أمضى بقية الظهيرة مسترخياً ووجد الأمر مملاً إلى حدّ فظيع ناهيك عن كونه محبطاً. ظلّ عقله يتأرجح بين التساؤل عما إذا كان الصغار بخير وما إذا كانت ديلا قريبة بما يكفي ليتمكن من الإمساك بها عاجلاً لا آجلاً. كان يذوق من حين لآخر طعم شيْ خبيث خفيّ في الهواء بقوة كافية لابقائه متيقظاً لما حوله غير أن شيئاً لم يحدث. تلقى رسائل واحدة تلو الأخرى تسأله عما إذا كان يرغب في لقاء قائمة طويلة باستمرار من الضيوف المرموقين.
وحيث إن أياً منهم لم يسأل عما إذا كان بإمانو تبني غاربي بأي شكل خاوٍ من الريبة فقد رفضهم جميعاً. ومن جانبها لم تقل غاربي شيئاً آخر بالرغم من أن ولفسكار كان يتوقف بين الحين والآخر عن اللعب برمحه ويحاول جذب انتباهها.
كان أندروكليس قد نجح للتو في الغطس في قيلولة عندما اقتربت غوتزون لاستدعائه بنفسها معلنة: "المعلم أندروكليس، وجبة مسائكم جاهزة. إذا أردتم الأكل في القاعة المشتركة فأنا واثقة أن ضيوفي سيسمعون بفارغ الصبر المزيد من قصصكم".
وقف وتمطّى. لمَ كان الجلوس بلا عمل يجعل الرجل يشعر بالتعب دائماً؟
قال بمرح: "أظن العشاء سيكون رائعاً يا معلمة غوتزون. هيا يا ولفسكار. لقد حان وقت ظهورنا. أرمك نظيف أم أنك نجحت في إفساده بالفعل؟"
شعر الجني بإهانة طفيفة: "لا! ليس فاسداً! أنا أملك شيئين فقط في العالم بأكمله لذا أنا أتوخى الحذر! ولم أوسخ رداءِي أيضاً إلا هنا تماماً وذلك بقليل جداً فقط".
تبادل أندروكليس وغوتزون نظرتين ساخرتين وهما يشقان طريقهما نحو القاعة المشتركة. كانت الحشود قد بدأت بالفعل تصبح صاخبة. عندما افتتحت الأبواب أطلقوا هتافاً ورفع أندروكليس رمحه لتحيتهم. انكمشت غاربي إلى الوراء متمسكة بسترة أندروكليس وتمتمت بشيء لم يستطع سماعه.
أما ولفسكار فقد سمع وربت على وجنة أندروكليس بإلحاح ليسترعي انتباهه: "تحدثت! لقد تحدثت! انتظر! انظر، قالت شيئاً! لقد سمعته!"
"بحق الملوك يا صغيبي، تراجع قليلاً. ماذا قالت؟"
قال الجني: "قالت، الجو صاخب جداً هنا".
طار إلى الأسفل ليحاول التقاط عينيها غير أنها لم تتفاعل.
فكر أندروكليس في الأمر لبرهة: "المعلمة غوتزون، اجعلي إحدى فتياتك تأخذها إلى مكان هادئ وتؤنس وحدتها. قد تكون روحها قد انكسرت لكنها قد تشبه العظمة وتلتئم إن لم تتعرض للهز مجدداً".
قالت: "بالتأكيد يا معلم أندروكليس. فوراً".
أخذت بيد غاربي وقادتها بعيداً.
قال أندروكليس عندما بدأ ولفسكار يتبعها: "تعال معي أيها الجني".
سأل: "لماذا؟"
قال أندروكليس: "لأن غاربي إذا تحسنت ووجدت أنك أُكلت فستبكي. والآن تعال".
