قال: "أحصلتم على ما أردتم؟"
كانت رحلة راين وليزي الثانية إلى عوالم النواة مقلقة لكاتو بعض الشيء، غير أن قلقه لم يكن في محله. فبفضل البركة التي تحفظ هويتهم طي الكتمان، استُقبل الاثنان فجأة بالأذرع المفتوحة بوصفهما من النخب الصاعدة في القمة. ولم تكن زيارة النواة ومغادرتها مشكلة إلا من باب كثرة من يحاولون جذب انتباههم، وكان بإمكانهما ارتياد مدن حقيقية عوضاً عن إلقائهما في بعض البراري النائية.
قال كاتو وهو يقلب البيانات الواردة من عقول القتال: "يبدو ذلك".
لقد أجرى -بإذن سلالة سايد- بعض التعديلات على الأولويات الدقيقة لعقول القتال لمساعدة نفسه والشقيقتين. أولاً وقبل كل شيء، استخدم قالبيهما الأصليين للحد من الاندفاعات المفرطة لتحول البزموت. ولم يكن قادراً على إلغاء التغييرات، لكنه استطاع جعلهما أقل طيشاً وقلقاً، وأقدر على التركيز على أمور لا علاقة لها بالسفر والاستكشاف. وهناك أيضاً بعض إعادة البرمجة المؤقتة لتوجيه العقول نحو تحليل بيئي أكثر ملموسية، مع تخصيص جزء لتسجيل السماء، على أمل معرفة مكان النواة تحديدا.
كانت ما تُسمى بالعوالم الداخلية تقع بقوة داخل سحابة ماجلان الكبرى، في منطقة كثيفة تضم آلاف النجوم في أي كرة يبلغ قطرها عشر سنوات ضوئية. وربما كان العثور على النواة ممكناً من تلك العوالم، لكنها مساحة شاسعة من السماء للمسح، ولم يكن يعلم حتى ما الذي يبحث عنه. تمثل أحد أكبر مخاوفه في ألا تكون النواة موجودة في الكون الحقيقي أصلاً. بل في بُعد سفلي ما، أو ربما نشأت في واقع متفوق أو بديل، مما يجعل الوصول إليها مستحيلاً بأي طريقة سوى داخل النظام.
لقد أيقن أنها تستخدم تعديلاً واقعياً من هذا القبيل، إذ بدا أن عالم الملوك بأسره كما وصفه إينيتك وميي إيس يشكل مجموعة متوازية زائفاً من الأبعاد السفلية، ولكن إن كانت تتفاعل مع الكون الحقيقي، فقد شعر أنها تحتاج على الأقل إلى مرساة هناك. وما عثر عليه كان هيكلاً عملاقاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان القياس عن بعد الوارد من سلالة سايد مذهلاً حقاً، لا سيما فيما يتعلق بالحجم.
بلغ قطر ما يسمى بعالم الحرب حجماً يفوق كوكب المشتري، وتدور حوله عدة نجوم قزمية بيضاء. وبدت هناك حتماً درجة ما من حيل النظام الضالعة في الأمر، إذ أصدرت النجوم الخطوط الطيفية المميزة لأجسام مدمجة حقيقية، لكنها لم تتبع إملاءات الجاذبية قط. وبدت مداراتها حول عالم الحرب جمالية بحتة، وليست شيئاً تفرضه الفيزياء. ولم يكن هناك عالم حرب واحد فحسب. بل وُجد خمسة منها، مرتبة في إكليل كليمبرر حول نوع من منشآت النظام عجز البصر وحده عن تبينه تماماً.
ولم تكن هناك أي نجوم مثبتة على الإطلاق، وهو ما يفسر سبب عدم وضوح الأمر من خلال الملاحظات الأساسية التي تمكنت نسخُه في العوالم الداخلية من إجرائها. تطلب الأمر مطابقة دقيقة ومضنية للعلامات الطيفية لمعرفة المكان الذي تقع فيه النواة تحديداً، نسبةً إلى النجوم المتنوعة التي يمكنه رؤيتها من العوالم الداخلية، لكنه امتلك عدداً لا بأس به من النسخ التي تملك تلسكوبات جيدّة.
ولم تكن النسخ الأقرب إلى موقع النواة قد حظيت بالوقت الكافي لتجاوز أبسط القواعد الصناعية بعد، لكنه لم يكن بحاجة بالضرورة إلى أن يكون قريباً لتأكيد تقديراته. وبالفعل، عثر على مطابقة لتعدد النجوم القزمية البيضاء، ومع أنه لم يمتلك بعد أي آليات تمنحه رؤية جيدة، فلم يعد الأمر يتطلب سوى صنعها.
قال لسلالة سايد اللتين كانتا تسترخيان في إحدى النزل الفاخرة المنتشرة في عواصم العوالم الداخلية: "لقد ظفرت بها. أعتقد أنني بحاجة فقط لإنهاء زرع العوالم الداخلية".
سألت ليزي: "وماذا عن النواة؟ لا أظن أن هناك مكاناً هناك خارج النظام حقاً".
أقر كاتو قائلاً: "سيكون ذلك أشد تعقيداً. سأبدأ بالاستعدادات الآن، وأعاود الاتصال بكم لاحقاً متى علمنا المزيد".
