انتهى الكلام مع التهديد. استدار أندروكليس بسرعة وهجم بصياح على أول حارس خلفه. صدس حدس أندروكليس. لم يكن الواقف خلفه مباشرة مستعداً للغارة. كان الرجل يترنح محاولةً لتثبيت درعه عندما شق أندروكليس حلقه بطعنة عميقة. تعثر الرجل وانهار والرعب على وجهه والدم يتفجر من عنقه. اندفع نحو الرجل الثاني. استهدف أندروكليس الرأس مجدداً لكن هذا الرجل رفع هراوته باستعداد وتصدى للضربة ثم حاول ضرب أندروكليس بدرعه.
قبض أندروكليس على الدرع وتراجع خطوةً واجذباً ليفقده توازنه. نجح الأمر وتعثر الرجل. انزلق أندروكليس من حوله وطعنه بعمق أسفل لوح كتفه مباشرة. خطى الرجل خطوتين وهوى.
قال شارزاً بقسوة إلى البقية: "أستطيع قتلكم جميعاً وسأفعل. لم أنجُ خمسة وعشرين عاماً في أرقى جيش في العالم لأُصرع على أيدي فئران صغيرة شعثاء مثلكم".
حاول استدعاء نية قتل قوية وإرهابهم بقوة غضبه لكن شيئاً لم يكن هناك. تركته ليلة طويلة وقسط ضئيل من النوم واهناً تماماً.
فكر بابتسامة باهتة: "ربما أستطيع إقناعهم بالتريث قليلاً ريثما أرتدي درعاً".
قال تولغا باستهزاء: "أظنني سأطعمك لحيواناتك الصغيرة. بما أنها تتضور جوعاً وكل شيء".
أحاط به الأربعة الباقون آملين في محاصرته. أسقط صاحب الوشوم على عنقه هراوته وثبت درعه بكلتا يديه منحنياً خلفه ومتقدماً للأمام. قطب أندروكليس حاجبيه. كانت تلك حركة محترف يثق برفقائه. التفت برأسه ليرى من طرف عينه أن بانسي صارت خلفه مباشرة. اندفعت بهراوتها التي علت رأسها نقطة حادة للطعن. اندفع أندروكليس بعيداً عنها مباشرة وهاجم صاحب الدرع بكامل قوته محاولاً طرحه أرضاً والافلات من الحلقة.
استعد الرجل للاستطدام على أكمل وجه ودفع أندروكليس نحو صخرة. تعثر أندروكليس وسقط لكنه استغل الزخم ليدحرج واقفاً. ابتسم بجهامة بعدما نجا من الحلقة. من يهاجم أولاً إذن؟ لن يتمكن أبداً من تجاوز ذلك الدرع وخصوصاً مع الثلاثة الآخرين لإزعاجه. بدا ثيودوريك الأقل استعداداً لذا هاجمه أندروكليس بينما استعد الرجل للاستطدام. انحنى أندروكليس ولوح بسيفه القصير نحو كاحلي ثيودوريك لكن الرجل خفض درعه في اللحظة المناسبة.
أبقى سيفه مرخياً في معصمه فدار أندروكليس بالسيف حول رأسه وهبط بضربة شرسة نحو الصدغة اليسرى لثيودوريك. رفع ثيودوريك درعه ليلجم الضربة ثم لوح بهراوته للأمام ليضرب. تفادى أندروكليس الضربة وقفز غريزياً إلى اليسار. تحرك ببطء شديد وتلقى حافة هراوة تولغا في اللحم أسفل ضلوعه. على الرغم من أن الضربة مرت مرور الكرام شعر أندروكليس بنيران اللحم المتمزق. لو أصابته تلك الضربة مباشرة لمزقت أحشائه وأردته قتيلاً.
