أودع كاتو كثيراً من البشر المهالك بلا طائل. لو أتيح له مزيد من الوقت لو أتيح له فتح باب الحوار والتفاوض مع أهل هايكوس لو أدرك ما تنويه أزوت لو ولو ولو. بل أُبيد الآلاف مؤلفة من الأرواح البريئة في عوض ذلك طوعاً لنزوة رفيع رتبة كان حرياً به ردعه ولم يفعل. والأسوأ من ذلك كله أن الكارثة برمتها لم تعد ذات بال. فالامتداد مستمر وما زال جاهلاً إن كانت أزوت قد هلكت نهائياً إذ سمع يانيس أن أعلى الرتب تستطيع البعث في الظروف الملائمة.
قال ليس مستغرقاً في تفكير: "أظن الأمر مسيراً من العوالم الجوهرية".
قال رين بجهامة: "يعني هذا وجوب بلوغنا العوالم الجوهرية قبل تيقننا من كبح الامتداد".
لم يرد كاتو كوه ريل وما زال هيكله البشري مسماراً في شاشة البث المرئي لحيث كانت بوابة هايكوس يوماً. خامره جزء نزر من حسد لنسخة نفسه القابعة في الجانب الآخر فذلك الفرع لن يدرك سوى زوال النظام وتمنع البوابة عن الانفتاح غير أن وميض الحسد ذلك سرعان ما قُمع بلا هوادة. وواجهت تلك النسخة أيضاً شعباً منكوباً برمته وكوكباً مسحوقاً بالمثل. أمر سيتولاه بنفسه وقريباً. لم تكن ساعات سبع عشرة بالمدة الكافية لتحريك قواته المتمركزة حول كوه ريل إلى مواقعها وثبت جلياً أن تلك حركات عقيمة على أية حال.
استلزم الأمر اقتحامه العالم ذاته لإخماده من تلك الوجهة عقب المخرنة التي جلبها النظام. والعزاء الأوحد الذي استخلصه من الموقف تمثل في ابتهاج أهل الجانب الآخر حقاً بخروج النظام من عالمهم وظفرهم بذكريات وتذكارات أي حضارة بادت. ليصير ثمة ما يُبنى من جديد.
قال ليس مرسلاً إشارة عبر الشبكة ليحظى بانتباهه: "كان يمكن للأمور أن تؤول إلى الأسوأ. وها قد عرفنا بعض العواقب حين نسيطر على عالم ما".
أجاب كاتو مستنشقاً نفساً طويلاً قبل أن يزفره واجداً نفسه أوهن روحاً من مجاراة اختيار ليس للكلمات: "نعرف".
نجحت نسخة هايكوس في بث طوفان من البيانات قبل انغلاق البوابات مانحة إياه نظرة كثبانية على انهيار النظام. تضاريس يعاد ترتيبها رقع نباتية وحيوانية تختنق وتموت في جو ما عاد مخصصاً لها أو تتلاشى صراحة بينما تنهار أشياء النظام المكونة لها عودة إلى الواقع الأساسي. بل ظهرت لقطة جلية لبيزموثة وهي تتبدد إلى لا شيء قبيل انغلاق البوابات مجسدة واقعاً جائماً غاية في القتامة سيتعين عليهم مقارעته.
وفي المقابل تكبد هو طائفة من الشغل تأهباً لانفتاح البوابة إذ طاعه ضخ أقصى ما أمكن من الكتلة الحيوية عبرها. وإن أراد إنقاذ البشر حقيقة لزم تسيير الأمور عجلاً لا عبر النماء البطيء الخفي الذي اعتمده في آلاف العوالم. واستناداً إلى مجريات الأرض سيُحجم المرتفعون عن العبور ريثما يُمنح الأدنى فرصة غير أن حضور كاتو ينفي التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. وجب افتراض ترقب ملوك النظام المختلفة إن لم يكن النظام عينه لتخريبهم العالم المستحدث.