قالت راين: "إذن سننطلق مجدداً. أعتقد أنني أشعر ببعض أولئك الجانبين يتشممون الأجواء مجدداً، وهو أمر يبعث على السأم سريعاً".
أكّد لهما كاتو: "لن أنزعج إن قبلتم أياً من العروض. في الواقع، قد تحتاجان إلى ذلك قريباً. إن أردت منح أهل عوالم النواة مخرجاً، فسأحتاجكما في وضع يتيح لكما تقديم هذا العرض. ومع القوة الكفيلة بدعمه".
أخبرته ليزي: "من العروض التي نتلقاها، سنحظى بحرية الاختيار. سنعلمكم بما استجد".
ترك كاتو سلالة سايد لتهيم على وجهيهما كما تشاءان، بينما طفق يفكّر فيما ينبغي فعله حيال النواة. بدا أنه عاجز عن بلوغها من الداخل، وحتى إن أمكنه ذلك بطريقة ما من الخارج، فقد كانت أضخم من أن تحتمل والاعتماد الجذري على عمليات النظام يمنعه من التعامل معها بالطريقة المعتادة. ودون قدرات الجوهر المخالفة للفيزياء، ستنهار العوالم وتخوض الشموس تفاعلات عاصفة للغاية. ولم يترك ذلك سوى خيار واحد كبير وبطيء للغاية.
كانت العوالم الداخلية في العنقود نفسه الذي تقبع فيه النواة، وهي سرب كثيف من النجوم متجمعة في بضع عشرات من السنّين الضوئية. وحتى لو لم ينتشر في العوالم الداخلية كلها بعد، فلا يزال لديه عدد لا بأس به منها والقريب بما يكفي من النواة في الفضاء الحقيقي، وسيتعين على ذلك الإيفاء بالغرض. دُفنت في أعماق أرشيف أبيه مواصفات محركات حربية تفوق بكثير أي شيء صنعه النظام الشمسي قط، وهي تفاصيل صاغتها حضارة صيفية حرصت أشد الحرص على إنجاز مثل تلك الأمور على النحو الأكمل.
لم تكن هناك قط مساحة أو حاجة لهياكل عملاقة في النظام الشمسي، ولا سيما مع تكنولوجيا الرقمنة ومئات أو ربما آلاف الأنظمة السياسية المستقلة التي يتوجب عليها التعاون. بيد أنها استقطبت الخيال على هر حال، ومضت كل من التصاميم والاختبارات قدماً حتى ما قبل نشر المصانع مباشرة بقليل. وما دار في خلد كاتو تعذر نشره في نظام نجومي مأهول، لكن عنقوداً نجومياً كثيفاً كهذا زخر بالمرشحين، وأغلبهم يبعد مسافة تقل عن سنة ضوئية واحدة عن إحدى نسخه في العوالم الداخلية.
أرسل ما تعلمه، وأعادت نسخه المتنوعة هندسة صناعتها لإنتاج مسابر بيننجمية، وهو مسعى أكثر أهمية مما يظن أغلبهم. حتى لو كانت المسافات تقل عن سنة ضوئية واحدة، فسيرغب مع ذلك في محاولة بلوغ عشر بالمائة على الأقل من سرعة الضوء النسبية لبلوغ الوجهة في إطار زمني معقول. والتعامل مع الغبار والحطام بهذه السرعة تطلب أجهزة قياس مهمة، وطاقة لإزاحة العقبات جانباً، ودروعاً ثقيلة لحماية المكونات الحساسة من الغبار البيننجمي.
وكل رطل من الحماية الإضافية يعني حاجته لمزيد من الوقود، مما يضيف كتلته الخاصة، في قبضة معادلة الصواريخ القاسية. ومقترنة بالمساحة التي يحتاجها لمعدات الأتمتة الصناعية الفعلية، كانت قيود التصميم ضيقة للغاية بالفعل واحتياج البدء بأسرع ما يمكن. غير أن بناء الأسلحة فعلياً سيستغرق وقتاً أطول، لذا ولكي تكون خطة طوارئ مجدية، توجب عليه البدء الآن. وآمل ألا يضطر لاستخدامها قط، ولتظل مجرد خيار صامت هناك في الظلام.
وسيترك قرار مرافقة أي من نسختي راين وليزي لتلك السلالات الفردية، لكنه ظن أنهما ستفعلان على الأرجح. لقد تباعدت السلالات الأحدث بعقود عن أسلافها، وبعضها بالكاد وطأ النظام، مكتفية باستخدام هياكل بعيدة عوضاً عن العيش حقاً على السطح. وربما راقتهما رحلة بيننجمية وإدارة هيكل عملاق. غير أن العثور على النواة أطلق عدّاد الوقت. ظهرت بعض التعقيدات والصعوبات؛ فعلى سبيل المثال، احتاج لمعرفة ما إذا كان النظام قد قرر ضم عالم آخر — وهو أمر لن يعلم بشأنه إن قطع النواة كلياً.
