أدار كاتو كتفيه حين خطا به هيكله السياديّ فوق العشب. حتى مع امتلاك هيكل بشريّ الشبه، كانت المفاصل السياديّة تمنح شعوراً مختلفاً تماماً، فضلاً عن اختلاف الجهاز الحسيّ بصورة طفيفة. لم يكن الأمر شبيهاً بالتتبع المعلوماتي المجرّد لهيكل الحرب، ولا بالحواس البشريّة المعهودة. كانت البصلة الشميّة تتولى معالجة الروائح ذاتياً قبل وصولها إلى مؤخرة الدماغ، في حين أدى القشر البصريّ المُعدَّل إلى تحويل لوحة ألوانه المألوفة وإدراكه للعمق نحو اتجاه يناسب أطوال موجات الشمس الثنائيّة في الأعلى.
لم يكن ذلك ليُمثّل مشكلة في الظروف العادية. فقد جرّب ما يكفي من الهياكل ليصبح قادراً على التأقلم مع أيّ جسد يجد نفسه فيه، لكنّ هذا الجسد كان مقيّداً بإضافات أخرى. كان يتعين على هذه النسخة أن تكون متوافقة مع النظام، ووجد نفسه منزعجاً بالقدر ذاته الذي شعرت به النسخة البشريّة، على الأقلّ قبل أن تقضي عليه أارين. جرى سدّ بعض الثغرات المعرفيّة بواسطة غدة ميكروويفيّة ظلّت تربطه بنسخته الأصليّة، لكنه ظلّ أدنى شأناً.
سيكون مسروراً حين يفرغ من هذا الأمر ويتمكن من الاندماج مجدداً بكامل هويته. بزغ هيكل سياديّ آخر من الكبسولة، وكان يحمل حقيبة ظهر. تلك كانت النسخة منه التي ستحاول حمل بذرة هيكل حرب عبر البوابة، نظراً لأن المحاولة الأخيرة مُنيت بفشل ذريع. إنّ وجود تشويش النظام سيُفعّل المهمة بالطبع، لكن إن لم يتعرّض للتفكك الفوريّ فهذا أمر يمكنه التعامل معه. لوح لنفسه، واندفع الهيكلان السياديّان هرولة إلى الأمام ليقاطعا أارين حيث كانت تقف عند حافة نطاق تأثير مدينة كالهان.
لم يبذل أيّ جهد لإخفاء هبوط الكبسولة، لذا اضطرت أارين إلى تحذير الناس لئلا يعبثوا بها. كانت عالية الصوت لدرجة مكّنته من سماعها من على ارتفاع يقارب ألف قدم.
بدأت أارين قائلة: "إذن..."
وهي تتبادل النظرات بين الهيكلين. كان هيكل الدبلوماسي طويلاً وضخماً ومكسوّاً بحراشف سوداء، بينما كان الآخر قصيراً ورشيقاً وأزرق اللون. أدرك كاتو كيف يمكن لرؤية شخصين يحملان اسماً متشابهاً ويتصرفان بالتماثل تماماً، حتى وإن اختلف مظهرهما، أن يثير الارتباك.
قال كاتو الدبلوماسيّ: "عليك القلق بشأني وحدي. أنا أضع البزموتات الأربعة تحت المراقبة. هذا إن لم يفتني أحدها، وهو أمر وارد. لكنه مستبعد."
قالت أارين وهي تستدير لمرافقتهما نحو المدينة: "يصعب الجمع بين تلك الثقة وكونك نحاسياً. أظنني أفضل في الواقع ذلك الشكل الآخر. فهو أكثر صدقاً."
علّق كاتو الدبلوماسيّ: "ومع ذلك فهو ليس شكلي الحقيقي."
انسلت النسخة المسافرة منه بمفردها لحظة عبورهما عتبة المدينة. كانا متّجهين تقنياً إلى الوجهة ذاتها، لكنه لم يرغب في أن يرتبط هيكله السياديّ الآخر ارتباطاً وثيقاً بأارين وبقية البلاتينيّين. كان بعض الناس قد رآهما معاً من قبل، لكن في غياب الوسائط الرقميّة ومع وجود الخلايا الصبغيّة في حراشف هيكل سفره والتي تمنحه القدرة على تغيير لونه متى شاء، كان بإمكانه الحفاظ على سرية هويته لفترة كافية.
سألت أارين: "إذن ما هو شكلُك الحقيقيّ؟"، ووسع كاتو خطاه ليتماشى مع سرعتها العادية ذات الرتبة الأعلى.
أجاب كاتو ضاحكاً: "لا يزال ذلك موضع جدل في المكان الذي جئت منه. الشكل البشريّ الذي رأيته سابقاً قريب ممّا وُلدتُ عليه، أما بشكلي الحاليّ يصعب الجزم."
أصدرت أارين صوتاً غليظاً من الحلق وهي تضع يدها على باب مغلق داخل مدخل مبنى نيكس قائلة: "أمر غير مطمئن البتة."
انفتح الباب كاشفاً عن درج، فانحسرت داخله.
"أفضل تقديم حقيقة مزعجة على كذب مطمئن، مع من أعمل معهم على الأقل. وإلا فكيف يمكنك الوثوق بي لأساعدك؟"
أدرك كاتو أن هناك الكثيرين ممن لا يستטיعون تقبّل حقيقة الواقع، أو رؤية المشكلات التي يُخلفها النظام، لكنّ تلك كانت مشكلة ليوم آخر. أما في الوقت الحاضر فأمّل أن يتمكن على الأقلّ من استمالة عدد كافٍ من الناس عبر النقاش، فكلما زاد استخدام القوة زادت المشكلات تعقيداً في المستقبل.
