استغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى عثرت عليه إيفلين، وفي تلك الأثناء اضطر ثاليون إلى الاستماع لقصص جاك المرعبة عن مدى سهولة كل شيء.
هتفت إيفلين وهي تعانقه بحرارة: "كم يسعدني رؤيتك مجدداً".
لم تتغير أبداً منذ آخر مرة رآها فيها.
قال ثاليون وهو يبادلها العناق: "وأنا أيضاً، لكن لا بد أن أقول إنني قلق حقاً بشأن كيفية الدخول والأهم من ذلك البقاء دون أن يلاحظني أحد. أراهن أن إيثان يراقِب منزلك".
لم يستطع تذكر آخر مرة عانق فيها أحداً. كان للنظام مزاياه، لكن الحياة الاجتماعية لم تعد قائمة حقاً.
قالت إيفلين وهي تبدأ في إخراج ملابس وقناع من حقيبة الظهر الصغيرة: "نعم، لدينا الغطاء المثالي لك".
أشارت إيفلين إلى الشعار الصغير على زيّها قائلة: "هذا زي حارس عادي، لكن لدينا أيضاً شعار صغير لك تحسّباً لرغبتك في الاستمرار في ارتداء زيّك الحالي. سيلقي القناع وخماً على وجهك يستحيل اختراقه. وإلا فسيتعين علينا وضع بعض مساحيق التجميل. يمكنك منع عينيك من التوهج أصحبت كذلك، أليس كذلك؟ ربما يمكننا أيضاً احضار بعض العدسات اللاصقة لك، لكن في الوقت القصير الذي امتلكته لم أفكر في أي شيء آخر".
لم يكن ثاليون مهتماً البتة بوضع المساحيق أو العدسات اللاصقة.
تمتم ثاليون: "دعنا نكتفي بالقناع والزيّ".
كان يفضل زيَّه الحالي لكونه قوياً للغاية ومريحاً في ارتدائه، لكن الزي العادي كان المسار الأضمن بوضوح. كان الزي ضيقاً بعض الشيء وشعر بتقييد حركة واضح أثناء التحرك فيه. إن اضطر حقاً للقتال بهذا الزي فسوف يمزق لا محالة. ارتدي القناع وشعر كيف يتحرك المانا حوله وحول حواف وجهه. تضمن الزي أيضاً قفازات، لذا فلن يُمثّل لون بشرته مشكلة. غطى وخم القناع عنقه أيضاً، وهي النقطة الوحيدة الظاهرة الأخرى.
بدت الأمور جيدة حتى الآن. لم يكن ثاليون متأكداً فقط من عدم امتلاكهم وسيلة لاختراق الوخوم، وإلا لكان الجنان قد تسللوا بالفعل إلى القاعدة البشرية.
سأل ثاليون: "أمتيقنّة أنت من عمل الوخم؟ أليس هناك من يستطيع كشفه عند البوابات؟"
بدا كل هذا أسهل من اللازم بالنظر إلى حجم تطور هذه القاعدة.
أجابت إيفلين بابتسامة ماكرة: "بالطبع، لكنك معي. لن يحاولوا حتى استخدام مهارة عليك لأنني أفضل بكثير في كشف الوخوم منهم. لا تقلق كثيراً وفقط اتبعني".
"في أمر آخر، أمتيقنّة أنت من وجوب عودتي إلى المنزل الذي تعيشين فيه؟ ما زلت أظنه خطيراً للغاية. لا مفر من مراقبة إيثان لك بوساطة شخص ما. يرجح أنه يبحث فقط عن ذريعة للتخلص منك".
أوضحت إيفلين: "هممم، يمكننا وضعك في الثكنات مع الحراس الآخرين. أعتقد أنك محق. لا بد من وجود أحدهم هناك للمراقبة. ضبطت سايلاس يحاول تتبعي عدة مرات. لهذا السبب جئتُ أيضاً. فوخومي وسرعتي تمنعانهم من تتبعي عبر الشوارع".