وحتى اللحظة الأخيرة، احتجت سلالة سايد لوجود ملوك إلى جانبها لتفادي استهدافها الفوري، بيد أنه بات يرى نهاية الحملة الآن. لا سيما وأن بعض الملوك تقبلت العودة إلى وطنها، إن جاز التعبير. حتى الآن، لم يمارس ضغطاً يذكر على ملوك النظام، وليس حقاً، غير أن السياسة الداخلية للنظام أدت دوراً كافياً ليتيح له الآن سبيلاً لمقاربتهم دبلوماسياً. وربما لم يكن إينيتك وميي إيس مستعدين تماماً لتعريفه صراحة، إذ خُصصت الطوارئ التي طلبتها ميي إيس للعوالم المطهرة، لكن الأمر مجرد مسألة وقت.
وربما سنحت له فرصة المضي بخطته الأصلية، حيث يُيسر انتقال العوالم، إن حظي بالملك المحلي إلى جانبه. طبعاً، كانت تلك الخطط مجرد تخمينات مبهمة. كانت الميكانيكا والبنية التحتية سهلة ومباشرة، ولا تتطلب سوى الوقت. أما التعامل مع البشر فكان أشد إرهاقاً.
* * *
وجد موار من بين جميع الملوك أن ميسي هي الأكثر جدارة بالثناء. ومع أنه ربما يُعتبر متحيزاً نظراً لمدى تفضيلها الواضح له، فقد استحقته بكل جدارة عن كل ذرة قوة تملكتها. والأهم من ذلك أنها أدركت الخطر الذي يمثله كاتو على النظام ولم تتردد أو تنافق على الإطلاق عند التعامل مع الأقل التزاماً بالقضية. ورغم ذلك لم تكن [الحملة الصليبية] شغلها الشاغل الوحيد؛ بل اتسع أفق منظورها.
قال موار وهو يمشي بجانبها عبر حدائق إيلن الفسيحة، غير متذمر، بل ساعٍ فقط لفهم دوافع ميسي: "لست متأكداً تماماً من الغاية التي قد أخدمها في هذا الاجتماع. على الرغم من مزاياي ولقبي، ما زلت فانياً، ولا أتخيل أن باقي الملوك سيستمعون إلي".
وافقتْه ميسي: "لن يفعلوا. لكنكِ اخترت لأسباب أخرى غير محاولة جلب الحكمة للجهلاء. لقد اخترتك لفطنتك والتزامك، وهذا ما أطلبه منك. ربما لم تصبح ملكاً بعد، أيها [الصليبي] موار، لكني أظن بقوة أن تلك حالة مؤقتة. ومثلها تماماً، الأزمة الحالية. ستزول، وستستمر في الصعود — وليس مبكراً جداً التفكير فيما ستفعله حين تكف عن كونك [صليبياً]".
وكما حدث مراراً، جاءت كلماتها بمثابة مفاجأة وإبصار معاً. لقد استهلكه كاتو تماماً من قبل، لكن كلمات ميسي رفعت بصره ليرى الاختبار على حقيقته. قد تخدم الأداة غرضاً واحداً، غير أن النظام خبّأ تصاميم أعظم لمن يستحق. وإذ شهد التحالف الذي تبنيه ميسي والمدى الذي تستديذه لبلوغه، لم يشك في محو كاتو في نهاية المطاف. فالقوة والحق تنتصران دوماً على الأكاذيب الجوفاء.
أجاب موار وقد شرع بالفعل في نسج التخمينات والأفكار: "أظنني أدرك ما تعنينه".
كان أصدقاؤه ورفاقه من [الحملة الصليبية] يشكلون بالفعل نواة لفصيل جديد، موالٍ لموار وصاعد بسرعة — إن لم يكن بالسرعة ذاتها التي يرتفع بها موار. إن قيادة فصيله الخاص قد تسرع صعوده نحو ألوم بشكل هائل، وإن بلغ السيادة حقاً، فسيحظى بقاعدة قوى مفيدة. بدت غالبية الملوك قانعة بالجلوس فحسب على عوالمها المخصصة، دون أي تطلعات نحو ما هو أعظم. لكن ميسي امتلكت ملوك وبشراً في العوالم الداخلية لتنفيذ إرادتها، وتجاوزت اهتماماتها مجرد الحفاظ على عوالم النظام.
وذات يوم سيسير بجانبها، متطلعاً لهدف أعمق — ألا وهو الحفاظ على الواقع ذاته.
قالت ميسي وهي تمنحه ابتسامة متألقة: "أنت تفعل، أليس كذلك؟ للأسف، يبدو أن العديد من الملوك يظنون أن مجرد التحلي بالقوة يكفي. وأن التقوى تكفي. إنها أمور ضرورية، صحيح، لكنها تبعد كل البعد عن الاكتفاء".
قال موار مستحضراً بعض من كانوا في الحملة الصليبية، فضلاً عن أفراد عرفهم في حياته السابقة على سايد: "لقد لاحظت الميل ذاته تقريباً بين أقراني. يبدو فخاً يسهل الوقوع فيه، حين نكافأ مباشرة على جهودنا لرفع الرتبة أو التواصل مع النظام — لكن أليس هذا هو درس الأحفاد والعشائر بأسره؟ إنه يعلمنا كيف نجني مكاسب أضعافاً مضاعفة من هذا التعاون عوضاً عن محاولة فعل كل شيء بأنفسنا".
قالت ميسي وهي تبلغ قوس البوابة في نهاية ممر الحديقة: "هذا الإدراك هو ما يضع الفاصل بين من يمسكون بزمام القوة ومن يمارس عليهم النفوذ".