لذا لن يحرروا كوه ريل مباشرة حتى لو استطاعوا. وإذا بالغ جانب النظام في استباق دفاعاته الفدارية كإرسال قتة يقذفون الصخور ويحرقون كل وافد إلى الغلاف الجوي فقد يعجز كاتو عن بساء السيادة اللازمة للعمليات الدقيقة أو ما يحتاج إليه رين وليس لقيادة القوات البرية. ورغم إدراكه مسؤوليته عن مهلك كل أولئك النفوس تملكه عزم أشد من أي وقت مضى على إسقاط النظام. وأيقن الآن أن الاحتواء البسيط لن يكفي فللحيلولة دون خراب عوالم أخرى سيتعين عليه تجاوز تخريب تخوم النظام.
لقد كان وباء كمجرثومة فطرية تتسع بلا توقف متجاوزة الضرر وناشرة الدمار أينما حطت.
قالت يانيس متأملة: "لا يعجبني احتمال تبدد البيزموث بهذه الطريقة".
لم تشارك في الحملة الفعلية لأسباب بديهية شتى غير أنه سمح لها بموقع مراقب بوصفها الخبيرة المقيمة في رتب النظام العليا.
"ينذر هذا بأمور بالغة الغرابة تخص وجودي".
أجاب كاتو مرسلاً قوائم تدقيق إلى رين وليس لتصل مطافها إلى نسخه في العوالم الأخرى: "لا تفوق عقلًا رقمياً يتلاشى لتلف الركيزة. أو عقلاً عضوياً يتبدد لفشل اللحم".
امتلكت أنظمته الموزعة طاقة حوسبية هائلة فيما بينها غير أن تجزئة مهام بعينها بذكاء بدت مجدية وإن غاب التباعد الكافي بين نسخه المختلفة لتوليد تحليل مستقل حقاً.
احتجت يانيس: "ظننتك لا تعد النظام حقيقياً".
قال كاتو مقلياً النظر فيها: "ليس واقعاً أساسياً ولكنه ليس الأمر ذاته".
كانت تسقط نفسها من خلوتها الخاصة إذ سمح لها بمنظور محدود فحسب نحو الحملة الجارية.
"العالم الذي تعيشين فيه هو واقعك مهما كانت كيفيه نشوئه والتعصب الوحيد المجدي يكمن في التسليم بأن الواقع الأساسي يملك الكلمة الأخير أبداً. لكن الحضارات الصيفية أو حتى الخلوات حقيقية بما يكفي وشطب أمثال تلك الأشياء بوصفها تجارب حلمية زائلة يفرز مشاكله الخاصة".
في الحق استغرب كاتو استمرار استجابة يانيس. بدت من الطراز الذي يقع في فخ البئر السلوكية ليختفي داخل عالم افتراضي من تصميمه الخاص. صحيح أنها تتجسس بفضول نهم وتهتم بآليات الأشياء غير أن ثمة طرائق لخلق أجيال افتراضية ذات آفاق اكتشاف ممتدة بلا نهاية. ولم يكن يتذمر بالطبع إذ ظلت رؤيتها للنظام مفيدة وفضل اتخاذ مستشارة على إعالة تابع.
أردف قائلاً بينما استوعب رين وليس ما سيفوه به: "في الواقع ثمة عوالم افتراضية كثيرة تشبه النظام. ليست تلك المشكلة بذاتها. لا أبتغي العيش في أحدها بالطبع لكن شأن من يرغب في ذلك يعنيه وحده. المعضلة أن النظام يتمدد يندمج ويجبر الجميع على نمط وجود أوحد يسمح به".
اقترحت يانيس: "لعلك تفاوض الشيوخ في العوالم الجوهرية؟ إن كان أحد يتحكم في توسع النظام فهو هم".
رد كاتو: "لا أتخيل نجاح ذلك".
لم يكن الأمر لعدم تفكيره قط في التفاوض بل لعدم رؤيته قابلاً للحياة قط.
"لا بد أنهم يناهزون آلاف أو ملايين السنين وقد رسخت طباعهم واعتادوا سطوتهم ولا أملك ورقة ضغط تمنعهم من التمدد سوى تدمير النظام. وحتى لو وافقوا فسيظنون في مرحلة ما أن انتباهي قد فتر ويباشرون التمدد مجدداً. كلا الأجدر معالجة الأمر نهائياً من المرة الأولى".
لاحظت يانيس بسخرية: "يبدو صنيعك هذا شديد الشبه بالنظام. ظننتك تكره اللجوء إلى العنف".
