال دافئاً، وسقطت قطرات دم قليلة على الثلج بينما مسك به أمام بيديه الاثنتين كسيف. لم يبدُ أن كيما قد لاحظه. أبقى الرجل وجهه نحو الأرض وتحرك بصعوبة بالغة.
برز الدم الأحمر القاني بوضوح ضد بشرة الشيطاني الزرقاء الداكنة وقطر من جبينه، حيث امتزج ببركة القيء التي شقت طريقها ذوباناً في الثلج المتراص على الدرب. أن العجوز، ثم شرع في البكاء، بهدوء كفى ليعلم بيبر بأمره فقط لأنه رأى جذع الرجل يرتجف في معطف فروه. بالأمس فقط، كان الكشاف العجوز طويلاً مهيباً وعضلات، لكنه بدا الآن واهياً وعجوزاً ومثيراً للشفقة. غير بيبر قبضته على قرن الشيطاني، مستشعراً سطحه الأملس الأقسى من الخشب.
تساءل إن كان سيزلق من بين يديه إن طعن كيما به، أم إنه سيغوص. لم يستطع بيبر التخلص من أثر المشهد على مشاعره. أدرك حاجته لقتله، لكن ليس هكذا... ليس بهذه الطريقة. أدرك في نفسه اشمئزازاً لرؤية بالغ منهاراً هكذا، وشفقة طاغية لم يدرك كنهها تماماً. كان كيما عدواً، لكن بيبر لم يرغب في إيذائه. ليس بعد الآن. ليس وهو يبكي ويقطر دماً في بركة قيئه. / لم يطعن الأب الناس بعد طرحهم أرضاً.
أم فعل؟ عجز بيبر عن التذكر. كاد يعجز عن التفكير في أي شيء بالكامل، سوى شعور القرن بين يديه وكم كان أملساً دافئاً وما سببه من غثيان. سعل كيما وبصق لكنه لم يتقيأ مجدداً. حاول الكلام، لكن الكلمات خرجت مشوهة وخالية من أي معنى. رفع يده ولمس الثقب حيث كان قرنه، فأطلق فحيحاً من الألم. أصدر صوتاً عالياً يُفترض أن يكون كلمات لكنه لم يكن؛ مع ذلك، نقل بؤسَه بوضوح تام. عكس صوت الكشاف العجوز بؤساً جمد دواخل بيبر صلباً حين سمعه.
شهق بيبر متأثراً بالبرد دون أن يدري ما يفعله، فالتفت كيما برأسه. لم يرفع نظره تماماً، لكن لا بد أنه لمح بيبر واقفاً هناك لأنه حاول الكلام مجدداً. كلمة واحدة فقط هذه المرة، لكنها خرجت كأنين. تراجع بيبر خطوة. ردد الكشاف العجوز الكلمة مجدداً، ثم مرة أخرى، كأنه يحاول ترويض فمه على العمل. كان صوتاً غير طبيعي، يكاد يكون غير بشري.
"وووو.... هواهوو... هب..."
سأل بيبر: "مساعدة؟"
قال كيما للأرض: "هب."
وسقطت قطرة دم أخرى. وأخرى.
"هب. ب-ب-بيه..."
/ تطلع بيبر حوله ليرى ما بوسعه فعله. لم يكن هناك أحد سواه ولا شيء، بالطبع. لا ضمادات لتضميد الجراح، ولا أحد لمساعدة العجوز على النهوض، ولا مكان لوضعه فيه. غمره الارتياح مع ذلك، ارتياح لعدم اضطراره لقتله بعد الآن. أو ربما لإيجاده عذراً مؤقتاً لعدم الفعل.
قال كيما: "هب... أعلى..."
أدار رأسه بالكامل وتطلع إلى بيبر، رغم أن عينيه ارتجفتا كأنهما تعجزات عن التركيز جيداً. رسم الدم الأحمر الفاقع خطوطاً حادة على وجه الشيطاني بأسره، متجمعاً في ندبة ومنازل إلى ذقنه. جعله ذلك يبدو مروعاً. وشيكاً بالوحشية. لكن بيبر رأى ما هو أسوأ. لقد رأى الأسوأ مراراً لذا استطاع التعامل مع هذا القدر. دس القرن في رباط بنطاله، الذي عاود ربطه باستعجال، وتقدم للأمام محاولاً مساعدة كيما على النهوض على قدميه.