أدى ثني قدرتها إلى إشعال البوابة الفعلية، وعبرت سريعة مع موار في ركابها. لقد حضر عدة اجتماعات ومحاضرات إلى جانب [ملك النواة الأكبر]، وكان كل منها تعليمياً. إذ جعله رؤية كيفية إدارة الملوك لموارد العوالم، وكيفية طلبهم لتغييرات طفيفة من النظام، يدرك حجم التعقيد الذي لا يراه البشر قط. وربما تشوهت نظرته للآلهة ككائنات بعيدة ومبهمة وعليمة بكل شيء، لكنه ومحاطاً بجوهر عالم الملوك المتقد، استحال عليه نسيان مدى قوتهم الحقيقية.
كانت وجهتهم أقل فخامة بقليل فحسب من الحديقة المترامية الأطراف والمعطرة بالزهور والمشبعة بالموسيقى التي للتو غادراها. لقد وطأ عقار ميسي إيلن مرة أخرى، غير أنه لم يزور المنقطة ذاتها مرتين قط، وكأن عقارها عالم قائم بذاته. وهو ما رجح كونه كذلك. مرت ميسي عابرة بسهولة أمام الخدم البشريين الذين حاموا على مسافة ذراع تحسباً لأي نزوة عابرة لأحدهم تخص طعاماً أو شراباً أو موسيقى.
ولبرهة، تجاهل موار المأكولات تماماً بعد بلوغه البزموت، إذ انتفت الحاجة لتلك الأمور وصمم على الاستفادة القصوى مما يسمح به النظام. لكنه بتبصر ميسي أدرك أنه مُنح حرية مجردة لا تفويضاً، ولا تزال تلك الأشياء ماثلة للاستمتاع بها — لتغدو أطيب مأتاً لعدم خضوعها للحاجات الدنيوية. وبالطبع، كانا آخر الواصلين إلى القاعة الواسعة، متخلصين من الخدم عند الباب لصالح صمت مدروس من الملوك المجتمعة.
وجلس كل ملك على مقعده الخاص، متناثرين في شبه دائرة خشنة عبر أرضية الرخام المتلألئة بتركيز على مقعد ميسي — الذي أبرزه شعار نبالتها المنقوش بوضوح على مسنده. وتعرف موار على بعض الملوك لمحة، بينما تطلب البعض الآخر [تقييماً] ليثبت هوياتهم في ذهنه. تبع ميسي إلى المقعد واتخذ مكانه عن يمينها؛ واقفاً عوضاً عن الجلوس مع الملوك احتراماً لفارق المكانة. لم تكن لموار حاجة أو رغبة في صنع أعداء عبر المبالغة في إبراز مكانته المفضلة.
قالت ميسي للآلهة المنتظرة متجاوزة جميع المقدمات التي غالباً ما تستغرق وقتاً في مثل هذه الاجتماعات: "علينا زيادة عدد البلاتينيين الجدد من عوالمكم. وبما أن عشيرتنا ستوسع قوتها في أماكن معينة قريباً جداً، فنحن بحاجة لبشر أعلى جودة للمساهمة في عافية الحدود، والتأثير في نهاية المطاف على الفصائل في العالم الداخلي وعوالم الحرب. أخبروني عما ستفعلونه لإنجاز ذلك".
استمع موار بينما تحدث الملوك، مسجلاً من كان واثقاً ومن كان متردداً، من نافق ومن خادع. وفي الغالب، لم يمتلك سوى فكرة مبهمة عن التفاصيل التي ذكروها، إذ حتماً لم يمتلك سلطة ملك عالم لضبط وتعهد كل الجوانب الجمّة للنظام. بيد أن بعض ذلك بدا مفهوماً تماماً بقليل من الخيال. ولقد عاين بعض تلك التصرفات من قبل، من مجموعات مختلفة حين ارتقى في الرتب. حماية حيز صغير أو آخر من السلطة، عديم المعنى للصورة الأكبر لكنه يمثل العالم بأسره للشخص المعني.
الاعتقاد بأن القوة المستعارة، أو دعم وحماية شخص أقوى، أشرس شرعية بطريقة ما من القوة المكتسبة بالنفس. وكل الأمور المعتادة التي واجهها مسبقاً كقائد لـ[الحملة الصليبية]، وهي أمور جعلته يفهم تماماً لماذا تقدر ميسي منظورا ليس شديد القصر هكذا.
أردفت ميسي عارضة نافذة استشعار تظهر روابط البوابة والمناطق المعنية: "سأقدم جواهر إضافية لمهام إضافية لجذب ذهبيين جدد لهذه العوالم. وينبغي لبعضهم على الأقل التمكن من ترقية رموز مدنهم لزيادة قاعدة البنية التحتية لعوالمهم الأصلية".
تكلم موار أخيراً: "مع الاحترام، الملكة ميسي. لن ينجح ذلك".
تجهم عدد ليس بالقليل من الملوك في الغرفة، وقطب بعضهم جباههم، لكن ميسي التفتت إليه ببساطة وأمالت رأسها.
فأمرت: "فصّل".