شقوا طريقهم نحو الأريكة التي بدت مألوفة باطراد حيث كان طبق كبير ومتبخّر من اللحم الطري والخضروات في انتظارهم إلى جانب إناء كبير من الجعة وآخر من النبيذ. اكتظت الغرفة بحشد هائل فكان الكثيرون منهم يقفون جنباً إلى جنب تقريبا مع جلوس الأشخاص الأفضل هنداماً فقط. قرر أندروكليس أن هؤلاء هم النبلاء على الأرجح. حتى إن عدداً منهم قد حرّك كراسيَه أقرب إلى الأريكة محاصرين إياه تقريباً.
وما إن أخذ مكانه على الأريكة حتى شرع النبلاء يتحدثون فوق أصوات بعضهم البعض وفوق صوت الحشد محاولين جذب انتباهه. وجد طاولته قريباً مغطاة بالهدايا؛ أقمشة فاخرة، ومجوهرات ذهبية، وأطباق وأكواب فضية، وسكينين من الحديد لكليهما مقبضان منحوتان بدقة ومرصعان. التقط أندروكليس السكينين وأعجب بهما. واصل النبلاء الحديث فوق أصوات بعضهم البعض مُصرّين كلٌّ منهم على أنه هو من وضع السكاكين على الطاولة.
فقد أندروكليس أعصابه عندئذ. كان ذلك تجاوزاً للحدود.
قفز واقفاً مستدعياً ما يكفي تماماً من نية القتل لجذب انتباههم وضرب بعقب رمحه في الأرض صارخاً: "اصمتوا!"
أتَى الأمر بالأثر المنشود. سكن الحشد فوراً. حدّق النبلاء بأفواه مفتوحة وارتدوا إلى الوراء على مقاعدهم.
وبعد أن هدّأ من نية القتل لديه تحسباً لخروجها عن سيطرته عبس في وجه النبلاء وقال: "أنتِ حثالة مثيرة للشفقة. لو أن لديكم ذرة شرف لكنتم أشجع من أن تظهروا وجوهكم علناً. أتظنون أنكم ستستميلونني عن كلمتي بالرشى؟ ثم تكذبون لتحسين فرصكم؟"
تهلل بعض النبلاء بينما بدا آخرون محرجين وبدا الباقون منزعجين؛ أما بقية الحشد فقد هتفت لأندروكليس بحماس. فالفقراء يحبّون دائماً رؤية الأغنياء يُسحقون بالطبع. لقد كان الأمر ذاته في الأمجاد قبل أن يكتشفوا النظام الجمهوري. ولما صار يعلم أن الحشد يقف معه استطاع المضي قدماً خطوة أخرى وآمل ألا يضطر للتعامل معهم مجددا أبداً.
"أيها النبلاء جميعا، تخلّوا عن مقاعدكم للأطفال. دعوهم يتقدمون وسأعلمهم أمر الشرف بما أنكم تعجزون عن ذلك. يمكنكم استعادة رشاكم إن شئتم".
اختفى معظم الكنز عن الطاولة غير أن السكينين بقيا. تسلل النبلاء خارج الغرفة دافعين بعضهم وسط من هم دونهم. بلغ عدد مدهش من الأطفال المقدمة ليحتلوا مكانهم. اضطررتم لتمرير بعضهم من فوق الرؤوس حيث كان الحشد أثخن من أن يسمح لهم بالمرور.
انحنى رجل عجوز حسن الهندام وديع المظهر نحو أندروكليس وقال: "الخنجران هديّة لغلاميك. ليس كل النبلاء دُمى خسيسة كالبقية، أيها المعظم. الأغلبية نعم، لكن ليس كلّهم".
فحص أندروكليس الرجل بعناية غير أنه لم يجد شيئاً مريباً؛ كيف علم بالأمر الصغار؟ أكان ذلك ما يعنيه حقاً؟
سأل أندروكليس: "أرجو أن تأتي إلي غداً في وقت متأخر من الصباح. سأحرص على أن يدخلوك".