/ كان الكشاف العجوز أثقل من أن يرفعه بيبر، لكنه بذل جهداً معتبراً. وغالباً، بذل قصارى جهده ألا ينهار حين استعان كيما به كسلّم للوقوف على قدميه. وبشكل ما، نجحا في عدم السقوط.
تمتم كيما: "هب منغيم عودة."
بدا متخلخل الخطوات، لذا أخذ بيبر يد الرجل ووضعها على كتفه.
قال بيبر بتوتر: "أظن عليك الاستراحة أولاً. قد تشعر بتحسن بعد دقيقة"، لكن الكشاف العجوز خطا خطوة مترنحة على الدرب باتجاه المعسكر، ثم أخرى.
بقي بيبر بجانبه، وأكثر من مرة قبض الرجل على كتفه بقوة مؤلمة حين كاد يفقد توازنه. لم يقطعا سوى خمسين خطوة ربما حين تعثر كيما وسقط للأمام. ساعده بيبر على اتخاذ وضعية الجلوس، ثم مسح الثلج عن وجهه. وحين رأى كل الدم المرفق بذلك، نظف يده بسرعة في الثلج لتبديد غثيانه.
/ "أيمكنك الانتظار؟ بوسعي إحضار أحدهم."
قال كيما: "شبح القطة. ماذا تفعل هنا؟"
/ تجمد بيبر. ألم يتذكر؟ لم يبدو كلام الرجل سليماً تماماً، لكنه بدا أفضل قليلاً الآن. زحف كيما قليلاً ليستند بظهر إلى شجيرة، لم تتبدُ مريحة للغاية. لكنها ربما لم تكن باردة ولا مبللة كالصلج وحده.
قال بيبر: "سأعود فوراً. لا تبرح مكاناً."
ألوح الكشاف العجوز بوهن لتوديعه واستدار بيبر مغادراً بينما سرت قشعريرة في كيانه. إن لم يتذكر كيما، فلعله لم يرى بيبر أصلاً — لعل كل ما ظنه سقوط صخرة! لعل بيبر لم يضطر لقول ما حدث. بوسعه القول فحسب... التقطت فرع شجيرة قرن الشيطاني في حزامه وجذبته ليتحرر. هوى وسقط مدبباً في الأرض. لم يقطع بيبر خمس خطوات بعد، وها هو يسقط الأشياء مجدداً. تطلع مجدداً إلى الكشاف العجوز ولاحظ كيف كان عنقه عارياً ومكشوفاً مع إمالة رأسه هكذا.
ورغم بشرة الرجل الزرقاء المائلة للسواد، رأى بيبر معالم الحنجرة وعضلات العنق وأدرك تماماً أين أمره الأب بالطعن. هناك تحديداً، في الفجوة بين العضلة وقمة الحنجرة. حيث تركز الدم بأسره. أستكفي طعنة، أم يتطلب الأمر قطعا؟ انحنى بيبر والتقط القرن، مستشعراً مجدداً مدة نعومته وصلابته. اختبر السن بإصبعه فوجده أقل حدة من شوكة طازجة، لكنه حاد بما يكفي. تطلع مجدداً إلى كيما، الذي بدا مستيقظاً رغم إغماض عينيه.
بوسع بيبر التسلل إليه. بوسعه طعنه في العنق. سيكون الأمر بسيطاً. جذبت ريح خفيفة حافة قميصه، دافعة إياه بخفة نحو الكشاف العجوز. خبت، وعاد المكان ساكناً. صامتاً. / داعب همس أذنه، أوهن من فهم ما يقوله. اختنق بيبر بصيحة وقفز جانباً، كاد يتعثر ساقطاً على الأرض. لم يكن حوله شيء. لا شيء في أي اتجاه — سوى الشجيرات المتفرقة وتراب صخري يبرز من الثلج هنا وهناك، وأشجار عارية سوداء.
أرض مزعجة للعبور، رغم كل أماكن الاختباء. / مجدداً وضع الهمس — أو ربما الريح وحدها — ظله بخفة، يكاد يكون غير محسوس، على وجهه. تسلل الخوف إلى داخله، مخنقاً حلقه ومجمداً ساقيه. قبض على القرن بيديه الاثنتين، مستعداً لطعن أي شيء يتحرك. غير أن شيئاً بدا غريباً فيه، كأن لم يكن كله له. كأن مشاعر شخص آخر تسللت إليه. غضب. كراهية. نار. الأب. بدا الأمر شبيهاً بالأب شيئاً ما، تحت رعب بيبر المتصاعد.
