"لماذا كان لزاماً أن يكون هو"، تذمّرت رين هايمدال.
"بطريقة ما يبدو هذا منطقياً"، أجاب كاتو، وهو يتابع النسخة الرقمية لماروس وهي تألف الإليزيوم.
عادة ما تكون هذه الاستباطات أكثر خصوصية، غير أن معظم الأشخاص الذين سيزجّ بهم فيها سيحتاجون إلى بعض الإشراف نظراً لافتقارهم إلى التأصيل في التقنية والثقافة المناسبتين.
"نوع من الجبناء، رأى ما أستطيع فعله، ويتعرض للدهس من الجميع على حد سواء. إنه إثبات جيد على الأقل بأن بإمكانه هو الآخر ترك النظام خلفه".
بالنظر إلى التاريخ المشترك بين الجميع، كان كاتو يدرك أن استقبال ماروس لن يثير بهجة أي نسخة من رين ولييس خصوصاً، لكنه كان أمراً ضرورياً. لحسن الحظ، كانت كراهيتهما مجردة أكثر من كونها أحشائية، عاطفة من الطبعة الثانية، ولو أنهما كانتا أشد غضباً لما تراجع عن استقبال ماروس. إن أراد الظفر بفرصة استدراج كل ممكن بعيداً عن النظام، فحتى أسوأ الوحوش بحاجة إلى خيار المغادرة.
وهو ما لا يعني أنه سيتركهم جميعاً أحراراً. حُمّل ماروس فيما أسماه كاتو سراً غوانتانامو لأن الخوادم كانت مقفلة بإحكام — على عكس تماماً الخوادم التي يتشاركها مع رين ولييس ويانيس والنسخة الرقمية من مي-إيس. يمكن لمن يعيشون هناك تعديل واقعهم المحلي الخاص، ولكن بطريقة محدودة، وبالتأكيد لا يمكنهم الإرسال إلى الخارج. إن الصلاحيات والافتراضية والعزل الهوائي والتعقيم كلها أمور وُرثت عن سجن رقمي أمني فعلي يدعى ميياشيكوه، وله تاريخ حالك إلى حد ما وقد دمره مجهولون بمقذاف كتلي مُعاد توجيهه بعد أقل من عام على تشغيله.
ورغم ذلك، جرى إنجاز أعمال التصميم كافة لذا كان الأمر مجرد مسألة إعادة إنتاج له. كان الأمر محزناً بطريقة ما، لأنه كان بحاجة ماسة حقاً إلى المساعدة في التعامل مع مشاكل اللوجستيات الهائلة المتمثلة في إصلاح عوالم سُحبت خارج النظام. غير أنه بالتأكيد لم يكن ليثق بماروس، وحتى لو استطاع، لم يكن واضحاً ما إذا كان ماروس كفؤاً بالفعل. إن اضطر كاتو للتخمين، فماروس كفء بشكل معتدل في أفضل الأحوال.
وانطلاقاً من استخلاص المعلومات، كان واضحاً أن الملوك الآخرين لم يتبهروا به كثيراً.
"ربما، لكن ما زال الأمر يبعث على الريبة لكوننا نمنح ملوك النظام هؤلاء، كل ما أرادوه طوال حياتهم فحسب".
هزّت رين ذيلها يمنة ويسرى، وهي تحدق في ماروس الذي بدا راضياً وهو يألف نسخة مطابقة لعالمه المكتبي المعتاد.
"من ناحية أخرى، إنها مجرد محاكاة"، أضافت لييس، وهي تقف بجانب رين في غرفة التحكم الافتراضية وتعبس أمام صورة ماروس.
"ليس الأمر كأنه سيفعل شيئاً حقيقياً مجدداً. وهو أمر محزن بعض الشيء عند التفكير فيه".
"لست حزينة البداية"، شخرت رين.
"كل ما أتمناه لو أننا انتزعنا منه المزيد"، قال كاتو، محولاً وجهه عن الشاشة.
لم يقدم استخلاص معلومات ماروس لهم رؤى تفوق ما تستطيع مي-إيس وإينيتيك توفيره — وهما اللتان حضرتا الاستجواب بالفعل. على أي حال، كانت معرفة ماروس بالملوك الذين يحركون قطعاً معينة داخل العشائر العظمى التسع أكثر فائدة لهم مقارنة بكاتو. فهنّ اللواتي أخذن موقعاً يسمح لهن بممارسة الضغط السياسي — رغم أن مدى استمرار ذلك يبقى لغزاً لا يعلمه أحد. فمعظم المستقلين في فصيل مي-إيس سيفصلون قريباً عن النظام، وهو ما يترك حلفاء كاتو بلا قاعدة قوى.
بدا حقاً وكأن ميسي إيلن تنصب نفسها ديكتاتوراً حقيقياً، مستخدمة كافة الأدوات المعتادة. تفويت أي أزمة، والحصول على سلطة مؤقتة واضحة الاستمرار ولن تتخلى عنها أبداً، واستخدام اختبارات النقاء لإذلال المعارضين أو تقليصهم أو تخفيض رتبهم. كان رأيه الخاص أنها ستحتاج إلى شيء إضافي لتثبيت نفسها حقاً كملكة النظام العليا، لكنه لم يكن احتمالاً يستطيع استبعاده. كان واجهة ماروس مفيدة بدرجة أكبر بعض الشيء، رغم أنها للأسف لم تكن تمتلك أدنى فكرة حول كيفية عمل السفر أسرع من الضوء والبوابات أكثر من أي شخص آخر.