أشار موار إلى المناطق المظللة حيث حاولت ميسي زيادة الحركة من العوالم المستقلة: "إن كنت تحاولين استقطاب الناس إلى عالم محوري، فلن تحصلي إلا على أفراد من العشيرة ذاتها التي ينتمي إليها العالم. في قمة الفضي أو الذهبي الطازج، الاستنزاف الأعظم لرموزك هو المؤن. الطعام والشراب. تبعد هذه العوالم أربع أو خمس بوابات ولذا إن لم تكن من العشيرة نفسها، فستكون المؤن أغلى بكثير؛ ولن يخاطر أي فضي أو ذهبي بالذهاب إلى هناك ثم نزف الأموال بسبب التكلفة. ولا يملك أي شخص في هذه الرتبة سعة مكانية لتحميل المؤن مسبقاً أيضاً".
ولم يذكر صعوبات السفر عبر كل البوابات عودة إلى العالم الأصلي لكل وجبة، إذ إن القفز السريع عبر البوابات لم يمثل أدنى مشكلة قط متى بلغ البزموت، إلا أن العبور السريع كان بالغ الصعوبة في الرتب الأدنى. إن عبور أربع إلى خمس بوابات في يوم يكاد يكون مستحيلاً، ولن يؤدي إلا لتفاقم مشكلات الخروج من العالم. وكانت تلك ببساطة عواقب الضعف، وعدم الاستحواذ التام بعد على بركات النظام.
قالت ميسي وهي تدرس تصوير شبكة البوابات: "مثير للاهتمام. إذن ربما سلسلة من المهام التمهيدية، التي تكافئ إما برموز تُستبدل مباشرة بالمؤن أو عنصر مخزون مخصص حصرياً لحمل الطعام والشراب".
وألقت نظرة على الملوك الأخرى بينما استحضرت نافذة استشعار تحوي عدداً من القوائم والخطوط العريضة.
"يمكن لتلك المهام التمهيدية أن تخدم كآلية تلطيف وفحص إضافية، وبذلك يمكننا تقليص المكافأة في النهاية. ألن يكون ذلك أوقع قبولاً لدى العقل البشري؟"
اعترف موار بحرية: "أخشى أن الفروق الدقيقة تفوقني. لكن إن فهمت الطرح بدقة، فأظن أن ذلك سيوفر حافزاً مقنعاً لأغلب من هم في تلك الرتب".
ألقت ميسي نظرة خاطفة على الملوك الأخرى، متأكدة من موافقتهم جميعاً، واستمر الاجتماع. ولم يكن موار غافلاً تماماً عن الخوف الذي أضمرته الملوك الأخرى تجاه ميسي، بيد أنه شعر بأنه مبالغ فيه تماماً. ولم يخشَها قط يقيناً، رغم الهوة الهائلة من القوة بينهما. وبدا له أنهم رُوعوا ببساطة بفعل قوتها ونفوذها، وروابط عائلتها. وأكثر من ذلك، لم يكونوا جديرين بالسير على مستواها، وأدركوا ذلك في قرارة قلوبهم بطريقة ما.
أما بالنسبة لنفسه، فآمن بأنه كذلك. لقد كافأه النظام، وفضلته ميسي لا لأنه وافقها، بل لأنه تجرأ على مخالفتها. وربما يفشل ذات يوم في تكليفه، لكنه لن يساوم على مساره قط حتى ذلك اليوم. أنهت ميسي الاجتماع بعد وقت قصير، دعة الملوك الأقل شأناً يعالجون قدراً معيناً من التفاصيل بمفردهم. ومع ذلك فقد فهم سبب ضرورة الاجتماع، إذ اصطدم بمدى ضآلة تعاون الملوك المتنوعة حين حاول إيجاد الدعم لـ[حملته الصليبية].
لقد سلم تلك القائمة إلى ميسي، غير أن أولئك الملوك ما زالوا يديرون عوالمهم في الوقت الحالي، ومن المرجح أن يتواجد الكثيرون ممن يشبهونهم ولا يرغبون في تغيير طرقهم.
قالت ميسي عارضة تفكيرها على النهج ذاته: "سنبدأ بالتحرك ضد أولى العوالم المستقلة قريباً. إن رفضوا دعم الحملة ضد كاتو — حسناً. سنعرف أين تكمن ميولهم".
قال موار مستنداً بذراعه على مقبض هراوته جراء التفكير: "حقا. سيسرني الانتقال أخيرًا إلى المراحل الأخيرة من [الحملة الصليبية]".
* * *
سخر ملك العالم ميشان من ممثلي العشيرة الجالسين أمامه في مدخل منزله المصنوع من الخشب المعتم. وحتى لو علم بقدوم الأمر، فقد كانت وقاحة ملوك العالم الآخر مذهلة حقاً. أحدهما من عشيرة إيلن، والآخر من عشيرة لوندت، وكلاهما يتظاهران بالتعاون بينما يبدو بوضوح كرههما المتبادل بصدق. لقد أرغمهم شخص أعلى بكثير في السلسلة على التواجد هناك، ولم يستمتع أحد بالأمر.
"لا يهلني ما ترونه مناسباً أو صائباً أو ضرورياً. سوليان هو كوكبي، مع شعبي، ولن أتخلى عنه. أنا أعرف نمط أمثالكم".
وأشار بإصبع واحد غليظ ومربع الطرف في اتجاههما، لدرجة أن ملك عشيرة لوندت انكمش حقيقة.
"ستغادران، وستخبران أسيادكم أن العشائر لا تمتلك أي حقوق هنا. أنا سيد هذا العالم بالحق والهتاف، ولا شيء بمقدور أولئك الأنذال من أبناء النواة تغييره".
