كان طعم الحساء لذيذاً. حظي كحارس بميزة عدم الحاجة إلى الانتظار في طابور كبقية الخلائق. تجاوز تاليون الطابور باستغلال امتياز الشخصيات المهمّة البسيط، واتخذ المقعد الأول في مطعم بدا كبيراً نوعاً ما. حصل حتى على طاولته الصغيرة الخاصة. لم يكن مألوفاً هنا أن يتناول الناس الطعام معاً فيما يبدو. جلس الجميع بمفردهم على طاولات بالغة الصغر تكفي بالكاد لوعاء حساء. لا يناسب هذا أسلوب تاليون البتة.
لكنّ الحساء جاء لذيذاً بحقّ. ذكّر لحم الحشرات تاليون بقليل من لحم الضلع الفاخر. رأى استحالة حدوث ذلك البتة. لا مهرب. بدا عمل مهارة اكتساب الهيئة من الطعام وحده شديد السخافة بنظر تاليون. تأمل شاشة الحالة لهيئته الجديدة. خنفساء الظهر الشوكي. اتسمت الحشرة ببساطة بالغة. استثمرت غالبية نقاطها في الصلابة والقوة. حازت مهارة اكتساب الهيئة ميزة أخرى. منحت شاشة الحالة الجديدة تاليون تصوراً جلياً لهيئة المخلوق حال قرر التحوّل.
مخلوق أسطوري. أثار هذا فضول تاليون. علم بارتفاع ندرة الهيئات المكتسبة الآن. أدرجة واحدة أعلى فحسب؟ أم ربما أكثر؟ بدو النادل في غاية الحيرة حين سأله تاليون إن كانت خنفساء الظهر الشوكي ذات ندرة ملحمية أم عتيقة.
رد النادل بحدة: "أأيّ علم لي بندرة ذلك الشيء؟ يا له من غريب أطوار احمق."
لم يحتج النعوت باللطف في هذا العالم، إذ عجز المطعم عن تحقيق ربح على أي حال، فلم يكونوا لطفاء قط. اضطر تاليون للاعتراف بتساءله عما إذا أراد النعوت التصرف هكذا دائماً، أم أن الأمر مجرد عرض جانبي للنظام. شرع تاليون أثناء احتساء الحساء في تفقد مهارات الخنفساء. عديمة الفائدة نوعاً ما. مضحكة أيضاً. وُجدت المهارات المعتادة كتعزيز العضة ومهارة حركية متعلقة بالأجنحة. أشار الأمر للأسف إلى اهتزاز الأجنحة، ممّا جعل تاليون يشك في عملها مع هيئة التنين المجنح خاصته.
تمثلت المهارة الأشد إثارة للاهتمام في قدرة كامنة تتيح للخنفساء إنبات نباتات على ظهرها. عززت النباتات حتى، ممّا يعني نموها بوتيرة أسرع بكثير أثناء التصاقها بالمخلوق. غدت المهارة بحد ذاتها عديمة الفائدة لهيئاته الأخرى، بيد أنّه إن عثر تاليون يوماً على مخلوق أكبر بكثير في المستقبل فقد يستغلها بالفعل. لم يكن الأمر سيئاً إجمالاً. قدّر تاليون حقاً طريقة عمل مهارة اكتساب الهيئة الجديدة خاصته.
انتابه شعور دائم سابقاً بغياب أمور كثيرة كلّما تقمّص هيئة وحش. مجرد حقيقة تمكنه من اكتساب هيئة من الحساء بحد ذاتها كانت مضحكة. امتاز الحساء بذاته بغنى نكهته. شبع تاليون فور تجرعه للصحن كاملاً. تبقت لديه نصف ساعة، وتواجدت وجبات أخرى أراد تجربتها. جزئياً لاختبار المذاق، لكن بغرض تفقد الهيئات غالباً. لُزم عليه توقفات طهيّة في الفضاء المدمج. بدا كل ما عدا ذلك إهداراً محضاً.
طلب تاليون ساشيتي سمك اللؤلؤ وما يفترض أنها سلطة زعانف الذراع. كان الطعام رائعاً، والنادل مزعجاً، وشعر تاليون باكتئاب طفيف جراء الهيئات المستمدة من الوجبات. امتلكت المهارات المعتادة وخلو تام من أي تميز. تخلص من تلك الهيئات فوراً، رافضاً حتى توافر هذه القمامة في مجموعته. شابه السمك المستخدّم في الساشيمي سمك الشمس قليلاً، ممّا لم يلائم ذوقه حقاً. عُدّ تاليون أكولاً جيداً عادة، لكن الطعام تميز بغنى مفرط لسبب ما أجبره على ابتلاع اللقمات الأخيرة كرهاً.
