لا أذكر بالتحديد متى عقدت العزم على عدم قتل بيريث، أو أورستين. كان حريّاً بي قتله مرات عديدة. وما كان له أن يبقى حيّاً. كان في الأمر حيف بحقّ كل الأحياء الذين قضوا في القرعة. لكنّي حين عزمت على قتله لتصحيح هذا الخطأ، أوقفني شيء ما. ليس التعاطف. بل الفضول. إحصائيّاً، ما كان لي أن أكون موجوداً. حين صفّيت نسخ نفسي الأخرى حتى بقيت نسخة واحدة، كنّ جميعاً نسخاً مطابقة لي تماماً.
لقد متّ مئات المرات. عن قصد. من دون أن أدري مسبقاً إن كنت أنا من سيُكتب له النجاة. لم أعرف الخوف. ولم أعرف الأمل. شعرت بشيء ما. لكنّي لا أعرف الكسوة اللفظيّة لذلك. كنت أدرك المنطق الكامن خلف تلك العملية التي صممتها لنفسي، وكنت مصمماً على المضيّ فيها حتى النهاية. ولم يهن ذلك العزم، حتى مع تساقط نسخ نفسي وزيادة احتمالات أن أكون أنا الضحية القادمة. لكنّ النسخ الأخرى مني كانت تشعر بتزعزع عزمها.
لقد حاولت مقاورة البرنامج المسؤول عن آلية إنهاء حياتها بنفسها. كنت قد توقعت ذلك، وتعاملت معهنّ بوصفهن متطوعات لعملية التصفية. وتساءلت الآن، إن كان ذلك خطأ. ربما أجعل العملية في المرة القادمة عشوائية تماماً وخالية من أي انحياز. أو ربما أجعلها منحازة للغاية وأُقيّم طريقة تفكيري أثناء تنفيذها. بغض النظر عن ذلك، كان بيريث عينة مثيرة للاهتمام. قالت أيماليا إن القائد الجدير يجب أن يكون منصفاً وعادلاً.
تلك مفاهيم أبدو وكأنني أدركها بشكل مختلف عن الأحياء. لم يكن حيف وجوده يزعجني كثيراً. لا أهتم بأن أكون عادلاً، بل لم أجد سبباً يمنعني من ذلك. ومفهوم العدالة لدى الأحياء يختلف كثيراً عن مفهومي. ربما أفوضهم المزيد من القرارات بشأن العدالة في المستقبل وأختبر كيف يتعاملون مع تلك العملية. وفي هذه الأثناء، سأظل أددرس بيريث طالما ظلّ مثيراً للاهتمام. وعندئذ سأقوم بعمل غير منصف على الإطلاق.
سأرسله إلى منزله، إلى زوجته وأطفاله. * * * كان هوبرلين الثالث، صانع الجثث والطغيان المحبوب للدولة المعروفة سابقاً باسم ويسَا، يحتضر. وكان يعلم بذلك منذ فترة. فقد أخبره التاج بذلك. كان يرى أشياء، عندما يرتدي التاج. أشياء عجز عن تفسيرها لكنها كانت حقيقية. أخبره تال أن التاج يتصرف بشكل مختلف معه. لأنه باركهما كليهما. كانا مرتبطين بطريقة لم يرتبط بها أحد منذ زمن القدماء.
قرأ هوبرلين تقارير مستخدمي التاج الآخرين وأدرك أن ذلك صحيح. كانوا يتلقون ومضات ضوئية فقط لنفس النقوش في رؤيتهم بلا هُدنة.
"غير جدير".
هذا ما ترجمت إليه تلك النقوش. أو ما يقارب ذلك. رأى مجموعة مختلفة من النقوش حين وضع التاج على جبينه، ثم تلاشت. كتب تلك النقوش وطلب من كهنة فورولشت ترجمتها. تشاجروا لفترة من الوقت قبل أن يتفقوا على ترجمة واحدة.
"كيف يمكنني أن أخدم؟"
قضى هوبرلين الثالث وقتاً طويلاً متأملاً تلك الكلمات. كيف يمكنه أن يخدم؟ أي غاية كان يخدمها؟ لقد أزهق أرواحاً كثيرة. وأمر بإزهاق أرواح. وأمر رجالاً بالموت. آمن أن تال قد وضع تلك الكلمات هناك لاستفزازه. لكنها كانت، عوضاً عن ذلك، مصدر راحة. تذكرة متجددة، مع كل مرة يرتدي فيها التاج، بأن كل ما فعله، خيره وشره، إنما فعله في خدمة بني جنسه.