أخبرها كاتو: "لكل مقام مقال".
لم يحاول إحاطتها بالمدخل الشامل للمجتمع ما بعد البيولوجي الذي انحدر منه إذ لا تزال تحسب نفسها امتداداً لبيزموثة غير أن تصحيح ذلك كان يسراً فأرسل إليها الدليل الشامل وقواعد البيانات المرتبطة فورا وهناك. ودون أية خلفية عن حضارته يسهل الظن بأنه نظراً لازدراء كاتو لنموذج النظام فإنه يفضل الحلول السلمية في كل الأمور. لكنه درس مستفاد في كل عصر وغالباً بمرارة مفاده أن أشياء معينة تحتاج الاجتثاث بلا هوادة وأن أناساً لا يستحقون فرصاً ثانية.
لكن وجود محام للشيطان استحال ضرورة لذا حبذ وجود شخص كيانيس حوله. وقف رين وليس بصلابة إلى جانبه وبعد أعوام في بيئة ما بعد بيولوجية موضوعية وذاتية بدت نسخهما الرقمية أشبه بكاتو مقارنة بمواطن النظام. قدمت يانيس منظورا مغايراً تماماً وهو ما لا يضر قط. لا سيما أن سلالة سيديان ظلت منقطعة الأخبار. أظهرت الإطلاقات المنقولة طوال الطريق حتى كوه ريل بواسطة فونغوس نت أن ساحات الصعود لا تزال مسقوفة بقباب غير أن المعضلة الحقيقية كمنت في لجوء الشقيقتين عميقاً داخل زنزانة أو ربما مكان آخر داخل النظام بأسره.
تواجدت بوابات لذا جاز لكل شيء أن يكون. لم ينشغل بأمرهم لا سيما مع ما يملكنه من ميزات غير أن صعود البيزموث يعد خطوة جسيمة قد تبلبل طبيعتهم وشخصيتهم ذاتها. لو كان مكانه لرفض أمراً كهذا قطعا. لأسباب جمة ومتنوعة حتى بيد أن سلالة سيديان اعتبرت الأمر مجرد جزء من الارتقاء في الرتب. شيئاً يستوجب الحذر ولكن لا يزيد معقولية عن المهارات ذاتها. لم يكن مقام كاتو ليصدّهم وعلاوة على ذلك احتاج من يقدر على ولوج العوالم الجوهرية لذا لم يملك سوى الأمل في خروجهم من التجربة قريبين من ذواتهم.
وإن قرروا عدم الاكتراث بحملة كاتو فسيعلق في مأزق عويص. وحتى لو رفعت إحدى السلالات الأخرى الراوية فلا ضمان لسلامتها من تشوهات النظام. لم تكن تلك الأفكار بجديدة والحق أن الاهتمام بها يماثل استجلاب الهموم غير أن حالته الذهنية دفعته نحو ترجيح أسوأ الاحتمالات. استهل رين بالفعل استنساخ محاكاة حرب جديدة بالاستعانة بالمعلومات المستجدة وبلغت بعض أسوأ السيناريوهات قمة السوء.
تراوحت بين الخيانة التامة من سلالات عدة إلى تدمير الملوك والرفاع الكواكب وبدت كلها مدمِرة إن حسن كاتو إدارة أوراقه سوءاً. شكل العجز عن الاشتباك المباشر مع ملوك النظام أكبر إحباط. وتيقن من تقاسمهم ذات الشكوى حيال استحالة منازلته مفترضين تفكيرهم في كينونته. أُجبر الطرفان على حرب وكالة غريبة يتقاتلان فيها على المساحة لا على بعضهما. على حساب قاطني تلك البقعة حتى وإن آمن كاتو جازماً بنجاة أحوالهم بغير النظام بعد انجلاء الغبار.
ويا للأسف لم يبدُ أن كوه ريل ستشكره كثيراً. فلم تظهر كنوع أصلي - أو أن سكانها انقرضوا منذ أمد بعيد - وبدَت مأهولة بتحالف ثلاثي من طورنوك وموكروم وعشيرة ثالثة بدت ذات سيادة محلية ملحوظة وهي عنس بشري مقوس وغلظ الجلد دعي صواش. وسادت كوه ريل درجات الاقتتال المعتادة بيد أن الجميع تمسكوا راسخين بطريقة النظام. لم يبتغِ كاتو كوه ريل خوض عناء فك شباك تلك الفوضى المعينة غير أنه مضطر.