امتلك الرجل ذراعاً حقاً. هبط أندروكليس على ركبة واحدة متأوهاً والتقط حفنة من التراب خفية. عندما تقدم تولغا لتوجيه ضربة القاضية اندفع أندروكليس ورش التراب في عيني تولغا. كانت تلك حيلة قديمة سخيفة ولن ينطلي أبداً على جندي. فالأدراع للصد بعد كل شيء لكن تولغا كان قد خفض دفاعه ناوياً الضرب بكامل قوته. محاولاً إزالة التراب برمشه خفض تولغا درعه إلى أبعد من ذلك لا شعورياً لرؤية أوضح وتلك كانت الثغرة الوحيدة التي يحتاجها أندروكليس.
بطعنة وثبة أخرى غرس نصل سيفه بعمق في عنق الرجل البدين حتى خرج من الجانب الآخر. عبرت وجه تولغا نظرة دهشة ووقع على الأرض بعد نبضات قليلة والدم يتدفق من الجرح. كانوا ستة والآن ثلاثة. في خضم الغضب القتالي استطاع أندروكليس تجاهل الألم في جنحه. استطاع إدراك سوء الأمر مع ذلك. شعر بالدم يقطر إلى تنورته. احتج إنهاء الأمر سريعاً قبل نفاد قوته. لم يستطع دفع نفسه إلى أبعد من الإرهاق إلا بمقدار محدود حتى لا يتبقى لديه شيء.
قال أندروكليس: "عريضة جديدة هي أن تلقوا أسلحتكم وتفروا ولن أطاردكم. آخذ العربة".
ترهل صاحب الدرع وهاجم بكامل قوته قبل أن يتمكن أندروكليس من الاستدارة. أُسقط أرضاً تماماً لكنه تدحرج مع الزخم مجدداً ووقف. انقضت عليه بانسي صارخة بعد أن أسقطت درعها مفضلة سكينها. استخدمت هراوتها لإزاحة سيف أندروكليس جانباً ثم اندفعت بطعنة. بحركة تدرب عليها لا تحصى استدار أندروكليس قليلاً لتفادى الطعنة وأمسك معصمها بيده الطليقة. رفع سيفه لقطع ذراعها لكنها لكمت ضلوعه بهراوتها فاضطر لإفلاتها والرقص بعيداً.
ألقت سكيناً صغيرة من حزامها فأزاحها بساعده مكتفياً بجرح طفيف. ألقت أخرى نحو ساقه فالتوى متفادياً إياها. اندفعت لطعنة أخرى بالهراوة لكنها راوغت وطعنت ضلوعه بسكينها. اخترق الهجوم دفاعه لكنه جاء بزاوية خاطئة. منحته قطعاً طويلاً بدلاً من رئة مكشوفة. لوحت بهراوتها مجدداً لكنه كان مستعداً لها هذه المرة. صد هراوتها بساعده ثم سدد ركلة أمامية قوية في بطنها أرسلتها على ركبتيها.
ركلها في وجهها مطيحاً بها إلى الأرض حيث طعنها مرتين منهياً حياتها. يا للأسف لم يلتقيا فوق قدر جعة. بدت مهتمة. حام حوله الاثنان المتبقيان بحذر وبدو متوترين. تراجع أندروكليس وأراح يديه على ركبتيه ملتقطاً أنفاسه.
نظر إليهما قائلاً: "أتريدان الاستمرار في هذا أيها الفتيان؟ لأنني منهك من الركض طوال نصف الليل وأفضل أخذ قيلولة".
تبادلا النظرات وهاجمام مجدداً وتقدم صاحب الدرع قليلاً بينما رفع ثيودوريك هراوته عالياً. قفز أندروكليس للوراء ودار خلف شجرة محاولة جعلهما ينفصلان لكن الأمر لم ينجح. مهما حاول لم يجد ثغرة وكلما توغل أندروكليس أكثر في الأشجار ساءت الأمور بالنسبة له. حدّت التضاريس من قدرة أندروكليس على الحركة. استشعاراً لبلوغه حده بدأ شق طريقه عائداً نحو نار المخيم والأرض المنبسطة. تبعه ثيودوريك وصاحب الدرع لكنهما مشيا بينه وبين النار حتى لا يتمكن من ركل الجمرات نحوهما.
