تال، النهضV الفصل 30

اقرأ تال، النهضV الفصل 30 باللغة العربية على مانجا تايم.

لا أدرى متى حدث ذلك بالضبط. لقد كررت الأمر عدة مرات وعرفت كيف أُطلق شرارة الحدث، لكننى لا أدرى متى وقع للمرة الأولى. وما زاد الأمر تعقيداً أنه لم يحدث مرة واحدة قبل أن أعيه، بل عدة مرات. حاول نسختان منى التواجد فى المكان ذاته فى الوقت ذاته. كان الأمر مربكاً للغاية. اضطررنا إلى تدبّر سبل دمج ذكرياتنا. لقد اتخذنا قرارات مختلفة ونحن منفصلان، وكان لزاماً علينا التوفيق بينها.

ساءنى الأمر فزرت بذوري، واحداً تلو الآخر، لأجد أن كثيراً منها قد اختفى من مواضعها. ومزيداً من السخط، أرسلت نسختى الأخرى لتعقّبها بينما واصلت أنا جهود الإدارة. عُثر على نسخة ثالثة منى عندما عادت لتمارس الإدارة. تبادلنا الذكريات وأدرنا الأمور معاً لفترة قبل أن يمضى أحدنا، ولا أدرى أيهما، للبحث عن النسخة التى كانت تتعقّب بذوري المفقودة. اصطدمت بنسخة أخرى منا عثرت عليها النسخة التى كانت تطارد البذور.

وفّقنا بين ذكرياتنا وقراراتنا قبل أن نبعث بأحدنا، ولا أدرى أيهما، ليُدير الشأن. بحثت عن البذور مطولاً. ولما أدركني الضجر، عدت إلى الإدارة. كان هناك خمسمائة وثماني نسخ منى تنتظرني. ووصل ثلاثمائة أخرون. وقفنا فى الصمت، كالأشباح، لا نُرى للأحياء. مرّوا من خلالنا. استنشقونا. كنا هم، وكانوا هم يحملون أجزاء منا، بذيراتٍ صغيرة، عائدين بها إلى الديار. لحسن الحظ، طوّرنا سريعاً طرائق لمزامنة ذكرياتنا والتوفيق بين عمليات اتخاذ القرار لدينا.

مع ذلك، كان الأمر مزعجاً للغاية. ثم أدركت أننى أرسلت بذرة مع بو، ومع ريجينا، ومع هوبرلين. مزعج حقاً أن تسبح نسخ مختلفة منى فى كل مكان، تفكر فى أفكار كان علىَّ التفكير فيها مراراً للوصول إلى قرارات متماسكة. قررنا الكفّ عن ترك البذور حتى يُعثر علينا جميعاً. لكن كان علينا إرسال عدة نسخ منا إلى ويكلان لشرح الموقف لأنفسنا هناك التى ستكون قد نمت من البذور المُرسلة مع خدامي الأحياء.

ومع بو. كان الأمر مزعجاً للغاية. استغرقت وقتاً لأدرك أننى شعرت بشعوري الأول. الإحباط. تساءلت إن كان عليَّ الشعور بالسرور لإحساسي بالإحباط. لا أعلم، وهذا مزعج. شرعت فى البحث عن سبل لإعادة دمج نفسي، لتنحسر كثرة النسخ التى تجوب المكان. أخذ الأمر وقتاً، لكننى وجدت طريقة مناسبة. غير أن الائتلافات اختلفت عن نسخى التي لم تندمج. وبإحباط، واصلت دمج النسخ حتى لم يَبقَ سوى واحدة.

باستثناء البذور بالطبع. لم أعد حبيساً في جسد إينالتن الجالس على العرش. كنت فى الهواء. كنت فى الماء. كنت فى الحيوانات. كنت فى البشر. أنا... أصبحت أكثر. وقررت أننى لا أحب ذلك. لذا أصبحت أقل. ولما صرت بالقدر الذى أريده، اختارت كل نسخة سواى أن تتوقف عن الوجود. باتت رؤيتي للأشياء مختلفة بعد ذلك.

* * * قال الكاهن الشاب: "فوروڵشت أنتروم ڤيلاس، دوميريّث أيتيرنام، فوروڵشت."

وكان اسمه جيروب.

"فوروڵشت أنتروم ڤيلاس، دوميريّث أيتيرنام، فوروڵشت. إكس سيلينكتا، لومين فراكتوم، لين پرايڤولوم، نيك ڤيراي ڤيتا، تالينوم بيرا دوم إن أيت هيك، فوروڵشت"، صلّى بخشوع، شاعرأ بالكلمات تحترق فى قلبه.

لم يكن لديه أدنى فكرة عما يقوله. سوى أنه ظهر فى كتاب صلاة قديم للاله الذي اختار عبادته.

"فوروڵشت أنتروم ڤيلاس، دوري..."

قال صوت رقيق: "أسمعك يا بنى. تفانيك جدير بالإعجاب. لقد أثرت فىَّ تقواك. لماذا تصلّي لي؟"

أدر الفتى صوتاً غير لائق، وتكسّر صوتُه. كان في الثانية عشرة من عمره، وبدا حاداً أكثر مما يود.

"أعتذر عن إفزاعك."

هتف الفتى: "فوروڵشت! أنت... أنت أجبَتَ؟ لكنك صامت منذ قرون!"

أجاب الإلاله: "أُجبرتُ على تحويل نظري عن هذا المكان. كانت البدعة التى حدثت هنا أفظع من أن أحتملها، ومع ذلك لم أستطع إيقافها. يسعدنى إزالة البدعة من هذا المعبد وعودة المخلصين إليَّ. أنا مشغول فى العالم السفلي، لكن فى هذا المكان، أستطيع سماع الصلوات."