أومأ العجوز برأسه ثم عاد إلى مقعده على بعد بضع أقدام إلى جانب الأريكة. فوجد طفلين في طول الركبة قد احتلاه فرفعهما بحذر بابتسامة وجلس واضعاً إياهما على ركبتيه. لم يبد عليهما الانزعاج ولم يفعل أي شخص آخر كذلك. فيما بدأ الحشد يهدأ مد أندروكليس يده ليتناول بعض لقم الطعام. كان ولفسكار قد أخذ قضمة صغيرة من كل قطعة دون أن يلاحظه أحد وبطريقة ما. رائع. كان الجني يقفز حالياً على طول صف الرؤوس الصغيرة التي تجمعت أمام الطاولة مسبباً الكثير من الالتواء والتضحك معظمه منه شخصياً.
أخذ أندروكليس رشفة طويلة من الجعة ثم قال بصوت عالٍ: "استمعوا جيداً أيها الصغار! الشرف!"
لوّح برمحه.
"الشرف يتمثل في أمرين اثنين: أن تصنعوا خيراً لأصدقائكم وأن تلحقوا الأذى بأعدائكم. غير أن ثمة ما هو أبعد من ذلك فإن عدمه رجل فلن يستطيع كسب أي شرف أبداً. تلك هي العدالة التي تقضي بمنح كل إنسان ما يستحقه. فبعضهم يُدين بالرحمة وآخرون بالسيف. إنها العدالة التي تضفي نظاماً على مطالب الشرف. العدالة! أن تعطي كل امرئ ما يستحقه. أن تحفظ التوازن في كل معاملة. أن تكون عادلاً معناه رد الأشياء التي ضاعت ومعاقبة أولئك الذين سرقوا. أن تكون عادلاً معناه قتل القتلة. أن تكون عادلاً معناه حماية الأدنى شأناً ممن يعتمدون عليك. أن تكون عادلاً معناه الحفاظ على عهودك إلى الأبد! إذا نكث رجل بعهد حتى وإن ساعد أصدقائه وآذى أعدائه فلن يستطيع كسب الشرف أبداً. وإن حقق بالخداع والكذب ونقض الثقة وقسوة الضعفاء ثروة ومجداً وخدع المدينة لتظن أنه شريف فسوف تسحقه الملوك طحيناً. وسوف يُطرح إلى قاع البحار وتُنسى كل أعماله وتُباد أسرته".
كان يلقي إلى حد ما خطباً من الجيش لكن أحداً منهم لم يكن بحاجة لمعرفة ذلك. كانت الكلمات جيدة وسيظنونه بليغاً. استمر لعدة دقائق في الحديث عن قيمة أن يكون المرء شريفاً وعادلاً ورأي الملوك في أمور كهذه حتى أنهى خطبته. ثم ليبرهن على النقطة سرد عليهم قصة التمرد الأول الذي أخضعه حين بنى ساموثريبيتوس أسواراً وانسحب ممثلوهم وفصلوا أنفسهم عن الأمجاد عاقدين معاهدة مع البيسارين ومستضيفين أسطولاً من سفنهم.
أوضحت كلماته أن أشراف المدينة قد تحولوا إلى طغاة استبدوا بحكومة المدينة ناكثين عهود القانون سواء داخلياً أو مع بقية الأمجاد. وصوَّر المعركة والحصار الدموي وتدمير المدينة بالكامل فور سقوط دفاعاتها. وبعد كسب الحرب قتل الجيش واحداً من كل سبعة رجال وواحدة من كل أربعة حيوانات وأخذ نصف القمح. أُخذ المئات كعبيد عندما سلّموا أنفسهم مع نسائهم وأطفالهم لرحمة القائد العام.