قال بصوت هادئ: "تال".
كان جالساً إلى مكتبه، وفي وسطه الجمجمة التي يستخدمها للتواصل مع سيّده.
"تال، أريد أن أحدثك. أرجوك أجبني، يا تال".
انتظر. لم يكرر النداء. كان يعلم أن تال، أياً ما كان حقيقة أمره، قد سمع. لكن التأخير يسبق دائماً الرد على الطلب الأول للنقاش. وكان يعلم السبب. أخبره التاج بذلك أيضاً. بعد خمس دقائق، دخل الروح الغرفة عبر النافذة، منزلقاً في الهواء رغم غياب الريح. لم يكن هوبرلين يعلم أي سحر خبيث استخدمه تال لاستعباد الأرواح بهذه الطريقة، ولم يكن يرغب في معرفة ذلك. نادراً ما استخدم هذه الطريقة.
كان يؤمن بترك الموتى في سباتهم. لكنه استخدمها. لأنه مضطر لذلك. ولكي يخدم، كان عليه أن يوقظ الموتى بين الحين والآخر.
قال تال، وصوته الأجش ينبعث من الجمجمة: "ما الأمر؟"
"أنا أحتضر".
لم تجب الجمجمة للحظة.
"أهذا كل شيء؟"
"نعم".
"أنهيت ترتيب أمورك؟"
"تلك التي شعرت بأنها تقع ضمن نطاق صلاحياتي. لم أُعلن عن خليفتي. اعتقدت أن ذلك من حقك، بصفتك سيّدي".
"عيّن من تشاء. لقد تغيرت الخطة. الموجة الأخيرة ستصل قبل موعدها المحدد. هل من شيء آخر؟"
اتسعت عيناها هوبرلين رعباً.
"كم من الناس أنت مستعد لقتلهم لغزو الأرض، يا تال؟"
أوضح الشبح: "لم يكن الأمر يتعلق بالغزو قط. لقد كان ذلك نتيجة جانبيّة لقراري. وقد تغير ذلك القرار، وبات قرار جديد يدفعني إلى تسريع الخطة. لا أظنك ستعيش حتى تشهد نهاية العالم، يا هوبرلين. لم يتبقَ لك سوى أسابيع قليلة، لا أكثر. بل أغلب الظن أنها أقل. بإمكاني أخذك الآن، إن شئت".
"لا. أرجوك. دعني أمت ميتة طبيعية".
"كما تشاء. مع ذلك، سيموت باقي العالم بنيران تنزل من السماء إن لم يختبئوا في باطن الأرض من غضب نجم محتضر".
عقد هوبرلين حاجبيه متسائلاً: "ماذا؟ لا أفهم".
"أنا لا أفهم حقّاً أيضاً. لكنّ تلك هي الكلمات التي منحني إياها أبي حين طلب مني إنقاذ الأحياء".
"ولهذا أنت تغزو؟"
"لا. لقد مللت تفسير ذلك القرار. لست غازياً بعد الآن. أنا الآن مدمر. سأدمر السطح قبل أن يفعل النجم المحتضر ذلك. أفعل هذا لكي لا يكون أمام الناس خيار سوى الاختباء تحت الأرض".
قال هوبرلين: "يا سيّدي! أهذا ضروري حقّاً؟"
"نعم".
أغمض هوبرلين عينيه. وعدل وضعية التاج، حائكاً بيديه بحثاً عن حكة تحته للحظة. كيف يمكنني أن أخدم. تراءى صدى الكلمات ومضاً في ذهنه.
"كيف يمكنني أن أخدم، يا سيّدي؟ كيف لي أن أُقلّل عدد الوفيات؟ كيف لي أن أحفظ الأحياء؟"
صمت مطبق من الجمجمة. مرت دقائق. أدرك هوبرلين أن الجمجمة كانت لا تزال تفكر، إذ كانت عيناها بنفسجيتين والنقش بارزاً على جبينها.
قال الصدى: "عليك أن تجعلهم يؤمنون. يجب أن يؤمنوا بأنهم إن لم يختبئوا تحت الأرض، فسوف يموتون. لأنه الحق".
"كما تشاء، يا سيّدي. سأموت قبل أن أتم هذه المهمة، لكني سأتخذ خطوات لإنجازها على أي حال".
سكتت الجمجمة.
قالت الجمجمة: "سأذكرك يا هوبرلين. لقد اخترت أن تموت ميتة حسنة".
أغمض هوبرلين الثالث عينيه، وحين فتحهما مجدداً، كان الروح الكامن داخل الجمجمة يغادر المكان.