نهضت فوراً حين شممت رائحتهم. الخوف. الكثير من الخوف.
"أشممتهم، أمَا زلتَ كذلك؟"
سألني مَليكي. ربت على كتفي بحنان، كأنني كلبه الوفيّ.
"أحسنتَ يا تال. نعلم أنهم هناك. يحاولون مباغتتنا ونصْب كمين لنا في الصباح."
لم أجب، بل وقفتُ منتظراً أمر مَليكي.
قال: "سنُظهر أننا أقمنا معسكرنا حتى حلول الظلام، وحين يُبدّل كشّافتهم نوباتهم سنرسلك أنت وإخوتك لقتلهم."
وزاد: "بعد ذلك، وحين يعجزون عن إرسال الرسائل، سنمتطي الخيل طوال الليل. جيشهم يحتاج إلى الراحة، أما جيشنا فلا."
ذكّره حاشيه: "أنت تحتاج إلى الراحة يا سيّدي. لقد بقيتَ مستيقظاً طوال ثلاثة أيام."
ردّ رافضاً الاهتمام: "أشعر بحال جيدة."
أصرّ الحاشي: "إنه سحر التاج. ستدفع ثمن هذا الأرق في المرة القادمة التي تخلعه فيها."
وعده المَلِك: "إذن سأترك الوقت يستوفي ديوني حين تحين آجالها."
ولوّح بيده معلناً وجوب صمت الرجل. كنت أقف في زاوية الغرفة، أسمع وأشاهد الرجال وهم يتأملون الخرائط ويناقشون الاستراتيجية. لم أكن مهتماً. لم أكن أبالي بعدد الجثث التي نخسرها أو نكسبها في المعركة القادمة على عكسهم. لم أكن بحاجة إلى معرفة الخطة العامة. كنتُ في ذلك الاجتماع أقل نفعاً من السكين التي تُثبت الخرائط. مجرد زينة، ورمز لمعارضي خطة المَلِك المحتملين. كنت أنتن رائحةً بالدم، وليس فيه قطرة واحدة تخصني.
كان حريّ بي أن أستحمّ فيه من الأساس، فقد لطّخ درعَ الجلد حتى بدأ يتعفن. لكن هذا لم يكفِ لإخفاء رائحة الخوف. لا رائحة الخوف العالقة بالريح، ولا الخوف داخل الغرفة. وكان في الغرفة ما يكفي من الخوف. وحدَه المَلِك لم يحمل تلك الرائحة. اقترب الغسوب أخيراً. دخل كشّاف حيّ ليحمل تقريراً يفيد بأن العدو قد استبدل الكشّافين المراقبين لجيش الموتى الأحياء، وقد حان وقت التحرك.
التفتَ مَليكي إليّ، وقال: "تال. توجّه في ذلك الاتجاه. اقتل كل حيّ، رجلاً كان أو امرأةً أو طفلاً، تصادفه. استمرّ في المسير بخطوة ونصف حتى الصباح، ثم عد إليّ."
ضربتُ صدري بقبضتي تسليماً، وقتلتُ مسكينين في طريقي خارج المعسكر. أظنهما كانا طبّاخين. شققت طريقي بيسر وسط الموتى الأحياء. غير مغتسلين ومعفنين، لم يزعجوني ولم أزعجهم. جلسوا صامتين، لا يراقبونني ولا يحيدون ببصرهم عن نظراتي. لكنهم تحركوا ليبتعدوا عن طريقي. كنت أشعّ بهالة من السيطرة، فقد كنتُ أجرب تلك الطاقة التي تغمرني، وتغمر تاج المَلِك. وحين كان أسهل إرسال ومضة سيطرة إلى أحد الأتباع ليُخلي لي الطريق، فعلت.
وحين كان أسرع أن أدور حولهم، فعلت. سيّان عندي الأمران. انفرجت الحشود، وكان هذا ليبعث الرعب حتى في قلب المَلِك لو أنه كان هناك ليرى ذلك. ربما كان ليهلكني حينها. ربما كان ليعيدني إلى الكهنة ليروا ما الذي ميزني. ربما كان ليمهّد بي هدية لأبيه. أظنني لن أعرف أبداً. فحين أدركتُ أنني أفعله شيئاً غير مألوف، كان المَلِك قد مات. لكني أتسرع وأستبق الأحداث. مشيت بخطوة ونصف ثابتة، حتى بلغت تخوم الجيش عند الغسوب تماماً.
واصلت المسير وسط الظلام حتى التقطتُ رائحة رجل حيّ. عندئذ جريت بصمت عبر عشب السافانا حتى بلغته. رآني مقبلاً فرفع صفارة إلى شفتيه ونفخ فيها بقوة. لم يصدر أي صوت، فقد منحني المَلِك رُميزَة سحرية. لطخها على ظكري فور مغادرتي. لقد خفّفت من حدة الأصوات حولي في نطاق مئة ياردة. مات الكشّاف في صمت، مقاوماً لفترة قصيرة وهو يحاول إطلاق الإنذار. ثبتُّه وأنفذت سيفسي ببطء في صدره، متذكراً الغلام وأنا أفعل ذلك.