سرت صدمة من الأمل في كيانه، مبعثة الشجاعة فيه مجدداً. أكان الأب هنا؟ أيعقل؟
صاح بأعلى صوته: "يا أبتاه!"
لكن في الصمت الذي أعقب، علم أنه مخطئ. لم يكن الأب هنا. كان ذلك شيئاً آخر. هناك شيء آخر هنا. / ما إن راودت الفكرة ذهن بيبر حتى ظن أنه رأى خطوطاً متذبذبة في الهواء بجانبه مباشرة، الجانب الذي جاء منه الهمس. شبح. كان شبح ميت. انتفض وركض، ملوحاً بذراعيه محاولاً حفظ توازنه على الدرب المتجمد. انقبض حلقه رعباً وعجز حتى عن الصراخ. وسّع عينيه لدرجة لدعها البرد بينما ضاق العالم أمامه.
/ ركض بيبر حتى احترقت ساقاه. كانت كل خطوة تغوص أو تتزحلق على الثلج، مبطئة إياه ومستنزفة طاقته. كان عائداً إلى القرية، لكنه لم يدر لمَ. ماذا لو وجده فارات أولاً؟ / أبطأ حتى توقف، غالباً لعجزه عن الركض أكثر بعد هذا العدو العنيف. حدق في كل مكان بعينين واسعتين بحثاً عن الشبح، لكن عقله المذعور أبى استيعاب محيطه حتى أجبره على الهدوء. وهو أمر صعب، يكاد يكون مستحيلاً، مع مطاردة شبح له.
/ لكنه اختفى. كان الهواء ساكناً، وكل شيء صامت لدرجة سماعه نبضات قلبه تقرع في أذنيه. حوله، لا شيء يتحرك. لم يتألق الثلج حتى لذوبانه ورطوبته. / شعر بيبر بالقرن الصلب الأملس في يده اليمنى وأدرك أنه لا يزال يحمله. قرن شخص أُسقط بصخرة، وهو يمسكه كأنه عصا. لم يعد دافئاً كسابق عهده، ولم يعد هناك دم للقطر، وكلما فكر في الأمر، زاد شعوره بعدم الارتياح. / أرغم نفسه على بدء المشي مجدداً.
لم تكن لديه أي فكرة عما يجب فعله. قبل لحظات قليلة فقط، كان واثقاً تماماً: اقتل كيما وفارات ولا تُقبض. هذا ما سيفعله الأب، لذا فهذا ما يجب على بيبر فعله. سيأمره الأب بالعودة حالاً والإجهاز عليه، في الواقع، لولا وجود الشبح هناك. / لم يكن بيبر متأكداً مما يعتقده الأب بشأن الأشباح، لكنه علم أن الأهلانيين يفعلون شتى الأمور لإبعادها. عليك دفن الميت في اليوم ذاته، إن أمكن، لكيلا يهيم شبحه.
ثم، عليك تذكّره. حفر اسمه على حجر بقبره، وترك قرابين أحياناً، لكيلا ينسوا هويتهم. لكي يستطيعوا الراحة. لأنه بمجرد نسيانهم، قد يذهبون إلى أي مكان. قد يهيمون ضائعين وبلا وجهة حتى يأتي رافوس آكل الجثث ويأخذهم. أو قد يدخلون بيتاً ويعذبون القاطنين فيه. / قال الأب إن الملوك تأخذ الناس أحياناً بعد موتهم، وآخرون يدخلون قاعات القاطع. لكن البعض لا يذهب إلى أي مكان، ويبقى مع أجساده، ولا تدري أبداً أيهما الصحيح.
وما يفعله رافوس بالذين يجمعهم، فلم يكن الأب يعلمه، لكنه كان سيئاً. لم يكن ملكاً يحب البشر. / حالياً، لم تكن أي من هذه المعلومات مفيدة. ألا يفترض وجود صلاة لملك ما أو شيًء؟ طريقة لإبعادهم؟ ربما عرفت أمي واحدة. / أمر واحد كان مؤكداً: لم يرغب بيبر في مهاجمة شبح له أو فعل أي شيء آخر البتة. أسرع في مشيه واضعاً في حسبانه طوال الوقت شعوره بأن عيوناً تحجق في ظهره. / سيتعين عليه إيجاد ناتواك أولاً وإخباره بما حدث.