ومن الطريف أنها لم تكن تحب ماروس كثيراً — بقدر ما يحب الذكاء غير البيولوجي الأشياء أو يكرهها — وقد استقرت في نهاية المطاف داخل خوادم المحاكاة. إن لم يكن لسبب آخر، فستساعد في معرفة كمية الجوهر التي ينفقها الطرف الآخر على الدفاع بدقة، ومتى قد تصطدم حملة كاتو بحدود ما يرغب الطرف الآخر في استثماره.
"حسناً، إنه أقل أهمية من أجهزة الاتصال تلك"، قالت رين، متخلية عن ماروس بإلوحة من يدها ومغلقة البث.
"مع أنني لا أتصور أن أكثر من عدد يسير من الملوك سيتصلون بها حقاً".
"ما أود معرفته هو إن كانت ميسي ستتصل بواحدة منها"، تأمل كاتو.
"يبدو أنها الشخص الذي ينبغي لي التحدث إليه".
"ربما، ولكن بناءً على ما قاله ماروس لا أراها تصغي"، هزت لييس رأسها.
"لديها الكثير لتخسره مقارنة بأي ألوم".
حتى الآن، لم يمتلك كاتو أي ألوم في هايمدال، لكن الأمر مجرد مسألة وقت. صحيح أن سلالة سايدين التي وقعت في شباك غويل كانت دون المستوى الأمثل في أفضل الأحوال، لابد من وجود ألوم أول في مرحلة ما. لقد كانت حظوظاً خيالية أن يكون ذلك الألوم متعاوناً — ربما. وبالنظر إلى ما اكتشفه بشأن التعديلات المعدة للخلود التي يجريها النظام، فقد يكون مرجحاً تماماً أن الدافعة التي يغرسها النظام ستجعل تجنيدهم أمراً يسيرًا.
يمكن عرض زحف زنزانة لا نهائي على اولئك الذين تركزوا حول القتال مع عدد أكبر بكثير من الأسلحة والسحر وخيارات الأعداء. ستُؤخذ ركائز الحس والاستكشاف عبر تنوع لا نهائي من العوالم الافتراضية والواقع الأساسي، بينما ستحظى ركائز الدفاع بالكثير من المواطنين للاعتناء بهم، سواء الرقميين منهم أم المجسدين. الوحيدون الذين قد يمثلون مشكلة هم أولئك الذين يمتلكون ركيزة سماوية، وعادة ما ينتهي بهم المطاف إلى السيادة على أي حال.
ما امتلكه في هايمدال حقاً هو الكثير من اللاجئين القادمين من كواكب متفرقة. لقد سرّ بعض الملوك المستقلين بالفعل بالتخلي عن دورهم وتقلد عباءة أخرى، سواء أكان الأمر عالماً رقمياً بحالص الاستباطات والإليزيوم، أم إطاراً مجهزاً تجهيزاً جيداً على أحد المدارات الكبيرة التي كانت تُبنى حول العمالقة الغازية المختلفة. وتناثر بعض البزموث من عوالم شتى على الخيارات ذاتها، فضلاً عن بضع تجمعات سكانية رَقْمُنَت كتلتاً ولم يعد لديها كوكب تعود إليه.
وعُزل العديد من السكان بدرجة أكبر حسب الأنواع، نظراً لفوارق البيولوجيا الأساسية التي لم يعد النظام يقمعها. على سبيل المثال، قام كاتو-تورنوك وبقية الناجين من حرب الفيرن بتهيئة أنفسهم على سلسلة من الموائل الأصغر، مع اختلاط السلالات المختلفة بجيوب سايدين المنشأة هناك. لقد كان وضعاً غريباً لكافة نسخ كاتو، إذ كان ينبغي لهم طبيعياً التصالح فيما بينهم، لكن الانفصال الزمني كان أكبر من أن يُحتمل.
ناهيك عن أن الجزء الأكبر منهم ما زال يعالج رؤية ملايين البشر يُبادون دون القدرة على فعل أي شيء حيال ذلك، وتلك ليست بتلك التجربة التي يرغب أحد في مضاعفتها. كان هو ونسخه المختلفة يخططون في الغالب لترك المجتمعات تفرض نظامها بنفسها، غير أن ثمة استثناءات. على سبيل المثال، حُظرت حرب ما بين الموائل قطعاً. وبالطبع لم يكن ليمنح معظم تلك المجتمعات وصولاً كاملاً إلى ترسانة الأسلحة المحتملة بفضل تقنيته، لكن أي أحمق بإمكانه إعادة توجيه ليزر الاتصالات أو المقذافات الكتلية.
لا يتطلب الأمر أي مخيلة حقاً لتحويل أي جهاز صناعي عالي الطاقة إلى شيء مميت حقاً، وسيكون من قبضة الغباء تسليم ذلك النوع من القوة لأناس خرجوا لتوهم من حضارة تتطلب القتال للبقاء. لم يكن يحب معاملة البشر كالأطفال، وكان يعلم جيداً مدى عكسية نتائج ذلك. فتلك القيود بذاتها هي التي دفعت كيرستن ومورفان إلى سطح الأرض منذ البداية، وخلقت الكثير من الكراهية التي يكنانها للحياة الرقمية عموماً.
وفي الواقع، كان هذا على الأرجح أحد الأسباب التي جعلتهما يتعلقان بالنظام هكذا، والذي لم يكن ليتردد بالتأكيد. لكن في الوقت ذاته، احتاج إلى الاطمئنان لوجود ما يكفي من فرض النظام الذاتي المجتمعي لتجنب إلقاء عشوائي للنووي أو قذائف المدافع الكهرومغناطيسية على المناطق المأهولة. مع ذلك، ما امتلكه حتى الآن لم يعدو العظام المجردة فحسب، وكان الوقت مبكراً للغاية للبدء في وضع خطط حول ما ستؤول إليه الهنية النهائية لهايمدال.