ألقت أارين نظرة إلى الوراء قائلة: "ليس لدينا خيار حقاً"، فأومأ كاتو برأسه.
كان بإمكانه إلقاء بعض الحكم عليها بشأن امتلاك الخيارات دوماً، لكنّ ذلك كان سيُعدّ إهانة لكليهما. كان المكتب الواقع في أعلى الدرج مزدحماً، إذ ضمّ خمسة بلاتينيّين وكاتو، وتمكّن من تمييز مساحات فارغة واضحة حيث أُزيلت الزينة أو الجوائز أو حتى قطع الأثاث ربما. ورغم امتلاك كاتو فهماً محدوداً للشؤون اليوميّة للناس، فقد راوده شكّ في أن العناصر المفقودة قد تُصرّفت بغية الحصول على أموال، نظراً للشكاوى المتعلقة بأسعار متجر النظام.
ربما كان تصفية ممتلكات الرتب العالية يكفي لإطعام الكثير من ذوي الرتب المنخفضة لفترة طويلة، بيد أن هناك ما يقرب من مليون فم ولا يوجد سوى خمسة بلاتينيّين.
بدرت عن كارسا كلمة بتهكم وهي تقرأ بوضوح الاسم على حالته: "كاتو الدبلوماسيّ؟ حقاً؟ هل هذا اسمك الفعليّ؟"
صحح كاتو بابتسامة سياديّة بينما تجعدت زوايا خطمه: "إنه اسم هذا الجسد، بما أن هذا الأخير صُنع خصيصاً لهذا الغرض."
وما إن تحدث حتى خطا هيكل كاتو المسفر إلى داخل نيكس النظام متجهاً نحو البوابة. ورغم أنها كانت محروسة اسمياً، إلا أنه بدا وكأنّ ثمة تكلفة خفية لا ترافق استخدامها — ممّا يعني وجوب وجود سبب خفيّ يحول دون رؤيتها تشهد حركة مستمرة. كانت تلك فكرة يمكن لكاتو الدبلوماسيّ متابعتها لاحقاً. عبر كاتو المسافر البوابة، مدركاً أن ذلك سيُظهر المهمة مجدداً وأن وجوده سيكون واضحاً أكثر من اللازم — لكنه لم يكن يتوقع أن تتلاشى بذرة هيكل الحرب في حقيبته دون سبب واضح.
أتى السبب بعد لحظة، إذ انفتحت بوابة فجأة ولمح كاتو ذات الشخص الحشريّ الذي حوّل هياكله الحربية إلى غبار قبل ساعات قليلة فحسب. ثم أُغلقت البوابة مجدداً واختفى كاتو المسافر، بيد أن كاتو الدبلوماسيّ أو كاتو المداري لم يكونا قلقين حيال ذلك بوجه خاص. فبدون الاتصال بالنسخة المدارية، سيقوم الهيكل متبلد الحواس بتفجير نفسه ذاتياً. لم يكن لدى كاتو أيّ رغبة في الاستجواب من قِبل أيّ سلطة تابعة للنظام، وفضل إنهاء تلك النسخة منه بكثير.
ما أزعج كاتو حقاً هو اهتمام ملك النظام الموجود على الجانب الآخر من البوابة، وتمتم كاتو المداري بلعنات لنفسه. لم تكن الأمور ببساطة إرسال نوع من البذور إلى خارج النظام. مع ذلك لم يرغب في إثارة تلك المسألة في الوقت الحاليّ، إذ وُجدت مخاوف ملحة أكثر فيما يتعلق بحلفائه المحتملين. وتحديداً الكم الهائل من الغرباء الذين اجتاحوا سيديا وخصوصاً أصحاب رتبة البزموت الأربعة الذين تفوق قدرتهم إمكانات السكان المحليين على التعامل معهم.
كان كاتو يعلم جيداً أن قدرته على تجاوز سيديا مرتبطة بتلك المشكلة الخاصة بعدة طرق، لذا أراد التعامل مع الأمر بحذر شديد. لم يقتصر الأمر على حاجته للمساعدة من السكان المحليين إذا ما أراد تهريب نفسه متجاوزاً أي نقطة تفتيش جرى تطبيقها، بل إن أظهر حماسة مفرطة فقد يثير ذلك فزع السلطات بصورة أكبر. كان آخر ما يبتغيه هو حثّ شخص ما على إغلاق البوابة من تلقاء نفسه، ليبقى عالقاً إلى الأبد على كوكب واحد.
سيكون عليه بطريقة ما أن يتحلى بقدر أكبر من الدقة.
خاطب كاتو البلاتينيّين قائلاً: "على أيّ حال، لدي أربعة أهداف برتبة البزموت. أودّ مطابقة ذلك مع ما تعرفونه. فعلى ما أعلم قد يكون أحدهم مدفوناً تحت الأرض في مكان ما، أو خافياً عن نظري بطريقة أخرى."
أجاب أونسوا وهو يلمس كرة بلورية مُدمجة في مكتبه: "أعتقد أن الأربعة صحيحة."
وانبعثت ما بدت كإسقاطات هولوغرافيّة إلى حيز الوجود، مسردةً بالفعل أسماء ومواقع البزموت المعنيين.
"لا أملك أيّ صلاحية للقيام بشيء حيال الأمر، لكنّ واجهتي لا تزال قادرة على تحديد مواقعهم."
