لم يشكّ ألطيريون أبداً في قدرة إيلاريا على قهر البشري في نزال، ولو سمحت له بذلك، لكان يسعده أن يوجه الضربة القاضية بنفسه. بيد أنه، استناداً إلى الحقد المشتعل في عينيها كلما ذُكر البشري أحمر العينين، بدا ذلك الاحتمال بعيد المنال. كانت تمقت البشر من كل ألياف كيانها. لقد رأى ألطيريون ذلك بنفسه، وكيف كان فكها ينقبض وتتحول يداها إلى قبضتين كلما أتى أحد من بني قومهما على ذكر البشري الذي يُزعَم أنه قتل ابنها.
تكهن العديد من الجان بقوة البشري الحقيقية، متساءلين عما إذا كان بإمكانهم هزيمته في قتال مباشر. أذكت هذه الأسئلة المهموسة لهيب غضب إيلاريا، إذ كانت تلمح إلى أن ابنها، الجني المولود من دماء نبيلة، كان أدنى مرتبة. بالنسبة لنبيلة فخورة مثلها، كانت مثل هذه التلميحات لا تُطاق. وما اختبر صبرها أكثر هو طريقة حديث الآخرين عن ابنها وكأنه قد مات بالفعل. رفضت إيلاريا تلك الفكرة تماماً.
تمسكت بالاعتقاد بأنه لا يزال حياً، وينتظر من ينقذه، وأقسمت على فعل ذلك בדיוק. ارتاب ألطيريون في أن هذا اليقين ينبع من غريزة الأمومة، وهو حب شرس لا يلين، يجذب الإعجاب ويحطم القلب في آن. كان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الآخرين يحجمون عن مواجهتها بقسوة مبالغ فيها. أما السبب الآخر فأكثر براغماتية: قوتها. في المعارك ضد مصاصي الدماء، أظهرت إيلاريا قوة استنائية تتجاوز بكثير ما يتذكره.
لم يكن تحسناً مجرداً، بل كان تحولاً. كلما دُفعت إلى حافة الهاوية، كان هالتها ترتفع أكثر وأقوى، كعاصفة تواجه مقاومة. شك ألطيريون في أنهم قد رأوا حدودها أصلاً. وتساءل في سريرته عما إذا كان بإمكانه هو نفسه التفوق عليها الآن، إن آلت الأمور إلى ذلك. حتى الآن، ستقدمهم بنجاح مدهش. أُبرز أعضاء المجلس على كشف الكثير من قوتهم، لكن ألطيريون نجح في كبح جزء كبير من طاقته الخاصة، وهي ميزة قد تتبين حيويتها لاحقاً.
هذا ما اعتقده على الأقل. لكن كل شيء تغير حين خطوا إلى الغرفة التالية. برزوا في قاعة واسعة تشبه المكعب، يفوق ارتفاعها وعرضها مائة متر، بجدران أوبسيديانية ملساء ابتلعت ضوء الشمאל. مباشرة إلى الأمام، انفتح ممر آخر على ما بدا وكأنه الغرفة الأخيرة. وفي قلبها، استطاعوا لمس البَوّابة الحجرية المشوهة، وهي تلتفت وتنبض وتشع طاقة مظلمة. لقد اقتربوا. اقتربوا جداً. لكن الطريق عبر الغرفة لم يكن بسيطاً بأي حال.
كانت تعج بمصاصي الدماء. المئات منهم. ولم يكونوا كهؤلاء الذين تقاتلوا معهم من قبل. تحركوا بعزم، مرتدين دروعاً مسحورة، بينما أجسادهم تشع بخبث مركز. ومن بينها، قرب مركز القاعة، وقف ما هو أسوأ، بشر أموات أحياء. تشبث جلدهم الجلدي بهياكل غائرة كرق مقصوص فوق عظم، وتألقتا عيونهم بضعف بضوء غير طبيعي. بدا بعضهم حديث الموت تقريباً، وآخرون كجثث أُخرجت بعد أسابيع في التراب. مع ذلك، شع كل منهم بالقوة، بهالات بقوة مصاصي الدماء الأعلى مرتبة.
لكن لم يكن هذا ما جمد الدم في عروق ألطيريون. في المركز، وقف شخصية واحدة، طويلة، نحيلة، وخطأ تماماً. بدا الزمن وكأنها تتباطأ لحظة رؤيته لألطيريون. احتبس نفسه في حلقه. دق قلبه كطبول الحرب. وهناك، مبتسماً ببهجة خبيثة، وقف جثمان الأمير الجني. فقط لم يعد الأمير. الكلي الذي يرتدي وجهه لا يزال يحمل نفس الملامح الملوكية، لكنها مشوهة، محرفة. نُحتت رموز مظلمة في لحمه كعلامات كي، تنبض بضعف بقوة جحيمية.
هالتها النبيلة سابقاً تحولت إلى شيء بشع. تموج الهواء من حوله وكأنه يتراجع عن ثقل محض حضوره. حتى من مسافة بعيدة، استطاع ألطيريون الشعور به يضغط على عقله، قوة قمعية خانقة تفوقت حتى على قوته الخاصة، معززة كانت أم لا. لم تبدأ المعركة بعد، ومع ذلك وقفت كل شعرة في جسد ألطيريون رعباً. بدا الأمر وكأن البرق قد ضرب الأرض بجانبه. ما شاهده تحدى كل ما يعرفه، مقيت، سخرية من حياة الجان، كابوس منحوت في لحم.
صعد الغضب بداخله كمد بحر. انقبضت قبضتاه من تلقاء نفسيهما. توترت عضلاته تحت درعه، مرتجفة لا خوفاً، بل من غضب مكبوت بالكاد. لم يعد الأمر قراراً، تحرك جسده قبل أن يمنعه عقله. بلا كلمة، اندفع ألطيريون إلى الأمام. اشتعل سيفه بضوء محرق، وتأججت هالته كحريق غابات. انفجر زئير من حلقه، صوت ألم وغضب وحرب. أجابت القاعة بالفوضى، بينما استدار الموتى الأحياء لمواجهة تقدمه. لكن ألطيريون كان قد حسم أمره بالفعل.
لن يكون هناك تراجع. لا رحمة. سوى الانتقام.