حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 300 — الأمر الدموي

اقرأ حكايات الإمبراطورية الأبدية الفصل 300 — الأمر الدموي باللغة العربية على مانجا تايم.

استيقظ ثاليون ببطء كأنه يصعد من أعماق نوم بلا أحلام. بقي ساكناً للحظة واحدة، محاطاً بالدفء والهدوء وشيء آخر، شيء أعمق. ثم باغته الإحساس. تدفقت القوة في جسده كعاصفة طليقة. رعدت في عروقه وتغنت في عضلاته وطنت تحت جلده كطاقة منصهرة تكاد تنفجر. لم يشعر بقوة مضاهية قط. ولا حتى خلال معركته مع مصاصة الدماء المسلحة بقلب الأركون القرمزي، فقد بلغ هذا المستوى من البأس. بدا الأمر كأن العليق القرمزي لم يكتف بشفائه، بل مزقه وأعاد بناءه ليغدو كائناً جديداً.

شيئاً أعظم. لقد فاض بالحياة والقوة وبغاية تحترق كالنار في صدره. كان لا يزال مستلقياً داخل زهرة عملاقة ملأى بالدماء، تحوطها بتلاتها الدافئة كمهد. احتضنته الدماء بخشوع شبه تام. ومن الواضح أن العليق القرمزي قد تطور، وصار الآن ينبض بالذكاء والسيادة. تميز المكان المحيط به بالسكينة والقداسة حتى لتبدو الريح نفسها راكعة لحضوره. وفي وسط ذلك السكون، سمح ثاليون لنفسه بتنفس الصعداء، ثم استدعى إشعاراته.

وقفت الرسالة الأولى كالتاج فوق العرش. إمبراطورية الدماء (سماوي) ما بدأ شوكة دماء عادية، أيقظها مصاص دماء واعد، قد ارتفع فوق كل التوقعات. ورغم سقوط سيده الأول، نجت الشوك ليغذيها مضيف أقوى وأكثر طموحاً. وتواثقا عهداً غير معلن: الصعود بلا مساومة. ومنذ تلك اللحظة، لم يقتصر العليق على التغذية. بل تعلم. وتكيف. ونما. وتطور لا في الجسد وحده بل في العقل أيضاً. فمن خلال النصر والدهاء والإرادة الصلبة، افترس أبناء جنسه وتجاوزهم.

وبعد تغلبه على سيّد قرمزي أشد قوة، تخلص من صورته السابقة وظهر ككائن متسامٍ. لم يعد إمبراطورية الدماء مجرد نبات، بل صار حاكماً للدماء. سيّداً لجوهرها. يعد هذا التطور نادراً للغاية، إذ لا يتجلى قط قبل الرتبة سي المبكرة ولا عبر العون السماوي وحده. إنه درب يُصقَع بالقناعة ويُشحذ بالنضال المستمر. لا يكتفي إمبراطورية الدماء بالنمو، بل يهيمن. ومن هذه اللحظة فصاعداً، لن يعلوه أي مزارع دماء.

ابتسم ثاليون بتهكم. لقد بدا نبات مصاصة الدماء، السيّد القرمزي، قوياً إلى حد كبير ذات يوم. أما الآن، فلم يكن سوى مجرد عتبة. كانت فكرة قدرة إمبراطورية الدماء على التلاعب بالدماء مثله أمراً مثيراً للاهتمام، رغم أمله في ألا يتنافسا عليها. فقد تصبح الأمور فوضوية. فتح شاشة حالته. المستوى تسعة وسبعون. البداية فحسب. وزّع نقاط خصائصه الحرة بسرعة على الرشاقة، فالفعل الآن أفضل من نسيانه لاحقاً.

والغريب أن بقية خصائصه لم تتغير كثيراً. حصل على أربعمائة نقطة حيوية في المرة الأخيرة، لكنها بقيت الآن راكدة بلا مساس. أمر محير، لكنه غير مهم بالمرة. ما يهم هو الواقع، وقد استطاع لمس التغيير. هذا كل ما احتاج إليه. تغيرت مهارتان من مهاراته. إحداهما لم يتذكر اسمها الأصلي، وحملت الآن عنوان إرادة إمبراطورية الدماء. لم تفعّل ولم يظهر لها وصف. وغالباً ما كانت مهارة كامنة. أما الأخرى، الحديقة القرمزيّة، فتطورت إلى أدغال إمبراطورية الدماء.