ما زال هنالك مئات الآلاف من العوالم للإغلاق، وعدد مجهول من الأزوث والألوم في النواة لاستدراجهم إلى الخارج. قد يطاف بملايين، وربما مليارات البشر في هايمدال قبل إغلاق النظام بالكامل. إن حالفه الحظ، فقد يستورد كاتو الملوك حتى.
* * *
"كيف تسير مستوياتك؟"
طرفت رين تاليس بسبب صوت كاتو غير المتوقع وهي موجودة حقاً في عالم حرب — لكن، مع ذلك، لم تطلب شبكة الفطريات (فانغوسنت) وجوده هناك في الظلام، بل تطلبت بعض النباتات فحسب، وكان لديهم القليل من النباتات المحفوظة في أوانٍ داخل منزل النقابة. ومع هذا، كانت هذه هي المرة الأولى التي يتواصل فيها معهن أثناء وجوده في النواة نفسها، لذا استغرق الأمر لحظة لتتكيف.
لحسن الحظ، وبعد أكثر من عقد مع النقابة، وجدت أن منزل نقابة "اللقطاء الأقوياء"
نادراً ما يكون مأهولاً، ولن يلاحظ أحد أو يهتم بارتجافتها.
"بلغت الأزوث العالي للتو"، ردت، ووضعت شرابها جانباً واتكأت على وسائد صالة الاسترخاء قرب الحبار.
وبإلحاح من لورين، أخذت كل منها ولييس وقتاً مستقطعاً بين صيد الزنازين أو نخبة العوالم، وهو ما تبيّن أنه حسّن معدل تقدمهم هائل التحسين. لقد سبقن وتيرة بدايتهن الأصلية بمراحل، ويعود ذلك جزئياً إلى تشكيل فريق مع لورين وجزئياً إلى التحسن في قدراتهن والنهج العام.
"كنا مشغولات".
في الواقع، كانت الاثنتان تتقدمان بمعدل مسخ تام في السنوات القليلة الماضية. ظل كاتو يرفع مستوى أدمغة القتال ويعدّلها، ومقترنة بالتعاون التام بينها وبين لييس، بالإضافة إلى عبقرية لورين الفذة، استطاعتا مواجهة وحوش برتبة الألوم. وهو أمر غير مسموع تقريباً نظراً لأن الفجوة بين الأزوث والألوم تعني أن الأمر يتطلب عادة مجموعات متعددة من الأزوث للتعامل مع وحوش الألوم، ولذا فقد كان السبب الأساسي لتقدمهن السريع.
بالطبع، لم تكن لديهن أي فرصة ضد الأشخاص برتبة الألوم، مثل الأعضاء الأبرز في "اللقطاء الأقوياء"، ولهذا السبب كان الوقوع في زاوية ضيقة بواسطة غويل صدمة كبيرة هكذا.
وفي حين أظهرت أدمغة القتال فائدتها سابقاً، فإن القدرة على تطهير الهلع الصرف الناجم عن اكتشاف أحدهم لتلك الدرجة من القوة كانت من أفضل الأمور التي اختبرتها. لقد ثبتهن ومنع كافة المشاكل الدخيلة من التأثير على قدرتهن على التركيز. كما ساعد في التخلص من القلق الناخر بعد ذهاب غويل للتحدث إلى كاتو، من أن يُعلم ذلك الألوم الجميع بشأنهن ويجبر الثنائي على العودة إلى الاختباء أو ما هو أسوأ.
لقد كانت قصة سلالة أوريفان المحفوظة في حالة الجمود لسنوات مرعبة حقاً.
"أهناك أي طريقة أستطيع مساعدتكن بها لبلوغ الألوم أسرع؟ لا يبدي غويل سوى اهتمام ضئيل بالمساعدة، ويفضل التخلص من النظام فحسب. وهو أمر مفرح سماعه، لكنه لا يسهم كثيراً في الأهداف طويلة الأمد".
ألقت رين نظرة خاطفة على لييس، فتبادلت الاثنتان ومضة من الأفكار، ومفاهيم شبه متكونة تضافرت لتشكل إجابة فعلية. وبينما لم يكن هناك سوى القليل من المساعدة المباشرة التي يمكن لاتو تقديمها لهن، ليس أقلها أنه لم يمتلك أي حضور حقيقي في النواة، إلا أن المعلومات كانت مفيدة دائماً. وسواء تعلّق الأمر بأدمغة القتال أم المراقبة، كان أي شيء يساعدهن على تحسين وقتهن هو أفضل ما يمكن لكاتو توفيره.
"نحن بحاجة إلى أدلة تقودنا نحو مآثر مجد إضافية"، أجابت لييس.
"وأعتقد أن أدمغة القتال يمكن أن تستفيد من مزيد من التعامل مع تراكيب الجسيمات الخام. بدأنا نرى تلاعباً جوهرياً مباشراً في الألوم، بدلاً من المهارات فحسب. لو استطعنا فهم تلك الأمور قبل أن يلتئم التأثير..."
"لدي بعض الملوك الذين يمكنني استجوابهم للأولى، أما بالنسبة للأخيرة، فامنحيني بضعة أيام وسيكون لدي تحديث لكن"، أخبرهن كاتو.
أرسلت رين إقراراً بالاستلام وانقطع الاتصال.
"لو استطعنا جلب شيل-رييو إلى صفنا، لكانت الأمور أيسر بكثير"، قالت لييس عبر الرابط.
"لكنه أبشع رعباً حتى من غويل".
همهمت رين موافقة. حتى وإن لم تبدُ هناك أي رتب للألوم، كان جلياً وجود فروق. لم تشهد أي منهن شيل-رييو أثناء الفعل، لكنهن بالكاد احتجن إلى ذلك. فحسب تحكمه العرضي بالجسد والجسيم معاً كان كافياً.