نظر كاتو إلى الإسقاطات باهتمام. كانت واجهة النظام شبيهة بالتغذيات العصبيّة المباشرة ومألوفة بما يكفي، بيد أن العرض لم يكن شيئاً رآه من قبل. احتجت الهولوغرامات الحقيقية إلى وسط ماديّ، لذا ظلّ مجرد إسقاطها اعتباطياً في الهواء الطلق حكراً على الخيال — أو السحر على ما يبدو. لكنّ الأكثر إثارة للاهتمام كان الطبيعة التنبؤية الظاهرة لذلك الشيء. كان الأمر المجهول لأحد، خصوصاً أولئك داخل النظام، هو مدى ذكاء النظام على وجه التحديد.
بدا في الغالب تفاعلياً، بلا قدرة دماغية تفوق خوارزمية مُصاغة بشكل معتدل. غير أن شيئاً مستجيباً حقاً كان يعني دائماً وجود الذكاء.
قال كاتو وهو يدون ملاحظة لإضافة الواجهة نفسها إلى شبكة المراقبة الخاصة به: "هؤلاء هم من أضعهم تحت المراقبة. رغم أنني لن أكون مستعداً للتعامل معهم قبل بضعّة أيام."
سألت أارين وقد بدا نبرتها مفعماً بالتفكير لا الاتهام: "أتحتاج لصنع المزيد من الأجسام؟"
أومأ كاتو موافقاً: "شيء من هذا القبيل."
سيستغرق الأمر وقتاً للانتهاء من م مدافع الكهرومغناطيسيّة ووضعها في مداراتها المناسبة، نظراً لأنه سيحتاج إليها لسوء الحظ لفترة من الوقت. أما البنية التحتية لأسلحة حزمة الجسيمات ستستغرق وقتاً أطول، ولم يرغب في انتظار الشهور أو حتى السنوات التي قد يتطلبها الأمر، بناءً على العناصر التي يمكن العثور عليها في الأقمار المحلية. حتى المصانع الآلية لم تستطع تجميع مثل هذه الأجهزة المعقدة سحرياً دون بنية تحتية وسيطة، وفوق ذلك أراد الانتشار إلى ما بعد سيديا قبل كشف شيء من تلك القوة.
قال أونسوا متفائلاً: "يمكننا على الأرجح التخلص من الطبقات الأدنى. غير أن السؤال هو كيفية التعامل مع البوابة. ما زلت محروماً من الوصول إليها لذا لا يمكنني إغلاقها مجدداً، وإن عبر بزموت فلن يستطيع كل البلاتينيّين منا مجتمعين فعل الكثير. فضلاً عن أن لا شيء في هذه المدينة يفوق رتبة الذهب. سنُسوي كل شيء بالأرض، وبالتأكيد لا نملك رموزاً فائضة كافية أو جوهر مدينة لدفع ثمن الإصلاحات. ناهيك عن كل الناس الذين قد يتعرضون للأذى أو القتل."
اعترف كاتو: "يمكنني دعمكم في كل ما ترغبون في فعله، لكنني لا أملك شيئاً من شأنه حجب البوابة تحديداً. ربما بمجرد أن يتضح أنه يمكنكم طرد البزموت أو قتلهم، سيكون ذلك كفايته؟"
عترض ماريك بالقول: "قد يؤدي ذلك فقط إلى جذب آخرين يبحثون عن قتال. أو عشائر تتطلع للثأر لفقدان بزموت. أعرف أن العشائر الأساسية تمتلك الكثيرين في تلك الرتبة وحتى أعلى منها، ولن تقبل بخسارة أحدهم لصالح عالم حدودي."
سأل كاتو لكونه يتساءل: "ألهذا السبب لم تحرسوا البوابة من قبل؟ القلق بشأن العشائر القوية؟"
قال أونسوا محكماً فكّيه: "بعد أن سيطرت العشائر على [منطقة تجهيز بوابة أهروسك]؟ نعم. لم يكن هناك سبب لتنظيم البوابة من قبل. لم تكن سيديا تقدم شيئاً. أما الآن وقد زالت منطقة التجهيز، فإن مهمتك تلك تجذب كل أنواع الانتهازيين."
تنهد كاتو: "هذا صحيح تماماً، ورغم فوات الأوان بالنسبة للفوضى الحالية، فسأضطر مستقبلاً إلى جعل كشافتي يفجرون أنفسهم ذاتياً بدلاً من التعرض للقتل. لقد كان ذلك حافزاً منحرفاً لم أُعره كبير اهتمام."
تحدّاه هيراو قائلاً: "أيمكنك منع البزموت من العبور عبر البوابة؟"
فبرر كاتو هازاً رأسه باستهجان: "أيّ قوة يمكنني حشدها ستسوي المدينة بالأرض أيضاً. ربما يكون من الأفضل إعادة بناء أيّ مدينة معرضة للخطر بحيث لا يوجد أحد في خط النار."
قال أونسوا بصوت صارم: "لا نملك جوهراً فائضاً، لا في الرموز ولا في بنك المدينة، لإنشاء المزيد من المدن."
قال كاتو متأملاً: "ربما لا، لكن يمكنني بناء مدن جديدة."
كانت المدن وما تُسمى بالبلدات التي يقدمها النظام صغيرة بشكل مثير للشفقة، وحتى إن لم يكن قادراً على جلب الكثير من المعدن من الأقمار بعدُ، فقد كان باستطاعته توصيل مبانٍ قائمة على السيليكون والكربون بالطنّ المتريّ.