حتى لو كانت البوابة - وغوغري خلفها - هي الهدف الحقيقي فسيأتي حين تنفصل كوه ريل ذاتها عن النظام ويغدو هو وارث تلك الكارثة. وربما يحدث ذلك حصيلة مساعي تحرير غوغري لأنه حتى لو أعيد تجهيز مصانع حيوية فثمة سقف لكتلة ما يمكن ضخه عبر البوابة. ولن تُستغل البقية من البنية التحتية إلا ضد كوه ريل نفسها ويبقى تقرير صلاحية ذلك معلقاً.
قال رين وذيلها يجلد حتى في فضاءها الافتراضي استقراءً لمرئيات المصانع: "لن نحظى بالعتاد المأمول".
رد ليس مستغرقاً في التأمل مرسلة رسالة لكل نسخه لتباشر الإنتاج: "حسناً نعلم الآن وجوب توفر قوة غزو جاهزة".
لم يمثل تصميم قوة غزو مماثلة على حين غرة مشكلة فعلية نظراً للوسائط والمحاكاة المتاحة للثلاثة ومع الاستخدام الحكيف لفرملة الإطار. وتمحور جل الأمر حول تعديلات على إطارات الحرب فحسب بإدراج حزم سابقة التجهيز أو تحسينات من قواعد بيانات كاتو. بيد أن فرملة الإطار لم تسعف في الخلق الفعلي المستغرق وقتاً حقيقياً كما لم يكن تحديث مرافق النمو بالأمر الهيِّن أيضاً. انطلقت اثنتان من المسبوكات الحيوية الهائلة بالفعل نحو مدار كوه ريل العالي تعيدان ضبط هيئتهما باحتدام أثناء الطيران غير أن كلاً منهما والشقيقتين فضلا أياماً من الإنتاج لا الساعات.
وكررت بقية نسخه الصنيع ذاته وإن بجهد أقل محققين حجماً كافياً من الأسلحة الحيوية المستعدة للغزو. وكمن الخطر بالطبع في قدرة ملوك النظام على إلغائهم كلياً بطريقة الإبادة الفورية بيد أن هايكوس أثبتت وجود حدود. حيث توجد الحدود توجد الثغرات. وأدرك سلفاً تأثر منصة الحرب الحيوية وتشويش النظام المرتبط بها وحدها ورغم غلاء إطارات الحرب نسبياً لم يكن ملزماً بصنع تلك وحدها.
عملت نسخه المختلفة على خداعات ومسابر شتى لتبين ما يحسب بدقة محملة ميغاطونات من الكربون والخامل والسيليكا بصفوف بسيطة من ضروب شتى. وحين يحين الأوان سيلقيها بمعية إطارات الحرب الحقيقية - أو تسبقها - لتبيان قدرته على استنفاد ذلك السلاح. غاب الوقت الكافي لأية تجربة حقيقية تسبق النشر على كوه ريل إذ تكشف جلياً استباق أهل النظام لتدخل كاتو. شرعت مقذوفات من السطح في قنص بعض أقمار المراقبة الأكبر تلك القريبة من حافة النظام لدرجة استغنائها الفعلي.
سارعت نسخه الأخرى لتعزيز التخفي في أنظمة شتى بعد انكشاف أمره عسى ألا يتبدى اتساع انتشاره جلياً. وحتى اللحظة لم يستهدف أي شيء هياكل الأكبر الأبعد غير أن تلك تمتلك دروعاً ثقيلة ودفاعات نقطية لذا لم يعبأ بالرد على الاستفزاز. استقرت محاكاة الحرب بحزم على إطلاق هجوم هائل واحد على منطقة تجمع البوابة مقارنة بمحاولة الاستحواذ على منطقة والاحتفاظ بها. وشكل اختيار زمان ومكان الضربة أفضلية المهاجم أبدا وبغى التشبث بذلك مطولاً.