حَجَبت الملوك بركتها عن المحاصيل والحيوانات تاركة الأرض في مجاعة. فقد ساموثريبيتوس ثلثي سكانه تماماً قبل أن يتفرق الباقون. ثم قدم أندروكليس توضيحاً شديد الأهمية مفاده أن قبور آبائهم بقيت مهملة وخُرّبت مدينتهم ونُسي شرفهم بأسره إلى الأبد لأنهم نكثوا بعهودهم. سُرّ الحشد بقصته رغم أن بعضهم بدا غير مرتاح بعض الشيء للأخلاق التي كان أندروكليس يعلمها لأطفالهم. بيد أن ذلك لم يكن سوى مؤشر على مدى الحاجة إليها بشدة.
أما الأطفال فقد أدوا مهمة جيدة في الاستماع مؤومدين برؤوسهم حيث وافقوا وتعلّموا شيئاً. أما طفلا الركبة فلم يوليا اهتماماً كبيراً وتولى ولفسكار إلهاء أولئك. لقد كان الجني نافعاً لشيء ما بعد كل شيء. توقف لبرهة ليأكل المزيد من عشائه. سأل احدهم لسماع قصة العملاق مجدداً إذ لم يكونوا هناك الليلة الماضية. وأعرب آخرون عن موافقتهم وبدا الحشد متلهفاً لسماعها فحكى الحكاية برمتها مجدداً مبتدئاً بالطريق شمالاً.
بعد أن انتهى سأله الناس أسئلة عن الحياة في الأمجاد أجاب عنها كلها بكفاح وافتخار. سألوا عن ترحاله بين رجال النهر والبيسارين وما شابه متساءلين عن ملابسهم وتقاليدهم. امتد الحديث طويلاً في الليل بعد أن غلبت السنة العديد من الأطفال. فكّر عدة مرات طوال الأمسية في طلب شخص يتبنى غاربي مجدداً غير أنه حين تفكر في الأمر رأى أنه ينبغي له ربما الانتظار ليرى إن كانت ستتعافى.
إن وعد بأنها ستتعافى فقد يشككون في كلامه ويقل ذلك من قدره في أعينهم. ربما تستطيع بنفسها سؤالهم في يوم أو يومين. وإضافة إلى ذلك إن كانت ستتعافى فهو يريد رؤية ذلك مرة أخرى قبل أن يرحل. لقد كانت حقاً طفلة لطيفة. كان ولفسكار قد استغرق في النوم فوق رأس أندروكليس فتركه حيث هو. قادتهم غوتزون إلى غرفته بنفسها لرغبتها في تغطية الجني مجددا يتبعها عن كثب أحد الشبان. كانت غاربي ترقد نائمة في السرير وراقبته الخادمة مستمرة بهدوء في حياكة منديل.
أومأت عندما دخل أندروكليس ونهضت لتجهز جانبه من السرير. انحنى أندروكليس بحرص لتستطيع غوتزون الوصول إلى الجني الصغير. ظل ولفسكار نائماً بينما غيّرت صاحبة النزل رداءه الصغير ووضعته برقة في سريره الدمية مؤومدة برضا. وبعد أن غيّر الخادم ملابس أندروكليس تسللوا خارجين دون صوت كيلا يوقظوا غاربي. فور أن غادروا هز أندروكليس الفتاة بهدوء مستيقظاً مراقباً عينيها بحثاً عن بصيص وعقْل.
كان وجهها خالياً في البداية ثم بدا أنها ركزت.
نظرت إليه وقالت: "متعبة..."
وانقلبت عائدة إلى النوم. اغرورقت عينا أندروكليس بدموع خفيفة مما فاجأه؛ بدت الاحتمالات جيدة في أنها ستتعافى قريباً. فتح الصندوق ووضع السكاكين داخله مفكراً في مدى سرور الصيان بها لو أنهما رآها. لن يرياها أبداً ولكنها مع ذلك كانتا ستثيران حماستيهما. وسرعان ما سيجدان طريقة لجرح نفسيهما بها. صعد إلى السرير وغطّ في نوم عميق مفكراً في كلمات غوتزون ومتسائلاً عما يريد حقاً.