أثار الاسم وحده صوراً لجمال فوضوي وطبيعة عنيفة. صنفت الاثنتان الآن ضمن النوادر السماوية، وهي أعلى ندرة رآها، على خطوة واحدة من السيادة. حتى عرقه صعد إلى الرتبة السماوية. لا عجب في شعوره بأنه لا يقهر. مع ذلك، أزعجه غياب أوصاف المهارات. فقد أحب معرفة الأدوات التي يعمل بها. كانت الأدغال واضحة بما يكفي، لكن الإرادة؟ قد تعني أي شيء. فالقوة بلا معرفة تهور. لكن الأمر وجب تأجيله الآن.

ثم باغته الإحساس. انقشع الضباب وعادت الذكرى كحد السيف عبر الضباب. كان لا يزال في السراديب. في آخرها. وكان على وشك تدمير العمود الأخير. رفاقه يقاتلون. يموتون. وكان قد دُفن في خضم تحوله بينما واجهوا الفناء وحدهم. وكأن إمبراطورية الدماء المتطور حديثاً استجاب لأفكاره. امتص جسده بركة الدماء التي رقد فيها ثاليون، إضافة إلى الزهرة التي ولدته. ومع انحسار الخيوط القرمزية، نهض ثاليون ببطء مطارداً غشاوة تحوله برموشه.

لكن ما استقبله لم يكن رهبة أو إعجاباً، بل ارتباكاً. وقف نصف دائرة من مصاصي الدماء محيطة به، وتلألأت عيونهم القرمزية بالجوع والفضول. وأغلق الممر المؤدي للأعلى حاجز أحمر ضخم ينبض إشعاعاً بسحر غامض. انزلق بصره ممسكاً بالأموات الأحياء المتجمعين، حتى استقر على شخصية جمد وجودها دماءه، أخيت. وقف الكائن الشبيه بالموت الحي بسكون مقلق، باثّاً هالة من الشر الخفي. بدا مألوفاً بصورة تطارده، رغم عجز ثاليون عن تحديد هويته تماماً.

وقف عن يمين أخيت ميت حي شاحب يرتدي رداء، وغالباً ما كان الموت الحي سيئ السيت إلياس، وعن يساره مصاص دماء يرتدي درعاً أسود مسنناً. بدا المرتدي للدرع متأهباً بطمع يكبح بالكاد، ولم تكن نظراته مثبَتة على ثاليون بل على النبات القرمزي المتراجع في ظهر ثاليون. وبدا جلياً ما يبتغيه: إمبراطورية الدماء. استشعر ثاليون الخطر في الجو كشحنة كهربائية قبيل العاصفة. امتلك من القوة الخام أكثر مما امتلك أخيت، وقد شعر بها في عظامه، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً.

القوة وحدها لا تكفي. فهدوء أخيت وحضوره العتيق وهالته تنطق بآلاف السنين من القتال والبراعة. صقل ثاليون مهاراته في القصر الذهبي فهزم الكثيرين، لكن هذا... هذا شيء آخر. لم يلحظ هالة أخيت الشريرة إلا الآن. لقد سكر بالقوة. وكاد ذلك يقتله. وحين تلاشت الزهرة تماماً تحته، هبط ثاليون إلى الأرض ودرس أخيت بدقة أكبر. ثم أدرك الحقيقة: لقد شعَر بهذا النوع من الهالة من قبل، خلال لقائه بالمهووس الذي استحوذ عليه خارجي، ذلك الذي استعار منه عمود الخوف.

واستخدم لقبه ليغوص أعمق. أخذ الأمر وقتاً، لكنه أكد شكوكه: لقد ارتبط أخيت أيضاً بخارجي. لكن على عكس ثاليون، لم يقتصر أخيت على استعارة القوة. بل هيمن عليها وصقلها وجعلها تطيعه. بدا الأمر منطقياً. فمن هم مثل أخيت، المولودون في عصر مختلف وعالم مختلف، وربما بعمر مليون عام، أتقنوا أشياء بالكاد يتخيلها ثاليون. لم يكن يمارس قوة غريبة فحسب، بل حولها إلى شيء فريد خاص به. ما العمل الآن؟

إلقاء التحية؟ قول تعليق ذكي؟ لم يدرِ شيئاً. تفرّسه مصاصو الدماء كالذئاب المحيطة بفريستها. وخصوصاً ذاك المرتدي للدرع الأسود الذي بدا شَرِهاً بحق. لم يتطلب الأمر لقباً ليدرك رغبة أخيت في قتله. فقد كُتب ذلك جلياً على تعابيره. رغم ذلك، التزم ثاليون الصمت متبادلاً نظراتهم بتركيز بارد بينما تأقلم مع القوة الجديدة السارية في جسده. بدت غريبة ومألوفة في آن، ولادة جديدة. أطرافه، حواسه، بل وحتى إيقاع نبضات قلبه، كل شيء تغير.