قال فارات وكيما إنهما سينوّان قتله، لذا فهو... لا، لا، ليس هذا ما يجب قوله. / على بيبر الكذب. لم يكن الكذب على الأعداء خاطئاً — بل كان علامة ضعف، وبيبر ضعيف مقارنة بالبالغين. سيخبر ناتواك بأنه كان يستكشف ووجد كيما هكذا، وأنه رأى شبحاً فهرب. وها هو القرن كدليل، لاستحالة انتزاعه من رأس كيما هكذا. لكن كيما كان لا يزال حياً، لذا وجب قدومهم لإحضاره ومساعدته إن أمكن. / هبت ريح خفيفة وداعبت الفرو على أطراف أذنيه.
زاد سرعته وشرع في الهرولة، ببلادة، على الدرب المتجمد، محالاً تخيل أنه لا شيء — مجرد رياح عادية. / بعد دهر، لاح المعسكر في الأفق، لكن خطباً ما كان هناك — كان مفترضاً وجود أشخاص في الخارج. إنه منتصف النهار، ولم ير أحداً على الإطلاق. / توقف واستمع، متلفتاً حوله. بلغت أذنيه بضع أصوات، قادمة من قرب منتصف المعسكر حيث تعذر عليه الرؤية من هنا. بدت كأصوات أهل الليل، لذا لابد أنهم هناك.
/ التقطت عيناه وميض حركة، لكنه حين التفت للرؤية، لم يكن هناك شيء. ثم آخر، إلى يمينه. وآخر، أمامه مباشرة، اختبأ شيء خلف خيمة. مجرد وميض حركة، سريع ودقيق لدرجة ظنه تخيله. / ثم سمع الهمسات. من حوله، همست أشياء هادئة وغير مرئية بكلمات لم يستطع فهمها. أصوات قد لا تكون كلمات أصلاً، واهية وهادئة لدرجة اضطراره لحبس أنفاسه لسماعها. ومضت الهمسات ذاتها كالركات، قادمة قليلاً من هنا وقليلاً من هناك، في كل مكان.
كلها منفصلة ومفككة. لكنها كانت أصواتاً تصدرها فم، لا رياح تهب على أوراق. لم يكن هناك شك في ذلك. / توقف بيبر، عاجزاً عن اتخاذ خطوة أخرى للأمام. التقدم سيكون وسط الهمسات. الأشباح. وخلفه، وعلى الجانبين. جاء همس من الأعلى، بعيداً فوق رأسه بدرجة تعجز عن بلوغها. ثم آخر من الأرض، بين كاحليه. في كل مكان. كانوا جميعاً قادمين لإحاطته. / تموج الهواء بأشكال، أوهن من الحرارة على الأفق.
أوهن من موجات غضب الأب. من حوله، اقتربت الهمسات. داعب أنفاسها الوبر غير المرئي على ظهر كفه، وعلى عنقه، وفرو أذنيه وذيله. برودة على وجهه كقبلة. / أفلت أنين من حلقه الضيق بالرهبة. تغلغل الرعب فيه بقوة أمعنته عن الحركة. وعجز حتى عن الرمش. فقد السيطرة على أي جزء من جسده بالكامل، وانكمش عقله وانكمش حتى لم يعد يحتمل سوى الخوف. / أمام مباشرة، ظهر شكل أجرأ، متموجاً إلى الوجود بقوة تفوق بقية الأشكال.
لا يزال مرئياً بالكاد، لكن بيبر رأى أنه كان رجلاً من حجر، طويلاً وفخوراً، بشعر مجدول كالأب أحياناً، وثوب يصل الركبة وصنادل. لوح بذراعه بشراسة، فتوقفت الهمسات بأسرها. / استقرت عيناه عليه. انزلق للأمام، ولم يعد يفصله عنه سوى خطوة واحدة. لم يشعر بيبر يقط بوعر أو رعب كهذا. كان بوسعه رؤيته. كان بوسعه رؤيته! / جهد بيبر ليلتفت برأسه ويبعد نظره، أو يسقط ويتقلب وينهض ويركض، أو أي شيء.
أي شيء على الإطلاق، لكنه عجز. بدا جسده بأسره وكأن به صواعق، تحرقه. صواعق مصنوعة من رعب. / رفع الشبح ذراعه ووضع كفه على قمة رأس بيبر. لم يشعر بأي أصابع، بل بأشد الأحاسيس برودة التي تخيلها قط، برودة تكاد تحرق جلده. كان هالكاً. لا حيلة له. توغل البرد أكثر في داخله. سيمتص الشبح كل الحياة منه، ثم... / انتفض شيء في داخل بيبر. بدا كأن جرة تحطمت في عقله وانسكب الخوف بأسره. لقد بلغ الأمر حده: كان أكثر خوفاً من أن يخاف مجدداً، فتوقف عن الخوف بالكامل.