سألت أارين بشك: "كيف يمكنك فعل ذلك؟"
"أفترض أنك تقصدين تأمينها لا بناءها؟"
لم يكن كاتو متأكداً تماماً من ذلك؛ إن كان النظام يتولى أمر المباني ولقرون، فقد لا تكون هناك أيّ معرفة متبقية حول كيفيّة إنشاء أبسط الملاجئ.
رفعت أارين كتفيها: "الاثنان، وأكثر. يبدو الأمر ببساطة وكأنه الكثير لتجاوزه دون منطقة آمنة."
أكد لهما كاتو: "سيكون الأمر على ما يرام، لقد جرى فعل ذلك من قبل."
امتلك بعض السجلات حول كيفيّة إقامة مخيمات اللاجئين على الأرض، باستخدام تشويش النظام لمنع الوحوش من الظهور داخل الجدران. بطبيعة الحال، ما اعتبره كاتو مساكن لاجئين ملائمة بصعوبة كان أفضل ممّا قدمه النظام للسيديّين. وعلى الأقل لم تكن بهمشية ووحشية ومملة للنظر إليها.
"وبحديثنا عن السكن، أعتقد أنه سيكون من الأفضل أن تجهزوا شعبكم للمجموعة الأولى التي تسقط من السماء. سيكون لدي بعض المخلوقات لتجميعها، ول لن يستغرق الأمر طويلاً."
قال أونسوا: "إذن دعنا نركز على ذلك الآن. وحين تكون مستعداً لقتل البزموت، سنبدأ حينها بطرد الرتب الدنيا. لا يمكننا تحمل استفزاز أيّ شخص دون دليل على أنك تمتلك القوة اللازمة لدعم ذلك."
أومأ كاتو موافقاً: "هذا عدل كافٍ. القوة هي ما يهم."
* * *
عبر البالادين الأعظم نيهيل البوابة إلى إيكنت، حارصاً على بقاء من برعايته في التشكيل السليم خلفه. بعيداً جداً عن عوالم النواة، لم يكن اسم عشيرة تورنوك يوفر الحماية المرجوة، على الأقل ليس بالنسبة لأطفال النحاس المجردين الذين رافقوه. امتد أمان العشيرة بقدر ما تمتد قوة السلاح فحسب، ولهذا السبب كان مرافقاً لهم. وباعتباره واقعاً بجدارة في منتصف البزموت، فسيكون التهديد اللازم لردع أيّ محليين متغطرسين، وفي الوقت ذاته بلا قوة طاغية تجعل أيّ صاحب نفوذ حقيقي يلاحظه بالضرورة.
لم يرغب في نهاية المطاف في أن يكون وجودهم ملحوظاً للغاية. وإلا لربما تساءلت عشائر أخرى عما وجدته عشيرة تورنوك مثيراً للاهتمام لدرجة إرسال عدد من الصاعدين الجدد ذوي الأهمية البالغة إلى الحدود. لم يبدُ أيّ من النحاسيين الصغار مختلفاً كثيراً عن أيّ نحاسيّ آخر بطبيعة الحال، وكانوا يؤدون عملاً معقولاً بعدم السخرية من التراجع في مستوى الرفاهية وهم يمضون قدماً نحو الحدود.
صاح موبخاً صوته وحده النحاسيّ غير المبال للعودة إلى صف العمود المتابع خلفه: "إسك!"
وذكرهم بالقول: "هذا ليس عالماً لعشيرة تورنوك. لن يحترم أحد هنا أيّ قوة سوى قوتكم الخاصة، ولا تمتلكون أيّ شيء منها بعد."
بدا الشاب مؤدباً بالقدر المناسب، وأعاد نيهيل انتباهه إلى محيطهم. كانت إيكنت لا تزال على بُعد عدة محطات من وجهتهم النهائية في سيديا، ورغم وجود بعض الاستعجال إلا أنه لم يكن يستحق التسرع بشكل مفرط. لا يمكن للمرء أبداً معرفة المهام أو الفرص التي قد يقدمها النظام. فضّل البعض البقاء داخل النواة القوية لعوالم النظام، لكنّ نيهيل علم أن النظام يُكافئ خوض المخاطر — وشمل ذلك التوجه نحو الحدود.
توقف نيهيل بجانب عمود نيكس النظام لتحديث خريطته، وأصدر صوتاً غليظاً في حلقه حين رأى معبداً مجاوراً لمركز المدينة. تنصل من المفاجأة لكون العاصمة مُرقّاة بما يكفي لاستضافة معبد لائق — وكان ذلك الموقف ذاته الذي كان يوبخ النحاسيين بشأنه، وتذكيراً جيداً للحفاظ على توقعاته قيد السيطرة بصرامة. وُجدت أضعاف الأماكن خارج عوالم النواة التي ضمّت جميع المرافق المتحضرة والبنية التحتية اللازمة للارتقاء اللائق.
أعلن وسط اهتمام ضئيل نسبياً: "سنقوم بوقف حج."
لم يزعجه ذلك. كان اثنان فقط من الأطفال العشرة رفقته على مسار السماوي، وحتى هذان الاثنان كانا أصغر من أن يدركا حقاً كل ما فعله النظام. ومع ذلك، استحق الأمر التوقف في معبد، إن لم يكن لسبب سوى التأمل في مهاراته السماوية الخاصة ومعرفة ما إذا كان لدى النظام أو أيّ من خدامه مهمة من أجله. التقطت حواسه وجود بزموت آخر، في مجمع خارج المدينة مباشرة. نادراً ما تولى أناس بتلك الرتبة وظائف الإدارة الكوكبيّة — حيث كان ذلك أمراً يُترك لمن تعثروا عند رتبة البلاتين — لكنهم كانوا الحكام الحقيقيين حقاً.