وانحنى فتي عشيرة إيلن إلى الأمام، قائلاً: "لكن... ومع تهديد كاتو للنظام—"
نفخ ميشان بغضب مغمضاً زوج عينيه العلويتين بينما استبسل سعياً وراء الصبر: "من يهتم لأمر هذا الكاتو؟ إن عجزتم عن إدارة عوالمكم الخاصة، فتلك ليست مشكلتي. خدعتكم هذه سافرة وخالية من الأنياب، ولا يمكنكم استخدام وحش بعيد ومخترع جزئياً لإخضعي عبر الترهيب".
قال ملك عشيرة إيلن مجدداً، وبدا ممسكاً بزمام نفسه بوضوح أكثر من تابع لوندت: "إن رفضتم الانضمام إلى جبهتنا المتحدة، فيجب أن نفترض أن ذلك لأسباب خبيثة. إن كنتم، إذن، متحالفين مع كاتو—"
"هذا يكفي".
نهض ميشان، مستحضراً جوهره إليه.
"كنت مؤدباً، من قبل. الآن، ستذهبان".
ومد يده إلى عقاره، لارتباطه بنطاقه وذاته ذاتها، وأغلق الباب بوجه ممثلي العشيرة بلا رقة لا داعي لها. واختفوا فوراً في عوالم فضاء الملوك خارجاً، بينما زمجر ميشان في المكان الذي وقفا فيه قبل أن يلتفت إلى نوافذ الاستشعار الخاصة به. بعد أن اجتمع التحالف الفضفاض للآلهة المستقلة في وجه العشائر الكبرى، جشعهم وكبرياءهم المتغطرس، أضاف العديد من الروابط الجديدة إلى عقاره، متجاوزاً الملوك القلائل الذين تمكن من دعوتهم أصدقاء.
كان الدعم الذي يمكن أن تقدمه الملوك الأخرى محدوداً بحكم انتشارها في عوالم النظام، لكن بعض الدعم أفضل من العدم. استجابت ميي إيس لاستشعاره في غضون لحظات، ظاهرة كعهدها بهيئتها المتباينة المعتادة، لكنها استقامت فوراً لدى رؤيتها تعبير وجهه.
أعقب بغضب: "لقد تلقيت إنذاراً نهائياً. أشك في أنهم يملكون الجرأة لفعله. ولكن إن فعلوا—"
قالت ميي إيس: "لهذا الغرض وُجدت جهة الاتصال الطارئة. لم يظهر أي دليل على وجود كاتو على سوليان، أليس كذلك؟"
أجاب ميشان بازدراء: "طبعاً لا. أشك في أن هذا الكاتو موجود خارج بضع عوالم حدودية. إنها مجرد حجة لترهيبنا".
تنهدت ميي إيس: "للأسف، إنها فعالة بما يكفيهم للإفلات بالأمر. يمكنني تحويل بعض الجوهر إليك—"
قاطعها ميشان: "لا، تلك ليست مشكلتي".
لقد امتلك كبرياؤه، ومع كل ما جمعته ميي إيس من تحالف، فلم تمتلك قدراً يذكر من الموارد التي حازها.
"أريد منك التأكد من دفع الثمن مهما فعلوا".
"آه".
ومضت عيناها وظهرت هيئة صاعد ألوم، بكل ما تحمله من دماء وغضب، للحظة واحدة.
"يمكنك التأكد من ذلك".
قطع المكالمة بعد ذلك بوقت قصير، عائداً إلى واجهته ومستعرضاً عالمه، كل الملايين من البشر، شعبه الذي عاش هناك. لقد دافع عنه ضد هجمات العشائر الكبرى لآلاف السنين، وكان قادراً بأكثر من كفاية على صد أي من محاولاتهم لتقويض سيطرته أو شرائه. لم يكن الغرباء مرحباً بهم على سوليان. وكإجراء احترازي، فعّل جميع الدفاعات الخاملة عادة حول فضاء نظامه الخاص وبوابات العالم. ليس فقط لضمان صد أي قوات، بل لقطع الطريق أمام زرع أي أدلة تدينه على كوكبه أو شخصه.
كانت احتياطياته عميقة، واستطاع الصمود بدفاعاته لأزمان. وإن أتى ملوك العشائر بأنفسهم، حسناً، فقد علم أنه يفوقهم بمراحل في القتال الفعلي. ثم زقزقت واجهته في وجهه. مدّ يده لمس شارة ملكه، واجهته المعلقة حول عنقه. فككت إشعاراً أمام عينيه جعله يحدق، ثم يطرف، ثم يحدق مجدداً.
[تم تعيين عالم سوليان للتصفية. سيتم استخراج كل الجوهر والموارد وقطع اتصاله بالنظام. سيُلغى اتصالك بسوليان. ستتلقى دفعة جوهر لمرة واحدة.]
وتحته، راح عداد تنازلي يدق. تفجرت عواطف طالما نسيها ميشان على السطح وهو يحدق في الهلاك الوشيك، ثم راح يتخبط مستخدماً واجهته ضد الإعلان. لقد حاز سلطة على سوليان؛ كان عالمه، وكان ملكه. ومع ذلك، لم يغير أي شيء فعله الرسالة، المفروضة من سلطة أعلى — السلطة العليا. النواة الحقيقية. قبضت يداه من تلقاء نفسيهما، وتطايرت المهارات وانطفأت بينما حاول بلوغ شيء، أي شيء مفيد — لكن لم يكن هناك ما يُفعل.