وانقضت الساعات السبع عشرة سريعاً حتى مع فرملة الإطار العرضية لحل معضلة طفيفة هنا أو هناك. وبرغم أعوام التحضير والمحاكاة أسفر نشر القوات فعلياً في بئر جاذبية عن مشكلات غير متوقعة دوماً. فعلى عكس مهارات النظام المتطابقة دوماً أو المعلومات الرقمية القابلة للنسخ التام تطلبت البيولوجيا والميكانيكا التناظرية تعديلاً وصيانة. التقط أحد أقمار كاتو التجسسية تشكيل منطقة التجمع قبل انقضاء الموعد بساعة ممثلاً أول ما عاينه من صنيع النظام لا البشر القاطنين دونه.
ومحا فضاء على بعد بضعة أميال من بلدة في النصف الجنوبي أشجاراً وكائنات بلا جلبة مخلفاً دائرة عشبية تفوق ميلاً عرضاً. وبعد لحظات ظهرت أبنية النظام من العدم نصف دائرة خشنة من صناديق بيضاء وأجنحة مكشوفة معبدة والأبراج المألوفة. توقع شطراً من شخصية غير لاعبة تتجسس بالنظر للصبغة الشبيهة بالألعاب للانبثاق غير أن النظام خلا منها لذا لم يشعر بغضاضة في نسفها إلى الجحيم فوراً.
وانهالت ضاربات حركية أُطلقت من إحدى منصات الأسلحة المتحركة على البقعة بعد دقائق من ظهورها استعراضاً مقصوداً. ولم يمتلك القدرة على التأثير في البوابة ذاتها - إذ خبروا ذلك على الأرض - لذا اكتفى بإسقاط ضارب من رمل كيكر أحد مدافع السكك الحديدية المقدرة بالكيلوطن. وكفى مقذوف واصل للمرمى كل ثلاثين ثانية لإقصاء أي كان عن المكان. ومع زمن عبور لأربع دقائق لم يصب سوى هدف ثابت وعجز حتى عن وقف الإطلاق دون فجوة زمنية طائلة بيد أن البراعة لم تكن المغزى.
محقت الضاربات أبنية النظام الأولى وإن رصدت أقمار المراقبة برجاً بعينه حافظ على سلامته. وربما تطلب ذاك شعاع جسيمات لإزالته بيد أن كاتو لم يجسر حتى على التخطيط لذلك قبل إيصال نسخة منه عبر البوابة. ظهر رد النظام على القصف المتواصل قبل انقضاء الموعد بنحو عشرين عُشيرة حين ظهر أحد ذوي رتبة الطورنوك العليا بلا جلبة في قلب منطقة التجمع المدمِرة والمقذوفة مشيراً بيد واحدة.
ظهر قبة بيضاء مصمتة ضخمة بدت وكأنها من رخام خشن وانزلق المقذوف التالي عنها ببساطة في تحدٍ للفيزياء. وجب تحطم قضيب السيليكون غير أنه ارتد ببساطة ملغياً جل سرعته ليستقر في الأوراق التالفة خارج القبة. ولم تلق المقذوفات الثمانية التالية مصيراً أفضل إذ كان جُلّها طائراً بالفعل في مسار بالستي من رمل كيكر لسطح الكوكب.
قالت يانيس: "ليست أزوت أعهدها".
وإن شك كاتو بجدوى معرفة هويتها. لقد تجاوزوا مرحلة إمكانية التفاوض.
تمتم رين بتذمر: "ولا زلنا على بعد ساعات من توفر أشعة الجسيمات".
أردف ليس مستحضرة نسخة افتراضية للطلبة المتاحة لإطارها على الكوكب بالأسفل: "إما أني أغفل شيئاً عن مهمة [الحملة] أو أن الناس يظفرون بمهام أشد إثارة لاستدراج أزوت إلى هذه المسافة. لا تعني المكافآت المتغيرة الكثير بالنسبة لي".
أجابت يانيس بصوت بدا عجلاً بعض الشيء: "تعني مواءمتها لرتبتك ومساهمتك".
وتأكد كاتو من تكرارها ذات القول لعدة نسخ من رين وليس عبر عوالم متعددة إذ غابت عالمية كل معلومة واقتصرت على الهام.
"يستفيد الجميع من المشاركة إن وُجد ما يتحداك حقاً".