"سيتعين علينا المخاطرة يوماً ما"، قالت رين على مضض.
"ربما ليس الآن، لكننا سنضطر لذلك".
لم يكن ذلك أمراً تتطلع إليه، لكنه شكّل سببهن بأسره للمجيء إلى النواة. لم يذهبن ببساطة ليصبحن أقوى، مثل أي شخص آخر، بل بالأحرى للوصول إلى نقطة يمكنهن من خلالها منح الأشخاص في النواة مخرجاً من النظام. لقد منحهم كاتو موعداً نهائياً تقريبياً لذلك، يلوح في المستقبل، وحتى إن لم يكن دقيقاً فقد ظل أمامهن وقت محدود للعمل.
"إنه لأمر غريب دائماً أن أراكن تثرثرن على إنفراد"، قالت لورين.
لم تقتصر قدرتها على مواكبة سايدين فحسب، رغم افتقارها لميزة أدمغة القتال، بل كانت أفكارهن وأساليبهن تحسّن أفكار ومناهج الأخيرات بنشاط. ولم يكن إطارها بجودة إطارهن كذلك، رغم أنه تفوق بمراحل على أي عضو مولود طبيعياً في النظام. لقد كان مجرد طقمها الشاذ من المهارات مقترناً بقدرة دقيقة بشكل غير طبيعي على التواجد في المكان المناسب تماماً وفي التوقيت الملائم فحسب هو ما جعلها نظيرة حقيقية — رغم أن لييس ما زالت تمازح رين بالقول إن التشابه في الأسماء هو وحده الذي جعلهن مهيئات مسبقاً لتبني البشرية.
"كنا نناقش للتو سبل بلوغ الألوم أسرع مع كفيلنا"، قالت لييس، متجنبة بالطبع استخدام اسم كاتو.
"يجب أن نحصل على معلومات ممتعة قريباً".
"أهو؟"
اعتدلت لورين في جلستها، نافضة شعرها عن وجهها. لم تفهم رين قط سحر الشعر، بالنظر إلى كيفية توغله في كل مكان. الحراشف أفضل بكثير.
"انظري إن كان باستطاعته التقاط خيط لمهام. فجوائزها أفضل دائماً من طحن الغوغاء فحسب. أعني، أريد بالتأكيد بلوغ الحد الأقصى للمستوى قبل مغادرتنا".
"مغادرة؟ أفتفكرين بالأمر إذاً؟"
بدت البشرية غير متحمسة بعض الشيء حيال فكرة مغادرة النظام، لكنها في الوقت ذاته لم تبدُ مهتمة بخيانة رين ولييس.
"نجل، لقد بذل كاتو جهداً كبيراً لإقناعي به. يبدو أفضل بكثير مما ظننته، أتعلمين؟ فعل الأشياء بالفعل بدلاً من الجلوس في كومونة عقلية غريبة بلا جسد كما كنت أظن الأشياء الرقمية تفعل سابقاً على الأرض".
لوحت لورين بيديها، بلا حركة محددة بل إشارة إلى أنها تبحث عن كلمات.
"يبدو الأمر أجمل من أن يُصَدَّق، باستثناء التحذيرات".
"يبدو أن كاتو يقلق أكثر من اللازم أحياناً"، قالت لييس، فقهقهت لورين.
"أجل! لذا فهذا مبعث طمأنينة، لكن لا يبدو أن هناك مغزى للمغادرة قبل بلوغي المستوى الأقصى، أتعلمين؟ نيل الألوم، ثم نرى. وخصوصاً إن واصلتم إطعامي بالحلويات"، قالت لورين، موجهة أصابعها نحوهما.
ضحكت لييس. لقد زودهما كاتو بالفعل بمخزون كبير من الأطعمة المتوافقة مع البشر، بما في ذلك النسخ الأصلية لأشياء مثل الآيس كريم وتشيز كيك، رغم أن أياً منها لم يعجب سايدين.
"لن يمثل ذلك مشكلة"، أكدت لها رين.
وفي حين بدا غريباً بعض الشيء وجود شخص محيط لم يكن لييس، فقد كان من الجميل أيضاً امتلاك عضوة في الفريق يمكن الاعتماد عليها. وعلى عكس كاتو، الذي ظل يبدو كملك بعيد، كانت لورين شخصاً عادياً للغاية.
"رائع!"
قالت لورين، واثبة على قدميها.
"إذن، وبينما ننتظر، لم لا نقتحم المزاد؟"
"لم لا"، وافقت لييس، فنهضت الاثنتان بسهولة، حتى وإن لم تطابقا طاقة لورين النابضة بالحيوية.
وفي كل مرة عدن فيها من نزهة، كان لديهن صيانة يجب الاهتمام بها على أي حال. تفريغ الغنائم والمسقطات، والحصول على الإصلاحات، والتسوق للترقيات، وغيرها من المهام الصغيرة. وفي الأزوث العالي، لم تكن تصفي معظم ما تحصل عليه عبر متاجر النظام العادية بعد الآن؛ بل تميزت عوالم الحرب بدور بيع تم فيها شراء وبيع المعدات والمواد النادرة إلى حد كبير والمخصصة بشكل أكبر. لقد شكل ذلك مفاجأة بعض الشيء لهما، لكنه بدا منطقياً بالاسترجاع.