/ لوح بالقرن نحو الشبح، مخترقاً إياه مباشرة. بعد لحظة واحدة، تلاشى الشبح تماماً. حتى حضوره تلاشى. امتلأ بالحيوية. استطاع التحرك مجدداً! / هرب كل الخوف والشك عبر جلده كالعرق، أو كجر كبير من الماء يندفع فوقه ثم يتلاشى في الأرض. تدافع الهدوء ليملأ مكانه. ثقة. شعر بقوة في ذراعيه وساقيه عوضاً عن الإرهاق وعدم الاستقرار. / لم يعد يخاف الهمسات لعدم وجود خوف متبقٍ لديه. لقد خاف مطولاً، واستنفده كله.
قد لا يخاف أبداً بقية حياته! عوضاً عن ذلك، شعر الآن كالشكل المعتاد للأب. جريئاً، شجاعاً، واثقاً، وغاضباً، لكن غضباً جيداً.
/ صاح في وجه الهمسات من حوله: "اثلعوا عني!"
قطب حاجبيه وأشار بالقرن مهدداً. بدا عقله منفتحاً وحراً، وكأنه مسيطر. رأى الغضب بداخله يتصاعد، لكنه صار قوته الآن. استطاع التفكير بوضوح. كان الأمر مذهلاً. / توقف بيبر، متجاهلاً الأشباح للحظة. قبض على القرن بيده ووازن خياراته. اعتاد الأب التفكير في الأمور قبل الاندفاع؛ هكذا زعم على الأقل. كان تحديد ذلك عسيراً. فماذا أراد بيبر إذن؟ ما الذي كان يأمله؟ / احتاج لحمايتهم حتى وصول الأب.
أو ربما لحين اقتراب الأب بما يكفي ليتمكن بيبر من إيجاده. احتاج لطعام ومكان دافئ للنوم. لذا كانت تلك نقطة. كما احتاج لمعرفة إن كان ناتواك سيحميه من فارات، أو إن كان قادراً على ذلك أساساً. فالعجوز، بعد كل شيء، طاعن في السن، وفارات أضخم أفراد أهل الليل. / إن وجد ديانا أولاً، لأمكنه سؤالها. كانت غريبة بنظره — دافئة حيناً وباردة حيناً. لعرفت فلاور أو غاربي السبب وما ينبغي فعله حيال ذلك، لكن كيف لبيبر معرفة ذلك؟
اعتقد يوماً أنه يجيد الحديث مع الناس حتى رأى فلاور وغاربي يفعلان ذلك. كانتا تقولان دائماً القول الصائب تماماً. لم تحتاج غاربي حتى للكلام، بل للابتسام فحسب، ليسقط الجميع عند قدميها كأنها ملكة. / وهل أمكنه الوثوق بديانا حقاً؟ لقد أدارت ظهرها للأب مرة، فما مانعها من فعله معه؟ هذا إن استطاع إيجادها من الأساس. / داعبت الريح المهمسة الفرو على أذنيه، حتى الفرو بداخله، مما أثار قشعريرته.
تجاهل ذلك. وتجاهل شعور فرو ذيله ببدء الانتصاب وحده أيضاً. مرر إبهامه ذهاباً وإياباً على القرن حيث يمسكه. / ناتواك... لم يفعل ناتواك الأمور لأجل الشرف أو ما شابه، حين أمعن بيبر التفكير. بل فعلها لما فيه مصلحة القبيلة، أو لأنها صفقة رابحة. هذان سببان لا غير. لم يشبه الأب البتة. فعل الأب الأمور دائماً لأجل الشرف، وكان ذلك السبب الأساسي دوماً لكل شيء. / تحدث الشيطاني العجوز دوماً عن تقديم هذا أو مقايضة ذاك، فما الذي يملكه بيبر للمقايضة، سوى التهام طعامهم كله؟
لم يعودوا بحاجة للأنقاذ أطفالهم من قبل الأب، إن استطاعت تلك الشابة تذكر موقع الحقل حقاً. / الشيء الوحيد الذي امتلكه بيبر للمقايضة كان مكان تواجد كيما وأنه لا يزال حياً. أعاد صياغة الكذبة في ذهنه — تعرض كيما لهجوم من الأشباح، وساعده بيبر ويعلم مكانه. كل ما استطاعه الآن هو رؤية حجم الأمان الذي سيجنيه جراء ذلك مقايضة. / مشى بيبر للأمام كالمعتاد، لا متعجلاً ولا متمهلاً، بينما انزاح عن قلبه ثقل لم يدر بوجوده.