لم يتسنى اعتبار أيّ شخص قوياً حقاً إلا بعد صعوده من رتبة البلاتين وإعادة صياغته من جديد بواسطة النظام. عرف الجميع ذلك، ولهذا سارع جميع أصحاب الرتب الدونى من طريقه. لم يضطر حتى لكسر خطاه وهو يجوب شوارع المدينة باتجاه المعبد. لم يكن ذلك إلا بعد فترة طويلة من مروره، رفقة قطاره من النحاسيين، حتى تجرأ الفضيّون والذهبيّون الاعتياديّون على الزحف عائدين إلى الشارع واستئناف أعمالهم.
ارتفع المعبد عالياً فوق بقية مباني المدينة، مشيداً على نتوء مرتفع يتكئ على الأسوار الشرقية. ومن خلال عدّ الأبراج فحسب — وكان هناك ستة — أدرك بدقة مدى ترقيته، فانحنى برسه احتراماً لأيّ شخص قرر إنفاق ميزانية المدينة على الترقيات إلى هذا الحد. وبالنسبة لمن اختاروا المسار السماوي، سيكون مثل هذا المورد قيماً بلا حدود. زينت ألوان زرقاء وخضراء أنيقة البياضَ الناصع للباب، الذي انفتح أمام نيهيل مع اقترابه.
واجتاز البالادين الأعظم الداخل، ملاحظاً نصف دزينة من الأشخاص في تأمل هادئ حول العمود المركزيّ. كان الكاهن المعين من رتبة البلاتين أحد السكان الاصليين، وهو عرق يحظى بحظ مؤسف يتمثل في امتلاك الريش بدلاً من الفراء اللائق أو حتى الجلد، فانحنى بالخضوع الصحيح حين اقترب نيهيل.
قال الكاهن: "أهلاً بك في معبدنا المتواضع، أيها البزموت المُبجل. كيف يمكن لهذا الوضيع خدمتك؟"
ألقى نيهيل نظرة خاطفة من فوق كتفه لضمان تلقي النحاسيين للرسالة قائلاً: "سيقضي من معي هنا بعض الوقت في التأمل. أما أولئك الذين ليسوا على المسار السماوي فسيستفيدون من إمكانية الرؤى أو المهام الخاصة التي لا يمكن أن يوفرها إلا المعبد. أما بالنسبة لي، فأنا مهتم بسماع ما قد يحتاجه المعبد، أو ما سمع أن الآخرين بحاجة إليه."
أومأ الكاهن متأملاً وهو يحرك الريش على ظهر، قبل أن يشير لنيهيل باتباعه إلى غرفة داخلية. سار نيهيل خلفه بخطى واسعة، دافعاً شعوره الغريزيّ بعدم الراحة إلى الأسفل. كان أهل إيكنت أغراباً حقاً، بأربعة أرجل وذراعين إضافة إلى أجنحتهم، ناهيك عن كونهم بحجم نصف الأحجام مقارنة بالأجناس المتحضرة الأخرى. ما لبث أن أُدخل إلى غرفة الكاهن الخاصة، وهناك البلورة التي كانت مرآة لتلك المخصصة لإداري كوكبي.
في الواقع، امتلك كل مبنى رفيع المستوى وظائف خاصة به، لكن المعابد وحدها استطاعت توجيه إرادة النظام حقاً. استقر الكاهن بينما جلس نيهيل مقابله، منتظراً بصبر بينما دخل الكاهن واجهة البلورة.
علّق الكاهن وعيناه تطوفان على شاشة النظام: "يبدو أن لدينا ما يكفي من الأتباع بالقرب لدرجة وجود مهام قليلة، سيما برتبتك."
[منطقة تحدٍ]
برتبة البلاتين تشكلت على خيريا، لكنني أفترض أنها الرتبة الخاطئة لمرافقيك. هنا على إيكنت توجد [نخبة عالمية]
برتبة الفضة يُرجح ظهورها خلال الأسابيع القليلة القادمة، رغم أن عشيرة هاراهك تطالب بها عموماً عادة."
أعلم نيهيل الكاهن قائلاً: "وجهتنا النهائية هي سيديا"، إذ لم يكن مهتماً بالحياد بعيداً جداً عن مسارهم، حتى وإن وُجدت بعض الاحتمالات المثيرة للاهتمام.
كانت القدرة على الحصول على مهارة الفئة باء (B-tier) عند النحاس بمثابة فرصة تفوق ما يحظى به معظم الناس.
أصدر الكاهن صوتاً همهمة لنفسه بينما قلّصت واجهته نطاقها: "سيديا، همم. لدينا بالفعل تقرير ممتع، يفيد بأن البوابة على سيديا أُغلقت. يمكنني التحقق من أن مهمة [منطقة تجهيز بوابة أهروسك] لم تعد موجودة، لكنّ أحد المعابد الأقرب إلى سيديا يدعي وجود محليّ هناك يعرف المزيد عن الأمر."
"أوه؟"
تثبّتت عينا نيهيل على الكاهن. كان يعرف بشأن إغلاق البوابة، لكنّ القليل من المعلومات وُجدت ما بعد ذلك — وهو أحد الأمور التي نوى معالجتها بنفسه. فالبيزموت الذي انتقل بالفعل إلى سيديا لم يمر عبر القنوات المناسبة، ولم يكن يُبلغ بالتقرير كما ينبغي.
"توسّع في الشرح."