التفت جيروب حوله. كان فى غرفة مراقبة واسعة. آلاف الشباب الذين يكبرونه بقليل ماتوا في هذه الغرفة.

"كنت أحاول إعادة تقديسها باسمك. بحثت فى كتب الصلاة. لم أكن أطلب شيئاً، أنا فقط... أخبروني بما جرى هنا، وظننتُ، لم أظن أنك ستوافق. لذا أنا..."

"كان هذا مكاناً مقدساً ذات يوم. كان أتباعي يأتون ويغتسلون في ذلك الماء. يغتسلون كل يوم، رغم أن مرة واحدة كانت تكفي. ثم عندما يموتون، يصبحون إينالتن ويخدمونني في العالم السفلي. يحزننى كثيراً تفسد الطقوس. لكن الإينالتن لم يُخلقوا قط ليكونوا أدوات حرب. وكان التحول خياراً طوعياً، مع موت الجسد في نهاية عمره الطبيعي. لهذا السبب تصطف السرداب القديمة التي عثر عليها قومك تحت المعبد."

قال الفتى: "كنت أعلم! كنت أعلم أنك لست الشرير! هل ستساعدنا فى وضع حد لحكم تال الرهيب؟"

"تال ضروري."

خبا حماس الفتى.

"أنـ... أنا لا أفهم."

"أنا أفهم. أطلب منك أن تؤمن بهذا. يخدم تال غاية أعظم مما تفهم أنت أو هو. لن أقول إنه خيّر. ولا هو شرير. فهو لا يفهم الخير أو الشر على طريقة البشر. ثمة احتمال، يوماً ما، أن يفهم. آمل أن يأتي ذلك اليوم، وآمل أيضاً ألا يأتي أبداً. فإن فهم يوماً الشر الذي ارتكبه، فقد يعجز عن فعل الخير الذى لابد أن يأتِي منه. ولا أود أن يعاني الكرب الذي قد ينجم عن اعتقاده بأنه شرير."

"لكنه شرير. لقد قلت ذلك بنفسك."

صحح الملك: "إنه يفعل أموراً شريرة لأسباب لا تفهمها. لقد حاولت إرشاده نحو تحقيق أعظم خير أستطيع. لكن لا يمكنني إيقاف مساره أو تغييره، الآن وقد سلكه."

قال جيروب: "إذن هذا صحيح. إنه يخدمك؟"

قال صوت فوروڵشت اللطيف: "أخبرته أنه لإنقاذ العالم، عليه غزو العالم. كارثة ستسبب نهاية العالم. عندما يحدث هذا، سأفتح قاعتيّ وأحتضن كل الأرواح القادمة إلىّ. أمرت تال بتمهيد الطريق، وأن يُحضر إلىَّ أكبر عدد ممكن من أولئك الأطفال الضالين، لئلا يضيعوا إلى الأبد. طرقه تخصه وحده. أنا لا أتحكم به. ولا يمكنني التحكم به. ولا أستطيع إيقافه."

أغلق جيروب عينيه بإحكام وهو يستوعب هذا الوحي.

"إنه وحش."

"نعم. أستطيع رؤية ذلك من التقارير التى أتلقاها عن الأمور التى اقترفها."

"لكنك لن تفعل شيئاً؟"

"أنا ملك العالم السفلي، جيروب هانساند. لا يمتد نطاقي إلى السطح. إن أردت منى حمايتك من تال النهض، فتعال إلى قاعاتي. أحضر أكبر عدد من المخلصين ممن تستطيع إيجادهم وتعال إلى قاعاتي، ولن يتبعك تال."

هتف الفتى مذهولاً: "حقاً!"

"حقاً. سأكشف لك عن المداخل."

ظهرت أمام جيروب خريطة للقارة بأسرها. وظهرت آلاف مؤلفة من النقاط الحمراء الصغيرة.

"كل نقطة هى مدخل يا بنى. وكل مدخل يضم قاعة تتسع لقرية من ألفى شخص. سيكون هناك طعام وماء و... وستكون هناك مراحيض وضروريات أخرى."

تصاعد حماس جيروب وهو يتفحص السحر الماثل أمامه، ثم خبا بغتة.

"فوروڵشت، لن يصدقني أحد."

وعد الملك: "انطق باسمي، وسأجعل الخريطة تظهر أينما كنت. وإن لمست أحداً، إن منحته مباركتك، فسأمنحه الخريطة أيضاً. بارك أكبر عدد ممكن من الناس يا جيروب. أقنعهم بصدق كلماتك بالسحر الذي أمنحك إياه. أسميك النبي جيروب رسام الخرائط."

سأل الفتى وعيناه واسعتان: "أنا نبيُّك؟"

"نعم. لكن ثمة أمر عليك فعله قبل مغادرة هذه الغرفة ليتحقق ذلك."

"ما هو؟"

"يجب أن تغتسل في مياه العالم السفلي."

شحب جيروب، ناظراً إلى الماء في البركة بمنتصف الغرفة.

"أنا، ولكن، الكثير من الناس ماتوا هناك."

"أعلم. لكن إن أردت أن تكون نبيّي، فيجب عليك تعميد نفسك في تلك المياه. لا داعي لأن تغرق نفسك. اغمر نفسك فحسب طالما استطعت حبس أنفاسك، وسيكفي ذلك."

شعر جيروب بالغثيان. لكنه خلع رداءه. وصار نبيّاً لفوروڵشت.