حاول حتى إقناع بذور الدم البدائية بامتصاص جزء من الطعام، لكنها رفضته مباشرة باشمئزاز شديد حال دون إلحاح تاليون بالسؤال مجدداً. فقد تراجع الوقت تماماً أثناء تناوله للطعام، فغادر المطعم على عجل. كاد يلحق تنفس النادل للصعداء بوضوح أثناء ابتعاده. انتظر وليام بالفعل داخل ثكنات الحراس، ناكراً إحدى قدميه بالأرض. وقف هناك لفترة طويلة بوضوح.
تذمر وليام: "تأخرت تقريباً. اجلس الآن. علينا مناقشة ما سنفعله إن حدث مكروه. أفضل شرح كل شيء الآن بدل وقت صراعنا لأجل حياتنا."
بدا ذلك منطقياً لليون، فجلس ليترك الحارس الآخر يشرح، وشرح حقاً. استمر ذلك الأحمق في الكلام فحسب. تمحور جلّه حول شكوى وليام من إجحاف الوضع، والتفوق المزعوم للجنف. أمر لم يختبره تاليون شخصياً حتى الآن. استطرد وليام في الحديث عن التسلسل الهرمي وقدرة المختارين وقادتهم على فعل ما يرغبون به أساساً، بينما توجب عليه هو العمل بمناوبات تمنعه من الارتقاء بمستواه ملائمتاً. استحال الصيد له أيضاً لضعفه الشديد، ولوجود قتلة جنف مختبئين في الغابات.
"هل واجهت قتالاً لجنيف من قبل؟ أجل ربما لا وإلا لكنت هالكا بحق الجحيم. يتنقلون بسرعة في ساحة المعركة بخناجرهم الصغيرة ليقطفوا الرقاب يميناً ويساراً."
"تحاول إصابتهم لكن الاستحالة تحكم الأمر. إنهم فائقو السرعة، والانسياب، والبراعة. كيف لأحد امتلاك فرصة ضدهم؟ لا يقتصر الأمر على القتلة بل كل الجنف. هم أفضل في كل ما يفعلون لذا لا تحاول حتى قتالهم. تمتلك فرصة جيدة جداً لقتل أي شيء أدنى من مستواك عادة، لكن ليس مع الجنف. كلا، هم ببساطة أفضل. يا لحسظي بنجاة من البرنامج التعليمي لأعلق بالدفاع عن قاعدة ضد كائنات متفوقة بكل طريقة."
تذمر وليام وتذمر وتذمر لأكثر من ساعة بلا توقف واحد. رمقهم الحراس الوافدون والمغادرون بنظرات غريبة. نظر البعض إلى تاليون بقليل من التعاطف حين رأوه جالساً هناك مرغماً على الإنصات لثرثرة وليام التي لا تنتهي. توقفت أخيراً بحمد عند حلول وقت التوجه نحو الجدار.
صاح وليام وسط نوبة تذمر أخرى حول ذكاء الجنف المزعوم مقارنة بالبشر قبل أن يكاد يهرول خارج الباب: "بحق الملك نحن متأخرون بالفعل. لم لم تنطق بكلمة؟"
سارع تاليون خلف الرجل الضائع لاعناً هذا الوضع بأكمله داخلياً. توفرت أمور أهم بكثير لفعلها عوض أداء واجب الحراسة. فضل التوارى داخل قبو ما والعمل على دمه أو هيئة تلطيف جسد أخرى. لم تقتصر الجدران على علوها بل اتسكت بسماكة مجنونة، ممّا يعني تفادي القلق من السقوط على الأقل. قادت سلالم مبنية بالجانب الداخلي للجدار نحو الأعلى، وأراد تاليون التعليق على عبثيتها نظراً لقدرة الجميع على الركض صعوداً على الجدار ببساطة، بيد أن وليام شرع في تسلق السلالم فوراً فابتلع تاليون ملاحظته.