لم تستطع أي قوة تغيير ما قررته النواة. لقد كانت حقيقة واقعة، تُستغل ضده الآن. باستثناء حالة طوارئ واحدة، لتلك الوضعية تحديداً. مد ميشان يده نحو حزمة الطوارئ المريبة التي أعطتها إياه ميي إيس. وحتى تلك اللحظة بالذات لم يظن حاجته إليها قط، لكن ملكة رفيقة بدت وكأنها تتنبأ بالمستقبل. أو ربما علمت شيئاً جهله هو، لكن ميشان ظن أن الأمر يعود ببساطة لكونها أكثر سخرية حيال ما تستعد العشائر الكبرى لفعله.
ألقى نظرة سريعة على التعليمات، ثم هز رأسه واتصل بميي إيس.
قالت فور ظهور صورتها في نافذة الاستشعار: "مجدداً؟"
قال بلا مقدمات: "لقد أدانوا سوليان. ولم يبق لي سوى أقل من ثلاث ساعات".
"آه".
أخذت ميي إيس نفساً طويلاً وأطلقته.
"سأحرص على علم الجميع. هل استخدمت طوارئك بعد؟"
قال ميشان: "لا. يبدو الأمر معقداً بلا داع. ضعني على اتصال بهم مباشرة فحسب".
هزت ميي إيس رأسها قائلة: "لا أستطيع. ستدرك قريباً بما فيه الكفاية، وسيكون علي العمل كثيراً. سنتكاتف ونذهب إلى عوالم النواة — وإن لم يعالجوا مظالمنا، فربما يتوجب علينا الاستيلاء على بعض عوالمهم لنثبت نقطتنا".
زمجر ميشان: "لن ينفعني ذلك كثيراً".
أقرت ميي إيس: "أظن ذلك. لقد خرجت منها الآن، لكن ذلك لا يساوي الخسارة".
زأر ميشان: "قل ذلك لشعبي!"
لكن ميي إيس هزت رأسها.
"استدعِ جهتك. سترى".
زمجر: "حسناً"، وقطع الاتصال.
ثم استدعى التعليمات مجدداً، وأرسل رسالة قوية للغاية إلى كهنته — الذين كانوا يذعرون على أي حال، إذ استطاعوا هم أيضاً رؤية العد التنازلي الممنوح للكوكب. تعثر أحدهم خارج المعبد، رافعاً صوته ليتلو بصوت عالٍ سلسلة الكلمات السخفاء الواردة في معلومات الاتصال. وفي أقل من دقيقة، اقترب رتبة فضية من فصيلته من الكاهن ورد بسلسلة كلمات أخرى، وتلك كانت، بحسب التعليمات، كلمة المرور الخاصة ببلورة الذاكرة.
رددها ميشان على البلورة، فانفتحت.
قالت ذاكرة ميي إيس: "ادخل إلى الزمن المتسارع"، وأطاع ميشان، ممسكاً بالكاد بميي إيس المتحدثة بسرعة مطردة الآن.
قالت ميي إيس بصراحة: "إن كنت ترى هذه الرسالة بالذات، فأنت لا تملك سوى ساعات معدودة ولا وقت تضيعه. اتصالك هو في الواقع كاتو. لهذا السبب هو الملاذ الأخير. لقد أثبت لي قدرته على إنقاذ جميع من هم على جيفسترال، وأنه لا رغبة لديه في حكم أي عوالم حقاً. أهدافه مختلفة، ولهذا سأضمنه وأمنحك هذه التعليمات".
حدق ميشان، لكن بعد لحظة تفكير بدا الأمر منطقياً. إن كانت النواة هي من أهلكتهم، فلا بد أنه شخص يمتلك طريقة لمنافسة النواة يتمكن من إنقاذ عالمه. ومع أنه لم يعتبر كاتو يوماً تهديداً خاصاً للنظام، فقد كان حقيقة استيلائه على عوالم متعددة أمراً واقعاً.
"لقد أثبت أيضاً أنه مع استحالة وجود البزموت وما فوقه دون النظام، فيمكنه استخراجهم بأمان. وبناءً على ذلك، سيتعين عليك التجلي مباشرة على السطح؛ وإن جهلت الكيفية، فإليك التعليمات".
وتجاهل ميشان تلك، إذ إن أكثر البلهاء انعداماً للخيال سيعلم كيفية شق بوابة إلى عالم البشر، لكن التعليمات التالية بدت أكثر إثارة للاهتمام بكثير.
"قبل ذلك، قد ترغب في التحدث إلى كاتو وعملائه. إليك تعليمات لواجهتك لابتكار جهاز اتصالات يربطك مباشرة بالبشر. يتطلب تشغيله قدراً كبيراً من الجوهر، لكن في هذه الظروف، لا تعد تلك مشكلة أبدا".