تأمل كاتو: "أظن وجوب سرورنا لاشاهدتنا أزوتية واحدة أو اثنتين فحسب. وأنهم لا يكترثون بمعالجة الأجرام المدارية".
أبقى عتاده الأهم بعيداً بما يكفي عن حافة النظام لتتعامل المناورة والدفاعات النقطية مع جل الهجمات غير أن الناتج الطاقي لأزوت بمستوى مسح قارة قد يكلفه عناء حقيقياً لو توفرت المهارة المناسبة. اكتمل الموعد أخيراً وارتجف كاتو لإدراكه تمثيل ذلك نقطة اللاعودة لعالم الجانب الآخر. كل موت ودمار وانقلاب واقع وحرب لم يطلبوها. وإن عبر سريعاً فربما تسنّى تخفيف بعضها. استغرقت قواته ساعة أخرى لبلوغ المدى وحين فعلت شرع في إرسالها أفواجاً.
غادرت كبسولات الهبوط المدار بلا محاولة إبطاء إذ تُوسدت الكائنات جوّاً خاملاً ماصاً للصدمات وتهشمت الحاويات في الأرض متجاوزة السرعة القصوى بقليل. ألقى آلاف إطارات الاستطلاع الخفيفة حول القبة للظفر باستهداف دقيق لأسلحة شعاع الجسيمات التي بلغت المدى أخيراً. وكالمتوقع أبيد الموج الأول بقوة سماوية ورغم خلو جعبة كاتو من قوة غزو بمقياس كوكبي فامتلك ما يكفي لبضع عشرات من الموجات.
وخلت الأولى من إطارات حرب ثقيلة ناهيك عن تلك المخصصة لإطلاق نفسها نحو المدار بفضل دافع أوريون حيوي فور القدرة. ولم يملك سوى المئات منها رغم نمو المسبوكات الحيوية بأقصى سرعة واحتملت كفاية الواحدة لتأمين موطئ قدم إلا أنه رغب في إرسالها جمعاء. فلا وجود لمبدأ الإفراط في القوة. تمثلت مداخل القبة في أقواس متباعدة في محيطها وأظهر استطلاع أول الناجين إعادة تشكيل نقطة التجمع تحت القبة.
في الواقع عاد المشهد المدمر والمقذوف إلى شبه طبيعته وكأن القصف مُحي كلياً. وهو ما جاز؛ فقدرة النظام على العبث بالإنتروبيا تعني عدم استبعاد الارتداد هكذا. لم يتواجد الأزوت بالداخل. ووجد العشرات من سكان النظام المنقولين عبر النكسيس ضمناً بينما غاب الأزوت شخصياً. متجاهلاً المراتب الدنيا دفع كاتو إطارات حربه مندفعاً نحو البوابة باغياً تأسيس موطئ قدم واكتساب رؤية كافية لإطار أوريون الخاص به.
وبدل ذلك وجد الأزوت بانتظاره في الطرف الآخر إذ أباد طورنوكش العشيرة استطلاعيه فوراً.
"تباً".
عجز كاتو عن صياغة رد سليم لتلك المعضلة. تعذر تصويب شعاع جسيمات عبر البوابة أو بالأحرى حتى لو أمكن فلن يصيب سوى ما يُرى عبرها، واختار الأزوت بساطة الوقوف جانباً. وعجزت قواته البرية عن مجابهة فرد بتلك الرتبة وانعدمت طريقة لبلوغ الكوكب إلا عبر البوابة. وستظهر أخرى بمرور الوقت استناداً إلى الأرض لكن من بقاع أخرى بهذا الكوكب مؤدية لذاك.
لاحظت يانيس: "يبدو أن أحدهم أدرك حاجتك للبوابة".
وقاوم كاتو نزعة الحدق في صورتها المجسدة.
أجاب عوضاً عن ذلك: "أدركنا دوماً بلوغهم تلك النتيجة مطافاً. ولا أظن خياراتنا جمة".
فحتى لو حطم النظام على كوه ريل وربما وصل مزيد من رفيعي الرتب لمنازلته فسيترك ذلك العالم المضم حديثاً بلا سند مطلقاً. استلزم الأمر إبعاد ذلك الأزوت ومنع مرور قوات أخرى مع تجنب تحطيم البوابة الآن. وعلاوة على ذلك نظراً لجلاء استغراق معالجة الضم وقتاً استهدف الحؤول دون تورط النظام بأسره لا سيما صغار المراتب الهالكين عبثاً في تبادل النيران. وبرغم إفراز النظام نصيبه من المختلين النفسيين قاطبة فعل صغار المراتب ما أملته الحقائق سعياً للنجاة.