لم يرغب في قتل كيما — بل كان يرغم نفسه على فعله. أشعره التفكير في الأمر بالغثيان. لقد رأى العديد من الجثث لكنه لم يتسبب في إحداث واحدة، ولم يكن الأمر سيان. ولم يرتد حقاً برؤية ما تسبب فيه الأب أيضاً. / لم يعد خائفاً، لكن كل ما عدا ذلك ظل قائماً. استطاع سماع صوت ارتطام الصخرة وتخيل تهاوي كيما. والدم. لكن لم يعد عليه قتله. لن يموت كيما ولن يكون ذلك بذنبه. ولن يضطر لرؤية جثته وتذكر ذلك للأبد.
/ طاف حول خيمة، ثم أخرى، ورآهم أخيراً. وقف أهل الليل متجمعين معاً داخل دائرة محفورة في التراب، في منتصف المعسكر تماماً — جميعهم. حتى الأطفال كانوا هناك، وفوجئ بيبر برؤية عددهم. أطفال من كل الأعمار، بعضهم يختبئ قرب ساق بالغ، وبعضهم يشبك يديه بأيدي أصدقائه. / ومع تجمع القبيلة بأكملها هكذا عن قرب، بدوا أغراباً، كأنهم كيان واحد لا كثرة. بشكل ما، جعلت شمس منتصف النهار الساطعة بشرتهم الفحمية ذات الصبغة الزرقاء أقل تميزاً بدل زيادته.
اندمجت لتشكل كتلة ضخمة واحدة، شبيهة بقطعة من سماء الغسق المتأخر التي زعموا قدومهم منها، وفقدت ملابسهم الجلدية البنية الداكنة كل تعريف مع تحركهم. بدت قرونهم كألف شوكة بارزة من كتلة ضخمة. / أدرك بيبر فوراً سبب تجمعهم داخل الدائرة — جعلت أشباح لا تحصى الهواء يتردد حول الدائرة برمتها، وبدت الهمسات منبعثة من ذلك الاتجاه أو متحركة نحوه. تخيل بيبر أن الأشباح كانت تأتي من كل أرجاء أراضي الملك، لتواجدها الغفير.
وتجمعت هنا، خارج الدائرة مباشرة حيث تواجد أهل الليل. / فجأة، لمحوه. كاد التأثير البصري لالتفات مئات الرؤوس لرؤيته في الوقت ذاته يدفعه للتراجع مختلاً توازنه. قرب المقدمة، لفت انتباهه وميض ضوء كالشمس على الماء. رمش وتطلع مجدداً. / شيث! أحضرا شيتاً أيضاً، وكان قد خلع عصابة رأسه لينبعث الضوء من عينه. تضخم السعادة في قلب بيبر وجعله يبتسم كاشفاً عن أسنانه. تقدم للأمام، غير آبه بالأشباح.
لم تعد ترعبه. / حين اقترب بما يكفي لتمبيز وجوه الجميع، تراجعوا وهمسوا بحرارة لبعضهم، فعلم خوفهم منه. مع ذلك لم يكن مختبئاً حتى، لذا... أوه، القرن. حسناً، فات الأوان لإخفائه. أمسكه بيده، وكان الجميع قد رأوا ماهيته بالفعل. / كان ناتواك هو من يحمل شيتاً، رغم وقوف الوالدين جنباً إلى جنب. وفارات، الذي بدا مذهولاً لدرجة قد تفجر جبهته. / حاول شيث التملص من ذراعي ناتواك، لكن الشيطاني العجوز أحكم قبضته عليه وأسكاته.
أبقى شيث عينه المضيئة مثبتة على بيبر، لكنها لم تكن ساطعة لدرجة الإعمى في النهار كما كانت في الخيمة. / خطا بيبر عبر الدائرة ولاحظ التغير الفوري. بالداخل، كان الهواء ساكناً وأدفأ قليلاً، وهادئاً. شاع أيضاً شعور بالارتياح لأن للأشباح الكثيرة شعوراً خاصاً تسببه، وعجز عن الإحساس به الآن.