خفف ذلك من قلق ثاليون إلى حد ما على الأقل. بات يعرف على الأقل ما يواجهه الآن. ألن تكون بعض مهام الحراسة على السور صعبة إلى هذا الحد، أليس كذلك؟
سأل ثاليون بينما كانا يمشيان نحو إحدى بوابات هذا الحصن القوي بجنون: "قلي، ما الذي يلزموني بفعله كحارس أم ثمة ما يجب علي معرفته؟"
أجابت إيفلين بالثقة نفسها التي لدى جاك: "هممم، ليس الكثير. إن وجدت شخصاً يسرق أو ما شابه فستضعه رهن الاعتقاد. أما القاتل فيمكنك قتله فوراً. معظم من يؤدون مهام الحراسة أضعاف. ستفوق على السور معظم الوقت لمراقبة المحيط. سيصبح الأمر أكثر إثارة حين يبدأ القتال، لكن ينبغي أن تكون قادراً على تدبر ذلك بسهولة".
لم يكن ثاليون من جهة أخرى يشعر بهذا القدر من الثقة الآن، وقد راحت تلك الأسوار تزداد ضخامة كلما اقتربا منها. أصبحت البوابات ضخمة الآن ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الصيادين العائدين. امتلأت البوابة بحراس أكثر بكثير مقارنة بالمرة السابقة. كان الصيادون يلوحون للحراس طوال الوقت، في معرفة واضحة ببعضهم البعض.
سأل أحد الحراس بصوت عالٍ: "أهلاً إيفلين، لقد عُدتِ بالفعل. أي أخبار من جانب الجنان؟"
أجابت إيفلين وهي تعبر البوابة سريعاً وخلفها ثاليون مباشرة: "ليس لدي أي أخبار، ربما في المرة القادمة".
لوح ثاليون للحارس هو الآخر، آملاً ألا يلفت الانتباه كثيراً، لكن كل شيء كان يسير على ما يرام حتى الآن ولم يسأل أحد أي أسئلة. ربما ما كان عليه أن يشعر بكل هذا التوتر في المقام الأول. ربما كانت إيفلين نوعاً من القادة ولن يكون منطقياً أن يسأل حارس عن هويته أو أياً ما كانتا تتحققان منه.
ضحكت إيفلين بخفة: "أهوه، قبل أن أنسى، كيف ينبغي أن ندعوك؟ ما رأيك بهانيبال أو ربما بوبو؟"
قال ثاليون نادماً فوراً على ما تلفظ به: "لا أدري. لمَ لا شيء بسيط مثل كيفين أو مارك؟"
كان الأمر غريباً جداً أن يحمل المرء اسماً مختلفاً.
بدأت إيفلين تضحك بلا توقف: "هاها كيفين. أجل، هكذا أفضل حقاً. لنختر كيفين. كيفين".
"حسناً، حسناً، لنأخذك الآن إلى أحد مساكن الحراس لتؤدي ورديتك الأولى. يمكننا التحدث بالرمز إن احتجت إلى مزيد من المساعدة. ربما نمر أيضاً من وقت لآخر، ولا تبد متجهمامً هكذا. هذا هو يومك الأول في العمل لصالح سولاريون العظيم".
رائع. فكر ثاليون غير سعيد أبداً بالمآل الذي تتجه إليه الأمور. قاما ببعض المنعطفات التي تقربهما من السور الذي بدا بارزاً للخارج كناطحة سحاب. ربما كان قرار وضع مساكن الحراس بالقريبة منه قراراً ذكياً، إذ يمكنهما بذلك بلوغ المعركة أسرع حال هجوم الجنان. بدا حتى الآن أن مزيداً من البشر قد انضموا إلى فصيلة إريك. ربما وجد الملوك طريقة لإرسال المزيد من فانية الفئة إي عبر البوابة؟
الخيار الآخر هو عثور معسكرات البشر الأخرى على ناجين أكثر وإرسالهم إلى هنا. كلما اقتربا من السور بدا وكأنهما يمشيان عبر نوع من حي الحراس. ارتدى معظمهم الزي نفسه الذي يرتديه ثاليون الآن، مع الفارق الوحيد المتمثل في الملصقات العديدة على أزيائهم.
أوضحت إيفلين: "أولئك الذين تحملون الملصقات نفسها التي تحملها هم من حصن إريك. أما الآخرون فقد أتوا من أحد المعسكرات الكثيرة الأخرى. وكل ما هو أدنى أو أعلى عبارة عن شعارات مكافأة لخدمتهم".
انحنت رؤوس كل من رأى إيفلين احتراماً. خمن ثاليون أن إغضاب معالجة والصديقة المقربة لكارغول وورلوك ليس أمراً ذكياً.