حسناً. لقد كان الأمر يستحق المحاولة. نظر أندروكليس متجاوزاً ثيودوريك ليرى الفتيان جالسين مستقيمين يحتضنان بعضهما ويراقببان القتال. قطب وجهه. كان هذا قدراً هائلاً من الدماء ليراه طفل. وكان عليهما الاستلقاء حقاً. لبرهة راقب أندروكليس وثيودوريك وصاحب الدرع بعضهم محاولين إيجاد ثغرة. ثم بدأوا المشي نحوه مجدداً ببطء وتمعن. أسقط ثيودوريك درعه في التراب ومد يده مستعداً للإمساك.
ثم ولرعب أندروكليس قفز الفتى الأبيض من الغطاء والتقط الفأس من قرب حطب النار وبدأ بالركض نحوهما.
صاح أندروكليس: "لا! ابقَ بعيداً".
لم يلتفت ثيودوريك وصاحب الدرع للخلف ظانين إياها خدعة.
فكر بابتسامة: "كان ذلك ذكياً منهما".
لكن كان عليه حماية الصبي فتحرك للداخل. لوح الصبي بالفأس بكل قوته نحو ساق ثيودوريك. لم يخترق الجلد حتى لكن مفاجأة ثيودوريك كانت كل ما يحتاجه أندروكليس. قفز ثيودوريك مذعوراً والتفت ليرى ما ضربه. حول صاحب الدرع نظره عن أندروكليس ليرى أيضاً وفي تلك اللحظة اندفع أندروكليس بكل السرعة المتبقية فيه. تظاهر بشق نحو العنق فصد صاحب الدرع عالياً. لكن ضربة أندروكليس الحقيقية كانت منخفضة وقطعت ساق الرجل اليسرى أسفل الركبة مباشرة.
رفع ثيودوريك هراوته لقتل الصبي لكن الصبي تراجع خارج المدى. انسحب مختبئاً خلف الفأس ماداً إياه أمامه كأنه رمز مقدس. حول الرجل انتباهه نحو أندروكليس متأخراً لدرجة تكفي بالكاد لتفادى الضربة القوية لعنقه. لامست رأس ثيودوريك الأرض قبل بقية جسده. طنع أندروكليس صاحب الدرع المتخبط حيث كان ملقى قابضاً على جذعه المدمى وانتهى الأمر. وضع أندروكليس يديه على ركبتيه وبذل قصارى جهده لالتقاط أنفاسه ومنع نفسه من السقوط والإغماء.
تعافى بعد برهة ووقف مجدداً متأوهاً بهدوء من الوجع المتبقي في ظهره. مسح الدماء عن سيفه بتونسة ثيودوريك ثم أعاده إلى غمده الجلدي. سيتعين عليه تفحص النصل الورقي لاحقاً وشحذه مجدداً. لم يرغب البتة في الوقوع بسيف كليل هذه الأيام. والآن لإعادة الصبي إلى الغطاء ومعرفة ما يجب فعله بالجثث. ثم واللعنة على الملوك قيلولة. سلسلة كاملة من القيلولات. اقترب وأخذ الفأس من الصبي الذي لم يبدِ أي مقاومة ثم وضع يده على كتف الصبي لتوجيهه عائداً نحو النار.
قال الصبي بصوت متواضع: "شكراً لإنقاذنا مجدداً".
تمايل بعدم اتزان على قدميه فأمسك أندروكليس بيده للمساعدة في إبقائه منتصبًا. أراد حمل الصبي لكنه كان غارقاً في الدماء إلى حد ما في تلك اللحظة ولن يفلح ذلك.
قال أندروكليس ببرود بعض الشيء: "ما زلت أعمل على إنقاذك للمرة الأولى".