لكن أخيت لم يمنحه وقتاً طويلاً للتأمل.

قال أخيت وصوته كالصقيع المتشقق تحت الضغط: "تتمتع بجرأة لا بأس بها، أيها البشري. لترقية نبات دمك هنا، في سراديب".

اخترقت عيناه عيني ثاليون، لكنه لم يرمش. بل احتفظ بنظراته للوقت المناسب.

تابع أخيت: "تطلعت بشوق إلى مذبحة مجيدة. لكن انفجاراً هز المستويات السفلى من قصري. لك أن تتخيل مفاجئتي حين أخبرني مصاصو الدماء بالعثور عليك. إذن، سأترك الجن والبشر يعيشون الآن. سأستمتع بقتلك أولاً. ثم أتفرغ لأصدقائك وعائلتك".

قهقه لتتردد أصداء الضحكة في الغرفة كشفرات صدئة تحتك بالحجارة. لقد كانت ضحكة شخص مختل عقلياً حقاً. فاق هذا الأمر التوقعات سوءاً. لكن ربما... ربما استطاع الهرب. كان الطريق للأعلى مغلقاً، لكن درب الأسفل ظل مفتوحاً. ومع قوته الجديدة، قد ينجح في سباق أخيت. وربما شكل التشكل الضبابي المفتاح. لكن ثاليون احتاج إلى الوقت الآن، وقت ليتعلم أكثر.

أجاب بنبرة عادية: "يبدو ذلك عادلاً. لكن ألا تتكرم ببعض الأسئلة قبل أن نبدأ؟ سمعت الكثير عنك، ولم يؤكد إلا القليل. كما أن بعض قومنا عبدوا ملكاً يُدعى را، ملك الشمس والنور. وبرؤيتك الآن، أشك في أنه كان سيّدك".

انحنى قليلاً آملاً أن يثدي الففضول يد أخيت. ضاقتا عينا أخيت، لكنه فجأة انفجر ضاحكاً.

"هاهاهاها! سيّدي؟ ملك نور وحياة؟ يا لها من مهزلة!"

التوت ابتسامة أخيت إلى تعبير قاس.

"لا عجب في عبادة قومك له، فقد تشوهت عقولهم بالأكاذيب. وربما كان ذلك جزءاً من تجربته الكبرى".

سجل ثاليون تلك المرارة ولم يضغط أكثر. بل غير تكتيكه.

"أصحيح امتلاكك لفئة سماوية؟ وعرق يا للهول؟"

لم يكن أخيت ممن يلقون خطباً بلا داع، لكن الغرور ربما أبقاه متحدثاً. وبدا أن ذلك نجح.

سخر أخيت: "طبعاً أمتلكهما. فئة وعرقاً إلهيين. لولا تدميرك لثلاثة أعمدة لما خرجت إلا بجزء ضئيل من قوتي. وسيستغرق الأمر سنوات للتعافي. ولكن بما أنك ساعدت في كسر جزء من روحي، فسأسر جداً برد الجميل".

تصاعدت هالته مع تلك الكلمات. لم تكن ضغطاً فحسب، بل كانت مخنقة. قوة خונية متسللة تثقل العقل وتتبلد الحواس. قبض ثاليون على يديه متبثاً نفسه. حسناً، يا إمبراطورية الدماء، حان الوقت لنري هذا الوحش ما صرنا إليه. ومما أثار دهشته، تدفق موج من الطمأنينة في جسده. موجة من النية الوحشية، باردة وحازمة. لم يستجب إمبراطورية الدماء بتردد، بل بشغف للدماء. زالت إرادة العليق القرمزي المترددة.

وأصبح الآن سلاح مذبحة، بلا خوف تماماً، مصوغاً في الدماء ومتعطشاً للمزيد. ابتسم ثاليون. لنرَ إن كان أخيت مستعداً لهذا.