فتحت الباب الضخم لإحدى الثكنات وأعلنت بصوت عالٍ: "مرحباً بالجميع. عثرت على موهبة ستفيدكم كثيراً. اسمه كيفين وقد أثبت جدارته أمام أصدقائي وأمامي. وفي المقابل وعدته بوظيفة على السور".
نهض أحد الحراس، وهو رجل عريض المنكبين ذو لحية بيضاء، فوراً وأسرع نحوه.
"بالطبع، بالطبع يمكننا الاستعانة ببضعة رجال إضافيين على أي حال. أهناك شيء آخر يمكننا فعله من أجلك؟"
قالت إيفلين قبل أن تغادر دون كلمة أخرى ومعها حقيبة الظهر الصغيرة التي تحتوي على رداء ثاليون وقناعه: "لا، هذا كل شيء. طاب يومكم أيها القائد".
كان من الأفضل ألا تنسى تلك الحقيبة حين يضطران للمغادرة، هكذا فكر ثاليون. صار يمتلك الآن مهارة رائعة حقاً لصنع درعه الخاص، لكن كانت هناك بالتأكيد أشياء أخرى أراد القيام بها أولاً. مع مهارته الجديدة في اكتساب الهيئة، يمكن لصيد المهارات أن يبدأ حقاً. ربما يعترض طريقه ألف عائق، لكن للمرء أن يأمل.
"إذن يا كيفين، سأضعك في وردية الليل القادمة. لديك عشر ساعات على السور. سيخبرك ويليام هنا بكل ما تحتاج معرفته. سيكون شريكك الجديد أيضاً يا كيفين. تبدأ ورديتك خلال أربع ساعات لذا لا يزال لديك متسع من الوقت. حظاً موفقاً ومرحباً بك في حراس سولاريون. إن كنت مجتهداً فقد تحصل على تعميد أيضاً".
كان ويليام شاباً نحيفاً نسبياً يحمل عصا خشبية بالية في يده اليمنى. كانت عيناه غائرتين بعض الشيء كأنه لم ينم منذ أيام، وبدا شعره الأسود الطويل دهنياً وكأنه لم يره دوشاً منذ فترة طويلة إلى حد ما.
قال ويليام بصوت محبط قبل أن يخطو إلى الخارج: "أحصل على بعض المساعدة أخيراً. لدي أشياء يجب إنجازها حتى موعد الوردية. نلتقي هنا خلال ثلاث ساعات ثم نراجع التفاصيل".
سأل ثاليون الغرفة: "حسناً، أهو مريض أم متفائل بطبعه؟"
مما أدى إلى إطلاق مجموعة من الضحكات.
ضحك حارس آخر: "ناه، إنها ببساطة حياة حارس نموذجي عالق في حرب ضد الجنان. الجنان سريعون للغاية، وهذا قد يكون محبطاً للغاية بالنسبة للسحرة حين يتفادون كل مهارة".
من هناك اندلع نقاش حماسي حول الحرب، وأفضل طريقة لقتل الجنان، وما هو أفضل طعام جديد، ونقص المرايا، ومدى صعوبة الحفاظ على العلاقات هذه الأيام. مع بقاء ساعة واحدة تقريباً حتى موعد لقائه بويليام قبل بدء الوردية، قرر ثاليون تجربة أفضل طعام في المدينة. كان الطعام مجانياً للجميع في المدينة، لكنك تحظى بمعاملة خاصة كحارس، وهو ما نوى ثاليون استغلاله قليلاً فحسب. ووفقاً للحراس، كان أفضل طعام عبارة عن نوع من حساء لحم الحشرات.
وحده الاسم لم يجعله يبدو كشيء قد يأكله ثاليون عادة، لكنه أثار فضوله أيضاً وأراد الآن تجربته. كان اللحم إحدى المواد التي جُلبت عبر البوابة من الفضاء المدمج، ويُزعم أن تلك الحشرات كانت شديدة المقاومة للضرر وهذا ما جعلها تمتلك ذلك اللحم الممتاز. أراد ثاليون أيضاً معرفة ما إذا كان بإمكانه تقمص هيئة الحشرة من لحم الحساء. ينبغي أن يكون ذلك ممكناً نظرياً، أليس كذلك؟