فقد كانت للمواد قيمة ضئيلة قبل العوالم الداخلية بشكل عام، حيث امتلك الناس رفاهية ترقية حرفيين مخصصين وتجهيزهم بموارد قاعات النقابات. وأضاف التحكم في المنطقة الذي أضاف محطات تصنيع متخصصة لتمكين أنواع معينة من المواد والحرف بشكل أكبر طبقة أخرى فوق ذلك، لذا ففي الطرف الأعلى كادت كل قطعة معدنية أن تُلمس من قبل حرفي على الأقل، إن لم تُبتكر من الصفر. لقد تمت ترقية أسلحتهن مرة أخرى بالفعل، وبات بإمكان رمح رين الآن اختراق صجارة برتبة الأزوث بتلويحة عادية، ناهيك عن التأثيرات السحرية.
تسريع ردود أفعالها المتطرفة أصلاً، وإشعال جسيم العدو مباشرة، ومضاعفة قوتها ومنحها القدرة على نسخ سلاحها داخل نطاقها، مما يعني أنها تستطيع الآن رمي رمحها دون خسارته. وحصلت لييس على ترقيات مشابهة، وكان درعهما التالي على قائمة التحسين، لمنحهما حماية أفضل ضد النطاقات العدائية. كل ذلك كان تقدماً كافياً، لكنه لم يكن مثيراً كما كان ليصبح، لأنه لم يكن دائماً. كانت الاثنتان تدركان أن الأمر لا يهم في نهاية المطاف، وأنهما ستتركان جميع معداتهما والنظام نفسه خلفهما.
وهي فكرة توازنت بين الرهبة والترقب. وبعد رؤية جانب مما يستطيع كاتو فعله، لم تكن رين تساورها أي شكوك حيال وجود الكثير هناك خارج النظام. لكن الأمر لم يكن سيان، وكانت الاثنتان تتعاملان طوال حياتهما مع النظام. وبالنظر إلى أنهما كان المفترض أن تبيعا البديل للألوم، فإن شعوراً بأي شكوك بدا وكأنه خيانة إلى حد ما.
"الأمر בסדר"، قالت لها لييس بينما استقرت الثلاثة في المزاد، مستشعرتاً مزاجها عبر الرابط.
لقد امتلكن ما يكفي من حيث السمعة والمال لحجز مقصورتها الخاصة، في الطابق الثالث من مدرج طابق دار المزاد. حافظ ذلك على هويتهن مجهولة وسمح لهن بالتحدث بصوت عالٍ دون قلق — وهو ما فعلنه بشكل متكرر أكثر مما اعتادن عليه، نظراً لعدم قدرة لورين على المشاركة في رابطهما.
"نحن نعرف كاتو، وهو يرحب في الواقع بتلك الأنواع من الأسئلة. علاوة على ذلك، علينا فقط جعلهما فضوليين بما يكفي للتواصل مع كاتو".
"أتريدين جعل الناس يتواصلون مع كاتو؟"
سألفت لورين شبه مستفسرة، بعد أن اعتادت سماع محادثات مجتزأة فقط بحلول تلك النقطة، بغض النظر عن شكاواها.
"طرت إلى ذهني فكرة للتو. لم لا تبيعن بعض أشياء دعايته في المزاد هنا؟ لن يهتم الأزوث والألوم هنا بـ[الحملة الصليبية]. وإلا لكانوا في مكان آخر".
"هذا..."
توقفت رين لتأمل الأمر.
"أسيجدي ذلك نفعاً؟"
"أعتقد أنه قد يجدي"، قالت لييس متفكرة.
"في الواقع، هذا أفضل استخدام لقدرتنا على تغيير الهويات. ليس كأننا بحاجة للمال. سأذهب لأقدمه من مكان آخر، مع ذلك — أنا لا أثق بالخصوصية هنا إلى هذا الحد".
نهضت واتجهت متوارية، وتحور شكلها إلى سلالة أصغر بكثير، ذات أذرع أربعة لم تستطع رين تذكر اسمها قبل أن تغادر المقصور الخاصة. وفي حين كانت فكرة لورين، فقد كانت لييس أفضل بكثير في تنفيذها فعلياً.
"لقد كانت تلك فكرة ملتوية نوعاً ما"، قالت رين، فهزت لورين كتفيها.
"اعتدت قراءة الكثير من الكتب"، أجابت.
"لم أضطر للتعامل مع ذلك بنفسي قط، لكن كان هناك شتى أنواع القصص حول البلاطات المنحطة وما شابه. هذا بسيط للغاية بالمقارنة".
"بسيط، لكنه مع ذلك ليس شيئاً كنت سأفكر فيه"، قالت رين.
ورغم وجودهن بين نخبة النظام المطلقة، فإنهن لم يصلن إلى هناك بالطريقة المعتادة حقاً. ليس عبر النقابات والفصائل وتكتلات السلطة التي تتطلب منهن تعلم كيفية التعامل مع الناس على هذا النحنو، وبالطبع لم تملك سايدين أي شيء يشبه التعقيد الظاهر في النواة. لقد حرصت أرين وأونسوا بعناية فائقة على إبقاء الاقتتال الداخلي عند أدنى حد، ونجحت هي ولييس بالكاد في بلوغ الذهبي على أي حال.
وبحلول وقت عودة لييس، كان المزاد قد استمر لأكثر من نصف ساعة، لكن رين لم تكن قلقة إذ إن الاتصال بلييس لم ينقطع قط. ورغم ذلك، تمتمت لييس باعتذار وهي تنزلق إلى الصندوق بجانب رين، وقد عادت بالفعل إلى تنكر شخصيتها البديلة العادية.
"اضطرت للقيام بنزهة سريعة إلى أقرب عالم داخلي للتخلص من تذكرة الإيصال"، أوضحت.
"يجب أن يكونوا قادرين على تعقب ذلك".