واقتضت مصلحة كاتو إنهاء الأمور سريعاً قبل تفاقم النزاع.
سألت ليس: "أيجدر التصعيد الآن؟"
امتلكوا خططاً لعمليات بكل المقاييس نظراً لكون البوابات عنق زجاجة. وأثبت محاكات الحرب جلياً أن السبيل المعقول الوحيد لتفريغ العنق يتمثل في إجبار البشر على الاهتمام بجوانب أخرى من النظام.
أعد كاتو رسالة لنسخه الأخرى: "انتشرنا بما فيه الكفاية وسلالة سيديان خارج منطقة الهدف".
آن أوان إطلاع النظام على ما تفعله التكنولوجيا المتقدمة. سيسره بعد هايكوس منح البناء بأسره لكمة دامية.
"إنقاذ حضارة بأكملها هو ما جلبني من الأرض هنا. أثق بتحصينهم هذا العالم لكن لا بأس. أشك في جاهزيتهم لخمسين كوكب دفعة واحدة".
* * *
استبطن ماروس تفاؤلاً حذراً. فتحت البوابة وبدا خلو الجانب الآخر من كاتو جلياً. بل وضح سعيه للغزو عبر البوابة التي وفرها النظام ما طمأن ماروس لغياب شمول الكائن كما بدا له هنيهة. ومهما بلغت قدرات كاتو فلم تبدُ قاهرة لحاجزي الملك والأزوت الحاميين للبوابة. وعانت قوات كاتو قلة فادحة مقارنة بهايكوس. وحتى لو اضطر لاكور تخليه عن ذلك العالم فقد استنزفت تلك المناوشات هائل ما بناه كاتو وبما استوعبوه هناك أمكن سحقه تماماً على كوه ريل.
وجهت إضافات لـ [الحملة] أنظار الفانين نحو السماء مع ترقب أزوت إضافي في الطريق. صحيح أن كاتو امتلك قدرة قتل الأزوت غير أن عجزه عن استخدام السلاح إلا في الطوارئ القسري بدا جلياً. وتسهل تفادي الأمر عبر القليل من الذكاء وتجنب التعرض للسماء. لم يتحقق ذلك دائماً غير أن ضمان الملاجئ استطاع [ملك عالم] فعله سهلاً مقارنة بتكلفة جوهر أفعال أخرى. مع انفتاح البوابة استطاع ماروس تثبيت فضاء نظامه بغوغري.
وفعل أوران ذلك ورغم كراهية ماروس لسماح عشيرة لوندت بتحركات دون كبح فلن يبادر لتلك القفزة. تمثل السبب الرئيس في غياب رؤية ذات السلاح المدمر للبالادين سابقاً على سيديان والمصدع للحماية السماوية الممنوحة للفاني. وأنبأ ذلك عن إخفاء كاتو لجل أوراقه وعدم رغبة ماروس في إهدار الوقت والجوهر للاندماج بفضائه الشخصي قبل اطمئنانه للوضع.
درس لاكور نوافذ الاستشراق قائلاً: "أعتقد أن الأزوت سيسيطرون على الوضع".
منح استباقياً مهمة للأزوت لحماية البوابة - من الجانب الآخر. وحمل ذلك مكاسب جلية لعجز قوة الهجوم الهزيلة المستدعاة من كاتو عن فعل شيء حيال عنق الزجاجة. وامتدت المحاولات ليومين غير أن كل موجة تضاءلت ضؤولاً طفيفاً. ووُجهت مهمة ثانية لاستدراج أزوت آخرين وإزالة إبداعات كاتو السمائية رغم تأخر أولئك الفانين عن الحضور.
"أظن كاتو بلغ نهاية طاقته مهما يكن".
حذر إينيتيك: "ربما غير أنه يعمل بطرق لا ندركها بعد".