سأل وليام مجموعة صغيرة تقف فوق الجدار: "أتينا لنحل مكانكم. أحدث شيء مثير للاهتمام هنا أعلى؟"
تنهد الحارس الأول: "لا شيء مميز. يقسم ريكو هنا برؤيته وحشاً ضخماً في أعماق الغابة لكن هذا كل ما هنالك."
هتف الحارس الذي غالبًا ما كان ريكو، مستاءً بوضوح لعدم تصديق الآخرين له: "أقسم بوجوده هناك. لا أتخيل."
شعر تاليون بالملام لسماعه المزاح. علق على هذا الجدار الغبي بينما يتقدم سائر المختارين أكثر. انتظره الكثير من المهام. إيجاد تشكيلات الانتقال للفضاء المدمج شكّل الجزء الأول من الخطة فحسب. سيتوجب عليه حينها المشاركة في إحدى التجارب الكبرى والفوز بها نيلًا للجوائز التي ستسهل تحرره من سيطرة النظام على أمل.
تمتم وليام بعد مغادرة الآخرين أخيراً: "ستكون هذه ليلة مرعبة أخرى. إما لا يحدث شيء وتضيع وقتك، أو يقع هجوم وقد نموت. حقاً بغض النظر عن زاوية نظرك، هذا مقرف."
"أتعلم، نرصد أحياناً وحوشاً ضخمة قريبة حينها تُسند إلينا مهمة قتلها أو تنبيه مجموعة صيد. إه ما الذي أقوله، ربما تعرف ذلك بالفعل، لكن دعني أخبرك أنه إن رصدنا شيئاً عن بُعد فسأصرخ بأعلى صوتي لمجموعة صيد لتستيقظ الحصن بأكمله."
تنهد تاليون: "حسناً."
قبل جلوسه على إحدى الشرفات المرتفعة بقامته تقريباً. حدق مطولاً نحو الغابة. تواجدوا في واجب حراسة بالنهاية. املك وليام هذه القدرة الرائعة على الاستشاطة غضباً من كل شيء حرفياً. كره الليل لقصور الإضاءة عن الرؤية السليمة. اتسم الليل ببرودة أشد من النهار، وعدّه وقت الصيد المفضل للقتلة. احتقر القتلة كساحر بطبيعة الحال. بدا له فائقي السرعة ومهلكين للغاية. لم يتيقن تاليون في هذه المرحلة إن أعجب وليام صنف واحد.
اتسم المحاربون الثقلاء بالصلابة المفرطة لعدم إرضاء تفجيرهم بتعويذات، واختبأ المعالجون خلف الجميع بلا فعل مزعوم وما شابه. بلغ وليام ذروة أخرى حين وقع تبديل مناوبة مجاور ودخل حراس بأزياء خضراء وبنية قسماً آخر من الجدار على بعد مئة متر تقريباً عنهم.
صاح وليام فوراً بتبرم بصوت عالٍ نوعاً ما: "أه انظر إلى أولئك يا كيفن. حراس إيثان. أه انظروا إلي، أنا رائع للغاية، انظروا لتطاير سهامي أليس مذهلاً؟ أه أنا حراس يتوجب علي البقاء في الخلف دائماً، وأخطئ كل سهامي ثم أسرق القتل بخنجر بينما ينشغل السحر المجتهد باستعادة مانا. خضع أولئك الحمقى للتعميد ربما حتى. يماثل ذلك حرق الأموال تماماً. لم لا تبارك هامسترا أو ديكاً حين تقدم على ذلك؟"
لم يكن هذا ما يمكن للحراس تجاهله بطبيعة الحال.
صاح أحد الحراس رداً: "أيي، أيتسول هذا الأحمق إلقاءه من فوق الجدار أم أن أذناي تخيلان؟"
"كلا يا رامو إنه يرغب بنطحة صغيرة قطعاً."
"لا تنسَ الضرب. يستحيل رميهم قبل كسر بعض العظام أولاً."
سارع الثلاثة بتغيير اتجاههم زاحفين نحو وليام وتاليون. لصار الأمر عادياً لتاليون لو لم يكونوا حراس إيثان. ماذا لو قدموا شكوى رسمية وشم رائحة تاليون بطريقة ما على ملابسهم؟ ستلغى قناع الوهم فور تلقي لكمة كذلك. انعدمت استحالة صموده حال تلقيه ضربة حقيقية بالفعل.
تابع وليام استفزازهم: "أه نجل الشجاعة. ثلاثة ضد اثنين."