همهمت لييس موافقة. وبالنظر إلى ما طرحته لييس للعرض، كانت متأكدة من أن شخصاً ما سيحاول تعقب البائع، وسيكون ذلك صعباً للغاية إن لم تعد التذكرة موجودة حتى في النظام. وجب عليهن جميعاً الانتظار حتى قرب نهاية المزاد لرؤية غرضهن يُعرض. لقد تخلصن من عدد من المواد الأكثر اعتيادية، واشترين بعضاً منها لتجهيز درعهن، لكن الثلاثة كنّ أكثر اهتماماً بر رد الفعل على طرحهن. فحقاً، لم يمتلك أحد في النظام أي شيء مباشر من كاتو — حتى الآن.
"هذه الدفعة شيء مميز"، صاح الدلال.
لقد كان بزموثاً، لكنه بدعم من دار المزاد كأنه ألوم. بغض النظر عن ذلك، فقد فرض الانتباه من آلاف الأكشاك المثبتة في الجدران، ناهيك عن الحفرة الأقل هيبة في الأسفل.
"لدينا عناصر ومواد جُلبت من الكيان الغامض المعروف بكاتو! لقد تحققت الدار من عدم امتلاك أي من هذه لأي أصل يمكن تحديده؛ ورغم أنها لا تستطيع التأكد تماماً من صحتها، إلا أنها بالتأكيد ليست شيئاً رآه أي منا من قبل!"
لوح الدلال بيده وظهر عشرات الصناديق والحاويات من المؤن التي منحها إياهم كاتو على الطاولة. وكان معظمها، في الواقع، المنشورات والكتيبات التي وفرها كاتو، ولكن كانت هناك أيضاً مواد غذائية وقطع فنية في الحالات الخاصة التي اعتمدها كاتو للإنزال من المدار. ومع تعبئتها بالشكل الذي كانت عليه، كانت طبيعتها الغريبة واضحة.
"سنبيع كل عنصر على حدة، وقد قدم المورد وصفاً إضافياً يتجاوز ما توفره [التقييم] بغية إضفاء سياق أعمق على هذه العناصر. فبعد كل شيء، إن كانت، كما يُزعم، من شيء خارج النظام، فلا عجب ألا يفضي [تقييم] بسيط عن كل أسراره!"
قدرت رين حديث الدلال بأنه جيد بشكل معتدل؛ فقد بدا أكثر حماسة وعمقاً بشأن بعض ملحقات النمو، لكنه لم يكن سيئاً كذلك. وقد فاق رد الفعل ذلك بأضعاف. قهقهت لورين وابتسمت لييس مع تصاعد ضجة من الحفرة، وأومض أكثر من نصف الصناديق بينما شرع الدلال في تقديم مزاد على العنصر الأول. اكتفت رين بتأمل دار المزاد ثم هزت رأسها. ستحتجن إلى جلب المزيد من الأدبيات من كاتو.
* * *
"كانباي!"
رفعت كيرستن قدحها مع الجميع وشربت بعمق. كانت بيرة برتبة الألوم، ورغم أنها لم تكن قط مولعة بالبيرة، إلا أنها كانت مجلوبة من رتبة الألوم وهو ما جعلها جيدة تلقائياً. وكان الحاضرون في الحفل بشراً كلياً تقريباً، ورغم أن كيرستن لم تكن تدري ما يعنيه النخب حقاً، فقد جرت العادة فيما يبدو أن يصرخ المغامرون في احتفال ما. كانت هي ومورفان وجوستين من بين أولئك الذين صعدوا إلى الألوم لتلك الاحتفالية الخاصة، بغارة كاملة من ثمانية أفراد تصدوا لزعيم قوي بشكل لا يصدق تحت قيود ثقيلة لدفعهم نحو القمة.
وبعد ما يزيد عن ستين عاماً، معظم حياتها، بلغوا ذروة ما يقدمه النظام. لقد كانت، كما سمعت أحد الظرفاء يعلق، بداية نهاية اللعبة الحقيقية.
"إذن بما أنك ألوم الآن، فماذا ترغبين في فعله"، سألها الشخص المجاور لها.
اضطرت كيرستن لاستخدام [تقييم] لتذكير نفسها باسم السائل، وهو شبه بشر يدعى كاسباريل بدا وكأنه خرج للتو من إحدى روايات الرومانسية الصينية القديمة. جميل بشكل لا يُطاق، شعر أسود طويل، وكل ذلك. لقد تفاجأت بأن ذلك النوع سينجح حقاً في النظام، ولكن ربما ينطبق ذات الشيء عليها وعلى مورفان.
"لست متأكدة، في الواقع"، اعترفت كيرستن.
شيء واحد هو وضع خطط استناداً إلى الارتقاء عبر الرتب، وتحسين المعدات والمهارات وصقل القدرات لبلوغ القمة. وشيء آخر هو بلوغ تلك القمة حقاً، وإدراك وجود مخطط مختلف تماماً للارتقاء. سيتجه جوستين مرجحاً نحو التأله؛ والانتقال إلى دور ملك العالم، أياً كانت طريقة عمل وهو أمر مخزٍ. لقد كان جزءاً لا يتجزأ من حزبهم منذ البداية وعملا الثلاثة معاً بشكل جيد، لكن إن غادر جوستين لفعل أشياء غريبة تخص ملوك النظام، فسيتعين عليها ومورفان تشكيل فريق مع بعض الألوم الآخرين.
وهو أمر لم تكن تتطلع إليه كثيراً، كما أنها لم تشعر برغبة في تعلم كيفية القتال مجدداً من البداية مستخدمة التلاعب المباشر بالجسيم. ربما جذب ذلك مورفان، لكنه لم يعجبها.
"لم نُعاين سوى جزء من مليار من عوالم الحرب"، قال مورفان من جانبها الآخر.