لا تزال تلك الصورة ماثلة في عينيّ. أتساءل لِمَ. مات. ثم نهض واقفاً. أخذته معي، وخلية دقيقة من السيطرة تربط إرادته بإرادتي بينما واصلت المسير في الاتجاه الذي أمرت به. عثرت على ثلاثة كشّافين. فاكتسبت ثلاثة أتباع. تيقظ العدو، ولكن قبل خمس عشرة دقيقة فقط من انقضاض الحشد عليه. لم أكن هناك، بل كنت أمضي في الاتجاه الخطأ، كفراً ماشياً. كان يفترض بالموتى الأحياء أن يطيعوا لا أن يقودوا.
ورغم ذلك قدتُ. لم أكن أعلم أنه كفر. كنت أراهم كما يراني البشر. امتدادات لإرادتي. كانوا نَصلي، وكنتُ يد المَلِك، وإرادة المَلِك حركتنا معاً. كانت معادلة بسيطة بالنسبة لي. كان ينبغي أن تثير الرعب في قلوب صانعيّ، لكنهم اعتادوا أشياء ترعبهم، وإلا لما صنعوني من الأساس. عدت إلى الجيش عند الصباح، وضاع أتباعي وسط الفوضى وحشد الأجسام. عثرت على المَلِك بيسر عبر تتبع خطوط الطاقة وصولاً إلى تاجه.
كان يتفقد خراب معسكر العدو الذي مُني بالهزيمة الساحقة. كان ثلث قواتنا يطارد العدو المنسحب. ستبدأ خيلهم بالموت قريباً، وحينها سيُقضى عليهم. ويكون نصرنا حتمياً.
قال ناظراً إلى يديه: "كنت أتوقع أكثر من ذلك في معركتي الأولى."
نظر إليّ وابتسم: "أحسنتَ يا تال."
لم أشعر بأي سرور للمديح. اكتفيتُ بضرب صدري بقبضتي ووقفت حارساً إلى جانبه وهو يبدأ في تلقي تقارير الخسائر. أو انعدامها. لقد كسبنا خمسة آلاف جثة إضافية، وفقاً للتقديرات. وخسرنا ألفين من مدنيينا المتفاوتين، لكننا كسبنا سبعة آلاف رجل في الدروع. كان الضباط الأحياء بينهم الآن، يحصون الرؤوس. يقومون بالجرد. ابتسم المَلِك. نصر عظيم. أول انتصاراته الكثيرة. بدأنا المسيرة الطويلة نحو عاصمة دالتيان، تاركين الخراب وراءنا.
* * * مضت ثلاثة أسابيع أخرى قبل أن نلقى مقاومة جديدة. نمت صفوفنا ببطء أكبر من ذي قبل؛ ولم يتباطأ مَليكي كما اعتاد. والآن بعد أن تلطخ بالدم في معركة حقيقية، وجد الثقة تغمره. وكما باح لي، فرغم المذبح التي استهلّ بها حملته، فإن إمبراطورية زوزهايم أرادت حقاً بعض الفلاحين لتحكمهم بعد قضاءها على الدالتيين. طهّرنا ثلاث مدن في طريقنا إلى العاصمة، متسلقين الأسوار جماعات، ومستخرجين أولئك الحمقى الذين لم يفروا من مخابئهم، لنضربهم بالسيف.
بيد أن معظم الموتى الأحياء لم تكن بحوزتهم سيوف، ولذا فقد خنقوهم أو عضّوهم أو مزّقوهم حتى الموت. لابد أن الألم رهيب، لكي تخشاه الكائنات الحية إلى هذا الحد. ووجدنا تدريجياً أن عملنا أُنجز نيابة عنّا، إذ كانت الجثث تدخل معسكرنا تلقائياً وحبال المشنقة تلتف حول أعناقها، أو شرايينها مفتوحة، أو شفاهها سوداء بآثار السم. أخذ المَلِك من ذلك رضاً قاتماً. وكنت أشعر بما أعهده دائماً.
منقطعاً عن العالم، مهتماً بيسير، وغير مكترث في معظمه. لم أكن أبالي إن عاش الأحياء أو ماتوا. لم أكن أبالي كيف يموت الأحياء. بل لم أكن أبالي إن مات الأحياء أصلاً. باستثناء واحد. لم يتراجع المَلِك قط عن أمره بضمان ألا يموت. لذا شغلت عقلي باحثاً عن طريقة لأجادل بها الفناء والموت، حتى وأنا اعبث باسترخاء بخيوط الطاقة الملتفة التي سارت عبر تاجه وإلى الجيش المحيط بنا. ثم وصلنا إلى عاصمة دالتيان.
وبدأ حصار بالاندرياس.