قال الكاهن بانزعاج وهو يلقي نظرة على نافذة أخرى للنظام: "النص الذي أملكه مرتبك بعض الشيء. المحليّ المعني يدعي أمراً يتعلق بتهديد للنظام نفسه. وهو يقيم حالياً في معبد أوريفا."
قال نيهيل، وقد غدا فجأة أكثر شوقاً للوصول إلى وجهته: "مثير للاهتمام."
بدا ذلك تماماً مثل نوع التحدي الذي سيوفره النظام لاختبار رحلة حج.
"أرسل رسالة ليتم احتجازه حتى أصل. أودّ سماع الحكاية شخصياً."
أجاب الكاهن بينما ظهرت نافذة نظام أمامه: "بالتأكيد، أيها البزموت المُبجل."
تطلب إرسال مثل تلك الرسالة قدراً معيناً من العملة، لذا مرّر نيهيل رمز بليتين لضمان عدم إفقار زميل تابع للإلهيّ. اختفت مع إيماءة وجيزة، وعاد نيهيل إلى صحن المعبد لقضاء وقته الخاص في التأمل. حين استأنف رحلته شعر بتجدد طاقته، مقודاً من معه بثقة عبر البوابات الموجودة في العواصم الكوكبية. وبالقرب من الحدود، أصبحت شبكة الاتصالات أشبه بسلسلة، حيث لم تكن البوابات متواجدة حتى في المدينة ذاتها.
لم يكن السفر البريّ أمراً صعباً على بزموت، حتى مع وجود نحاسيين بصحبته، لكنه كان بالتأكيد أقل ملاءمة من مباني السفر المخصصة التي يمكن العثور عليها في المدن المُرقّاة بالكامل. أخيراً، وصل مع ذلك إلى أوريفا، التي بدت أغنى نوعاً ما من معظم الأماكن على الحدود. لم تكن ترتقي تماماً لمعايير النواة، لكنها لم تكن بعيدة عنها كثيراً بصورة مدهشة.
قال الكاهن حين زار نيهيل المعبد المحليّ، الذي كان مُرقّى بشكل جيد أيضاً: "هذا هو النحاسيّ الشاب موار."
لقد تحققت من كل ما قال بقدر ما استطعت حتى الآن، وهو لا يكذب، لكنّ حكايته لا تزال صعبة التصديق."
قال نيهيل وهو يمعن النظر في الحيوان ببرود واستياء: "سأسمعها بنفسي."
لم يتواجد الكثير من السيديّين خارج عالمهم، وأظهر التحقيق الذي أجراه أنهم أحد المتوحشين على وشك الانقراض من عِرق إلن. مع ذلك، كان على أيّ شخص مستعد لتكريس نفسه للنظام السماوي أن يمتلك بعض الميزات التي تشفع له، لذا كان مستعداً للاستماع.
قالت المخلوقة وهي تحني رأسها: "أيها البزموت المُبجل"، وبتوجيه من الكاهن انطلقت في قصة كانت جامحة وصعبة التصديق للغاية.
لكنّ مهارات نيهيل أصرت على أنها لا تكذب، وبحسب إدراكه كان واضحاً أن النحاسيّ لم يتصرف كنحاسيّ. بالتأكيد لم يكن يشبه أياًّ من أشباه الأطفال الذين كان نيهيل يصحبهم معه. حين انتهى، قضى نيهيل بضع دقائق في تأمل صامت، بينما كانت مخالبه تمر عبر فراء ذراعيه بشرود. شكّ في أن المخلوقة كانت دقيقة تماماً. كان الكثير مما روته يمكن أن يكون بسهولة خداعاً، أو تطبيقاً لمهارات بمستوى الأزوث، أو ببساطة مُفلترة عبر الجاهلية الخام لمتوحش أميّ.
مع ذلك، كان ذلك أكثر من كافٍ لإقناع نيهيل بوجود أمر غير عاديّ حقاً يحدث على سيديا، شيء يتجاوز مهمة تقدم ترقية سهلة للنحاسيين.
قال نيهيل، ماداً يده نحو الشارة حول عنقه ومُفعلاً سلطته داخل عشيرة تورنوك: "لقد أبليت بلاءً حسناً بإحضار هذا إليّ."
كانت مثل هذه المعلومات تستحق مكافأة بالتأكيد، وبما أنه لم يكن سوى نحاسيّ، حتى أكثر الهدايا إسرافاً ستكون بالكاد أكثر مما يُسمح به لأيّ نحاسيّ في عشيرة تورنوك. وعليه، حول عدداً من رموز جوهر البلاتين، ومجموعة من رموز المهارات العالمية من الفئة دال (D-tier)، وأربعة رموز معدات من الفئة الفضية.
قال الحيوان المسكين بوضوح غامر كما ينبغي: "شكراً لك، أيها البزموت المُبجل."
لوّح نيهيل للمخلوق ليبتعد، مَعتبراً بالفعل ما يجب فعله. لم يكن الأمر يستحق عناء استدعاء أيّ من آزوث عشيرة تورنوك، فما بالك بالألوم، لكنّ نيهيل لم يبلغ البزموت عبر مقاربته للمشكلات بلا تفكير. سيكون حريصاً على أن يكون مستعداً قبل عبوره.