"هناك أطنان للقيام بها. زنازين للسبر، جبال للتسلق، مدن ومخارج للاستيلاء عليها. ستكون عظيمة!"
انضمت كيرستن إلى الهتاف الذي تردد صداه حول الطاولة رداً على ذلك، لكنها لم تكن متأكدة تماماً في قلبها. استطاعت استشعار جمرات الرغبة التي لا تُطفأ، وهي عالمة بأنها ستستمتع قطعاً بفعل ذلك. ومع ذلك، شِيبَ هذا الشعور ذاته بالشك في أنه فُرض من الخارج، شيئاً مزيفاً لإبقائها سعيدة في عالم قد لا تحبه على الإطلاق بخلاف ذلك. ونظراً لنشأتها في حضارة صيفية، ثم تلو ذلك في حضارة أخرى أكثر تقليدية وصديقة للرقمية، كانت على دراية تامة ببعض أساليب إبقاء الناس محصورين.
إبقاؤهم سعداء زعماً، في السجون الناعمة المعروفة بالإليزيوم. لقد كان ذلك بالتحديد ذلك النوع من اللامادية الجوفاء التي تكرهها، وقد باتت أقل اقتناعاً بأن النظام يختلف كثيراً بقدر ما تقدمت نحو الألوم. كانت عوالم الحرب حقيقية بالقدر الكافي، وبإمكانها رؤية درب التبانة على الأفق كلما خرجت، مضيئة السماء بدوامة هائلة من النجوم. لم تكن تلك هي المشكلة. بل الأحرى كيف بدا أن بعض جوانب النظام تقترب أكثر من اللازم من تلك السجون ذاتها التي كانت تحاول هي ومورفان الهروب منها، شيئاً مُصطَنَعاً وحيداً لإبقائها مشغولة، لا أن إنجازاتها حظيت بأي معنى حقيقي.
لم تطرح كيرستن الأمر مع مورفان لأن أخاها أصبح أكثر عدوانية فحسب كلما ارتفع في الرتبة.
ليس تجاهها بالطبع، أو حتى تجاه أي من البشر وأشباه البشر الآخرين الذين دخلوا النظام بالفعل قبل أن تذهب حرب "ممنوع المرح"
إلى أي مكان. بل أصبح أكثر حماسة بشأن القتال، بشأن سبر الزنازين وقتل الزعماء، بطريقة غريبة بعض الشيء فقط. وفي الوقت نفسه، كانت تعلم أنها كانت مائلة قليلاً نحو الاستكشاف وإيجاد أشياء جديدة أكثر مما كان يجب. كان هناك قدر لا ينتهي من الأراضي المجهولة في عوالم الحرب، والتي كانت أعظم وأكثر اتساعاً من أي شيء عرضته الأرض يوماً، لكنها كانت محدودة أيضاً. لقد كان الأمر جيداً بقدر ما ذهب إليه، لكن لم يكن هناك نوار، ولا سايبربانك أو ناهب-مطلق، ولا شيء يشبه انتشار الإعدادت المحتملة التي عرضها الواقع الافتراضي أو حتى الحضارات المصغرة.
لقد كان هناك جزء ضئيل جداً منها لم يبتلع بالكامل ما كان النظام يبيعه. ليس أنها ستعترف بذلك أبداً. كان كل شخص في الاحتفال منغمساً بأكثر من اللازم في النظام، متعصبين معارك ومستويي قوى ومحسنين بذلوا عقوداً حرفياً من العمل للوصول إلى حيث هم. ليس أنها تهاونت بأي شكل بنفسها، وكان كونها ساحرة حقيقية أمراً ممتعاً بالتأكيد، لكنها لم تكن متفانية تماماً في حياة قتل الوحوش كالآخرين.
لقد كانت نغمة حامضة صغيرة في احتفال عظيم بخلاف ذلك، مع طعام وشراب برتبة الألوم، في عقار صُمم ليكون الملاذ الاستوائي المثالي. شمس ورمال ورياح وأمواج، وحتى بعض ركوب الأمواج. في الألوم، لم يواجه حتى أولئك البشر الذين لم يشاركوا في الطقس القديم أي مشكلة في البقاء على ألواحهم. مضت الأشهر التالية كالمعتاد؛ التوغل بعيداً في عوالم الحرب وإيجاد زوايا وثنايا ذات وحوش أو موارد مثيرة للاهتمام، وقتال النخبة والوحوش، وسبر الزنازين.
استمتعت كيرستن بالعملية، تماماً كما في السابق، لكنها لم تستطع منع نفسها من الشعور بوجود عبثية معينة فيها. أو ربما كانت شكوكها الخاصة، تقلق بشأن شيء لا يهتم له سواها.
ما زال الأمر عالقاً في ذهنها عندما اقتحم أحد الأزوث منزل نقابة "فريق المرح"
خاصتهم، ملوحاً بشيء غريب تماماً عن عناصر النظام المعتادة. ورقة مصفحة بلاستيكية لامعة، بحجم رسالة قياسي، مع كلمات وصور. استطاعت قراءتها من مكان جلوسها، دون حتى الاستدارة، نظراً لحواسها، وبدت بوضوح شديد من ابن عمها. رغم أنها لم تكن من ابن عمها فحسب، إذ بينما تعرفت على بعض صوته في النص، فإن أجزاء أخرى لم تكن كذلك بوضوح.
"يا شباب، هناك بشري آخر هنا ولديهم آيس كريم شوكولاتة!"
لوح الرجل بحاوية كبيرة بيده الأخرى، وتقاطر نصف دزنة من الناس نحوه. تلت كيرستن بعد لحظة، لكن مورفان كان هناك أولاً، خاطفاً اللامعة من يدي الأزوث وعابساً بها.