لم تحوِ بلورة الذاكرة الكثير بعد. سيتعين عليه التفاوض مع كاتو مباشرة، رغم ضآلة ما يمكن التفاوض بشأنه. وبطريقة ما رمى كل شيء في أمل قدرة غريب على صنع المعجزات — مع ذلك، تعذر عليه فعل أي شيء بنفسه حقاً. لذا صنع أحد أجهزة الاتصال وألقى به في مخزون كاهنه الأعظم، الذي دعا عميل كاتو إلى المعبد. وبقي التساؤل عن كيفية استمالة كاتو لأحد شعبه أمراً عليه معالجته، لكن لاحقاً.
حين يقل التهديد المحيط بهم.
سأل ميشان دون إهدار للوقت في المقدمات: "كم سيستغرق كاتو لجلب قواته إلى هنا؟ الوقت ينفد، وما بقي لي قليل".
قال العميل دون اكتراث بالنبرة الفظة أو السؤال: "إنهم هنا بالفعل. عليك فقط محاولة ضمان عدم محاولة ذوي الرتب العليا لديك تدميرهم أثناء تجليهم".
قال ميشان: "مستحيل. كنت حذراً للغاية بشأن البحث عن نفوذه. لم أجد شيئاً، وأعلم أن عوالم النواة لم تفعل أيضاً".
قال العميل: "مع ذلك"، وتجاوزها ميشان.
"وما الذي تطلبه مقابل هذه الخدمة؟"
قال العميل، بلا استخفاف: "لا شيء. كل هذا الاضطراب هو، في جوهره، مسؤولية كاتو، لذا سيعمل على إصلاحه. في النهاية، الحفاظ على عالمك هو نصره. ما يحتاج لمعرفته هو ما إذا كان بمكانك فتح بوابات لكل جوهر زنزانة، أم سيتعين علينا التخطيط لتدمير النظام لسطح عالمك قبل زواله".
قال ميشان بحذر: "يمكنني ذلك".
قال العميل، بكل عملية: "إذن إن أمكنك فعل ذلك، فجلْب نفسك واجهتك إلى السطح، فضلاً عن جمع أي شخص برتبة بزموت وما فوق. حينها سيحط كاتو بالنظام هنا".
سأل ميشان: "كم سيستغرق ذلك؟"
لولا العد التنازلي الذي يعد في زاوية رؤيته، لما شرع حتى في التفكير في الانخراط في هذا الهراء. لكنه كان عالماً جديداً ومميتاً ومفاجئاً.
حذره العميل: "قد لا يتعدى عشرات الدقائق، لكني أود منحه ساعة على الأقل".
نظر ميشان إلى عداده التنازلي.
قال: "إذن سأعود قريباً"، وأغلق الاتصال.
ولم يدور في خلده سوى فكرة واحدة: كان على العشائر الكبرى دفع ثمن ما يفعله. ولن يبقى حول النتائج على أي حال، بأي طريقة كانت، لذا امتلك ما يزيد قليلاً عن ساعة ليجعلهم يندمون. خرج ميشان من فضاء نظامه، عابراً إلى أقرب عالم عشائري ومحطماً بسهولة الدفاعات المفترضة للحفاظ على خصوصيته. وولج للداخل، لتجرفه مهارات حركته عابراً الإقامة في الداخل حتى عثر على ملك عشيرة لوندت، المتبحر في التشمس على الشاطئ بينما حرقت عشيرته منزل ميشان.
نمت أسلحة برتبة ملك من يدي ميشان، ولم يلتفت لوندت إلا حين تصاعد جوهر ميشان. فوات الأوان.
"ما الذي—"
لم يلفظ لوندت سوى كلمات معدودة قبل أن يقاتل من أجل حياته. وجاءت المعركة القصيرة الناتجة حادة، وهيمن عليها ميشان تماماً وهو يفكك ملك عشيرة لوندت ممنهجاً، قاطعاً إياه عن فضاء نظامه الخاص ومستخدماً الأسلحة برتبة ملك لإلحاق ضرر حقيقي. وتوهج الجوهر من شفرات ميشان الطويلة والمقوسة بينما غرزها في عنق لوندت، ومزقت سحر رياحه الملك إلى أشلاء من الداخل. ولونت الدماء داخل فضاء النظام للحظة قبل أن تتبدد إلى جوهر نقي، متلاشية عودة إلى النظام.
[هُزم ملك عالم هوكايل. مُنح الجوهر. أترغب في المطالبة بالعالم المربوط؟]
تخلص ميشان من الحافز وخرج من فضاء النظام، مستهدفاً العالم العشائري التالي. ولم تكن أي من الملوك المجاورة سوى موظفين عديمي الفائدة، مقارنة بكيفية شق طريقه نحو ألوم. وتواجدت قوى داخل العشائر قادرة على مجاراته، ليس بمثل تلك الهجمات المفاجئة ولا في الساعات القليلة المتبقية. ولم يملك الكثير من الوقت، لكنه نوى استثمار ما تبقى لجبيهم الثمن دماءً. وحين عاد إلى فضاء نظامه، بعد نحو ساعة، خلت العوالم الخمسة الأقرب من أي ملك، وافتقرت عشيرتا إيلن ولوندت لبعض أعضائهما.
جمع ميشان أغلب جوهره وأرسله إلى ميي إيس، حيث قد يُستخدم لمساعدة بعض المستقلين الأقل حظاً، ثم شق بوابة إلى السطح، حيث لا يزال عميل كاتو ينتظر.
قال: "الآن. يمكننا البدء الآن".