* * *
ثنَى إينيتيك مخالبه القابضة بتأمل، سامعاً إياها تصدر نقرات داخل وخارج مواضعها على كتفيه، وتأمل الحوار الذي للتو سمعه. امتلك الصلاحية للتنصت على أولئك الذين يملكون صلة سماوية، لكنه لم يستطيع التركيز على كل شيء في كل مكان. ومع ذلك، جعله وجود أجنبيّ ذي رتبة أعلى يتحقق من الاستدعاء القياسيّ للخصوصية، وكان مسروراً لأنه فعل. أزعجه أنه لم يلتقط السرد الأول للقصة، إذ حدث ذلك في ذات المعبد مع كاهنه الأعلى رتبة.
أبدى البالادين العالي شكوكاً واضحة حيال قصة موار، لكنّ إينيتيك لم يعتقد أن الشاب كان مخطئاً. وإن كان قد تعرض للتضليل، فلم يكن ذلك بشأن الجوانب الأهم — وهي أن كاتو كان من خارج الواقع المعروف، وأنه يسعى لتدمير النظام. يعود ذلك في الغالب لكونه يفسّر بدقة شديدة السيديّ الذي استرعى انتباه إينيتيك عبر عبور البوابة وإطلاق إنذارات واجهته. لقد دُمِّر توقيع الجوهر الغريب الذي كان مصدر ذلك الإنذار ومهمته المرتبطة به بالطبع، لكنّ إينيتيك أنفق مبلغاً طائلاً لجلب السيديّ المعني إلى عالمه الخاص لمزيد من التحقيق.
إلا أن الرجل مات على الفور، وأدرك إينيتيك أنه لم يكن أيّ شيء فعله. لم يتعلم العديد من ملوك العوالم قط الدقة الحقيقية أو الرشاقة بمهاراتهم، لأنهم وُلدوا في ذلك المستوى. فوصول فوريّ لأيّ مهارة، بأقصى رتبة، مع احتياطات طاقة تفوق ما يملكه الألوم، يعني أنهم استهلوا بمزايا تفوق أيّ شخص صعد عبر الرتب، يرافقها نقص متزامن في السيطرة. لكنّ إينيتيك بدأ عند النحاس، لذا عرف مدى هشاشة تلك الرتبة وكيفية كبح نفسه، لذا فإن تعامله مع السيديّ ما كان ليؤذي الكائن، فما بالك بقتله.
كان الأمر الأكثر إدانة هو أن إينيتيك أمطر الجثة فوراً بمهارة شفاء كان من المفترض أن تعيده للحياة، لكن دون جدوى. كان الجسد حياً، لكنّ الشخص داخله كان ميتاً. شهد إينيتيك حدوث ذلك مرات عديدة بالصدفة ليعرف أنه ما كان ليصير الحال بالنسبة لشخص بدا وكأ بطش بنفسه طواعية. بطريقة ما، جرى تنفيذ ذلك عمداً.
على الأقل بُرّئت ساحته في إنفاقه للجوهر لفحص هذا "كاتو"
عند البوابة. بدا واضحاً أن إينيتيك لا يستطيع السماح للكائن ولو بأدنى موطئ قدم على أوريفا، إن لم يكن لسبب سوى أنه لم يعرف التهديد. لقد تعلم منذ زمن طويل أن المجهول هو دائماً الأكثر خطورة.
خاطب واجهته قائلاً: "راقِب الأمور وافتح بوابة طوارئ للعودة إن دعت الحاجة."
لقد كره المغادرة بينما سادت أزمة كهذه، لكنه لن يغيب لأكثر من يوم أو نحو ذلك. وفي ظلّ تلك الظروف بات الأمر أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى لزيارة الملك الوحيد الذي ردّ بشأن رؤية بوابة عالم تغلق. تمتمت الواجهة بالموافقة وخطا إينيتيك نحو حافة عالمه، فاتحاً الرابط نحو النظام الأكبر. كانت الاتصالات هناك شبيهة بالبوابات التي يستخدمها أولئك دون العوالم السماوية، لكنها كانت أكثر صلابة وتحت إدارته الشخصية بدلاً من خضوعها لتقدير النظام.
نادراً ما غامر إينيتيك بالخروج إلى العوالم الأخرى، خصوصاً تلك الموجودة في النواة حيث سادت السياسة البسيطة، لكنه ظلّ يتذكر تقنية الانزلاق على طول شبكة النظام المضيئة والقفز من عالم لآخر. امتلك كل عالم عُلمه السماوي الخاص، بعضها كبير وبعضها صغير، بعضها مُدافع عنه جيداً وبعضها الآخر ليس كذلك. تخطى إينيتيك سطح تلك العوالم، عند العقدة حيث تتقاطع مسارات النظام، دون إزعاج لقاء أو تحية لأيّ من الملوك الذين حكموا هناك.
لم يلاحظ معظمهم مروره، ونصفهم على الأرجح لم يكونوا حتى داخل نطاقهم الخاص. قضى كل أولئك الأبناء من عشائر عالم النواة وقتاً طويلاً جداً في مشاحنات داخلية عقيمة ودون إدارة مهامهم فعلياً. ولا يعني ذلك أن أيّاً من العشائر التي تدير الحدود كانت أفضل حالاً. فقد كان الإلن واللوندت خبيثين بنشاط وعن عمد تجاه عوالمهم، دافعين النظام من كونها مجرد تحدٍ لتصبح مستحيلة بنشاط. لم يقتل ملك العالم الأول لأوريفا ببساطة لكونه أراد المنصب.