كان الأسود يسند نفسه على مرفقه ليتمكن من متابعة ما يجري وكان يكاد يعجز حتى عن ذلك. لم يسقط الأبيض تماماً في الغطاء بل بالقرب منه تماماً. استلقى الأسود مجدداً وأخبرهما أندروكليس بإغلاق عينيهما والراحة قليلاً. استلقى الأبيض بجمود شاتكاً أسنانه وينضح تواتراً فمد الأسود يده وأمسك بيده. بدا أن ذلك ساعد. قد يكون تقديم المزيد من الخمر لهما مبكراً أمراً ضاراً لكن أندروكليس قرر أن القليل قد يهدئهما فمنح كل منهما نصف قدح.
شربا بلهفة.
قال أندروكليس: "استريحا قليلاً. سأعتني بالجثث".
منحاه نظرة خائفة بتوافق.
لم يكن متأكداً من السبب فسأل: "علام تلك النظرة؟"
لم يتوه فوّه أي منهما بشيء فراقبه بحيرة.
سأل: "ألا ترغبان في دفنهما؟"
بدأ الأسود متأثراً بوعيه المفرط بما يكفي لعدم إنهاء كلامه: "أنا فقط لا..."
لمعت نظرة قلق شديدة في عينيه وعيني الأبيض أيضاً لم يستطع أندروكليس سبر غورها.
سأل أندروكليس: "لا ترغبان في أكلهما أليس كذلك؟"
هز اثنان رأسيهما نفياً.
سأل: "أتعتقدان أنني سأترككما؟"
ومضا إجابة بالايجاب مانحيه نظرات جانبية خجولة.
"آه. حسناً لن أفعل. أتعلمان؟ لست ذاهباً إلى أي مكان".
ثم أضاف: "سأبقى حتى حيث يمكنكما رؤيتي ولكن لا يجب عليكما المشاهدة. استريحا وحسب وعندما أنتهي سأطعمكم مجدداً".
بدا الفتيان راضيين بهذا واسترخى الأبيض قليلاً بعد. وقف أندروكليس وتمطى مجدداً. لم يفعل شيئاً لتخفيف ألم الإرهاق في عضلاته. أخذ نفساً عميقاً آخر وتنهد بصوت عالٍ. على الرغم من شعوره بتعب يكفي لترديه أرضاً وجب عليه دفن الجثث. لم يرد ظهور تلك الذئاب التي سمعها البارحة محاولة النبش. توجه نحو العربة باحثاً عن مجرفة. وكل ما وجده كان صغيرة لحفر حفر النار والمراحيض لكنها ستفي بالغرض.
بعد قليل من الاستكشاف سرّه إيجاد بقعة شمالاً تماماً حيث سقطت صنوبرة عريضة تاركة فجوة واسعة حيث كانت جذورها. مع تذمر كل عضلة بدا الأمر كأنه استغرق دهراً لحفر قبر في التربة الداكنة الناعمة. فور الانتهاء جرد الجثث من ملابسهما ورماهما للداخل عدا تولغا الذي كان أعبأ من حمله فدحرجه عوضاً عن ذلك. بعد ردم القبر المرتجل ختم بتراب طازج عبر الطريق حيث جرى القتال لإخفاء الدم جاعلاً إياه أقل شبهة بساحة معركة ومخففاً الرائحة.
في حفنة حرجة واحدة جمع ملابس اللصوص كافة وألقاها في البرميل حيث يمتص الماء البارد الدماء. كان جُلّها جلداً جيداً وبعد غسله سيصير صالحاً للاستخدام مجدداً. ثم تجرد بدوره رامياً تنورته التي يبست تماماً من الدماء الجافة. جُلّها دمه. ركد الهراوات والدروع والخناجر المتنوعة خلف العربة رغم أنه وضع سكين بانسي الجيدة قرب النار ليحتفظ بها لنفسه. استقبله الصبيان بوجوه مترقبة فور اقترابه مستعدين للطعام مجدداً.