فكر تاليون حالياً بالتخلي عن وليام وادعائه عدم صلته بالأمر، لكنه التقى بنظرات أولئك الحراس حينها. لم يرغبوا بتفويت هذه الفرصة بوضوح.
"لمَ لا تجعلون هذا نوعاً من منافسة راب؟ إن تقاتلنا هنا، قد يدق أحدهم ناقوس الخطر وينسحب حراس آخرون من وقت فراغهم المستحق بجدارة. أهذا ما تريدونه حقاً؟"
ابتسم أحد الحراس بخبث: "ه لن يكون خطئنا بل خطؤك. كان عليك إغلاق فمك منذ البداية."
تنهد تاليون. بلغ الأمر حداً مزعجاً للغاية. فعل حينها ما لم يقم به منذ الطفولة.
التفت نحو البرج على يساره صائحاً بأعلى صوت: "المساعدة! حراس إيثان يهددون بإلقائنا من فوق الجدار!"
مقته الحراس وحتى وليام بنظرات غريبة. استغرق الأمر ثانية قبل ظهور رأس أعلى البرج رامقاً الخمسة بأسفل. استمر تاليون بتلويح ذراعيه بوضوح تام لمن أطلق النداء.
"أبجدية؟ عودا أنتم الثلاثة إلى جانبكم من الجدار. ولم تقفون بأفواه فاغرة؟ أتنتظرون نمو العشب أم ماذا؟ يا للهول قد نهاجم من قبل جنف في أي لحظة وتريدون أيها الحمقى إلقاء أحدهم من فوق الجدار بجدية؟"
حمل الصوت كفاية بعيداً عبر الجدران، وتخلى الحراس الثلاثة سريعاً عن خطة العبث مع وليام وتاليون. استمر وليام بالتذمر بالرغم من تحول الوضع بشكل جيد مع عودة الحراس.
"أجل وتلك هي السلطة المتحدثة. يا رجل، لابد أن الحياة شاقة بالجلوس عالياً في ذلك البرج، والحديق إلى الغابة بينما تنال كل المكافآت الضخمة والتعميد. كيفن، أتعلم أن معظم أولئك الرجال أغبياء بحد ذاتها؟ أقسم بأنهم يمثلون تسعين بالمائة منهم. كل قوي اليوم حظي بباكر محظوظ في البرنامج التعليمي. على الجميع خوض مخاطر جنونية للحاق فقط، ولا ناهيك عن أولئك المختارين. رجل، أنا أكره هؤلاء. لم لم أكن أنا من استيقظ بدموية خارقة جعلتني أقوى من الجميع؟ عوضاً عن ذلك، اختفت سريري وموسدي واضطررت للركض عبر أدغال لأشهر."
بدأ تاليون يظن بأن وليام قد يكون المحظوظ حقاً. بقاؤه على قيد الحياة بمثل هذه العقلية بعد كل هذا الوقت يُعد مثيراً للإعجاب بصدق. لكان أولئك القادمون من الفضاء المدمج ممن حاربوا لقرون للوصول إلى الرتبة (إي) قد رغدوا أزبدة حين يسمعونه يتحدث.
"ثم تأتي المعدات. أجل ربما ظننت المهارات هي كل شيء لكن لا لا لا. تلعب المعدات دوراً هائلاً في قوة أحدهم، وحصل هؤلاء المختارون أو البدين هناك في البرج على كل شيء فوراً. تفضل يا سيد الضابط، هل من شيء آخر يمكنني حشوه في دبرك؟ أما زلت تشعر بأنك تعمل أكثر من اللازم؟ أه لا انتظر، لم لا تجرب هذا السلاح الأسطوري وإن لم يعجبك فعد وسأناولك سلاحاً أفضل."
افترض تاليون عدم استماع الرجل الضخم في البرج ببساطة، وإلا لصار وليام فحماً حالياً، لكن لحسن الحظ بدا عدم صحة ذلك. بالطبع، وُجد جانب سلبي أيضاً لعدم إسكات أحدهم إياه باستمرار الرجل بالحديث والكلام والكلام.
فكر تاليون محاولاً التركيز على تعزيز روحه لإنجاز شيء ما على الأقل: "يا للهول، يا لها من ليلة أولى. أتمنى لو يكف أولئك الجنف عن إهاعة وقت الجميع والهجوم فوراً. لا أدرى كم ليلة أخرى يمكنني النجاة خلالها هكذا."