لم يحبذ ماروس حضور الحشرة بيد أن اقتراحات إينيتيك جاءت قابلة للتنفيذ ومسددة. وتمنى لو صاحبت الاقتراحات جوهراً لتنفيذها غير أن كوه ريل بدت أبخل كلفة من هايكوس بلا شك. ومؤسف إهدار أي جوهر بيد أن إيرادات [الحملة] الإجمالية قد تعوض ذلك. وحسابات تُجرى لاحقاً بعد انجلاء الأزمة.
رفض لاكور الأمر ملوّحاً: "لعل لكاتو مهارات غريبة لكنه يعجز عن خوض حرب عبر عوالم متعددة. ومع جلب [الحملة] بأسطورة النظام ضده أشك في صموده أطول".
منطقياً وجب على ماروس الموافقة غير أن اضطراباً استقر في أحشائه مخلفاً إياه بانتهاك التكليف السماوي. ولو بدر عن ملك آخر لنظام لهان الأمر غير أن كاتو انتهج سبيلاً مغايراً تماماً وعلق ذلك الذهول به. وأثار الكشف عن انتهاك الكائنات لقرارات النظام وغياب المطلق تساؤلات حول مسلمات أخرى اعتادها. فجأة صرخت واجهة لاكور متناغمة مع تدفق أنواع الإنذارات. تحرك إينيتيك خاطفاً بينما تزاحم مي-إس بالجانب الآخر وسحب لاكور صامتاً الحالة والاستشراقات من عوالمه الأخرى.
أدار لاكور إحدى عشرة عوالماً إجمالاً بغياب هايكوس وولدت كل واحدة منها مهمة الدفاع مع تفعيل [الحملة] متزامنة. ولم يملك سوى ظن احتمال كونهم من يعجز عن الصمود أطول.
* * *
صاح جوستين من الشاطئ على بعد أميال مسبغاً دفعه البطولي الأصلي لنبرته المهيبة بفعل بنية ذئب عملاق رتبة-أزوت: "هييه! مورفان!"
عبس مورفان تجاه جوستين مشيراً نحو الموجة المتدحرجة الهائلة ثم هبوطاً إلى لوح التزلج المصنوع ذاتياً. وبدا محيط حرب العالم المتموج بالعواصف ضخماً ككل شيء على الكوكب متضمناً الأمواج. وتبيد أي فاني طبيعي غير أنها بدت خشنة بلطف لبنية مورفان ذات رتبة-أزوت. ومقاتلة وحش بحري عرضي أثناء ركوب التيارات مثلت ميزة إضافية فحسب.
"يمكنك فعل ذلك لاحقاً! تلقيت رسالة من الملوك!"
التقط مورفان لوحه مستدعياً مهارة حركته راكباً الحدود بين الفضاء العادي وآخر جلبته الأثير للشاطئ طرفة عين. ولم يفرط فانو الأرض في التعبد رغم أهمية مديري النظام الكافية للاحترام. أو للاستغلال لأجل الميزات على الأقل.
سأل مورفان مدخلاً لوحه داخل عقاره الواسع المرتبط بحقائبه المكانية: "ما الأمر؟"
أجاب جوستين وذيله يجلد الأرض: "تدور مهمة خاصة على التخوم مسماة [حملة]. لكن ليس هذا المثير. يبدو جلياً كبر حجمها وانطلاقها برمته مدفوعاً بما يُفترض أنه شيء خارج النظام. يدعى كاتو".
تأوه مورفان: "أتمزح؟غريم المتعة ذاك مجدداً؟ ولا يزال؟ كفى محاولته تخريب متعتنا على الأرض ليلحق بنا إلى هنا أيضاً؟"
أنف جوستين: "لا أدري لكنه بدا كأمر نتقاضى أجراً لاستجلابه. لا أظن أحداً هنا يمتلك أدنى فكرة عما يجري إن كان حقاً شخصاً من الأرض".
تنهد مورفان: "غالباً لا. أين كيرستان؟ سيتعين استقصاء الأمر. لا شيء يدعو للقلق إن كان هو وحده. ألين من أن يهدد أحداً حقاً وثمة معضلة التكنولوجيا لذا لن توجد ذكاءات اصطناعية مخيفة حولنا".
وافق جوستين: "حقاً. كان حرياً به البقاء على الأرض إن لم يبتغ المرح".