كان عارياً إلا من نعليه ومغطى بالدماء والتراب لكنهما احتاجا للأكل فبذل قصارى جهده لإبقائهما على مسافة ذراع وعدم تلويث أي شيء أثناء إطعامهما. نجح واستلقى الاثنان على جانبيهما ورضا جلي على وجهيهما. كاد يستلقي ليغفو هناك وفوراً لكنه تذكر تايس يوماً ما وهي تعاتبه لعدم غسل جرح بالسرعة الكافية. كانت على حق. احتاجت الجروح للتنظيف وإلا تفشت.
"حان وقت اغتسالي. ناما فقط وسأعود فوراً. الجدول هناك تماماً. يمكنك سماعه".
تصاعد التوتر في الجو فور نطقه بها وعلم أن الصبيان لا بد أنهما ما زالا خائفين. متبحثاً في الأرجاء لمح الملعقة المعدنية الطويلة التي استخدمها لتحريك الخمر. هزها لتنظيفها ووضعها قرب الأبيض.
"إذا احتججتني قبل عودتي استخدم هذه واضرب القدر. سأسمعه. سأكون قريباً. أتعلم؟"
أومأ الاثنان.
"جيد. يمكنك النوم إن أردت أو البقاء مستيقظاً. أيهما شئت. سأعود فوراً".
سحب تنورته من البرميل وسار في الأدغال الخفيفة بحثاً عن الجدول. فكر لو لم يكن بهذا التعب لكان يوماً رائعاً. حسناً التعب وكل هذا القتل.
قال بصوت ليس عالياً جداً لكنه أقرب للضحك: "يا له من يوم أمس قتلْتُ ستة رجال قبل الإفطار".
لكان ذلك تبجحاً مذهلاً في ساحة عامة. لم يكن ليصدقه أحد.
"كان ذلك بعد أن أنقذت فتيين من الموت جوعاً ووجدت هذه العملة التي تعادل مئة فضة".
كان الأمر مضحكاً للغاية. لكان صديقه أوفيميوس خير المتفاخرين يغار بما يكفي للبصق لو كان حياً. لم يبلغ الجدول الضحل سوى ركبتيه في أعمق نقاطه رغم اتساعه ليتدفق ببطء مستوياً وهادئاً في غالبه. بدا متجمداً مع ذلك. ماء صافٍ وشفاف جعل كل الحجار في القاع تبدو أكبر مما هي عليه. بدا وكأن الجليد يطفو فيه مثلما سمع عنه مرة. تأوه جَالساً بالقرب من الجدول فقد جعل كل ذلك الارتطام جسده أوجع مما كان عليه عندما استيقظ بطريقة ما.
بدت أصابعه متصلبة أيضاً مما صعق فك نعليه. خطا في الماء وندم فوراً. أبرد مما يبدو تسلل صقيع الماء سريعاً إلى عظام ساقيه مؤلماً بشدة. لكان عوى لكنه خشى ترويع الصبيان. حسناً. وجد موقعاً عميقاً ووقع للوراء متخلصاً من أسوئها. لبرهة تنهد وشرع يرش بلا هوية لكنه هدأ في النهاية مستسلماً للماء المتجمد. بعد فترة أصبح محتملاً. في البرد أدرك بدقة إصاباته كلها. كانت العضة على ساقه والجرح على جنحه الأسوأ ولسعا كالعفن قبل أن يخدرهما البرد.
بدا القطع الطويل على ضلوعه سطحياً لكنه أوجع مع ذلك. دلك وجسده ونظفه مسمحاً لكل الدماء والتراب بالجريان مع الجدول. بعد تنظيف تنورته بأفضل ما يمكن قرر فك ضفائر شعره وغسلها أيضاً إذ لا بد من وجود دماء فيها وستنتن وتتعفن إن تُركت وحدها. ثم استلقى للاسترخاء لحظة. وجد أنه من المهدئ الاستلقاء هناك فحسب متمعناً في الأعلى ومراقباً أشعة الشمس المتسللة عبر الأغصان رغم أن اليوم بدا خافتاً أكثر من الجلوريز.