/ قال بيبر: "مرحباً شيث."
/ قال شيث: "مرحباً بيبيو."
بدا متوتراً أو خائفاً، مما دفع بيبر لرغبته في عناقه. / حملت عيناها ناتواك نظرة لم يسبق لبيبر رؤيتها. تعذر عليه تبين كنهها، لكنها بدت خطرة وبعثت في نفسه بالانزعاج.
"بيبر، لمن هذا القرن؟ وأين أخذته؟"
/ قابل نظرته بهدوء، واقفاً باستقامة ودون أي تلعثم. علم جزء منه باحتمالية عودة خوفه الآن، لكنه لم يخف قط. أبداً. صلب ذراعيه وجعل ذيله ثابتاً حتى.
/ "إنه لكيما، وحصلت عليه حين أرسله فارات لقتلبي."
عدل عن فكرة الكذب فور خروج الكلمات، لكنه بدا صائباً. لم يكن خائفاً، فلم يتصرف بخوف ويكذب؟ / همس عشرات من أهل الليل وتمتموا لبعضهم، مثيرين صوتاً مندفحاً ذكر بيبر بريح سابقة. مفاجئ، عالٍ، ثم متلاشٍ فجأة. / لم يتفاعل فارات، باستثناء شد شفتيه وخفض حاجبيه قليلاً. زحفت يد الرجل نحو مقبض إحدى السكاكين الطويلة في حزامه. / تطلع ناتواك إلى الأرض تحت قدمي بيبر، مكتفياً برفع نظره لمقابلته مرة أو مرتين.
/ تصاعد الغضب في داخل بيبر وانفجر قبل تمكنه من إيقافه.
"أتعلم، ناتواك؟ كنت تعلم، أليس كذلك! كنت تعلم!"
/ بدا ناتواك راغباً في قول شيء، لكنه لم يفعل. اكتفى بالنظر إلى بيبر بحزن، وبدا الجلد على وجهه العجوز المجعد كأنه يترهل أكثر، كأنه كبر عشراً بين ليلة وضحاها. / سحب فارات سكاكينه الطويلة من حزامه وتقدم. قبض ناتواك على ذراعه.
/ التفت قائد الحرب الضخم وقال: "بوسِعك منعي، أيها الشيخ، لكن كلينا يعلم الثمن. لن أغير رأيي، فاختر. أنا أم هو؟"
/ قال ناتواك: "لمَ تصر على هذه الحماقة؟"، لكن بيبر أدرك استسلامه مسبقاً.
لم تكن هناك قوة في كلماته.
"إنه بريء، كما تعلم جيداً."
/ "أتظن كل هذا مصادفة؟ انظر حولك. الأرواح؟ القرن؟ ألم يقل شيث إن بعضهم يشبه الأهالانيين؟ أفلت ذراعي، أيها الشيخ."
/ "إنه الملك، يا فارات، لا صاحب الذيل الأسود الصغير. الملك من أرسلهم. انظر إليه فحسب. أتظن حقاً أنه تسبب في هذا؟"
/ "أفلت ذراعي."
/ أشاح ناتواك بوجهه وأفلت ذراع فارات. استدار لأخذ شيث إلى مكان آخر، على الأرجح إلى الخلف حيث لا يضطر لمشاهدة ما هم فارات بفعله. حدق شيث من فوق كتف الشيطاني العجوز نحو بيبر بارتباك. / سحب فارات سكينه الآخر.
وما إن هم بالوثب للأمام، قافزاً نحوه أسرع من قدرته على الهرب، حتى صرخ بيبر: "كيما لا يزال حياً!"
/ كاد فارات يسقط للأمام، منتصف خطوة.
تدارك نفسه وقال: "أحي هو؟"
/ استدار ناتواك وخطا نحو بيبر.
"عليك إخبارنا بمكانه، أيها الطفل! أخبرنا الآن!"
/ "ولمَ أفعل؟ كنتم ستتركونه يقتلني"، قال بيبر.
أبقى ذراعيه متصالبتين وقطب حاجبيه تطلعاً إلى الرجلين اللذين توقفا على بعد خطوة منه. / كشف فارات عن أسنانه وأمال قرنيه باتجاه بيبر.
"أيها الصبي، لا فكرة لديك عن...!"