كانت وجهته على حواف ما يُعتبر عموماً عوالم النواة، مع ملك صعد من النحاس. شكّلت الملوك الصاعدة أقلية ساحقة، لكنّ إينيتيك لم ينسجم حقاً مع أيّ شخص آخر. بدا نطاق الهدف كمنطقة إينيتيك، حدود عالمه معززة والمدخل الوحيد محميّ ضد أيّ متسللين محتملين. ظهر في مساحة النظام كبوابة قنطرة ثقيلة تقف على حافة بركة من العشب البرتقاليّ، ومُدمجة في السحب المتحركة ببطء للمساحات البينية.
اكتفى إينيتيك بالطرْق. ارتفعت البوابة، وعبْر إينيتيك إلى وادٍ مشرق باللونين البرتقاليّ والذهبيّ مستقر بين جبلين متكللين بالثلج، مع شخص واحد يقف في العشب الذي يبلغ ارتفاعه مستوى الخصر. الملك الذي كان عضواً في عنس مكسو بالفراء، داكن مع خطوط برتقالية، بخطم مثلث وأذنان مثلثتين، وأبعاده الأربعة الحادة بأعين حمراء قانية. مثل عِرق إينيتيك، امتلك أربعة أذرع، رغم أنه امتلك أطرافاً وسطى سمحت له بالانتقال بين السير على قدمين والسير على أربع بدلاً من مخالب قابضة صُممت للتسلق.
حيّاه إينيتيك، متوقفاً على مسافة مهذبة ومومئاً برأسه: "نيار."
أصدر نيار صوتاً غليظاً: "تفضل بالدخول، إينيتيك"، بصوت منخفض للغاية لدرجة يكعب سماعه.
لوّح بيده فظهر مقصف صغير على العشب، مع زوج من المقاعد والمشروبات. لم يسبق لإينيتيك رؤية مساحة معيشة نيار، لكنّ ذلك كان جيداً.
"أخبرني المزيد عن مشكلتك."
كان إينيتيك متحفظاً في أسئلته، غير راغب في جذب الانتباه من العشائر الكبيرة وبالتالي دعوة صراع عقيم يصرف الانتباه عن المشكلة الحقيقية أياً كانت، لكن مع نيار لم يكن هناك غرض للتخفي. بوضوح وسرعة وإيجاز، عرض إينيتيك كل ما عرفه، من إغلاق بوابة أهروسك وحتى المحادثة التي تنصت عليها. وحين انتهى، أخذ نيار نفساً طويلاً وابتلع الكأس الذي كان يحمله بجرعة واحدة.
مطّ في حديثه: "لا أستطيع القول إنني غير سعيد برؤية تلك البوابة لِأهروسك قد اختفت. مرّ بي زوج من أنواع أهروسك هنا، متبعين مهام ذات رتبة عالية. إنهم وحوش حقيقية."
أصدر إينيتيك نقرة بفضول، فضحك نيار.
"إنهم أقوياء جداً! كل واحد منهم. كل واحد منهم."
أشار نيار بمخالبه نحو إينيتيك، بينما كانت شواربه ترتجف وهو يتحدث.
"إنهم بزموت يغوصون في زنزانات آزوث القمة. بل إن بعضهم كان يخوض زنزانات آزوث المنخفضة منفرداً! رتبة آزوث في كل شيء ما عدا الاسم في أقل من عشر سنوات أمر جنونيّ. أسرع مما ارتقيتُ إليه على أيّ حال. فضلاً عن ذلك، كلهم يبدون مختلفين، وهذا أمر غريب بشكل لا يصدق. أنا لا أثق في ذلك. حتى إن كان هناك مئة ونيف منهم الآن، هل تتخيل كوكبًا كاملاً كهذا؟"
أجاب إينيتيك، مدوراً كأسه بتأمل، غير متأكد ممّا ينبغي التفكير بشأنه حيال الغرابة التي وصفها نيار: "سيعزفون بالآلاف ويستولون على عوالم النواة. بالتأكيد لن أُبدي حزناً على العشائر في حالة كهذه."
"ولا أنا، لكن الأمور مستقرة على الأقل. هؤلاء القادمون الجدد — أنا لا أحبهم. ومع ذلك، يمكنني تصديق أنهم دحروا النظام."
شبك نيار أصابع أطرافه الوسطى السميكة معاً وارتد إلى مقعده ليتأمل إينيتيك.
"أعلم بوقْتَيْن آخرين أُغلقت فيهما بوابة لعالم جديد. حدث الأخير منذ نحو عشرة آلاف سنة؛ والآخر، قبل خمسين ألف سنة من ذلك. في كلتا المرتين أتذكر بعض الشائعات حول لقاءات غريبة واختفاء رتب أعلى قبل إغلاق البوابة، لكنّ المرتين لم نشهد قط محصولاً من الأفراد الوحشيين أو هذه الفكرة المتمثلة في رغبة شخص ما في تدمير النظام نفسه."
قال إينيتيك بصرامة: "لم أعتقد أنه مجرد خيال مضلل. رغم أنني لست متأكداً تماماً ممّا ينبغي فعله بشأنه. الحل الأمثل سيكون ببساطة قطع سيديا عن بقية النظام — لكنني لا أستطيع تخيل إقناع أيّ شخص بفعل ذلك."
لم يعترض نيار على كون حل إينيتيك متطرفاً للغاية. عرف كلاهما أن أفضل طريقة للتعامل مع مثل تلك المشكلات الزلقة تكون عبر القوة الساحقة. مع ذلك، لم تكن سيديا عالم إينيتيك، وبما أنه لن يستطيع قط إقناع عضو عشيرة بأن أيّ شيء ليس ملكاً يمثل تهديداً، فمن المرجح أن يضطر إينيتيك إلى فعل ما لا يمكن تصوره. سيتعين عليه مساعدة ماروس إلن.