علق ضباب خفيف للغاية في السماء الآن بما يكفي لجعل اللون يبدو... غريباً. لكن لم يكن هناك ما يدعو للقلق فمن يدري كيف تتصرف الغيوم في أراضي البرابرة؟ قطع صدى قرع عالٍ تأمله. كان الصبيان يقرعان القدر.
شتم: "تباً للمخادع!"
كان أكثر تعباً من تحمل هذا. بأقوى رشقات غاضبة استطاعها خرج من الجدول جامعاً أغراضه بأسرع ما يمكن وهرول بسرعة جنونية نحو نار المخيم. واصلاً إلى المعسكر لم يرَ تهديداً فورياً. جلس الأبيض قرب النار مراقباً إياه بعينين واسعتين وكان الأسود مستلقياً. لم يكن هناك أحد آخر حوله.
سأل أندروكليس بجهامة بعض الشيء: "ما المشكلة؟"
بدأ الصبي: "أنا..."
ثم نظر بخجل إلى الأرض.
قال أندروكليس: "لا مشكلة هناك أليس كذلك؟ قرعت القدر فقط لترى إن كنت سأحتي أليس كذلك؟"
حاول ألا يرمقه بنظرة حادة لكن الأمر صعب لكون الموقف مزعجاً.
أجاب الصبي أخيراً: "خفنا فقط لأنه مر وقت طويل. أنا آسف. لن نكررها. أرجوك لا..."
"لا ماذا؟"
سأل أندروكليس لكن الصبيان لم يجيبا.
تنهد قائلاً: "عد إلى الفراش. ولا تكررها إلا إن كان هناك خطر".
أطاع الصبي بسرعة. علق أندروكليس تنورته على غصن مجاور لتجف ثم التقط القدح وأطعم الصبيان مجدداً. بدا الأبيض لا يزال خائفاً ولاحظ الأسود ذلك فأمسك بيده شابكاً أصابعه بإحكام. تساءل أندروكليس عما إذا كان عليه احتضان الصبي أو شيء من هذا القبيل. لم يفعل. حين اكتفيا لاحظ أن الشمس أدت عملها أخيراً وصار الطقس لطيفاً ودافئاً.
سأل الأسود: "هل سيأتي المزيد من رجال الحجارة؟"
منحه أندروكليس نظرة حائرة وقال: "رجال الحجارة؟"
"مثلك".
"آه. غالباً. لكن لا داعي للقلق بشأن ذلك. سأعتني بكل شيء إن جاؤوا لذا استرح وتحسن فحسب الآن".
فكر أندروكليس في سؤالهما عن عائلاتهم ليرى إن كانوا تجاراً وربما يعرفون أين يجدونهم لكن ناظراً إليهما عدل عن رأيه. أراد منهما الهدوء والاسترخاء والتعافي والإجابة لن تغير شيئاً على أي حال الآن. بدا الفتيان قلقين فكرا يحدقان صعوداً وهبوطاً في الطريق بحواجب مققطبة. وجد نفسه يمد يده ويمسد شعرهما الناعم كأنه يداعب قطة وبدا أنهما استمتعا بذلك. بدأ الأبيض بالاسترخاء حتى.
أغمضا عيناهما قريباً وبعد قليل غرقا في النوم مجدداً. غير راغب في تفويت هذه الفرصة استلقى أندروكليس بهدوء إلى جانبهما مباشرة. في السكون ظن أنه يسمع عواء ذئاب في مكان ما بالبعث رغم ضوء النهار لكنه كان أكثر تعباً من الاهتمام وغط في النوم بمجرد إغلاق عينيه تقريباً.