/، "وه، مرعب! ستقتلني، أليس كذلك؟ هذا ما كنتم ستفعلونه على أي حال. لكن تدرون ماذا؟ أنا لا أخاف منكم. انظروا إلي. أنا لست خائفاً على الإطلاق. ليس بعد الآن. في الواقع..."
قال بيبر. / رقص للخلف بضع خطوات وعبر الخط حيث توجد الأشباح. غمرته همساتها ورياحها الجذابة فوراً. لم تضايقه. بل شعر بحال أفضل مما تذكر. ممتلئاً بالطاقة والحياة.
"أراهن أنك لن تعبر هذا الخط. لمَ لا؟ لمَ لا تأتي لتأخذني، أيها الجبان؟ اخرج إلى هنا، يا ابن العاهرة الماعز!"
/ تقدم فارات مجدداً، طاحناً أسنانه، لكنه توقف قبل بلوغ الخط. / خطا ناتواك للأمام، متجاوزاً فارات بقليل.
أدار شيتاً ليتسنى للفتى الرؤية بوضوح وقال: "هذه فوضى بشعة برمتها، أليس كذلك؟ لست سعيداً بأي منها. لكن أرجوك، أيها الطفل العزيز، أنت لا تدرك الخطر. أين كيما؟ وبأي مدى أصيب؟ أكانت الأرواح تحيط به؟"
/ "اعدوني ألا تقتلوني. أقسموا. كلاكما. وتيشوان أيضاً. أراه يتسلل هناك كفأر صغير."
/ أومأ ناتواك وقال: "أمنحك قسمي. أقسم أنني لن أقتلكم. والآن أرجوك، أين..."
/ "هو أيضاً! والجميع!"
صرخ بيبر، مشيراً لفارات بالقرن. / بلغ غضب فارات حداً لو امتلك بشرة الزيتون الخاصة بالأب لا الصهباء لاحمرّ وجهه. استطاع بيبر حتى استشعار الغضب متصاعداً منه كغضب الأب، باستثناء أنه أقل بكثير. / لم يهتم بيبر.
"قلها!"
نقر بقدمه في محاكاة نافدة الصبر.
/ أطلق الرجل الضخم فحيحاً: "أقسم أنني لن أقتلك."
عند ذلك، تحدث معظم أهل الليل الآخرين وبدا كأنه القسم ذاته، رغم تعذر تمييز بيبر لكل كلمة بدقة.
/ أومأ بيبر وقال: "تركته في منتصف الدرب المؤدي لموقع مراقبته حيث يراقب الطريق. سمعت بالصدفة حين اتفق وفارات على قتلي، فألقيت صخرة عليه، بحجم كافٍ لطرحه أرضاً، لكنه لم يمت. استطاع المشي حتى بعد ذلك، لكنني أظن أنه نسى هويتي. إنه يستريح، لكنني أراهن أننا إن أسرعنا سنتمكن من... ماذا؟ ما الذي تنظرون إليه جميعاً..."
/ ثم شعر به. شعور مظلم يذكر بالصديد والمرض اعترض قلبه. غاضب، عنيف، وضغط يقارب شر الأب سوى أنه أشد مرضاً. استدار بيبر. / لم يبعد كيما سوى عشر خطوات، متخلخلاً للتو من خلف خيمة. كان الدم النازف من جرح قرنه المفقود قد جف معظم، مخلفاً مسحة حمراء داكنة وسعت وجهه وتشربت ياقته. كانت عيناه هائئتين، وميرتين. تقدم للأمام، لكنه كان... غريباً، كأنه لم يعتاد امتلاك ساقين. / صرخ أهل الليل خلف بيبر وتدافعوا للتراجع والابتعاد، رغم عدم سماعه صليل ركضهم.
عجز عن الالتفت والرؤية مع ذلك؛ ثبتت عيناه على كيما كأنهما مسمرتان هناك. كان هناك خطب ما به. لم يبدُ مصاباً، بدقة؛ كانت حركاته متقطعة وأقوى من أن يبدو متألماً. أدار رأسه بدل التفاته، وأدار عينيه بدل التركيز على شيء. / بشكل ما، لم يخف بيبر بعد. علم وجوب خوفه. فقد خاف الجميع، وهناك خطب ما.
سأل بهدوء: "كيما؟"
/ دارت عينا الكشاف العجوز داخل رأسه نحو صوت بيبر حتى وجداه. أدار الرجل رأسه ليتطابق معهما. ابتسم، كاشفاً عن أسنانه بأسرها.
"شبح القطة. تعال إلى هنا، أيها الطفل."