"من أين حصلت على هذا؟"
طالب مورفان، مهزاً إياها في وجه الأزوث.
"في مزاد!"
عبس الرجل في وجه مورفان.
"لن تحصل على أي آيس كريم".
"من يهتم بذلك؟"
قلب مورفان عينيه ودمر الورقة بنفضة من أصابعه.
"أي مزاد؟ إن كان لاتو عملاء هنا فيجب أن نجدّ في البحث عنهم".
توقفت كيرستن عن الاستماع، متفكرة فيما قرأته. لم يكن مهمأ أن مورفان قد دمرها، لأنها كانت قد حفظت الأمر بأكمله عن ظهر قلب. لقد كان المنشور صريحاً بشأن قدومه من كاتو، وكان موجهاً مباشرة إلى بشر آخرين. وبينما لم تكن تثق بابن عمها تماماً، لم تعتقد كذلك أنه سيريد الكذب صراحة — والمقطع المتعلق بالتعديلات التي أحدثها النظام على عقولهم تماثل تماماً وبشكل جيد شكوكها. كما احتوى المنشور على تعليمات للتواصل مع كاتو، وهو ما شكّل خطراً بعض شيء بلاشك لكن — ما لم يكن أحد الملوك يتجسس عليهم — لم يكن شيئاً يحتاج الألوم إلى القلق بشأنه حقاً.
وحين انتهت من إمعان التفكير في الأمر، كان مورفان قد ذهب، لكنها لم تكن لتخبره على أي حال. وفي حين كانت تشك تماماً في حسن نوايا كاتو، فقد تحولت كراهية مورفان إلى بغض فعلي، وكانت تعلم أنه سيرفض حتى مجرد التحدث. غادرت كيرستن منزل النقابة، مهارات حركتها تتيح لها الانسلات عبر بوابة المدينة، وتفقد خريطتها وهي متوجهة نحو عالم صيد. وبصفته ألوم لكانت مدمرة بأكثر من مجرد التحرك عبر العوالم الداخلية والحدود، لذا سحبت نطاقها واستخدمته لدرء حضورها بدلاً من ذلك.
استغرق الأمر دقائق معدودة للمناورة عبر شبكة البوابات، و— باتباع التعليمات — قفزت إلى بضعة عشرات من الأميال خارج المدينة الرئيسية ورسمت بعض أحرف الأبجدية البشرية في التراب، بلغ طول كل حرف نحو عشرة أقدام. كان بمكان المراقبة المدارية رؤية شيء أصغر، لكنه لم يبدو صائباً أن تكون متحفظة. وبعد فترة وجيزة من كتابة اسمها، استشعرت نحاساً يندفع من المدينة نحوها. وباعتباره عالم صيد، كانت المنطقة المحيطة نحاسية أيضاً، لكن سيتطلب الأمر وقتاً لكاتو — إذ رغم ارتدائه جلد محلي شبيه بالغوريلا، لا بد أن يكون هو كاتو — للوصول إليها.
لذا مدت نطاقها وتبخرت كافة الوحوش العدائية بينه وبينها قبل ضغط المسافة. وفي لحظات، ظهر أمامها فجأة.
"كيرستن!"
قال ابن عمها، وبدا التعبير البشري عن الارتياح غريباً جداً على الوجه غير البشري.
"أأنتِ— أفعـ..."
"رأيت إحدى نشراتك".
قاطعته كيرستن، غير راغبة في الانخراط في أي مصالحة كان كاتو يظن حدوثها.
لم تكن تثق به حقاً، ليس بعد حرب "ممنوع المرح"، لكنها لم تكن تبغضه بالطريقة التي بغضه بها مورفان.
"هل يغير النظام عقولنا حقاً؟"
"نجل"، قال، مدركاً انزعاجها ومتبنياً موقفاً أكثر حيادية لحسن الحظ.
"يخلق انتقال البزموث بالتأكيد هيكل حافز وحافز عكسي دائم يمنع معظم المشاكل طويلة الأمد للشيخوخة الراديكالية. لا أعرف إن كان ذلك يكفي لخلود حقيقي، لكن حكماً بالنظام فهو مستقر عبر مئات الآلاف من السنين على الأقل".
همهمت كيرستن، غير متأكدة تماماً فيما ينبغي التفكير فيه. شكت في أن ابن عمها كان يقول أي شيء لا تؤمن به، لكن هذا لمعني أنه كان محقاً. كان من الصعب الشك فيه مع ذلك، وخصوصاً منذ أن أوت شكوكاً كادت تخشى قولها بصوت عالٍ، خشية جعلها حقيقة.
"إن رغبتِ..."
بدأ كاتو، لكنها رفعت يداً لمقاطعته.
"لا أريد العيش في إليزيوم"، قالت كيرستن.
"لا أريد العيش في عالم رقمي، أو في أي مكان بلا طائل فحسب. فارغ. أدور في حلقة مھلكة كأنني مجرد لعبة في ساحة ألعاب. لا أريد أن أُجبر على الاعتقاد بأنني أفعل شيئاً مفيداً. أريد أن أكون في العالم الحقيقي، أفعل أشياء حقيقية. لكن كيف لي أن أعرف ذلك الآن حتى؟"
"آه".
للحظة ظنّت كيرستن أن اللقاء سيكون بلا جدوى، نظراً للطريقة التي تفاعل بها كاتو، لكنه أومأ برأسه بعدها، إما لها أو لنفسه.
"أعتقد أن عليك ألا تتحدثي معي"، قال.
"أعرف شخصاً مر بذات القلق حرفياً. وخصوصاً أنني أعرف أنك لا تثقين بي حقاً. كيرستن، أود تقديمك إلى يانيس".